إسلام ويب

شرح عمدة الفقه كتاب الصلاة [6]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من السنة أن يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإذا كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا سواء فأكبرهم سناً، ولا تصح صلاة من يعلم أن صلاة إمامه فاسدة، وصلاة الواحد عن يمين الإمام، فإن كان المأمومون أكثر فخلف الإمام، وتؤم المرأة النساء وتقف وسطهن، ويقدم الرجال ثم الصبيان ثم الخناثى ثم النساء.

    1.   

    ما جاء في الإمامة

    آداب الإمامة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب الإمامة.

    روى أبو مسعود البدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، ولا يؤمن الرجل الرجل في بيته ولا في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه) ].

    في الإمامة أنه يقدم الأقرأ، قال صلى الله عليه وسلم: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة).

    وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان الأقرأ هو الأعلم بالسنة، فإذا تساووا في القراءة قدم الأعلم بالسنة، فإن تساووا في العلم بالسنة قدم الأقدم هجرة.

    وفي اللفظ الآخر: (أقدم سلماً)، فإن تساووا في الهجرة والإسلام قدم الأكبر سناً، كما في الحديث الآخر: (فإن كانوا سواء فأقدمهم سناً).

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: روى أبو مسعود البدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، ولا يؤمن الرجل الرجل في بيته) .

    وفي اللفظ الآخر: (فأقدمهم حلماً)، وفي نسخة زيادة: (فإن كانوا في الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سناً).

    وهذا ثابت في الحديث الآخر، إذا تساووا في العلم بالكتاب والعلم بالسنة والهجرة والإسلام فإنه يقدم الأكبر سناً، وجاء في حديث مالك بن الحويرث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكبركم)، فهم كانوا متقاربين في القراءة والسن؛ ولهذا قال: (وليؤمكم أكبركم) لأنهم متقاربون في القراءة وفي العلم بالسنة.

    قال صلى الله عليه وسلم : [ (ولا يؤمن الرجل الرجل في بيته ولا في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه) ].

    إذا كان الشخص في بيته أو في مزرعته فإنك لا تؤمه، فهو أحق بالإمامة إذا صليتم الفريضة أو النافلة، إلا إذا عجز، فيقدم صاحب البيت ليصلي بالناس أو صاحب المزرعة أو صاحب السلطان في الإمارة، وولي الأمر هو أحق، وكذلك إمام المسجد لا يتقدم أحد عليه، فهو أحق بالإمامة، فلا يتقدم أحد على إمام المسجد، وكذلك لا يتقدم على صاحب البيت أو صاحب المزرعة أو الأمير في إمارته، فهو أحق بالإمامة، إلا إذا أذن لغيره فلا بأس.

    وإذا كان القارئ عنده علم إجمالي بالسنة، بحيث إنه يستطيع أن يتصرف إذا حصل عليه خلل في صلاته فيقدم، فإن كان ليس عنده علم فلا يعتبر قارئاً؛ لأن القارئ في عهد الصحابة هو الأعلم بالسنة؛ ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: كنا إذا تعلمنا عشر آيات لم نجاوزها حتى نتعلم معانيها والعمل بها، فالأقرأ هو الأعلم، وإذا كان جاهلاً لا يعرف شيئاً يقدم عليه، أما إذا كان عنده علم بالسنة لكن ما عنده توسع ولا تفصيل فإنه يقدم.

    ومعنى الأقرأ أي: الأجود قراءة، ومن الجودة الحفظ، فهذا مقدم على غيره، يعني: الحفظ من القراءة، وإذا كان يجمع بين الأمرين فلا بأس، وإذا كانوا لا يحفظون ولكن أحدهما أحسن قراءة فهو الأقرب، فإذا كان أحدهما يحفظ والآخر لا يحفظ فالأحفظ هو المقدم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال لـمالك بن الحويرث وصاحبه: (إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكما وليؤمكما أكبركما وكانت قراءتهما متقاربة) ].

    وهذا فيه تقديم الأكبر سناً إذا تساووا في الصفات الأخرى.. إذا تساووا في القراءة وفي السنة والهجرة قدم الأكبر سناً.

    ومعنى الهجرة أي: اثنان أسلما وهاجرا، أحدهما أقدم هجرة من الآخر بسنة فإنه يقدم الأقدم هجرة.

    وكان مالك بن الحويرث وصاحبه متقاربين في القراءة؛ فلهذا قال: (ليؤمكما أكبركما) فقدم الأكبر سناً.

