إسلام ويب

دروس في العقيدة ]16[للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد وصف الله تعالى نفسه بصفات عليا، وأخبرنا بأن له الأسماء الحسنى، وذلك أمر يجب علينا اعتقاده وتصديقه، وحذو منهج السلف الصالح فيه، فمنهجهم قائم على أسس عظيمة في العقيدة في أسماء الله وصفاته، ومن جملتها صفة الكلام، وهي صفة عظم النزاع فيها بين أهل السنة وغيرهم، وتعددت فيها الأقوال التي يقرب بعضها من قول أهل السنة، ويوغل بعضها في الشذوذ فيدخل في الكفر، والذي يلزم المسلم أن يتبع فيها وفي غيرها منهج سلف هذه الأمة ومن تبعهم من الأئمة والهداة.

    1.   

    أقسام الذنوب والمعاصي

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فقد سبق الكلام على التوحيد وما ينافيه ويضاده من الشرك والكفر والظلم والفسق والنفاق، وذكرنا أن الشرك يتنوع إلى أصغر وأكبر، وكذلك الكفر يتنوع إلى أصغر وأكبر، وكذلك الظلم، وكذلك الفسق، وكذلك النفاق.

    والنفاق أصل اشتقاقه من جهة اللغة، كما قال علماء اللغة: إنما سمي المنافق منافقاً لإظهاره غير ما يضمر، تشبيهاً له بحجر اليربوع، ويقال له: النافقاء، ويقال له: القاصعاء، وذلك أنه يخرق الأرض حتى إذا كاد أن يبلغ ظاهر الأرض أرق التراب، فإذا رابه ريب دفع ذلك التراب برأسه فخرج، فظاهر جحره تراب وباطنه حفرة، وكذلك المنافق ظاهره إيمان وباطنه كفر، هذا هو أصل الاشتقاق اللغوي للمنافق.

    وبعد هذا ننتقل إلى البدع والمعاصي التي تنقص كمال التوحيد وكمال الإيمان، وتضعف توحيد العبد وإيمانه، والمعاصي تنقسم إلى قسمين: صغائر وكبائر.

    فالصغائر يكفرها الله تعالى بفعل الفرائض واجتناب الكبائر، فإذا أدى الإنسان المسلم الفرائض التي فرضها الله عليه وانتهى عن الكبائر كفر الله عنه الصغائر بذلك فضلاً منه وإحساناً، قال الله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا [النساء:31].

    وثبت في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر)، فإذا اجتنب العبد الكبائر كفر الله عنه الصغائر بالصلوات الخمس والجمعة ورمضان.

    أما الكبائر فإنه لابد لها من توبة، ولا تغفر إلا بالتوبة.

    والكبائر اختلف العلماء فيها، وأصح ما قيل في تعريف الكبيرة هو: أنها كل ذنب توعد عليه بالنار، أو ذكرت عليه اللعنة أو الغضب، -قال بعضهم: أو نفي عن صاحبه الإيمان في الدنيا- أو وجب فيه الحد في الدنيا، مثل أكل الربا، ومثل الزنا، ومثل السرقة، ومثل شرب الخمر، ومثل عقوق الوالدين، ومثل قطيعة الرحم والغيبة والنميمة، فهذه كلها كبائر، لا تغفر إلا بالتوبة، ولا تغفر بفعل الفرائض كالصغائر، وصاحبها تحت مشيئة الله، وليست كالشرك، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، فإذا مات صاحبها من غير توبة فهو تحت مشيئة الله، إن شاء سبحانه وتعالى غفر له بتوحيده وإيمانه وإسلامه وأدخله الجنة من أول وهلة، وإن شاء سبحانه تبارك وتعالى عذبه بقدر جريمته ومعصيته، ثم في النهاية يخرج من النار بشفاعة الشافعين أو برحمة أرحم الراحمين.

    فإذا اجتنب الإنسان الكبائر وأدى الفرائض فهو موعود بدخول الجنة من أول وهلة، وإذا فعل الكبائر ومات عليها من غير توبة فهو على خطر أن يعذب في قبره، وهو على خطر من الأهوال التي تصيبه في موقف القيامة، وهو على خطر من دخول النار، فهو تحت مشيئة الله، لكن الكبيرة لا تخرج الإنسان من ملة الإسلام، بل يكون ناقص الإيمان وضعيف الإيمان، ويقال فيه: مؤمن بإيمانه فاسق بمعصيته أو كبيرته.

    والمسلم لا تخرجه المعصية من الملة ولا تحبط جميع أعماله، بل هو مسلم، ولا يخلد في النار، وهو تحت مشيئة الله، فإن شاء ربنا سبحانه غفر له وإن شاء عذبه، وفي النهاية مآله إلى الجنة والسلامة ولو مكث مدة طويلة، فإن بعض العصاة -عصاة الموحدين- يمكثون في النار مدة طويلة ثم يخرجون منها، فإذا خرج العصاة بشفاعة الشافعين وبرحمة أرحم الراحمين أطبقت النار على الكفرة، فلا يخرجون منها أبد الآباد، قال الله تعالى إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤصَدَةٌ [الهمزة:8] يعني: مطبقة مغلقة لا يخرجون منها، يعني: جميع أنواع الكفرة وجميع أصنافهم من اليهود والنصارى والمنافقين والوثنيين وغيرهم.

    1.   

    البدعة وأقسامها

    أما البدع فهي أشد من الكبائر، وهي أحب إلى الشيطان من المعصية؛ لأن صاحب البدعة يظن أنه على حق وعلى صواب، فلا يتوب، بخلاف العاصي والزاني والسارق وشارب الخمر؛ فإنه يعرف ويعلم أنه عاصٍ، فقد يوفق للتوبة، أما المبتدع فلا يعترف بأنه على خطأ، ففي الغالب أنه لا يتوب.

    والبدع كثيرة، منها بدع تكون في الصلوات، وفي الأذكار، وفي الوضوء، وما أشبه ذلك، فالتلفظ بنية الصلاة بأن يقول: نويت أن أصلي خلف هذا الإمام، أو أن يأتي بأذكار بعد غسل اليدين وغسل الوجه، كل هذا ليس له أصل، وهو من البدع، وهكذا بدعة المولد.

    وأشد البدع البدع التي تكون في باب أسماء الله تعالى وصفاته، فهذه أعظم البدع وأشدها.

    والبدعة تنقسم إلى قسمين: بدعة مكفرة وبدعة غير مكفرة، أي: قد توصل البدعة صاحبها إلى الكفر، والمبتدع الذي وصلت بدعته إلى الكفر حكمه حكم الكافر كما سبق.

    وأما البدعة التي لا توصل إلى الكفر فهذه حكم صاحبها حكم أهل الكبائر، فهو تحت مشيئة الله، فهو مؤمن ضعيف الإيمان، وناقص الإيمان، لكن البدعة أشد من الكبيرة، وهي أحب إلى الشيطان من الكبيرة؛ لأن صاحب الكبيرة معترف بخطئه، فقد يوفق إلى التوبة، وهو حري بأن يوفق للتوبة، أما صاحب البدعة فلا يعترف بأنه مخطئ، بل يظن أنه على صواب، ولذلك كان الغالب أنه لا يتوب.

    وسنعرض لبعض البدع في باب الأسماء والصفات لعظم خطرها.

    وأعظم البدع في صفات الله تعالى: الأقوال البدعية في كلام الله عز وجل، والأقوال البدعية في علو الرب سبحانه وتعالى.

    1.   

    توحيد الأسماء والصفات

    وقبل أن نتكلم عن البدع سنذكر مقدمة في تعريف توحيد الأسماء والصفات ومنهج السلف فيه، والأسس التي يقوم عليها مذهب السلف في باب أسماء الله وصفاته.

    فتوحيد الأسماء والصفات: هو أن يوصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسله نفياً وإثباتاً، فيوصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به المرسلون، وينفى عنه ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه المرسلون.

