إسلام ويب

دروس في العقيدة [8]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الشرك بالله تعالى أنواع كثيرة، فمنه شرك الدعاء، وشرك الاستعاذة، وشرك الرقى، وشرك الاستعانة، وشرك الاستغاثة، وشرك الرياء، وشرك التبرك، وشرك النذر. والواجب على المسلم أن يعلم هذه الأمور حتى لا يقع في مزالق الانحراف في توحيد الله تعالى.

    1.   

    أنواع من الشرك

    شرك الدعاء

    فإنه لا يزال الحديث موصولاً بالكلام على توحيد الألوهية -وهو العبادة- وما ينافيه من الشرك، وقد سبق أن استعرضنا بعض أمثلة الشرك في العبادة، وهي: شرك المحبة، وشرك الخوف، وشرك الرجاء.

    ومن الأمثلة كذلك: الشرك في الدعاء، وهو: أن يدعو الإنسان غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، كأن يدعو ميتاً أو غائباً أو حياً حاضراً أو جنياً أو شجرة أو قبراً أو ولياً أو ملكاً، أو غيرهم ممن هو عاجز لا يقدر، فيكون قد أشرك بالله عز وجل شركاً أكبر يخرجه من ملة الإسلام.

    وسواء أكان هذا الدعاء طلباً للشفاعة أم لغيرها، كأن يسأل إنسان المدد، أو قضاء الحاجات، أو تفريج الكربات، أو إغاثة اللهفات، قال الله تعالى: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت:65]، يخبر الله تعالى عن المشركين أنهم إذا ركبوا في الفلك دعوا الله، وأخلصوا له العبادة، وأخلصوا له الدعاء، فإذا نجاهم إلى البر أشركوا بالله عز وجل، ودعوا غيره، وقال سبحانه: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18]، وقال سبحانه: فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ [الشعراء:213]، وقال سبحانه: وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس:106] ، يعني: المشركين.

    فقد حكم الله تعالى على من دعا غيره فيما لا يقدر عليه إلا هو سبحانه بالشرك قال:فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت:65]، وقال سبحانه: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ [فاطر:13-14] فسماه الله شركاً، وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر:14].

    وقد حكم الله سبحانه وتعالى على من دعا غيره بالكفر، فقال: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون:117]، وقال سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ [الزمر:3] يعني: قائلين: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ [الزمر:3]، فحكم عليهم بالكذب، وكفرهم بهذا العمل في قولهم: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3].

    وبين الله سبحانه وتعالى أن غيره من المدعوين لا يملكون للداعي شيئاً، ولا يستطيعون إجابة دعائه، قال تعالى: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ [فاطر:13]، والقطمير هو: اللفافة الرقيقة البيضاء على نواة التمرة، وقال: إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ [فاطر:14]، أي: لا يسمع؛ لأنه غائب، أو ميت قد بليت عظامه وصارت تراباً. وَلَوْ سَمِعُوا [فاطر:14] على الفرض والتقدير مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ [فاطر:14].

    وهذا النوع من الشرك في الدعاء انتشر ووقع فيه كثير من المشركين قديماً وحديثاً، فأنت تجد في بعض القبور من يسميه بعضهم بالولي، فتسمع ارتفاع الأصوات بالضجيج والدعاء: يا فلان، يا فلان، يا عبد القادر الجيلاني! أغثني، مدد مدد! يا دسوقي! مدد مدد! يا سيدي البدوي أغثني المدد المدد! يا حسين ! يا نفيسة ! يا ابن علوان !

    وهكذا تسمع في كثير من الأماكن والبلدان في غير هذه البلاد قبوراً تدعى من دون الله.

    وبعض الحجاج حينما يأتون للحج، ومن ثم زيارة مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام تجدهم يقعون في الشرك، فيقول أحدهم: يا سيدي يا رسول الله أغثني! يا سيدي يا رسول الله! فرج كربتي! يا سيدي يا رسول الله! جئتك من بلاد بعيدة، لا تخيب رجائي! أنا في حسبك! أنا في جوارك! وبعضهم يقول: اغفر ذنبي! أدخلني الجنة! نجني من النار! وهذا شرك أكبر، وهو شرك أهل الجاهلية.

    والشرك الذي بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنهي عنه، وقتال فاعله وتكفيره واستحلال دمه وماله هو شرك الدعاء الذي انتشر وعم وطم في كثير من البلدان، وفي كثير من الأقطار في الأزمنة القديمة، وفي العصور الحاضرة، فمن فعل ذلك فإنه يكون مشركاً وثنياً، إلا من تاب، ومن تاب تاب الله عليه، فمن دعا غير الله فقد أشرك، والمراد بالدعاء: الذي يكون فيما وراء الأسباب، أما إذا دعا حياً حاضراً قادراً معه أسباب ظاهرة فلا يكون دعاؤه شركاً، كأن يدعو شخصاً يطلب منه حاجة دنيوية فيقول: يا فلان! أعني على إصلاح بيتي، أعني على إصلاح سيارتي، يا فلان! ساعدني على إصلاح مزرعتي، أقرضني مالاً، أو كان غريقاً يطلب إنقاذه من غرقه، فهذا لا بأس به، وهذا بخلاف الميت، فإنه لا يستطيع؛ لأنه ليس معه أسباب ظاهرة، وكذلك الغائب، والحي الحاضر الذي لا يقدر.

    شرك الاستعانة والاستغاثة

    الشرك في الاستعانة هو: أن يستعين بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، كأن يستعين بميت، أو غائب، أو حي حاضر فيما لا يقدر عليه إلا الله، كأن يقول للميت: أعني على قضاء ديني، أو ينادي غائباً أن يعينه، أو يستعين بأسماء الملائكة، أو أسماء الجن، أو الأنبياء.