    الإمام الذي لا تصح الصلاة خلفه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولا تصح الصلاة خلف من صلاته فاسدة إلا لمن يعلم بحدث نفسه ولم يعلمه المأموم ].

    هذا معلوم، فإذا كان يعلم أن صلاته فاسدة فلا تصح الصلاة خلفه، إذا علم أنه محدث وما توضأ، فهذا لا تصح الصلاة خلفه بالإجماع.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولا تصح الصلاة خلف من صلاته فاسدة إلا لمن يعلم بحدث نفسه ولم يعلمه المأموم حتى سلم فإنه يعيد وحده ].

    ظاهر العبارة أن هذا لمن يعلم النجاسة، إذا كان يعلم المأموم أن صلاة الإمام فاسدة فلا تصح الصلاة، وإن كان لا يعلم إنما يعلم الإمام وحده صحت صلاة المأموم، وبطلت صلاة الإمام؛ فيعيد صلاته، مثل الإمام إذا صلى بالناس وهو على غير طهارة وهو لم يعلم فيعيدها وحده، فقد ثبت أن عمر رضي الله عنه صلى بالناس جنباً وهو لا يعلم، ثم أعاد ولم يعد المأمومون، كذلك فعل عثمان ، ففي هذه الحالة تكون صلاة المأموم صحيحة وصلاة الإمام باطلة، فيتوضأ ويعيد.

    وقد جاء في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أقيمت الصلاة جاء ووقف، فلما أراد أن يكبر قال: (مكانكم، ثم انصرف فرجع يقطر رأسه ماء فصلى بالناس وأم بهم) ولم تعد إقامة الصلاة؛ وهذا يحصل لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن يكبر ثم تذكر أنه جنب، وجاء في الحديث أنه قال: (ذكرت أني جنب فنسيت أن أغتسل).

    فالمقصود: أن الإنسان قد ينسى، وإذا صلى بالناس ثم تذكر أنه على غير طهارة في أثناء الصلاة فإنه يتأخر ويقدم من يتم بهم الصلاة، وهذا ما ذهب إليه الجمهور.

    القول الثاني الذي ذهب إليه الحنابلة: أنه إذا تذكر أنه على غير طهارة فعلى المأمومين استئناف الصلاة من جديد، وليس لهم أن يبنوا على صلاته؛ لأنها باطلة، أما إذا كان على طهارة وأحس بأن طهارته سوف تنتقض ولا يستطيع الاستمرار فهنا يتأخر ويقدم آخر يصلي بهم، هذا على ما ذهب إليه الحنابلة، والقول الأول: لا فرق بين الحالتين، وهو الصواب؛ لحديث أبي هريرة في البخاري : (يصلون لكم)، يعني: أئمة الكفر، (فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم).

    فإذا علم أنه على غير طهارة تأخر وقدم من يتم بهم، فإن لم يقدم أحداً قدموا أحداً يتم بهم أو من يستأنف بهم الصلاة، فإن لم يفعلوا أتموا صلاتهم فرادى.

    وإذا استحيا الإمام ولم يخرج فهذا لا يجوز، ويأثم بهذا الفعل، وقد قال بعض العلماء: إن من صلى على غير طهارة متعمداً يكون مرتداً؛ لأنه مستهزئ بربه، لكن في مثل هذه الحالة قد يتأول الإنسان، فيوجد بعض الناس قد يجلس أو لا يستطيع الخروج، ذكر العلماء أنه إذا كان يغلب عليه الحياء فإنه يضع يده على أنفه فيوهم أنه رعف ثم يخرج.

    وإذا كان الإمام قد أكل لحم إبل ولم يتوضأ لاعتقاده أنه لا ينقض الوضوء، فإذا كان يرى هذا وهو طالب علم فلا بأس، فيستمر في صلاته، وهي صحيحة، وصلاة من خلفه صحيحة، والصواب أن لحم الإبل ينقض الوضوء، قال الإمام أحمد : فيه حديثان صحيحان: الأول: (قيل: يا رسول الله أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: نعم إن شئت، قيل: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم)، والحديث الآخر: (توضئوا من لحوم الإبل، ولا تتوضئوا من لحوم الغنم)، والحديثان لـجابر وسمرة وهما صحيحان، والجمهور يقولون: إن هذا منسوخ بحديث جابر : (كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار)، فقالوا: إن لحم الإبل داخل في هذا، وكانوا في أول الإسلام يتوضئون مما مسته النار، إذا شرب مرقاً أو أكل طعاماً مسته النار أو شرب قهوة مثلاً يتوضأ، ثم نسخ، قالوا: ودخل في ذلك لحم الإبل، لكن الصواب أن لحم الإبل خاص، فهو ينقض الوضوء حتى ولو لم تمسه النار، حتى لو أكل لحماً نيئاً فإنه ينقض الوضوء للأدلة الخاصة بذلك.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولا تصح الصلاة خلف من صلاته فاسدة إلا لمن يعلم بحدث نفسه ولم يعلمه المأموم حتى سلم فإنه يعيد وحده .