    1.   

    منهج السلف في باب الأسماء والصفات وأسسه

    ومنهج السلف في باب الأسماء والصفات أنهم يثبتون لله من الأسماء والصفات ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه، وينفون عن الله ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل, هذا هو منهج السلف في باب الأسماء والصفات.

    ومذهب السلف الصالح رضوان الله عليهم في الأسماء والصفات ينبني على أسس سليمة ويرتكز على قواعد متينة ودعائم، فمذهب السلف في باب الأسماء والصفات مذهب ثابت له دعائم وله ركائز يرتكز عليها، فلا بد لطالب العلم من أن يكون على إلمام ومعرفة بهذه الأسس التي يقوم عليها مذهب السلف الصالح في باب الأسماء والصفات.

    فالأساس الأول من الأسس التي يقوم عليها مذهب السلف في باب الأسماء والصفات: أن أسماء الله وصفاته توقيفية، ومعنى (توقيفية) أن إثبات الأسماء والصفات موقوف على ما وردت به النصوص، فما جاء في الكتاب والسنة من الأسماء والصفات مثبتاً لله وجب إثباته، وما جاء في الكتاب والسنة منفياً عن الله وجب نفيه، وما لم يرد في الكتاب والسنة نفيه ولا إثباته فإنه يجب التوقف فيه، مثل: الجسم والحيز والعرض والجهة وغير ذلك من الألفاظ التي ابتدعها أهل البدع، فهذه الألفاظ لم ترد في الكتاب والسنة، فلا تثبت ولا تنفى، ولكن من أطلقها نفياً وإثباتاً فإنه يُستفصل ويُسأل عن مراده، فإن كان مراده معنىً صحيحاً قبل المعنى ورد اللفظ، ويعبر بلفظ سليم؛ لأن المعنى سليم، لكن اللفظ غير سليم، وإن كان المعنى الذي أراده غير سليم فإنه يرد اللفظ والمعنى جميعاً.

    إذاً: الأساس الأول والقاعدة الأولى من القواعد التي ينبني عليها مذهب السلف في باب الأسماء والصفات: أن أسماء الله وصفاته توقيفية.

    الأساس الثاني: أن ما وصف الله عز وجل به نفسه، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم فهو حق على حقيقته ليس فيه ألغاز ولا تعمية، بل هو حق على حقيقته، فتثبت ألفاظ الصفات ومعانيها التي دلت عليها هذه الأوصاف، ولا ينفى إلا الكيفية، فالكيفية هي اتصاف الرب بالصفات استأثر الله بعلمها، أما ألفاظ الصفات ومعانيها فهي معلومة، كما قال الإمام مالك رحمه الله لما سئل عن الاستواء: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.

    إذاً: المنفي هو الكيفية فقط، أما ألفاظ الصفات ومعانيها فهي معلومة، فهي من قبيل المحكم لا من قبيل المتشابه، ومن نسب إلى السلف أنهم لا يعرفون المعنى وأنهم يفوضون معاني الصفات فقد كذب عليهم، فليس هذا مذهب السلف، بل مذهب السلف أنهم يثبتون الألفاظ والمعاني، والدليل على ذلك أن الله سبحانه وتعالى أمرنا بتدبر القرآن كله، ولم يستثن شيئاً، وحضنا على تعقله وتفهمه، كما قال الله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24]، وقال سبحانه: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النساء:82] وقال سبحانه: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [ص:29] ولم يقل: إلا آيات الصفات فلا تتدبروها؛ فإن معانيها غير معلومة. بل معانيها معلومة، فنحن نعرف أن السمع غير البصر، وأن العلم ضد الجهل، والاستواء نعرف أن معناه الاستقرار والصعود والعلو والارتفاع؛ فهذه معانيها في اللغة، لكن كيفية استواء الرب مجهولة لنا لا يعلمها إلا هو، وهكذا كيفية علمه، وكيفية سمعه، وكيفية بصره.

    الأساس الثالث من الأسس التي يقوم عليها مذهب السلف في باب الأسماء والصفات: أن إثبات الصفات لله إثبات بلا تمثيل للصفات ولا تكييف لها، فلا نقول: إن صفات الله مثل كذا أو كيفيتها كذا؛ لأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فكما أن لله ذاتاً لا تشبه الذوات فله صفات لا تشبه الصفات، فإثبات الصفات لله إثبات بلا تمثيل ولا تكييف.

    الأساس الرابع: أن تنزيه الله عن النقائص والعيوب تنزيه بلا تعطيل.

    فتنزيه الرب سبحانه وتعالى عن النقائص والعيوب تنزيه بلا نفي للصفات ولا تعطيل لها، ولا تأويل لمعانيها ولا تحريف لألفاظها عن مدلولها الذي دلت عليه، فالسلف الصالح لم يغلوا في الإثبات ولم يغلوا في النفي، بل تجنبوا الغلو في الإثبات، فلم يصلوا إلى التشبيه، وتجنبوا الغلو في النفي، فلم يصلوا إلى التعطيل، فهم وسط بين التشبيه والتعطيل، فسلموا من الإفراط والتفريط.

    الأساس الخامس: أن الإجمال يكون في النفي، والتفصيل يكون في الإثبات، فالسلف يثبتون الصفات لله تعالى على وجه التفصيل، وأما النفي -نفي نقائص العيوب- فإنهم ينفونها عن الله على وجه الإجمال، كما في آية الكرسي في قوله تعالى: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [البقرة:255] فأثبت (الحي القيوم)، وكما في قوله: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ [الإخلاص:1-2] فالإثبات يكون تفصيلياً بأن نثبت جميع الصفات، فنثبت العلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام، والرضا، والغضب، والعزة، والعظمة، والكبرياء، ونثبت جميع الصفات والأسماء التي وردت في الكتاب والسنة.

    أما النفي فإنا ننفي على وجه الإجمال، كما نفى الله تبارك وتعالى، قال سبحانه: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:4] وهذا مجمل، وقال: فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ [النحل:74]، وقال: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65].

    ويجب أن يعلم أن النفي الوارد في باب الأسماء والصفات ليس هو النفي المحض الصرف، وإنما هو النفي الذي يتضمن إثبات ضده من الكمال، كما في قوله سبحانه: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [البقرة:255] لكمال حياته وقيوميته، وقوله: لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ [سبأ:3] لكمال علمه، وقوله: وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا [البقرة:255] لكمال قوته واقتداره، وقوله: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام:103] لكمال عظمته وأنه أكبر من كل شيء، فليس هو نفياً محضاً، لكن يتضمن إثبات ضده من الكمال.

    فالنفي ليس نفياً صرفاً، ولكنه نفي يتضمن إثبات ضده من الكمال، بخلاف النفي الصرف المحض، فإنه لا مدح فيه؛ لأنه يوصف به المعدوم، والمعدوم لا يمدح، وهذا مثل قول الشاعر يذم قبيلة من القبائل:

    قُبيلةٌ لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل

    فهو ينفي فيقول: ولا يغدرون بالذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل، ومقصده الذم، بدليل أنه صغرهم فقال: قُبيّلةٌ، وهذا للتحقير، يعني: لمهانتهم وضعفهم، فهم لا يغدرون لا لكمالهم، بل لكونهم عاجزين عن الغدر، وإلا فلو قدروا لغدروا، (ولا يظلمون الناس حبة خردل) لعجزهم، ولو قدروا لظلموا، فهذا نفي صرف، وهذا مذموم.