    والاستعانة لا تكون إلا بالله، قال الله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، فمن استعان بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فقد وقع في الشرك، أما من استعان بحي حاضر قادر فلا بأس بذلك؛ لأن المراد بالاستعانة الممنوعة بالمخلوق: الاستعانة التي تكون فيما وراء الأسباب، أما إذا استعان بحي حاضر قادر معه أسباب ظاهرة فلا يكون ذلك شركاً، بل هذا جائز مباح، كأن يقول: يا فلان! أعني على إصلاح سيارتي، أعني على إصلاح مزرعتي، ساعدني على إنكار المنكر، ساعدني على الدعوة إلى الله، قال الله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].

    أما الشرك في الاستغاثة فهو: أن يستغيث بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، كأن يستغيث بميت أو غائب، أو حي حاضر فيما لا يقدر عليه إلا الله، أو يستغيث بأسماء الملائكة، أو بأسماء الجن، أو بأسماء الأنبياء، أو يستغيث الغريق بالميت أن ينقذه فيقول: يا فلان! أغثني. يا سيدي البدوي ! أغثني، أنقذني من الغرق! أو يا عبد القادر الجيلاني ! أنقذني من الغرق، أو: أنفذني من الحريق! وهكذا.

    والاستغاثة لا تكون إلا بالله، قال الله تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال:9]، فإذا استغاث بميت، أو غائب، أوحي حاضرٍ فيما لا يقدر عليه إلا الله فقد وقع في الشرك، والمراد بالاستغاثة الممنوعة الاستغاثة فيما وراء الأسباب، أما من استغاث بحي حاضر قادر معه أسباب ظاهرة فلا يكون ذلك شركاً، بل هذا جائز.

    ومثال ذلك: أن يستغيث غريق برجل أمامه يعرف السباحة، فيقول: يا فلان! أغثني. فهذا لا بأس به، أو استغاثة مَنْ وقع في كربة كحريق، فيستغيث بمن يستطيع إنقاذه، فهذا لا بأس به، قال الله تعالى في شأن موسى عليه الصلاة والسلام لما خرج فوجد قبطياً وإسرائيلياً يقتتلان، وكان الإسرائيلي من شيعة موسى، والقبطي من عدوه، قال تعالى:فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ [القصص:15]، استغاث الإسرائيلي بموسى، فأغاثه موسى فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ [القصص:15]، فهذه استغاثة بحي حاضر قادر معه أسباب ظاهرة.

    والفرق بين الاستعانة والاستغاثة والدعاء من حيث العموم والخصوص: أن الدعاء والاستعانة أعم، والاستغاثة أخص؛ لأن الاستغاثة دعاء خاص لا تكون إلا ممن وقع في كربة أو شدة، فإذا دعا من هو في كربة أو شدة يقال لفعله: استغاثة، كالغريق إذا دعا من ينقذه من الغرق.

    أما الدعاء فإنه يكون ممن هو في كربة ومن غيره، وكذلك الاستعانة أعم، فهي تشمل الداعي في كربة وفي غيرها، فالدعاء والاستعانة كل منهما أعم من الاستغاثة، فالاستغاثة نوع من الدعاء، لكنها تكون من المكروب، والدعاء من المكروب يسمى استغاثة، والدعاء من غير المكروب يسمى دعاء.

    شرك الاستعاذة

    الشرك في الاستعاذة هو: أن يستعيذ بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، كأن يستعيذ بميت، أو غائب، أو حي حاضر فيما لا يقدر عليه إلا الله، كأن يقول: يا فلان -ينادي القبر-! أعذني، يا سيدي البدوي! أعذني من فلان، أعذني من العدو الفلاني، فيلوذ به ويلتجئ إليه، فهذا يكون شركاً؛ لأن الاستعاذة عبادة، والعبادة لا تكون إلا لله، قال الله تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق:1]، وقال تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس:1].

    وثبت في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن ابنة الجون لما أدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم قالت: أعوذ بالله منك، فقال: (لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك)، فهذه استعاذت بالله، والاستعاذة بالله توحيد.

    والمراد بالاستعاذة الشركية: الاستعاذة فيما وراء الأسباب، أما من استعاذ بحي حاضر قادر معه أسباب ظاهرة فاستعاذته لا تكون شركاً؛ لأنه حي حاضر قادر أمامك، كأن تقول: يا فلان! أعذني من شر أولادك، أو يا فلان! أعذني من شر زوجتك؛ لأنها سليطة اللسان، أو: أعذني من شر خادمك، فلا بأس بهذا؛ لأنك تستعيذ بحي حاضر قادر يستطيع أن يمنع أولاده، ويستطيع أن يمنع خادمه، ويستطيع أن يمنع زوجته، فهذه استعاذة حسية أسبابها ظاهرة، فلا بأس بها.

    شرك الرقى

    الرقى المقصود بها: الرقية التي يُرقى بها صاحب الآفة، كالحمى والصرع، فإذا رقى شخص شخصاً بأسماء الملائكة، أو بأسماء الجن، أو بأسماء الأموات أو الغائبين أو غيرهم فهذا يقع في الشرك، أما إذا رقى شخصاً بآيات من القرآن، أو بأسماء الله وصفاته، أو بأدعية لا محذور فيها فلا يكون فعله شركاً، بل هي رقية مستحبة أو جائزة.

    والرقية الشرعية لها ثلاثة شروط:

    الشرط الأول: أن تكون الرقية بآيات من القرآن، أو بأسماء الله وصفاته، أو بأدعية شرعية، أو بأدعية مباحة لا محذور فيها، كأن يقول -كما ورد في الحديث-: (باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، ومن شر كل نفس أو عين حاسد، الله يشفيك)، وكذلك: (اللهم رب الناس أذهب البأس، واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما).

    وكذلك: (أعيذك بكلمات الله التامات من شر ما خلق)، وكذلك: (باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم).