    وفي نسخة (إلا لمن لم يعلم بحدث نفسه) يعني: حتى سلم، ثم علم بعد ذلك فلا بأس، وهذا اللفظ هو الأقرب، يعني: إذا لم يعلم بحدث نفسه حتى سلم، ولم يعلمه كذلك المأموم حتى سلم الإمام فهذه هي التي تستقيم والتقدير: ولا تصح الصلاة خلف من صلاته فاسدة إلا لمن لم يعلم بحدث نفسه حتى سلم ولم يعلمه المأموم.

    فلما سلم علم أنه على غير طهارة، وأنه ما توضأ أو أنه أكل لحم جزور، أو أن عليه جنابة، فهنا تصح صلاة المأموم خلفه ويعيد الإمام وحده، أما إذا كان المأموم يعلم أن صلاة الإمام فاسدة فلا تصح صلاته، ولا تصح الصلاة خلف إمام صلاته فاسدة إلا في حالة واحدة، وهي ألا يكون المأموم يعلم بفساد صلاة الإمام.

    قوله: فإنه يعيد وحده.

    يعني: الإمام يعيد وحده، كما ثبت أن عمر رضي الله عنه أعاد وحده.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولا تصح خلف تارك ركن إلا إمام الحي إذا صلى جالساً لمرض يرجى برؤه ].

    لا تصح الصلاة خلف إمام ترك ركناً من أركان الصلاة، إلا إذا كان الإمام مريضاً فجلس، وصلوا وراء جلوساً، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عندما كان مريضاً، فقد صلى جالساً والصحابة كانوا خلفه قياماً، فأشار إليهم أن يجلسوا، وقال لما سلم: كدتم أن تفعلوا كما تفعل الأعاجم يقفون على رءوس ملوكهم وهم قعود.

    وفي مرضه في آخر حياته عليه الصلاة والسلام تقدم أبو بكر يصلي بالناس، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وجلس إلى جنبه عن يساره، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم جالساً وصلى أبو بكر قائماً، والناس قيام يقتدون بـأبي بكر ، وأبو بكر يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم.

    واختلف العلماء في الجمع بينهما:

    فقال بعض أهل العلم: إن هذا ناسخ لما فعله في مرضه الأول؛ لأنه نهى الناس عن القيام في المرض الأول، وفي مرضه الأخير أقرهم على القيام.

    وقال آخرون: إن أمرهم بالجلوس محمول على الاستحباب، وقيامهم خلفه محمول على الجواز.

    وقال آخرون: إن الجمع بينهما: أنه إذا ابتدأ الإمام الصلاة جالساً وجب عليهم الجلوس، وإذا ابتدأ الصلاة قائماً ثم اعتل فجلس وجب عليهم القيام؛ لأنه في مرضه الأول صلى بالناس جالساً فأمرهم أن يجلسوا، وفي مرضه الأخير ابتدأ أبو بكر بالناس الصلاة قائماً، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم فأقرهم على القيام، فدل على أنه يجمع بينهما: بأنه إذا ابتدأ الإمام الصلاة قائماً ثم اعتل استمروا قياماً، وإذا ابتدأ بهم الصلاة قياماً صلوا قياماً، وهذا خاص بالإمام، إذا كان الإمام مريضاً وصلى بالناس قائماً يصلون خلفه قياماً، وإذا صلى قاعداً فيصلون قعوداً، أما غيره فلا يقدم إذا كان مريضاً لا يستطيع أن يركع، ولا يستطيع أن يسجد أو لا يستطيع أن يقوم، بل فيقدم غيره.

    وللإمام أن يقدم غيره، لكن لو أراد أن يصلي فله ذلك، وبعض الأئمة لا يريد أن يقدم أحداً فله ذلك.