    ومثل هذا قول الشاعر الآخر يذم قبيلته:

    لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ليسوا من الشر في شيء وإن هانا

    يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ومن إساءة أهل السوء إحسانا

    يقول: إن قومي ليسوا من الشر في شيء ولو كان قليلاً، ومع ذلك يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة، فإذا ظلمهم أحد غفروا له، ويجزون بالإساءة إحساناً؛ لعجزهم وضعفهم، وذلك لأن هذا الشاعر الجاهلي سرقت إبله فاستنجد بقومه فلم ينجدوه، فقال: إنهم لا يستطيعون لضعفهم ومهانتهم، ولو كنت من قبيلة مازن لأنجدوني وأسعفوني، فيقول قبل هذه الأبيات:

    لو كنت من مازن لم تستبح إبلي بنو اللقيطة من ذهل ابن شيبانا

    إذاً لقام بنصري معشر خشن عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا

    لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ليسوا من الشر في شيء وإن هانا

    فهم وإن كان عددهم كثيراً لا يستطيعون نجدته، فليسوا من الشر في شيء ولو كان قليلاً، ولذا قال:

    يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرةً ومن إسـاءة أهـل السـوء إحسانا

    فهذا نفي محض صرف، وهذا لا يرد في باب الأسماء والصفات؛ فلا يرد النفي في باب الأسماء والصفات إذا كان صرفاً، بل النفي الذي يأتي في باب الأسماء والصفات هو نفي بتضمن إثبات ضده من الكمال، بخلاف النفي الصرف المحض كما في هذه الأبيات؛ فإنه لا مدح فيه، بدليل أنه يوصف به المعدوم، والمعدوم لا يمدح.

    1.   

    أنواع البدع في باب الأسماء والصفات

    أما البدع في باب الأسماء والصفات، فهي بدعتان:

    البدعة الأولى: بدعة المشبهة.

    والبدعة الثانية: بدعة المعطلة.

    فبدعة التشبيه وقال بها المشبهة، وبدعة التعطيل قال بها المعطلة.

    والمشبهة والمعطلة فرقتان كافرتان على وجه العموم بقطع النظر عن التفصيل وعن الأشخاص؛ فالمشبهة كفرة وكذلك المعطلة كفرة.

    ولهذا يقول العلماء: المشبه يعبد صنماً ولا يعبد الله في الحقيقة، وإنما يعبد شيئاً في ذهنه يتخيله، فهو يعبد صنماً ولا يعبد الله، والمعطل الذي نفى كل شيء عن الله ولم يثبت شيئاً يعبد عدماً لا وجود له.

    فيقول العلماء: المشبه يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدماً، والموحد يعبد إلهاً واحداً فرداً صمداً. فالبدعة قد تصل إلى الكفر وقد لا تصل، فقد تكون كبدعة الأشاعرة، وهذه بدعة لا تصل إلى الكفر، وقد تكون كبدعة الجهمية فتصل إلى الكفر.

    والمشبهة: هم الذين شبهوا الله بخلقه ومثلوا صفاته بصفات المخلوقين، وأصل ضلالهم وبلائهم من الغلو في الإثبات، فإنهم غلوا في إثبات الأسماء والصفات وقالوا: إن لله أسماءً وصفات، لكنهم زادوا وغلوا في هذا الإثبات حتى قالوا: إن صفات الخالق تشبه صفات المخلوق، فيقول أحدهم: علم الله كعلم المخلوق، ورحمة الله كرحمة المخلوق، وسمع الله كسمع المخلوق، وهكذا.

    وأول من قال: إن الله جسم هشام بن الحكم الرافضي وبيان بن سمعان التميمي الذي تنسب إليه البيانية من غالية الشيعة، وأكثر المشبهة من غلاة الشيعة البيانية، وكان بيان بن سمعان التميمي يقول: إن الله على صورة الإنسان.

    ومن المشبهة هشام بن سالم الجواليقي وداود الجواربي وأتباعهم، وهؤلاء غلوا في الإثبات حتى قالوا: إن الله يرى في الدنيا بالأبصار، وهؤلاء المشبهة قالوا: إن الله يرى في الدنيا بالأبصار، وقال بعضهم: إن الله ينزل عشية عرفة على جمل، وأنه يرى ويحاضر ويسامر ويصافح.

    وقال بعضهم: إنه يندم ويحزن ويبكي، كما قالت اليهود، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، نسأل الله السلامة والعافية.

    والتشبيه مذهب باطل قد جاء الكتاب العزيز والسنة المطهرة بنفيه ورده وإبطاله والنهي عنه؛ قال الله تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:22]، وقال سبحانه: فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ [النحل:74]، وقال سبحانه: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65]، وقال سبحانه: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:4]، ومن يشبه الله بخلقه ويقول: إن الله يشبه المخلوقات فإنه في الحقيقة ليس عابداً لله، وإنما يعبد وثناً صوره له خياله ونحته له فكره، فهو من عُباد الأوثان لا من عُباد الرحمن.

    ولهذا يقول العلامة ابن القيم رحمه الله:

    لسنا نشبه وصفه بصفاتنا إن المشبه عابد الأوثان

    ومن شبه الله بخلقه فقد شابه النصارى في عبادتهم للمسيح ابن مريم من دون الله.

    ولهذا يقول العلامة ابن القيم رحمه الله:

    من شبه الله العظيم بخلقه فهو النسيب لمشرك نصراني

    فهؤلاء المشبهة لم يعبدوا الله في الحقيقة، وإنما عبدوا وثناً فصوروه وتخيلوه، وأما رب العالمين فهو فوق ما يظنون وأعلى مما يتوهمون، فلله ذات لا تشبه الذوات، وله صفات لا تشبه الصفات.

    قال نعيم بن حماد شيخ الإمام البخاري رحمه الله: من شبه الله بخلقه كفر، ومن نفى ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله من ذلك تشبيه.

    أما المعطلة -وهم الطائفة الثانية- فهم الذين عطلوا الله من صفاته وأسمائه.

    وسموا معطلة من العطل، وهو الخلو والفراغ والترك، ومنه قوله تعالى: وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ [الحج:45] إذا خلت من الماء ومن الدلاء، قال الراغب : التعطيل: فقدان الزينة والشغل، ويقال: امرأة عطل وعاطل: إذا لم يكن عليها زينة، وقوس عطل: لا وتر عليه، وعطلت الإبل عن راعيها والدار عن ساكنها، قالوا: إذا تعطلت الدار عن الساكن فهي معطلة، وكذلك الإبل إذا تعطلت عن راعيها، ويقال لمن يجعل العالم فارغاً بزعمه عن صانع أتقنه وزينه: معطل، ومن أنكر وجود الله فهو معطل ملحد، عطل هذا الكون من خالقه.

    وسمي جاحدو الصفات معطلة لأنهم عطلوا الله من صفات كماله، فالمعطلة هم الذين نفوا الأسماء والصفات، والمشبهة هم الذين شبهوا الله بخلقه.

    1.   

    أقسام صفات الله عز وجل

    وصفات الله تنقسم إلى قسمين: صفات ذاتية وصفات فعلية.

    القسم الأول: صفات ذاتية لا تنفك عن الباري، كالعلو، والقدرة، والسمع، والبصر، والعظمة، والعزة، والكبرياء، وغير ذلك من الصفات التي لا تنفك عن الباري.

    القسم الثاني: صفات فعلية تتعلق بمشيئة الله وإرادته واختياره، مثل الاستواء، والمجيء، والنزول، والقول، وغيرها.

    وهناك صفات اشتد النزاع فيها بين أهل السنة وبين المخالفين لهم من أهل الكلام، حيث إن أهل الكلام ابتدعوا بدعاً في هذه الصفات، وهذه البدع منتشرة وكثيرة، فلا بد لطالب العلم من أن يكون على إلمام بها فهي موجودة في المؤلفات والكتب.

    1.   

    ذكر مذاهب الطوائف في صفة كلام الله عز وجل

    وأعظم الصفات التي اشتد النزاع فيها بين أهل السنة وبين المخالفين من أهل البدع وابتدع أهل البدع فيها بدعاً عظيمة صفة الكلام لله وصفة العلو، فهاتان الصفتان اشتد النزاع فيهما بين أهل السنة وبين المخالفين لهم، والمخالفون ابتدعوا في هذه الصفات بدعاً قد تصل إلى الكفر وقد لا تصل.