    الشرط الثاني: أن تكون بلسان عربي، فلا يرقية بلغة أجنبيه كالإنجليزية أو غيرها، ولا يكون فيها تمتمة، كحال بعض السحرة، أو المشعوذين إذا أراد أن يرقي فيتمتم بكلمات فلا تدري ما يقول، فلابد من أن تكون بلسان عربي مفهوم معلوم، أما تمتمة السحرة والمشعوذين فلا تجوز، وبعض المشعوذين والسحرة يقرأ أمامك، فيجهر بقراءة الفاتحة، أو (قل هو الله أحد)، حتى تطمئن إليه في أول الأمر، ثم يتمتم، فلا تدري ماذا يقول؟ فيحتمل أنه يرقي بأسماء الجن، أو الشياطين، فلا بد من أن تكون بلسان عربي مفهوم.

    الشرط الثالث: أن يعتقد بأنها سبب، والشافي هو الله.

    فإذا وجدت هذه الشروط الثلاثة فهي رقية شرعية.

    شرك الرياء

    الشرك في الرياء هو: شرك النية والإرادة والقصد، وهؤلاء الذين يقعون في شرك الرياء على طبقتين:

    الطبقة الأولى: المنافقون الذين أسلموا لأجل الدنيا، وهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، وإنما أسلموا لأجل الدنيا، فهم يصومون ويتصدقون ويحجون مراءاة للناس، فهؤلاء أشركوا شركاً أكبر، وهم أهل الرياء الكثير.

    الطبقة الثانية: مؤمنون مسبحون، مؤمنون بالله واليوم الآخر، عملوا أعمالاً صالحة أرادوا بها الرياء، فهؤلاء وقعوا في الشرك الأصغر، فالرياء إذا كان كثيراً كان شركاً أكبر، وهذا الذي يكون من المنافقين الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، فيقع ممن معه ناقض من نواقض الإسلام كالمنافقين الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، فهم يصومون ويتصدقون ويحجون مراءاة للناس، كما كان يفعل ذلك عبد الله بن أبي زعيم المنافقين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فهم يصلون، ويحجون، ويجاهدون مع النبي صلى الله عليه وسلم، وفي يوم أحد رجع عبد الله بن أبي بثلث الجيش، وقال: إن محمداً لا يطيعني، فهو دخل في الإسلام نفاقاً فلم يكن مؤمناً بالله واليوم الآخر، وإن كان يصلي ويصوم ويتصدق.

    أما المؤمن بالله واليوم الآخر إذا صدر منه الرياء في العمل فهو شرك أصغر، أما إذا كان الرياء في العقيدة فهو شرك أكبر، قال الله تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15-16]، فهذه الآية في أهل الرياء الأكبر من الكفار، ولكن عمومها يتناول -أيضاً- أهل الرياء اليسير، وهم المؤمنون.

    وقال تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا [الإسراء:18]، وقال سبحانه: مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [الشورى:20] .

    فالمنافق يكثر منه الرياء في العقيدة؛ لأنه دخل في الإسلام رياءً ونفاقاً، وأهل الرياء الكثير أعمالهم حابطة، وهم في الدرك الأسفل من النار، قال الله تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا [النساء:145].

    أما المؤمن فإنه يقع منه الرياء في العمل، كأن يعمل أعمالاً صالحة يقصد بها مالاً، أو محمدة، أو جاهاً، كمن يحج ليأخذ مالاً، أو يجاهد ليأخذ مالاً، أو يتعلم العلم الشرعي ليأخذ مالاً، أو يهاجر لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، أو يتعلم القرآن أو يحافظ على الصلاة لأجل وظيفة في المسجد، فهذا شرك أصغر ينافي كمال التوحيد، ويحبط العمل الذي قارنه فقط، وهو داخل في قوله تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15-16] .

    وهناك صاحب الشائبتين، وهذا مسكوت عنه، وهو الذي يؤدي الواجبات إخلاصاً لله، ثم يعمل أعمالاً صالحة يريد بها الدنيا، كالمؤمن الذي يؤدي الصلوات الخمس، والزكاة، ويصوم، ويحج، ثم يعمل أعمالاً صالحة يريد بها الدنيا، كأن يحج فريضة الله عليه، ثم يحج بعد حجة الفرض لأجل الدنيا، فهذا صاحب الشائبتين، وهو مسكوت عنه، فالقرآن كثيراً ما يذكر أصحاب الجنة الخلص، وأصحاب النار الخلص، ويسكت عن صاحب الشائبتين، فهو لما غلب عليه منهما، فإذا غلب عليه قصد وجه الله فهو لما غلب عليه، وإذا غلب عليه قصد الدنيا فهو لما غلب عليه، وهو على خطر عظيم.

    شرك التبرك

    الشرك في التبرك كالتبرك بالأشجار، أو الأحجار، أو أن يتبرك ببقعة أو غار أو عين أو موطئ أو أثر أو مقام كمقام إبراهيم أو صخرة بيت المقدس أو حجرة النبي صلى الله عليه وسلم.

    ومعنى التبرك: اعتقاد البركة ورجاؤه في هذا الشيء الذي يتبرك به.

    وهذا هو الذي وقع فيه المشركون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنهم كانوا يدعون أوثانهم، ويذبحون لها وينذرون ويرجون ويؤملون منها، فهؤلاء وقعوا في الشرك الأكبر، فإذا تبرك بشجر، أو بحجر، واعتقد أن البركة حاصلة في ذاتها؛ فقد وقع في الشرك الأكبر؛ لأن الله لم يجعل فيها تلك البركة التي يعتقدها.

    أما إذا اعتقد أن البركة من الله، ولكن الله جعل هذه الشجر سبباً للبركة، أو هذا الحجر سبباً للبركة، أو هذا المقام سبباً للبركة فهذا شرك أصغر؛ لأنه اعتقد أن البركة من الله، لكنه اعتقد أن هذا الشجر فيه بركة، أو أن هذا الحجر فيه بركة، أما إذا اعتقد أن البركة ذاتية فيها فهذا شرك أكبر.