    وأما المؤتمون فالصواب: أنهم مخيرون بين الجلوس وبين القيام، والجلوس أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بذلك، والقيام جائز؛ لأن النبي أقرهم بذلك في حياته.

    والخلاصة: إذا كان إمام الحي والإمام الراتب فلهم أن يجلسوا ولهم أن يقوموا، أما إذا كان غيره فلا يقدم إذا كان مريضاً.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولا تصح خلف تارك ركن إلا إمام الحي إذا صلى جالساً لمرض يرجى برؤه فإنهم يصلون وراءه جلوساً إلا أن يبتدئها قائماً ثم يعتل فيجلس فإنهم يأتمون وراءه قياماً ].

    لهذا اختار أحد الجمعين: أنه إذا ابتدأ بهم الصلاة قاعداً صلوا قعوداً كما فعل في مرضه الأول، وإذا ابتدأ بهم الصلاة قائماً ثم اعتل صلوا قياماً كما فعل في مرضه الأخير.

    القول الثاني الذي هو اختيار البخاري رحمه الله: أن الأمر بالقعود منسوخ، قال البخاري : وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه يجب عليهم القيام.

    القول الثالث لأهل العلم: أنهم مخيرون بين القيام وبين القعود، فإن قعدوا فهو أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالقعود، وإن استمروا جاز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقرهم في آخر حياته.

    هذه ثلاثة أقوال لأهل العلم، والمؤلف اختار أحدها وهو أنه إذا ابتدأ بهم الصلاة جالساً قعدوا، وإذا ابتدأ بهم الصلاة قائماً ثم اعتل وقعد قاموا.

    وإذا كان الإمام عاجزاً عن قيام ركن آخر من أركان الصلاة فلا تأتموا به كما قال المؤلف: لا يؤتم بمن كان عاجزاً عن ركن من أركان الصلاة.

    الأشخاص الذين لا تصح إمامتهم

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولا تصح إمامة المرأة، ومن به سلس البول، والأمي الذي لا يحسن الفاتحة أو يخل بحرف منها إلا بمثلهم ].

    قوله: (ولا تصح إمامة المرأة)، لا تصح أن تكون المرأة إمامة للرجل؛ لحديث: (لا تؤمن امرأة رجلاً) وإن كان فيه ضعف، وحديث: (أخروهن حيث أخرهن الله) فلا يصح أن تؤم المرأة الرجال، وإنما تؤم المرأة النساء كما سيأتي.

    قوله: (ومن به سلس البول)؛ لأنه يخرج منه في حالة الاستمرار، وكذلك من به جروح سيالة، فلا يتقدم الناس؛ لأن طهارته مستباحة.

    ولهذا من به سلس فإنه يتوضأ لوقت كل صلاة، ولا يصلي صلاتين في وضوء واحد، ولا يتوضأ إلا بعد دخول الوقت، ومن به سلس البول فإنه يجعل على ذكره شيئاً يعصبه به، كذلك المرأة المستحاضة تتحفظ بحفائظ، أو من به جروح سيالة، وكذلك من به سلس الريح، كل هؤلاء يتوضئون بعد الأذان فيصلون، وإذا جاء الوقت الثاني يجب عليه الوضوء، إلا إذا لم يخرج منه شيء.

    يقول المؤلف: ومن به سلس لا يتقدم الناس؛ لأنه أخل بشرط من شروط الطهارة؛ ولأن صلاته مستباحة. وهذا هو الأحوط.

    القول الثاني: أنه لا بأس؛ لأن صلاته في نفسه صحيحة، ومن صحت صلاته صحت إمامته.

    وقوله: والأمي الذي لا يحسن الفاتحة أو يخل بحرف منها إلا بمثلهم .

    أي: الأمي الذي لا يحسن قراءة الفاتحة، أو يخل بها بأن يغير المعنى، كأن يقول: (إياكِ نعبد) بكسر الكاف، فهذا يخل بمعناها، فلا تصح الصلاة، أو يقول: (صراط الذين أنعمتُ عليهم) بضم التاء، أو يقول: (أهدنا الصراط المستقيم) من الهدية، أما إذا كان لا يخل بالمعنى، كأن يقول: (الحمد لله ربَ العالمين)، أو: (مالك يومُ الدين)، أو: (صراط الذين أنعمت عليهُم) كما يقول بعض العامة، فهذا لحن لكن لا يغير المعنى، فتصح الصلاة خلفه، لكن لا ينبغي له أن يكون إماماً للناس، فالإمام لابد أن يحسن القراءة، لكن الأول لا تصح الصلاة خلفه إلا بمثله، وإذا كان لا استطاع أن يقوم لسانه فتصح الصلاة بأن يصلي بمثله، أما غيره فلا تصح الصلاة خلفه، فهي باطلة، وأما الثاني فتصح الصلاة خلفه، لكن تركه أولى، إذا كان اللحن لا يغير المعنى، والصلاة بعده صحيحة، لكن لا ينبغي أن يقدم إماماً، فلا يقدم إلا الإمام الذي يحسن القراءة.