    أما صفة الكلام فقد اختلف الناس في كلام الرب سبحانه وتعالى وفي حقيقة كلام الرب: على مذاهب متعددة، لكن أبرز المذاهب والأقوال ثمانية، فسبعة كلها باطلة والقول الثامن هو القول الحق، ولكن هذه الأقوال السبعة منتشرة في العالم، يقول العلامة ابن القيم : والعجب أن هذه المذاهب السبعة منتشرة بين الناس وبين فضلاء العالم لا يعرفون غيرها، وهي كلها باطلة.

    فلابد لطالب العلم والمسلم من أن يكون على إلمام بهذه البدع حتى يحذرها، فهي موجودة ومنتشرة في المؤلفات والكتب، حتى إن بعض هذه الأقوال المبتدعة يقولها غير المسلمين.

    مذهب الحلولية والاتحادية

    القول الأول في المراد بكلام الله -وهو أشدها وأعظمها خطراً وأفسدها- هو القول بأن كل كلام يسمع في الوجود فهو كلام الله، فأصحاب هذا القول يقولون: كل كلام يسمع في الوجود فهو كلام الله سواء تكلم به إنسان، أو حيوان، أو طير، أو دابة، وسواء أكان حقاً أم باطلاً، وسواء أكان شعراً أم نثراً، فجميع ما يسمع في الوجود فهو كلام الله، وهذا مذهب الاتحادية القائلين بوحدة الوجود، وهؤلاء كثير في أهل الأرض، ومن المعلوم أن هؤلاء كفار، لكن أتينا بقولهم لأن الاتحادية الآن ينسبون إلى الإسلام، بل إنهم يقولون: إنهم هم العارفون، ورئيسهم ابن عربي يقولون عنه: رئيس العارفين، وهناك من يقدسهم ويعظمهم ويحترمهم ويرى أنهم هم أهل الحق وهم أهل المعرفة الصحيحة، ولهم مؤلفات تطبع بورق فاخر وتحقق ويدافع عنها، وهي موجودة منتشرة، وإن كانت في غير بلادنا، لكن توجد في مصر وفي غيرها من البلدان.

    فالاتحادية يقولون: إن كلام الرب هو كل كلام يسمع في هذا الوجود حقاً كان أو باطلاً، زوراً أو بهتاناً، شعراً أو نثراً.

    وهذا القول المبتدع في كلام الرب مبني على مذهبهم في القول بوحدة الوجود؛ لأن مذهبهم أن الوجود واحد، وأنه ليس هناك عبد ورب، بل العبد عين الرب، والرب عين العبد، والخالق عين المخلوق، والمخلوق عين الخالق، وما ثم خالق ولا مخلوق ولا رب ولا عبد، فتفرع عن مذهبهم في القول بوحدة الوجود: القول بأن كل كلام يسمع في الوجود فهو كلام الله، والعياذ بالله.

    وأصل هذا المذهب -وهو مذهب القول بوحدة الوجود- نشأ عن إنكار مسألة المباينة والعلو، فهم أنكروا أن يكون الرب مبايناً لهذه المخلوقات ومنفصلاً عنها، وأن يكون فوقها، أنكروا هذا وقرروا أن الرب ليس مبايناً لهذا العالم وليس عالياً عليه ولا فوقه، فلما أنكروا مسألة المباينة والعلو صاروا بين أمور ثلاثة:

    الأمر الأول: أن يقولوا: إن الخالق معدوم والرب معدوم، وليس لهذا الكون خالق، وهذا استبشعوه، وقالوا: لا أحد يقبل هذا الإنكار الصريح، وهو نفي الرب وإنكار الرب.

    الأمر الثاني: أن يقولوا: إنه موجود، لكن لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا مباين له ولا محايث له، ولا متصل به ولا منفصل عنه، قالوا: وهذا لا يقبله عقل ولا تسيغه فطره ولا يقبل منا، ولا يمكن أن يكون هذا إلا معدوماً، بل هو ممتنع.

    فاختاروا الأمر الثالث، وهو أن يقولوا: الخالق هو نفس مخلوق، فأنت الرب وأنت العبد، وأنت الخالق وأنت المخلوق، فاختاروا هذا القول الذي فيه تلبيس، وكسوه وحلوه بشيء من الحق حتى راج أمره على ضعفاء البصائر وظنوا أنه الحق، فهم يقولون: نحن لا ننكر الخالق، لكن الخالق هو المخلوق، والرب هو العبد، فلما قرروا أن الرب سبحانه هو العبد والخالق هو المخلوق ثبت عندهم أنه عين هذه الموجودات.

    إذاً: فثبت له كل حسن أو قبيح، وكل صفة كمال أو نقص، وكل قول حتى الباطل، والعياذ بالله.

    وقالوا: لما ثبت أن هذا الخالق هو المخلوق ثبت إذاً أن كل اسم في هذا الوجود فهو لله، سواء أكان حسناً أم قبيحاً، وكل صفة في هذا الوجود فهي لله، سواء أكانت صفة كمال أم نقص، وكل قول فهو قول الله، وكلام الله، سواء أكان حقاً أم باطلاً، سحراً أم كذباً، والأغاني والفحش والرجس وغير ذلك من جميع الأقوال الباطلة وغير الباطلة هي كلام الله.

    وهذا مذهب باطل وشنيع، وهو من أعظم الكفر، بل إن كفر كل كافر جزء من كفر الاتحادية والعياذ بالله، فهل يجرؤ عاقل على أن يقول: إن كل كلام يسمع في هذا العالم هو كلام الله، بما فيه من الفحش وبما فيه من الخلاعة والمجون والسحر والرجس وغير ذلك؟!

    فهذا من أعظم البدع التي قيلت في كلام الله، وهي بدعة كفرية مبنية على مذهب كفري، بل إن الاتحادية أكفر خلق الله، وكفر كل كافر جزء من كفرهم.

    مذهب الفلاسفة

    المذهب الثاني: مذهب الفلاسفة: وهو أن كلام الله معنى يفيض من العقل الفعال على النفوس الفاضلة الزكية، أي: ليس فيه حرف ولا صوت، فالاتحادية يقولون: هناك حرف وصوت، لكن كل ما تسمع من الحروف والأصوات فهو كلام الله، أما هؤلاء فيقولون: الكلام معنى لا يسمع، وإنما هو معنى يفيض من العقل الفعال على النفس الفاضلة الزكية، فيحصل لها تصورات وتصديقات بحسب ما قبلته النفس، وهذا مذهب الفلاسفة المتأخرين كـالفارابي وابن سينا، تبعاً لمعلمهم الأول أرسطو ، وقد يتبعهم بعض المتصوفة، فإنهم يقولون: الكلام معنى يفيض من العقل الفعال على النفس الفاضلة الزكية، والنفس الفاضلة هي نفوس الأنبياء، فنفوس الأنبياء نفوس شريفة فاضلة زكية صافية، فيحصل لها تصورات وتصديقات بحسب قبولها من هذا المعنى، وتختلف على حسب صفائها واستعدادها ونقائها، فيحصل لها تصورات وتصديقات بحسب ما قبلته، ومذهبهم هذا في الكلام مبني على مذهبهم في القول بقدم العالم، وأن العالم قديم ليس حادثاً وليس له أول ولا بداية، بل هو قديم بقدم الله، وهذا معناه القول بإنكار وجود الله، فمن قال: إن العالم قديم فقد أنكر وجود الله، فهم يقولون: إن العالم قديم ليس له أول ولا بداية، وأرسطو يقول: لا يثبت وجود الله إلا من كونه مبدأً لهذه الكثرة، فمبدأ هذه الكثرة هو الله وهو علة غائية لحركة الفلك! ويقول: إن العالم لازم لله أزلاً وأبداً لا ينفك عنه، فلم يكن الله خلق الخلق بقدرته ومشيئته، والخلق لازم له كلزوم الضوء للسراج، فهل السراج ينفك عن الضوء؟! وهل له اختيار في الضوء؟! فيقول: إن العالم لازم لله كلزوم الضوء للشمس، لا يستطيع الفكاك عنه! تعالى الله عما يقول.