    أما إذا كان الشخص فيه خير، وجعل الله على يديه خيراً ونفعاً وقيل له: أنت رجل مبارك، أو هذه من بركتك، فهذا لا بأس به، والدليل على ذلك: ما ثبت في الصحيحين في قصة التيمم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم في إحدى الغزوات لما أراد الرحيل انقطع عند رحيله عقد لـعائشة ، فحبس النبي صلى الله عليه وسلم الناس، وأرسل رجالاً يطلبون عقد عائشة، وذهبوا بعيداً فلم يجدوه، وحضرت الصلاة وليس عندهم ماء، ولم يكن شرع التيمم بعد، فصلوا بغير ماء ولا تيمم، فلما بعثوا البعير وجدوا العقد تحته، وأقسام الناس وليس معهم ماء، وحضرت الصلاة، فأنزل الله آية التيمم، فتيمم الناس، فقال أسيد بن حضير لـعائشة رضي الله عنها: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر. أي: هذه من بركاتكم التي جعل الله فيكم حيث حبست الناس من أجل العقد، ثم أنزل الله آية التيمم.

    قال: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر -يخاطب عائشة - فو الله ما نزل بكِ أمرٌ تكرهينه إلا جعل الله لك منه مخرجاً، وللمسلمين منه خير وبركة. أو كما جاء في الحديث، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على هذه المقالة.

    وهذه قصة فيها فوائد، منها:

    أولاً: أن فاقد الماء والتراب يصلي بغير ماء ولا تراب؛ لأن الصحابة الذين أرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم يلتمسون العقد حضرت الصلاة وليس معهم ماء، ولم يشرع التيمم، فصلوا بغير تراب ولا ماء، فدل ذلك على أن فاقد الطهورين يصلي بغير ماء ولا تراب، مثل إنسان مريض في المستشفى لا يستطيع أن يتيمم وليس عنده تراب، ولا عنده أحد ييممه، ولا يستطيع الوضوء، فيصلي بالنية على حسب حاله، أو إنسان محبوس، أو مصلوب على خشبة لا يستطيع أن يتيمم، فيصلي بغير ماء ولا تراب.

    ثانياً: أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب، ففيها الرد على من قال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب كما قاله بعض الطوائف التي غلوا في النبي صلى الله عليه وسلم، ويدَّعون أنه يعلم الغيب، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يدري أين عقد عائشة ، ولذلك أرسل رجالاًيبحثون عنه، وذهبوا بعيداً يبحثون عنه ولم يجدوه، فلما بعثوا البعير وجدوا العقد تحته، فلو كان يعلم الغيب لما بحث عنه، ولا أرسل أناساً يبحثون عنه.

    وفي هذا الباب قصة أبي واقد الليثي رضي الله عنه أنه قال: (غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة حنين، وكنا حديثي عهد بشرك، فمررنا بالمشركين ولهم سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم -يعني: يعلقون بها أسلحتهم- يقال لها: ذات أنواط، فقلنا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط)، أي: اجعل لنا سدرة نتمسح بها ونتبرك، ونجعل عليها سلاحنا مثلهم، فأنكر ذلك عليهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (الله أكبر؛ إنها السنن، قلتم -والذي نفسي بيده- كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الأعراف:138]) ، فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل مقالة الصحابة: (اجعل لنا ذات أنواط) كمقالة بني إسرائيل لموسى، فالعبرة بالمعنى.

    ولكن الصحابة لم يفعلوا الشرك، فهم قالوا ذلك عن جهل، واعتذر أبو واقد الليثي بقوله: (وكنا حديثي عهد بشرك) أي: أسلمنا قريباً، فلما زجرهم النبي صلى الله عليه وسلم انزجروا وامتنعوا فلم يفعلوا الشرك، ففيه دليل على أن الإنسان إذا طلب أن يفعل الشرك جاهلاً ثم منع منه، وبين له فانزجر وامتنع لا يقع في الشرك، وكذلك بنو إسرائيل لم يقعوا في الشرك؛ لأنهم ما فعلوا، وإنما طلبوا عن جهل، فبين لهم نبي الله موسى عليه السلام وزجرهم عن ذلك، وكذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بين لهم أن هذه المقالة مثل مقالة بني إسرائيل، فلم يقعوا في الشرك، كما أن بني إسرائيل أيضاً لم يقعوا في الشرك.

    فالمقصود أن التبرك بالشجر والحجر وغيره إذا فعله الإنسان، واعتقد أن فيه بركة، فإن كان يعتقد أن البركة ذاتية منه فهذا شرك أكبر، وإن كان يعتقد أنه سبب، والبركة من الله، وأن الله جعله سبباً للبركة فهذا شرك أصغر.

    أما إذا استظل تحت الشجرة وعلق عليها سلاحه لا يقصد شيئاً من ذلك؛ فهذا لا شيء فيه.

    شرك النذر

    الشرك في النذر هو: أن ينذر لغير الله تقرباً لذلك الغير يرجو شفاعته، أو نفعه، كالذين ينذرون للقبور تقرباً إلى أصحابها؛ ليشفعوا لهم ويقضوا حوائجهم، أو ينذرون للأموات، كأن يقول: يا سيدي البدوي ! إن شفى الله مريضي فلك علي كذا وكذا من الجنيهات أو من الدراهم يقسمها على روحه أو: إن شفى الله مريضي فلك ذبيحة أذبحها أتقرب بها إليك! أو ينذر أن يصلي له، أو ينذر أن يصوم له، فالنذر عبادة لا يجوز أن تصرف لغير الله، قال الله تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ [الحج:29]، وقال سبحانه: وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ [البقرة:270].

    ومن نذر وجب عليه الوفاء، قال عليه الصلاة والسلام: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)، فإذا نذر الإنسان طاعة لله -سواء أكان نذراً معلقاً أم غير معلق- أن يصوم من كل شهر ثلاثة أيام وجب عليه أن يصوم، أو نذر أن يصلي عشرين ركعة وجب عليه الوفاء، أو نذر أن يحج وجب عليه كذلك.