    والذي لا يحسن القراءة ينبغي أن يتخلى عن الإمامة، أو يتعلم حتى يحسن القراءة.

    فلو صلى خلفه المؤتم فالصلاة صحيحة وليست بباطلة، فينبغي أن يكون الإمام من أحسن الناس قراءة، فلا يختار للناس إماماً لا يحسن القراءة، ولو كان لا يصلي معه، وكذلك إذا كان يلحن فيجب عليه أن يتعلم، وإلا يرفع به فيعزل.

    جواز ائتمام المتوضئ بالمتيمم والمفترض بالمتنفل

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويجوز ائتمام المتوضئ بالمتيمم ].

    كذلك المتوضئ له أن يأتم بالمتيمم، ويجوز أن يكون الإمام المتيمم والمأموم المتوضئ، ولا حرج في ذلك؛ لأن التيمم طهارة كاملة.

    وقوله: والمفترض بالمتنفل .

    كذلك المفترض له أن يكون مأموماً والإمام يصلي نافلة، كما ثبت أن معاذ بن جبل رضي الله عنه كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء، ثم يذهب إلى قومه في حي من أحياء المدينة فيصلي بهم فتكون له نافلة ولهم فريضة.

    وكما ثبت: أن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف صلى بأصحابه الفريضة، ثم جاءت طائفة أخرى وصلى بهم، فكانت له نافلة ولهم فريضة.

    وكما ثبت في حجة الوداع: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم النحر في مكة عندما أدركته الصلاة وهو يطوف طواف الإفاضة، ثم لما رجع وجد أصحابه مجتمعين فصلى بهم تلك الصلاة، فكانت له نافلة ولهم فريضة.

    قوله: ويجوز ائتمام المتوضئ بالمتيمم؛ لأن المتيمم العادم للماء كالمتوضئ القادر على الماء؛ ولأن عمرو بن العاص رضي الله عنه صلى بأصحابه في غزوة من الغزوات وهو متيمم، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فلم ينكر عليه، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (صليت بأصحابك وأنت جنب؟ قال: يا رسول الله! ذكرت قول الله: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ [النساء:29]، فخفت إن اغتسلت هلكت، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك).

    وأما ائتمام المتنفل بالمفترض فلا يوجد إشكال، كأن تكون أنت صليت جماعة في مسجد ثم جئت إلى المسجد الآخر وهم يصلون نفس الصلاة فصل معهم وتكون لك نافلة، ولهم فريضة.

    والمذهب أنه لا يقتدي المفترض بالمتنفل، لكن الصواب الجواز؛ لقصة معاذ.

    أين يقف المأموم من الإمام

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وإذا كان المأموم واحداً وقف عن يمين الإمام ].

    إذا كان المؤتم واحداً فإنه يقف عن يمينه؛ لما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في بيت ميمونة فجاء ابن عباس فصف عن يساره فأخذ بأذنه فأداره عن يمين).

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فإن وقف عن يساره أو قدامه أو وحده لم تصح ].

    إذا وقف قدام الإمام، أو وقف خلفه فهذا لا يصح، إلا إذا كانت المرأة تقف خلف الإمام، أما إذا وقف عن يساره فالقول بعدم الصحة فيه نظر، والصواب أنها تصح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما أمر ابن عباس أن يعيد أول صلاته، حيث كبر ابن عباس عن يساره وصلى ثم أداره عن يمينه، ولو كانت صلاته غير صحيحة لاستأنف الصلاة، وإنما منعه من الوقوف عن يساره، فدل على أن الصلاة صحيحة، لكن جهة اليسار ليست محلاً لوقوف المأموم، فيقف المأموم الواحد عن يمين الإمام.

    وإذا صلى قدامه أو خلفه لم تصح الصلاة، أما عن يساره ففيه نظر؛ لأن ابن عباس أداره عن يمينه ولم يعد أول صلاته.