    وأصل هذا المذهب نشأ من عدم الإقرار بالرب الذي عرَّفت به الرسل ودعت إليه، وأنه الخالق، وأنه فوق عباده، وأنه فعال لما يريد، وأنه متكلم سبحانه وتعالى بما يشاء إذا شاء كيف شاء، وهذا أصل البلاء، فهم لا يقرون برب خالق، بر فوق العباد، متكلم، لا يقرون بهذا، فلما لم يقروا بذلك نشأ عن ذلك القول بقدم العالم.

    ولما قالوا بقدم العالم قالوا: إن الكلام معنى يفيض من العقل الفعال على النفوس الفاضلة الزكية، وهذا مذهب كفري، وهؤلاء الفلاسفة كفرة لا يؤمنون بالله ولا بالملائكة ولا بالكتب ولا بالرسل ولا باليوم الآخر ولا بالقدر خيره وشره.

    والمراد بالفلاسفة عند الإطلاق الفلاسفة المتأخرون أتباع المعلم الأول أرسطو والمعلم الثاني الفارابي والمعلم الثالث ابن سينا .

    أما الفلاسفة القدامى من قبل أرسطو فإنهم في الجملة يعظمون الشرائع والإلهيات ويثبتون وجود الرب وعلوه، ويقولون: إن العالم مخلوق لله بمشيئته، ومن أولئك أفلاطون شيخ أرسطو ، لكن لما جاء أرسطو خالف شيخه أفلاطون وابتدع القول بقدم العالم، فأول من قال بقدم العالم أرسطو قبحه الله، وكان مشركاً يعبد الأصنام، فهذه بدعة كفرية ناشئة عن مذهب كفري.

    مذهب السالمية

    المذهب الثالث: مذهب السالمية أتباع هشام بن سالم الجواليقي ومن تبعهم من أتباع الأئمة الأربعة وبعض أهل الحديث، وهؤلاء يقولون: إن كلام الله معانٍ وألفاظ وحروف وأصوات قائمة بذات الرب لم تزل ولا تزال، لكن الكلام لا يتعلق بقدرة الرب ومشيئته، فلا يتكلم بقدرته ومشيئته، فالكلام لازم لله أزلاً وأبداً لا يتعلق بالقدرة والمشيئة، بل الرب لم يزل ولا يزال يتكلم، وكلام الرب حروف وأصوات، لكن حروف وكلمات الرب لا يسبق بعضها بعضاً، بل هي مقترنة، فمثلاً: (بسم الله الرحمن الرحيم) لا يقولون: إن السين بعد الباء والميم بعد السين، بل يقولون: الحروف مقترنة دفعة واحدة يتكلم الرب سبحانه بها دفعة واحدة، فالباء مع السين مع الميم، لكن بالنسبة لسمع الإنسان يسمعها متعاقبة مرتبة، لكن الرب تكلم بها دفعة واحدة، ولهذا تسمى هذه الطائفة بالاقترانية، لأنهم يقولون: الحروف مقترنة ليست متعاقبة، ويسمون -أيضاً- بالسالمية.

    وهذا المذهب مبني على القول بأن الكلام لابد من أن يقوم بالمتكلم، وبأن الرب ليس محلاً للحوادث، قالوا: الكلام لابد من أن يقوم به متكلم، فالله لم يزل ولا يزال يتكلم بحروف وأصوات وألفاظ ومعانٍ.

    وكلام الله نوعان: بواسطة وبغير واسطة، بواسطة كما سمع الصحابة كلام الله وكما سمعه الرسول عليه الصلاة والسلام، وبغير واسطة كما سمع موسى كلام الله وكما سمعه نبينا صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج، لكن قالوا: الرب لا يتكلم بقدرته ومشيئته، فالرب لم يزل يتكلم منذ الأزل، فقوله: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا [المجادلة:1] ليس بقدرته ومشيئته، والحروف مقترنة، قالوا: لأن الكلام لابد له من متكلم، ولأن الله ليس محلاً للحوادث، فلو قلنا: إن الله الرب يتكلم إذا شاء فمعناه أنه حدث الكلام في داخله، والذي يحدث الكلام في داخله هو المخلوق، والمخلوق هو الذي يكون محلاً لالحوادث، أما الرب فليس محلاً للحوادث.

    وكذلك قالوا: لو قلنا: إن الحروف متعاقبة للزم من ذلك أن يحدث الحرف في ذاته، ففراراً من ذلك قالوا: إن الحروف مقترنة، وهذا مذهب باطل ومذهب فاسد.

    وهذه بدعة في باب كلام الرب، والكلام صفة كمال، وإذا لم يكن الرب متكلماً بقدرته ومشيئته فهذا تعطيل له من الكمال، ولأن الكلام الذي يعرفه العقل ويشهد به الشرع هو الكلام الذي يكون بقدرة المتكلم ومشيئته.

    وقولهم: إن الحروف مقترنة -فالسين مع الميم مع الباء- وليست متعاقبة تخليط وهذيان مخالف للحس والفطرة، فلا تقبله فطرة، وتصوره كافٍ في بطلانه وفساده؛ لأن الكلمة إذا كانت مركبة من حرفين فالحرف الثاني لابد من أن يكون بعد الحرف الأول، ولا وجود للحروف أصلاً بدون التعاقب، وعلى ذلك تصل إلى الآذان فتسمعها وتميزها، فهذه بدعة في كلام الرب عند هؤلاء، وهي قولهم: إن الكلام لا يتعلق بمشيئته.

    أما قولهم: إن الكلام ألفاظ ومعانٍ وحروف وأصوات هذا حق، لكن قولهم: لا يتعلق بقدرته ومشيئته، وقولهم: إن الحروف مقترنة، قول باطل.

    مذهب الكرامية

    المذهب الرابع: مذهب الكرامية:

    والكرامية هم أتباع محمد بن كرام السجستاني ، وهم يقولون: إن الكلام ألفاظ ومعانٍ وحروف وأصوات قائمة بذات الرب، والكلام يتعلق بقدرته ومشيئته سبحانه وتعالى، فهو يتكلم متى شاء إذا شاء كيف يشاء، وكلام الله نوعان: بواسطة وبغير واسطة، لكن كلام الرب حادث في ذاته كائن بعد أن لم يكن، بمعن: أن الرب كان معطلاً عن الكلام، بل كان الكلام ممتنعاً عليه ولا يستطيع الكلام في الأزل، ثم انقلب فجأة فصار ممكناً، قالوا: إن هناك فترة كان الرب لا يستطيع فيها أن يتكلم، بل إن الكلام ممتنع، أي: يستحيل على الله، ففي الأول كان الكلام ممتنعاً ثم انقلب فجأة فصار ممكناً.

    وشبهتهم في ذلك أنهم قالوا: لو قلنا: إن الكلام قديم النوع، وإن الرب لم يزل متكلماً للزم من ذلك التسلسل في الحوادث، فتكون الحوادث والمخلوقات متسلسلة في الأزل، وإذا تسلسلت انسد علينا طريق إثبات الصانع، فلا نستطيع أن نثبت وجود الله وأنه هو الأول، ففراراً من ذلك قالوا: هناك فترة لا يتكلم فيها الرب، فليس فيها كلام ولا حرف ولا فعل حتى يكون هو الأول، ثم بعد ذلك تكلم الرب وتسلسلت الحوادث، فلو قلنا: إن الرب لم يزل متكلماً للزم من ذلك تسلسل الحوادث والمخلوقات، وإذا تسلسلت الحوادث والمخلوقات انسد علينا طريق إثبات الصانع، فلا نستطيع أن نثبت أن الله هو الأول.