    وهذا إذا كان نذر طاعة، أما إذا كان نذر معصية فليس له الوفاء به، مثل من نذر أن يشرب الخمر، أو يشرب الدخان، أو نذر أن يعق والديه، أو يقطع رحمه، فلا يجوز له الوفاء به، وعليه التوبة والاستغفار، وعليه مع ذلك كفارة يمين، كما جاء في بعض الأحاديث (وعليه كفارة يمين) أما إذا نذر لغير الله فهذا شرك.

    وأصل النذر مكروه؛ لأنه يلزم نفسه بشيء، ويوجب على نفسه شيئاً عافاه الله منه، وقد لا يستطيع الوفاء به، وقد يشق عليه بعد ذلك، فلا ينبغي للإنسان أن ينذر، بل ينبغي للإنسان أن يفعل الطاعة بدون نذر، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (إياكم والنذر؛ فإنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل)، فالبخيل هو الذي لا يخرج شيئاً إلا إذا نذر، لكن غير البخيل يتصدق، ويصوم، ويصلي، ولو لم يوجب على نفسه شيئاً، ولأن الناذر قد يتصور أن النذر هو السبب في قضاء حاجته، وهذا غلط كبير، فليس النذر سبباً في قضاء الحاجة، فالله تعالى يقضي الحاجة، سواء نذرت أو لم تنذر، وقد لا تُقضى حاجتك، سواء نذرت أو لم تنذر.

    فالنذر مكروه أو حرام، وبعض العلماء قال بأنه مكروه، لكن إذا نذر طاعة وجب الوفاء بها، وقد مدح الله الأبرار في وفائهم بالنذر، فإذا وقع النذر وكان طاعة فإنه يمدح الوفاء به، ويثنى على من وفى به، قال الله تعالى في وصف الأبرار: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا [الإنسان:7].

    وقد ينذر الإنسان نذراً ثم يعجز بعد ذلك عن الوفاء به، فيكون وعد الله بشيء ثم لم يف بوعده، فيكون شبيهاً بالمنافقين الذين قال الله فيهم: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [التوبة:75-77].

    وقد يشق على الإنسان الوفاء بالنذر، ثم يذهب إلى عتبة كل عالم لعله يجد مخرجاً يخلصه من هذا النذر، فالذي ينبغي للإنسان ألا ينذر، بل يفعل الطاعة من دون نذر.

    شرك الذبح

    الشرك في الذبح هو: أن يذبح لغير الله تقرباً لذلك الغير.

    قال الله تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ [الأنعام:162-163] ، فنفى أن يكون لله شريك في هذه العبادات، فيجب أن تكون الصلاة، والنسك، والذبح، والحياة، والممات كلها لله لا شريك له في ذلك، قال سبحانه: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2]، وفي حديث علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثاً، لعن الله من غير منار الأرض).

    شرح التوبة

    الشرك في التوبة هو: أن يتوب العبد لغير الله فيما هو من خصائص الله وفيما لا يقدر عليه غير الله تعالى، وفي العبادات التي تخص الله عز وجل.

    فإذا تاب لغير الله، وطلب التوبة والمغفرة من غير الله فقد وقع في الشرك، قال الله تعالى: وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران:135].

    وثبت في مسند الإمام أحمد رضي الله عنه: (أن أسيراً أتي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب لمحمد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عرف الحق لأهله) ، قال الله تعالى: وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ [المدثر:56] ، فالله أهل المغفرة وأهل التقوى، وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران:135].

    فمن تاب لمخلوق وطلب منه أن يغفر ذنبه، وأن يمحو سيئته؛ لأنه ترك شيئاً من أنواع العبادة فقد وقع في الشرك، وهذا يقع عند الصوفية، فالمريد يتوب عند الشيخ، فيتوب عليه ويغفر ذنبه، وهذا شرك؛ لأن التوبة عبادة كما أن الصلاة عبادة، والزكاة عبادة، والصوم عبادة، والتوبة عبادة لا تكون إلا لله، وكذلك النصراني يتوب عند القسيس، فيغفر ذنوبه كلها، فهو قد فعل الجرائم كلها ثم يتوب منها.

    وبعض الشيعة يتوب عند الرئيس من الشيعة، ويعطيه صك المغفرة، وفيه فتوى بأنه مغفور له، وأنه يدخل الجنة، فهذا شرك بالله تعالى، كتوبته من الزنا، أو السرقة، أو شرب الخمر، أو ترك الصلاة، أو غير ذلك من العبادات، والمسلم يتوب إلى الله لتقصيره في الواجبات، أو اجتراحه لبعض المحرمات، فيتوب إلى الله، فلا أحدَ يُتابُ إليه في فعل شيء من المحرمات أو ترك شيء من الواجبات، فالتوبة من خصائص الله، وهي عبادة لا تكون إلا لله، فليس بعد التوبة النصوح إلا تكفير السيئات ورفع الدرجات، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ [التحريم:8]، وقال الله سبحانه: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31].

    فلا يتاب إلا إلى الله عز وجل، والله تعالى هو الذي يغفر الذنوب، فإذا قصرت في واجب فإنك تتوب إلى الله، وإذا فعلت محرماً تتوب إلى الله، وتندم على ما مضى، وحقيقة التوبة الندم على ما مضى، والإقلاع عن المعصية، والعزم على ألا تعود إلى المعصية مرة أخرى.

    وإذا كانت المعصية بينك وبين الناس فإنك ترد المظلمة إلى أهلها، فإن كانت مالاً ترده لأهله، أو كانت تتعلق بالبدن تسلم نفسك حتى يقتص منك، أو تُسامَح فيه، وإن كانت في عرض فإنك تتحلل منهم.

    فإذا كانت التوبة في حق المخلوق فلا بأس، أن تطلب منه أن يسامحك، فتقول: يا فلان! سامحني، فأنا تبت من تقصيري في حقك. فلو قصرت في حق والدك، أو حق صديقك فلا بأس بأن تتوب إليه فيما هو من حقه، وفيما هو من خصائصه.