    وهل يلزم أن يصلي أمام الإمام إذا كان في صلاة الجنازة؟

    الجواب: الصواب أنها لا تصح، وفي المسجد الحرام يصلون أحياناً أمام الإمام في الموسم وبعض أهل العلم يرى أنها تصح للضرورة، لكن تارة الإمام يأتي تحت الكعبة بجوار الباب، لكنه في بعض الأحيان قد يكون الأمام متأخراً، وبعضهم أفتى بهذا، والصواب أنها لا تصح إذا صلى قدام الإمام إلا أن يكون محاذياً له.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فإن وقف عن يساره أو قدامه أو وحده لم تصح، إلا أن تكون امرأة فتقف وحدها خلفه ].

    ولو كان زوجها أو أبوها أو أخوها، فلا تقف في جانب الرجل ولو كان محرماً لها، ولو كانت لوحدها.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وإن كانوا جماعة وقفوا خلفه، فإن وقفوا عن يمينه أو عن جانبيه صح ].

    ولا سيما إذا كان المكان ضيقاً فوقفوا عن يمينه أو عن شماله فيصح، وقد ورد عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه لما صلى كان معه ثلاثة فجعلهم عن يمينه وعن شماله، كما مر في صحيح مسلم ، ولكن فعله هذا منسوخ، وابن مسعود رضي الله عنه استمر على هذا، والسنة أن يكونوا خلفه، إذا كانوا اثنين فأكثر ويصلوا خلفه، وإن كان واحداً فيكون عن يمينه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وإن صلت امرأة بنساء قامت معهن في الصف وسطهن ].

    يصح أن تكون إمامة لكن تكون في الوسط.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وكذلك إمام الرجال العراة يقوم وسطهم ].

    وهذا للضرورة، يكون وسطهم إذا كانوا عراة وليس عليهم ثياب.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وإن اجتمعوا رجالاً وصبياناً وخناثى ونساء قدم الرجال ثم الصبيان ثم الخناثى ثم النساء ].

    احتمال أن يكون الخناثى رجالاً؛ لأن الخنثى هو الذي عنده آلة ذكر وآله أنثى، ولم يتبين، فيحتمل أن يكون رجلاً؛ ولذلك قدموا على النساء.

    ما تدرك به صلاة الجماعة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ومن كبر قبل سلام الإمام فقد أدرك الجماعة ].

    هذا ما ذهب إليه المؤلف، من كبر -أي: تكبيرة الإحرام- ثم جلس فسلم الإمام فقد أدرك صلاة الجماعة.

    القول الثاني: أنه لا يدركها إلا إذا أدرك ركعة، وهو الصواب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أدرك ركعة مع الإمام فقد أدرك الجماعة، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)، والصواب أنه لا يدرك الجماعة إلا بركعة، كما أن الوقت لا يدرك إلا بركعة.

    وهو اختيار البخاري وجماعة، وقد ألف كتاباً في جزء القراءة؛ لأنه فاتته الفاتحة قال: فيقضي، والصواب أنه يدركها لقصة أبي بكرة رضي الله عنه لما جاء والنبي صلى الله عليه وسلم راكع فركع دون الصف، ثم دب دبيباً حتى دخل في الصف، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (زادك الله حرصاً ولا تعد)، ولم يأمره بإعادة الركعة، فدل على أنه أدركها.

    والحكمة في أن المرأة تصلي إمامة في وسط النساء: أن المرأة يستحب لها التستر، ولهذا يستحب لها ترك التجافي، وكونها في وسط الصف أستر لها فاستحب لها ذلك كالعريان، وإذا كان النساء في مكان ليس فيه رجال فهذا فيه نظر، والأطفال إذا كانوا مميزين فهم كغيرهم.

    1.   

    الأسئلة

    الصلاة خلف الفاسق

    السؤال: هل يصلى خلف الفاسق؟

    الجواب: إذا وجد غيره فلا يصلى خلفه، وإذا لم يوجد غيره فيصلى خلفه ولا تترك الجماعة، والمسألة فيها خلاف، فمن العلماء من قال: إنها صحيحة، ومنهم من قال: لا تصح، والصواب أنها صحيحة، ومن منع قال: لأنه يجب عليه إنكار المنكر، وإذا صلى خلفه فقد أقر المنكر، والمسألة فيها خلاف بين أهل العلم.