    وهذا مذهب باطل، والقول بأن الكلام ألفاظ ومعانٍ وحروف بأصوات متعلق بقدرته تعالى ومشيئة هذا حق، لكن قولهم: إن الكلام كان ممتنعاً عن الرب هذا باطل؛ لأن الكلام صفة كمال، فكيف يخلو الرب من الكمال في وقت من الأوقات؟! ولأن الرب إذا كان حاله قبل وبعد سواء ولم تتجدد له صفة الكلام من غيره فلماذا كان الكلام ممتنعاً ثم صار ممكناً؟! وما السبب في امتناعه ثم في إمكانه؟! وما تحديد الفترة التي كان فيها ممتنعاً؟! لا تستطيعون أن تحددوا فترة، وكل ما يتصوره الإنسان من الأزمنة فالإنسان سابق لذلك، وهذا كلام باطل.

    أما شبهة قولهم: إنه يلزم تسلسل الحوادث، فنقول: الرب فعال وخلاق، قال الله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [هود:107] وقال: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ [الحجر:86]يعني أن الرب لم يزل خلاقاً وفعالاً، والخلق والفعل صفة كمال، فلا يعطل الرب من هذا الكمال في وقت من الأوقات.

    وأما إثبات الفترة وأن هناك فترة فلا دليل عليه، فإنهم يثبتون فترة كان الرب سبحانه معطلاً فيها من الكلام والخلق، وهذا لا دليل عليه، ونحن نقول: إن كل مخلوق من المخلوقات، وكل فرد من أفرادها مسبوق بالعدم، وليس له من نفسه وجود ولا عدم، بل الله أوجده بعد أن كان عدماً، ولا يلزم من ذلك أن هناك فترة، بل كل فرد من أفراد المخلوقات مسبوق بالعدم، والله تعالى أوجده بعد أن كان معدوماً، ويكفي هذا، أما أن نثبت فترة يعطل فيها الرب فهذا لا دليل عليه، وهو باطل.

    فهؤلاء الكرامية وجه الغلط عندهم هو كونهم أثبتوا فترة عطلوا فيها الرب عن الكلام، ولو لم يقولوا بالفترة هذه لصار مذهبهم موافقاً لمذهب أهل السنة.

    مذهب الكلابية

    المذهب الخامس مذهب الكلابية:

    وهم أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب، ولقوة حجته وجداله سمي كلاباً، وهم يقولون: إن الكلام معنى قائم بنفس الرب ليس بحرف ولا صوت، والكلام لازم لذات الرب كلزوم العلم ولزوم الحياة والسمع والبصر، وهو أربعة معانٍ في نفسه: الأمر، والنهي، والخبر، والاستفهام.

    أما الحروف والأصوات فليست من كلام الله، فليس كلام الله حرفاً ولا صوتاً، بل الحروف والأصوات حكاية عن كلام الله دالة عليه، وأما الكلام فليس بحرف ولا صوت، بل هو معنى قائم بنفس الرب، لكن هذه الحروف والأصوات حكاية عن كلام الله تدل عليه حكاها جبريل أو حكاها محمد، وهو أربعة معانٍ في نفسه: الأمر، والنهي، والخبر، والاستفهام.

    وهذا مذهب باطل؛ لأنه لو كانت الحروف والأصوات حكاية له لوجب أن يماثل الحرف والصوت المعنى؛ لأن حكاية الشيء تكون مماثلة له، تقول: حكيت الحديث بعينه: إذا رويته بغير زيادة ولا نقصان، ولا تقديم ولا تأخير، والحروف والأصوات مختلفة عن المعنى.

    ثانياً: يلزم على قولهم: إن الحروف والأصوات حكاية لكلام الله أن صفات الله محكية، وهذا تجسيم.

    ثالثاً: لو كانت الحروف والأصوات حكاية عن كلام الله للزم من ذلك أن يكون الخلق قد أتوا بمثل كلام الله، فأين عجزهم؟! وحينئذٍ كيف يطلب تحديهم وقد تحدى الله البشر أن يأتوا بمثل هذا القرآن فقال: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88]؟! فإذا كانت الحروف والأصوات حكاية له فمعناه أنه بطل التحدي، فيكون الناس قد أتوا بمثل كلام الله.

    وأيضاً نقول لهم: يلزمكم أن يحكى بحرف وصوت ما ليس بحرف ولا صوت، فكيف يحكى بحرف وصوت ما ليس بحرف وصوت؟!

    مذهب الأشاعرة

    المذهب السادس: مذهب الأشاعرة:

    وهو قريب من مذهب الكلابية، وهو مذهب منتشر، فهم يقولون: إن الكلام معنى واحد قائم بنفس الرب، ليس بحرف ولا صوت، فوافقوا الكلابية، ثم قالوا: لا ينقسم هذا المعنى ولا يتبعض ولا يتعدد ولا يتكثر ولا يتجزأ، ولا ينقسم بنوع ولا جزء، والحروف والأصوات عبارة تدل عليه.

    والكلابية يقولون: إنه حكاية، وهؤلاء يقولون: إنه عبارة تدل عليه، فالقرآن الذي في المصحف يقول الأشاعرة عنه: هذا عبارة عن كلام الله عبر به جبريل أو محمد، أما كلام الله فهو معنى في نفسه لا يسمع؛ لأنه لازم لذات الرب، ولكن يسمى ما في المصحف كلام الله لأن كلام الله تأدى به، فيسمى كلاماً مجازاً، فالأشاعرة يقولون: القرآن كلام الله، لكن عند المناظرة يقولون: مقصودنا أنه مجاز وليس بحقيقة، لكن سميناه كلام الله لأن كلام الله تأدى به، ولأنه دل على كلام الله، وإلا فكلام الله في نفسه.

    هذا مذهب الأشاعرة في الكلام، وهو صفة من الصفات السبع التي أثبتوها الكلام، فمن الصفات السبع التي أثبتها الأشاعرة الكلام، ومع ذلك يقولون: كلام الله معنىً واحد لا يتبعض ولا يتعدد ولا يتجزأ ولا ييتكثر، ولا نقول: إنه أربعة أنواع كما تقول الكلابية: أمر ونهي وخبر واستفهام، بل هو معنى واحد لا ينقسم ولا يتبعض ولا يتجزأ ولا تكثر، والتقسيم إنما هو في العبارات والدلالات، فهو معنى واحد، إن عبرت عنه بالعربية فهو القرآن، وإن عبرت عنه بالعبرانية فهو التوراة، والعبرانية لغة اليهود، وإن عبرت عنه بالسريانية فهو الإنجيل، والسريانية لغة النصارى، فهو واحد والتقسيم في العبارات على حسب العبارة.

    وكونه ينقسم إلى أمر، ونهي، وخبر، واستفهام قالوا عنه: هذه صفات إضافية لذلك المعنى، وهو معنى واحد، فهذا المعنى صفته أنه يكون أمراً ويكون نهياً ويكون خبراً، كما يكون الشخص له صفات متعددة، فأنت واحد ولك صفات متعددة، فأنت إذا نسبت إلى أبيك فأنت ابن، وإذا نسبت إلى ابنك فأنت أب، وإذا نسبت إلى ابن أخيك فأنت عم، وإذا نسبت إلى ابن أختك فأنت خال، وأنت واحد: خال وعم وابن وأب، على حسب الإضافة والنسبة، فكذلك المعنى والقرآن، فكلام الله معنى واحد، وكونه أمراً ونهياً وخبراً واستفهاماً هذه صفات إضافية، وكونه توراة وإنجيلاً وقرآناً إنما هو تقسيم للعبارات التي تدل عليه.

    هذا هو مذهب الأشاعرة، وهو مذهب كثير من الأحناف، ومذهب كثير من أتباع الأئمة الأربعة من الحنابلة والشافعية والمالكية وغيرهم.