    وقد ثبت في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها: (أنها وضعت نمرقة فيها صور فتغير النبي صلى الله عليه وسلم وهتكها، قالت عائشة : ماذا أذنبت يا رسول الله! أتوب إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم) فهي تتوب إلى الله فيما هو من خصائص الله، وتتوب إلى الرسول فيما هو من حقه، أي: إن كنت قصرت في حقك فأنا أتوب إليك يا رسول الله مما وقعت فيه من التقصير في حقك، وأتوب إلى الله من المعصية إن كنت فعلت المعصية.

    وأما التوبة في العبادات والواجبات وترك المحرمات فإنها تكون إلى الله، قال الله تعالى: وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران:135]، وقال سبحانه: هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ [المدثر:56].

    وفق الله الجميع لطاعته، ورزق الله الجميع العلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله وسلم على محمد وآله.

    الشرك في التوبة هو: أن يتوب العبد لغير الله فيما هو من خصائص الله وفيما لا يقدر عليه غير الله تعالى، وفي العبادات التي تخص الله عز وجل.

    فإذا تاب لغير الله، وطلب التوبة والمغفرة من غير الله فقد وقع في الشرك، قال الله تعالى: وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران:135].

    وثبت في مسند الإمام أحمد رضي الله عنه: (أن أسيراً أتي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب لمحمد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عرف الحق لأهله) ، قال الله تعالى: وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ[المدثر:56] ، فالله أهل المغفرة وأهل التقوى، وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ[آل عمران:135].

    فمن تاب لمخلوق وطلب منه أن يغفر ذنبه، وأن يمحو سيئته؛ لأنه ترك شيئاً من أنواع العبادة فقد وقع في الشرك، وهذا يقع عند الصوفية، فالمريد يتوب عند الشيخ، فيتوب عليه ويغفر ذنبه، وهذا شرك؛ لأن التوبة عبادة كما أن الصلاة عبادة، والزكاة عبادة، والصوم عبادة، والتوبة عبادة لا تكون إلا لله، وكذلك النصراني يتوب عند القسيس، فيغفر ذنوبه كلها، فهو قد فعل الجرائم كلها ثم يتوب منها.

    وبعض الشيعة يتوب عند الرئيس من الشيعة، ويعطيه صك المغفرة، وفيه فتوى بأنه مغفور له، وأنه يدخل الجنة، فهذا شرك بالله تعالى، كتوبته من الزنا، أو السرقة، أو شرب الخمر، أو ترك الصلاة، أو غير ذلك من العبادات، والمسلم يتوب إلى الله لتقصيره في الواجبات، أو اجتراحه لبعض المحرمات، فيتوب إلى الله، فلا أحدَ يُتابُ إليه في فعل شيء من المحرمات أو ترك شيء من الواجبات، فالتوبة من خصائص الله، وهي عبادة لا تكون إلا لله، فليس بعد التوبة النصوح إلا تكفير السيئات ورفع الدرجات، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ[التحريم:8]، وقال الله سبحانه: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[النور:31].

    فلا يتاب إلا إلى الله عز وجل، والله تعالى هو الذي يغفر الذنوب، فإذا قصرت في واجب فإنك تتوب إلى الله، وإذا فعلت محرماً تتوب إلى الله، وتندم على ما مضى، وحقيقة التوبة الندم على ما مضى، والإقلاع عن المعصية، والعزم على ألا تعود إلى المعصية مرة أخرى.

    وإذا كانت المعصية بينك وبين الناس فإنك ترد المظلمة إلى أهلها، فإن كانت مالاً ترده لأهله، أو كانت تتعلق بالبدن تسلم نفسك حتى يقتص منك، أو تُسامَح فيه، وإن كانت في عرض فإنك تتحلل منهم.

    فإذا كانت التوبة في حق المخلوق فلا بأس، أن تطلب منه أن يسامحك، فتقول: يا فلان! سامحني، فأنا تبت من تقصيري في حقك. فلو قصرت في حق والدك، أو حق صديقك فلا بأس بأن تتوب إليه فيما هو من حقه، وفيما هو من خصائصه.

    وقد ثبت في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها: (أنها وضعت نمرقة فيها صور فتغير النبي صلى الله عليه وسلم وهتكها، قالت عائشة

    : ماذا أذنبت يا رسول الله! أتوب إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم) فهي تتوب إلى الله فيما هو من خصائص الله، وتتوب إلى الرسول فيما هو من حقه، أي: إن كنت قصرت في حقك فأنا أتوب إليك يا رسول الله مما وقعت فيه من التقصير في حقك، وأتوب إلى الله من المعصية إن كنت فعلت المعصية.

    وأما التوبة في العبادات والواجبات وترك المحرمات فإنها تكون إلى الله، قال الله تعالى: وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ[آل عمران:135]، وقال سبحانه: هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ[المدثر:56].

    وفق الله الجميع لطاعته، ورزق الله الجميع العلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله وسلم على محمد وآله.

    1.   

    الأسئلة

    حكم قول (في ذمتك) أو (أمانة)

    السؤال: ما رأيك فيمن يقول: في ذمتك، أو أمانة، يريد الحلف؟

    الجواب: هذا ليس حلفاً، فالحلف يكون بحروف القسم، فيقول: والله وتالله وبالله، فهذا حلف بالله، فإذا قال: بفلان، أو بلحيتك كان هذا حلفاً بغير الله، أما إذا قال بذمتك، أو قال: في ذمتك، فهذه ليست من صيغ القسم، إلا إذا كان على تقدير محذوف، أي: في ذمتك يمين، أو في أمانك وعهدك، فهذا يحتمل، والمقصود أن الحلف يكون بحروف القسم، فإذا قال: بذمتك، أو: بذمتي يريد القسم، صار ذلك قسماً بغير الله، فلا يجوز الحلف إلا بالله وأسمائه وصفاته.