    وهذا المذهب أقرب المذاهب إلى أهل السنة، لكنه مذهب الأشاعرة، فهم يقولون: إن القرآن الموجود في المصاحف عبارة عن كلام الله عبر به جبريل أو عبر به محمد صلى الله عليه وسلم، وبعضهم يقول: إن الله تعالى اضطر جبريل ففهم المعنى القائم بنفسه فعبر عنه، ومنهم من يقول: إن جبريل أخذه من اللوح المحفوظ ولم يتكلم الله به، وهذا مذهب منتشر ملأ الأرض.

    ومذهب الكلابية والأشاعرة مبني على أن الكلام لابد من أن يقوم بالمتكلم، وعلى أن الرب ليس محلاً للحوادث، قالوا: فلو قلنا: إن الحروف والأصوات من كلام الله للزم من ذلك أن يكون الله محلاً للحوادث، والرب ليس محلاً للحوادث، فالحروف والأصوات حادثة تحدث، وكلما تكلم الإنسان بالحرف والصوت حدث الكلام، فيلزم من ذلك حدوث الحوادث في ذات الرب، والرب منزه عن حلول الحوادث، ففروا من ذلك فقالوا: الحروف والأصوات ليست من الكلام.

    مذهب الجهمية

    المذهب السابع: مذهب الجهمية:

    وتحول إلى المعتزلة فنسب إليهم، وهو أن كلام الله ألفاظ ومعانٍ وحروف وأصوات، وهي تتعلق بمشيئته وقدرته، لكنه مخلوق خارج ذاته، فالله تعالى خلق هذه الحروف والأصوات والمعاني خارج ذاته فنسبها إلى نفسه، فصار بها متكلماً، فكلام الله مخلوق من مخلوقات الله نسبه إلى نفسه للتشريف والتكريم، وقالوا عن تكليمه تعالى لموسى: خلقه في الهواء، أو في الجسم، فمن ذلك الجسم بدأ.

    فهذا مذهب الجهمية، ثم تحول إلى المعتزلة، فهم يقولون: كلام الله ألفاظ ومعانٍ وحروف وأصوات، لكنها مخلوقة خارج ذاته، ونسبها إلى نفسه للتشريف والتكريم، كما نسب الناقة إليه فقال: ناقة الله، والعبد إليه فقال: عبد الله، والرسول إليه، فقال: رسول الله، وهذا مبني على شبهة، وهي إنكار أن يتصف الله بالصفات؛ فراراً من التشبيه والتجسيم، فإنهم قالوا: لو قلنا: إن الله يتكلم والمخلوق يتكلم لصار في ذلك تشبيه وتجسيم، ففروا من التشبيه والتجسيم فقالوا: إن الكلام مخلوق خارج ذاته.

    فهذه المذاهب السبعة يقول عنها ابن القيم : هي الدائرة بين الناس، وفضلاء العالم لا يعرفون غيرها، وهي كلها باطلة.

    مذهب أهل السنة والجماعة

    المذهب الثامن: المذهب الحق:

    وهو قول أهل السنة والجماعة، وهو قول الرسل وأتباعهم الذين تلقوا هذا الباب عنهم، وهو أن الله متصف بالكلام، وأن الكلام من صفاته سبحانه وتعالى الذاتية لاتصافه به أزلاً وأبداً، ومن صفاته الفعلية، فهو سبحانه وتعالى يتكلم إذا شاء بما يشاء كيف يشاء؛ لأن الكلام صفة كمال، فلا يخلو الرب من الكمال في وقت من الأوقات، والكلام متعلق بمشيئته وقدرته سبحانه، وكلام الرب بحرف وصوت يسمع، وهو قديم النوع حادث الآحاد، فنوع الكلام قديم وإن لم يكن الصوت المعين قديماً، وكلام الرب صفة من صفاته، والرب سبحانه بذاته وصفاته بائن من خلقه ليس متحداً بهم وليس حالاً فيهم، وكونه سبحانه وتعالى يتكلم بمشيئته وقدرته هو من لوازم ذاته المقدسة.

    والقرآن كلام الله حروفه ومعانيه، وليس كلام الله الحروف دون المعاني ولا المعاني دون الحروف، وأصوات العباد وحروفهم وأداؤهم وتلفظهم كل ذلك مخلوق بائن عن الله عز وجل.

    فمذهب أهل السنة والجماعة أن كلام الرب من صفاته الذاتية ومن صفاته الفعلية، من صفاته الذاتية لاتصافه به أزلاً وأبداً، ومن صفاته الفعلية المتعلقة بمشيئته وقدرته، والرب سبحانه لم يزل متكلماً ولا يزال؛ لأن الكلام صفة كمال، فلا يخلو الرب من الكمال في أي وقت من الأوقات، وهو يتكلم إذا شاء بما شاء كيف يشاء، والكلام قديم النوع حادث الآحاد، فنوعه قديم وإن لم يكن الصوت معيناً وقديماً، وهو بحرف وصوت يسمع، والرب سبحانه بائن من الخلق بذاته وصفاته، وكلام الرب ليس متحداً بهم وليس حالاً فيهم، والقرآن كلام الله حروفه ومعانيه، وليس كلام الله الحروف دون المعاني ولا المعاني دون الحروف.

    هذه هي المذاهب في هذه المسألة، وتلك هي البدع في هذه الصفة العظيمة، وكلها باطلة، ومنها بدع كفرية كما ذكرنا، ومنها بدع لا تصل إلى الكفر، والقول الحق والقول الصواب هو قول أهل السنة.

    وسيأتي الكلام -إن شاء الله- على بقية البحث.

    وفق الله الجميع لطاعته، ورزق الله الجميع العمل الصالح الذي يرضيه، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

    1.   

    الأسئلة

    معنى قوله تعالى: (ولله المثل الأعلى)

    السؤال: يقول الله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى [النحل:60]، فما معنى هذه الآية؟

    الجواب: أي: الوصف الأحسن هو له سبحانه وتعالى.

    حكم سؤال الناس عن مثلهم الأعلى

    السؤال: هل يجوز سؤال بعض الناس عن مثلهم الأعلى؟ وهل في ذلك تطاول على الذات الإلهية؛ لأن بعضهم عندما يسأل عن مثله يقول: مثلي الأعلى هو الرسول صلى الله عليه وسلم، أو والدي، أو غير ذلك؟

    الجواب: إذا أراد بمثله الأعلى صفته التي يتصف بها وتليق به، فلا بأس بذلك، أما قوله: مثله الرسول أو أبوه، فما أدري ما معناه، فإذا كان مقصوده أن قدوته الرسول صلى الله عليه وسلم فلا بأس بذلك، وهذا طيب، وأما كون قدوته أباه، فإذا كان أبوه مستقيماً فهو قدوته في الخير، لكن القدوة والأسوة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال الله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21]، وأما أبوه فإنه يخطئ ويصيب، فالمثل الأعلى يفسر بقصده، فإن كان قصده أن القدوة والأسوة هو الرسول صلى الله عليه وسلم فهذا حق.

    ميزان الحكم على البدعة

    السؤال: أرجو توضيح الفرق بين البدع العملية اللفظية، والبدع الكبيرة والبدع الصغيرة الاجتهادية، حيث إن بعض العلماء يقول في مسألة: هذه بدعة، وبعضهم يقول: هذه سنة؟

    الجواب: المرجع في هذا الكتاب والسنة، ما خالف الكتاب والسنة وما أحدث مما يخالف الكتاب والسنة فهو بدعة، قال عليه الصلاة والسلام: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) متفق عليه، وفي رواية لـمسلم (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، فكل ما خالف الكتاب والسنة وابتدع فهو بدعة، هذا هو الضابط، فالمرجع في هذا والميزان هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأما أقوال الناس فإنها توزن بالكتاب والسنة.