    تعريف بالسيد البدوي وقبره

    السؤال: من هو السيد البدوي ؟

    الجواب: السيد البدوي قبر في طنطا بمصر، ويزار هذا القبر ويقع عنده أنواع من الشرك، حيث يدعى من دون الله، وتسمع ارتفاع الأصوات بالضجيج إذا قربت منه، كما حدثنا بذلك من شاهده، ويذبح عنده الذبائح، ويحجون إليه في وقت المولد، حتى إنه في بعض السنوات كما حُدِّثْتُ حَجَّ إلى قبر السيد البدوي ما يقارب المليونين، أي: أكثر من الحجاج الذين يحجون إلى بيت الله، وهذا من البلاء والمصائب، فهذا القبر يطوف به الناس كما يطوفون بالكعبة، وتسمع ضجيج الأصوات عنده، يا سيدي! البدوي! أغثني، أنا في حسبك! وبعض الجهال المصريين إذا جاء إلى مكة فإنه في بعض الأحيان لا يجد مواقف في الحرم، لكن قبر السيد البدوي فيه مواقف واسعة، فيقف الإنسان هناك بارتياح، ثم يأتي إلى القبر، ثم يقول: أنا أطوف، لكن لا أطوف سبعة أشواط، وإنما أطوف ستة أشواط أو خمسة، وهذا من الجهل، حيث يقارن بين مناسك الحج وهذا القبر.

    وبعضهم يقول: أنا أذبح عند السيد البدوي وأريد بذلك أن يأكل الفقراء.

    والمقصود أن هذه الذبائح يتقربون بها إليه، وهذا القبر يقال: إنه دفن فيه شخص، وقال آخرون: ليس فيه أحد، وقال بعضهم: دفن فيه حمار، فالمقصود أنه لو كان قبر نبي لم يجزالطواف به، ولا الذبح له، ولا النذر له، ولا دعاؤه من دون الله؛ فكل هذا من الشرك، حتى ولو كان قبر نبي من الأنبياء.

    وهذا من الشرك الذي ابتلي به الناس، وافتتن به كثير منهم، كما أنه يطاف بقبر الحسين ، والدسوقي ونفيسة وابن علوان في اليمن، وعبد القادر الجيلاني في العراق، والكاظم ، وفي كل مكان هناك قبور يطاف بها، في باكستان وليبيا وأفريقيا، ما عدا هذه البلاد التي سلَّمها الله، ونسأل الله أن يسلم أوطان المسلمين، وأن يبعد عنها الشرك، وأن يُكثِّر فيها دعاة الخير والإصلاح الذين يدعون إلى توحيد الله ويبصرون الناس بما يجب عليهم من حق الله، وينهونهم عن الشرك ووسائله وذرائعه.

    حقيقة إجابة دعوة المستغيث بالقبر وداعيه

    السؤال: قد نرى من يطلب من الميت أن يشفي ابنه، ونرى أن ذلك يتحقق بعد دعائه له، فهل هذا يعتبر من الاختبار أم لا؟

    الجواب: هذا من الشرك، فإذا طلب من الميت أن يشفي مريضه فهذا شرك، وإذا شفي المريض فهذا ابتلاء وامتحان له، وهذا الشفاء لمريضه مما وافق القضاء والقدر، فالله قدر أنه يُشفى في هذا الوقت، فلما دعا ثم شفي بعد ذلك ظن أن هذا بسبب دعاء الميت، فصار فتنة له واختباراً، وقد يكون هذا من الأسباب التي تغريه بالبقاء على الشرك.

    فبعض الناس قد يدعو الله عند قبر ثم يشفى مريضه، فيظن أن السر في القبر، وقد يكون السبب في إجابة دعائه أنه صاحب ضرورة، والله تعالى يقول: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ [النمل:62].

    والمقصود أن هذا دعاء وافق القضاء والقدر، والله قدر لكل شيء قدراً، وفي اللوح المحفوظ أن هذا يشفى في الوقت الفلاني، فلما دعا وأشرك بالله وحصل الشفاء لمريضه ظن أن هذا بسببه، وصار فتنة له، نسأل الله السلامة والعافية.

    شرك الدعاء

    السؤال: ما تعريف شرك الدعاء؟

    الجواب: الشرك في الدعاء هو: أن يدعو غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، سواء أكان طلباً للشفاعة أم لغيرها، فيسأله المدد أو قضاء الحاجات وتفريج الكربات، كأن يدعو ميتاً أو غائباً أو حياً حاضراً فيما لا يقدر عليه إلا الله، مثل أن يقول : يا فلان أغثني! يا سيدي البدوي ! أو: يا سيدي يا رسول الله! أو: يا سيدي الدسوقي ! أو: يا نفيسة ! أو: يا عبد القادر ! أو: يا ابن علوان! أغثني، المدد المدد، فرج كربتي، خذ بيدي، لا تخيب رجائي، اشفع لي! فهذا كله شرك مع الله تعالى.

    أما من دعا حياً حاضراً أمامه ومعه أسباب ظاهرة فلا يكون ذلك شركاً، كأن يقول: يا فلان! أعني على إصلاح بيتي، أو: أعني على بناء بيتي، أو: إصلاح مزرعتي، أو: إصلاح سيارتي، أو: أقرضني مالاً، فهذا لا يكون شركاً؛ لأنه حي حاضر قادر أمامه، معه أسباب ظاهرة.

    عقيدة الجيلاني

    السؤال: هل كان عبد القادر الجيلاني على عقيدة أهل السنة والجماعة، وتلامذته هم الذين عظموه بعد وفاته؟

    الجواب: نعم، فـعبد القادر الجيلاني من الصالحين، وهو من علماء الحنابلة، ولكن الناس عكفوا على قبره وغلوا فيه ودعوه من دون الله، وهو لا يرضى بذلك، وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وأثنى عليه، وله كتاب (الغنية)، ومن ذلك أيضاً أن شيخ الإسلام رحمه الله ذكر قصة له تبين أن الشياطين تستولي على بعض الناس فتغريهم بالشرك وتتسلط عليهم كما تتسلط على المشركين، فبعض الشياطين تدخل في القبور، وتخاطب من يدعوها من دون الله، ويسمع منها الصوت، مثل العزى كان يسمع منها الصوت، فيظن المشرك أنه إذا دعاه وأجابه أنه سيقضي له حاجته، وقد ينشق القبر ثم يخرج شيطان في صورة الميت ويسلم عليه، ويقول: أنا أقضي لك حوائجك، حتى يغريه بالشرك ويشده إليه، هكذا كان شيخ الإسلام يقول: ذكر لي شخص أنه رآني في صورتي في البلد الفلاني، وأنا في البلد الفلاني.