    حكم الدعاء والحلف والاستعاذة بصفات الله

    السؤال: ما رأيكم في الدعاء بصفات الله والحلف والاستعاذة بصفات الله، كقولنا: بيد الله إن لم تفعل كذا فعلت بك كذا وكذا، وهكذا في جميع صفات الله؛ إذا قد ذكر البخاري باباً في كتاب الإيمان سماه باب الحلف والاستعاذة بصفات الله، وهل يدخل في ذلك أفعال الله؛ لأنها من صفاته؟

    الجواب: أما الاستعاذة فقد ورد فيها: (أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات)، وورد: (أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر)، فلا بأس، وكذلك القسم قال الله تعالى عن إبليس: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ص:82]، وفي الصحيحين في قصة الرجل الذي هو آخر أهل النار خروجاً وآخر أهل الجنة دخولاً أنه قال: (وعزتك لا أسألك غيرها)، فالقسم والحلف بالعزة -وكذلك الاستعاذة- لا بأس به.

    أما سؤال الصفة، كأن يقول: يا رحمة الله! ارحميني، فهذا ممنوع، وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن هذا من الكفر، أي: نداء الصفة، مثل: يا رحمة الله! ارحميني، يا رضا الله .. إلى آخره، فهذا السؤال ممنوع.

    والدعاء عبادة، والعبادة توقيفية، فلا يتعبد الإنسان إلا بما ورد به الشرع، ولم يرد سؤال الصفة وحدها، كقول: يا رحمة الله! ارحميني، ما ورد، فلا يتعبد الإنسان إلا بما ورد به الشرع.

    موقف الاتحادية من القرآن الكريم

    السؤال: كيف يفسر أصحاب وحدة الوجود قوله تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [الطور:35] ؟

    الجواب: أصحاب وحدة الوجود -والعياذ بالله- من أعظم الناس كفراً، وكفر كل كافر جزء من كفرهم، وهم لا يعتبرون القرآن، ولهذا لما قيل لبعض الصوفية الملاحدة: إن القرآن يخالف ما قلتم، قالوا: القرآن كله من أوله إلى آخره شرك، والحق ما نقوله!

    وهم يفسرون القرآن برموز، فـابن عربي له رموز معروفة في القرآن، فهؤلاء لا يأخذون بالقرآن ولا يعتبرون القرآن شيئاً حتى يسألوا عنه، ولهم رموز وأشياء خاصة يفسرون بها القرآن.

    اختلاف التنوع واختلاف التضاد في العقيدة

    السؤال: ما هو اختلاف التنوع واختلاف التضاد في العقيدة؟

    الجواب: اختلاف التنوع هو الذي تكون الألفاظ فيه مختلفة والمعنى واحد.

    واختلاف التضاد: هو الذي يكون فيه القول مخالفاً للقول ومنافياً له، كأن يثبت هذا وينفي هذا.

    ولا مثال لاختلاف التنوع في باب العقيدة، واختلاف التضاد في العقيدة معروف، مثل ما سبق في مبحث الكلام، فإن الأقوال في كلام الرب مختلفة متضادة.

    أما اختلاف التنوع فيكون في التفسير، مثل تفسير معنى صفة الاستواء، فقد فسره العلماء بأنه الاستقرار والصعود، فقالوا: (استوى) بمعنى: استقر وعلا وارتفع وصعد، وهذا من اختلاف التنوع، وكلها ألفاظ معناها واحد، ولهذا فسر العلماء الاستواء بهذه المعاني الأربعة: استقر، وعلا، وارتفع، وصعد، فإذا قيل لهذا: اختلاف تنوع، فلا بأس.

    الفرق بين دعاء العبادة ودعاء المسألة

    السؤال: ما هو الفرق بين دعاء العبادة ودعاء المسألة مع التمثيل لكل نوع؟

    الجواب: دعاء العبادة هو العبادات التي يتعبد بها المسلم لربه، مثل الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، وبر الوالدين، وصلة الرحم، فكل هذا يسمى دعاء عبادة، وسمي دعاء عبادة لأن الإنسان يتعبد به طالباً الثواب من الله، فهو سائل في المعنى.

    أما دعاء المسألة فهو مثل قول الإنسان: رب اغفر لي، رب ارحمني، اللهم اغفر لي ولوالدي، اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار، هذا دعاء المسألة.

    أما دعاء العبادة فهو العبادات التي تعبد الله بها، فإذا صمت فقد دعوت الله دعاء عبادة؛ لأنك صائم لله وأنت تدعو الله في المعنى، فإنك ترجو الثواب من الله، والحج دعاء عبادة؛ لأن الحاج يطلب الثواب من الله، فهو سائل في المعنى، بخلاف دعاء المسألة، فحينما يقول العبد: رب اغفر لي، رب ارحمني، اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار، فهو سائلً باللفظ، فهذا دعاء المسألة، وذاك دعاء عبادة.

    حكم نسبة نزول المطر إلى الكواكب

    السؤال: لما تحدثتم عن الشرك الأصغر قلتم: إذا اعتقد أن من عادة الكوكب الفلاني -مثلاً- نزول المطر فيه، أو أن نزول المطر كان بسبب الكوكب الفلاني فذلك شرك أصغر، فإذا قال المكلف: إن من عادة الكوكب الفلاني نزول المطر فيه بإذن الله، فهل هذه العبارة فيها محذور؟ وما تعليقكم على ما يذكر في التقويم الهجري عن بروج السنة وأحوالها، فهل هذا من الشرك الأصغر والتكهن بالغيب؟

    الجواب: إذا قال الإنسان: من عادة الكوكب نزول المطر؛ فالكوكب ليس له عادة، وهو خلق من الخلق ليس له من الأمر شيء ، فهذا من الشرك الأصغر، وأما الطوالع التي تذكر في التقويم فليس فيها شيء، وإنما هي من باب بيان دخول السنة، وبيان ما يحصل في هذه الأوقات مما أجراه الله من المطر ونحوه من أحوال الجو، كالحرارة والبرودة والرطوبة، وأوقات البذر، وأوقات الزرع، وليس فيه نسبة، وليس فيه نسبة ذلك للكوكب ولا لعادة الكوكب، أما إذا قال من عادة الكوكب، فالكوكب ليس له عادة وليس له من الأمر شيء.

    الطريقة المثلى لتثبيت المعلومات

    السؤال: ما هي الطريقة المثلى لمراجعة ما يؤخذ في الدورات العلمية؟ وكيف يمكن تثبيت المعلومات التي تؤخذ، إذ إن بعض الدورات تكون مدتها قليلة والمتون فيها كثيرة، فكيف يستطيع الإنسان أن يراجع ما أخذه؟

    الجواب: طالب العلم ينبغي له أن يستمر في طلب العلم، ولا يمل ولا يسأم، فلابد من قراءة ما كتبه العلماء، ولاسيما ما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، كالعقيدة الواسطية، والتدمرية، والحموية، ومجموع الفتاوى، وكذلك الطحاوية وشرحها، وتوحيد ابن خزيمة وغيرها، فلا بد من مراجعة كتب أهل العلم، ولا بد من الرجوع إلى أهل العلم وسؤالهم عما أشكل والبحث معهم، ولا بد من الصبر والاستمرار.

    حكم التصريح باسم الله في النذر

    السؤال: هل يلزم في النذر التصريح باسم الله سبحانه، بمعنى أنه إذا قال: إن نجحت صليت ليلة كاملة، ولم يصرح باسم الله، يلزمه نذر؟

    الجواب: نعم هو نذر؛ لأن المعروف في شأن المسلم أنه يصلي لله وينذر لله، هذا المعروف، ولكن إذا كان وثنياً ينذر للإصنام فهذا يلحق بعادته، وإذا كانت عادته أن ينذر للأصنام وينذر للقبور، فإن نذره يكون لها، أما إذا كان مسلماً معروفاً عنه أنه موحد لا ينذر إلا لله فنذره لله، فالعبرة بالقصد والنية والحال.