    ومن ذلك ما حصل لـعبد القادر الجيلاني، حيث قال: رأيت عرشاً بين السماء والأرض، فنادني بصوت فقال: يا عبد القادر ! أنا ربك قد أسقطت عنك الفرائض، وأبحت لك المحارم كلها. فقلت: اخسأ يا عدو الله، فتمزق ذلك العرش، وذهب ذلك النور، وقال: نجوت مني بحلمك وعلمك يا عبد القادر ، وقد أغويت بهذه الفعلة سبعين صِدِّيقاً أو كما قال.

    ثم قيل له: كيف عرفت -يا عبد القادر- أنه الشيطان؟ قال: عرفت عندما قال: أسقطت عنك الواجبات وأبحت لك المحرمات، والأصل أن الواجبات لا تسقط عن أحد، فهي لا تسقط عن أحد إلا من فقد عقله، وقال: إنه لم يستطع أن يقول: أنا الله، وإنما قال: أنا ربك.

    فهذه من القصص التي ذكرها شيخ الإسلام عن عبد القادر الجيلاني ، فالشيطان يتخذ عرشاً من نور بين السماء والأرض، فيخاطبه الشياطين، ولهم أفعال شيطانية كثيرة ولاسيما على من يتسلطون عليهم من عباد القبور وغيرهم، فيشجعونهم على البقاء على الشرك، حتى إنه إذا ترك العبد الشرك يأتيه الشيطان ويقوم بإيذائه والتسلط عليه حتى يفعل الشرك، قال الله تعالى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [النحل:98-100] ، فالذي يتولاه يكون له عليه سلطان، حتى إن بعض عباد القبور يأتي يزحف، أو وهو ساجد حتى يصل إلى القبر، ويقول: إنه لا يستطيع أن يمشي وهو قائم، ولو أنه مشى قائماً لخبطه الشيطان حتى يعظم هذا الميت، ويمشي وهو راكع أو يمشي على ركبتيه، وهذا مشاهد وواقع في قصص كثيرة من هذا القبيل.

    وقد ذكر لي أحد المصريين الحجاج أنه يذبح للسيد البدوي ، وبعضهم يقول: إنه يذبح في العام مرة، ويقول: عليه ذبيحة لأهل الله.

    وقال: إني أردت مرة أن أترك الذبح، أو تأخرت عن الذبح، فجاءني في الليل جمل قد فتح فاه يريد أن يأكلني، وما تخلصت منه حتى ذبحت له، فانظر كيف أن الشياطين تتسلط عليهم حتى يذبحوا للقبور، كما قال الله إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [النحل:100].

    حكم زيارة القبور في أول يوم من العيدين

    السؤال: في منطقتي يذهب الناس في اليوم الأول من العيدين بعد صلاة الفجر إلى زيارة القبور، ويدعون لهم، فالابن يذهب إلى قبر أبيه وأمه وجده وغيرهم من الأقارب، فهل يوجد دليل شرعي على اختصاص زيارة القبور في مثل هذا اليوم الأول من العيدين؟

    الجواب: لا أعلم دليلاً يدل على تخصيص يوم العيد بالزيارة، وإنما يزور الإنسان القبر في كل وقت شاء، فليس هناك وقت محدد، يزور الإنسان فيه قبر قريبه ويسلم عليه ويدعو له ويترحم عليه ثم ينصرف.

    والواجب إذا زار القبر ألا يقرأ شيئاً من القرآن، ولا يجلس عنده، ولا يصلي في المقبرة، فكل هذا من وسائل الشرك.

    والزيارة الشرعية فيها فائدتان: فائدة للحي، وفائدة للميت، ففائدة الميت أن تدعو له وتترحم عليه، وفائدة الحي أن يرق قلبك، وتتذكر الآخرة، وتتذكر مصيرك وأنك صائر إلى ما صار إليه، وتسلم عليه، فتقول: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم تقبله برحمتك ...إلخ.

    العمل شرط في صحة الإيمان

    السؤال: هل العمل شرط لصحة الإيمان أم لا؟

    الجواب: نعم، فالإيمان لا يكفي فيه الاعتراف والتصديق بالقلب فقط، بل لابد فيه من شرط الانقياد، والانقياد يكون بالعمل، وإلا صار كإيمان فرعون، فإيمانه إيمان بلا عمل.

    كما أن العمل لا يصح بدون تصديق القلب، وإلا كان كإيمان المنافقين، فالمنافقون يعملون وليس عندهم إيمان وتصديق بالقلب، فهم يصلون ويصومون ويتصدقون، لكن ليس عندهم إيمان، فالإسلام لا بد له من إيمان يصححه، والإيمان لا بد له من أعمال يتحقق بها.

    ومن يدعي الإيمان ولا يعمل فهو كفرعون الذي قال الله تعالى عنه : وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ [النمل:14]، وقال له موسى: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ [الإسراء:102] فهو عالم معترف، لكن لم يعمل، فلابد من أن تكون الجوارح منقادة بالعمل، فمن شروط (لا إله إلا الله) الانقياد، والانقياد يكون بالعمل.

    حكم تبرك المسلم بأخيه مزاحاً

    السؤال: يقع من بعض الإخوان أن يتمسح بأخيه ويتبرك به من باب المزاح، مع اعتقاد جازم بأن هذا الشخص لن يضره ولن ينفعه، فهل هذا يقع عليه مثال الشرك بالتبرك؟

    الجواب: إن كان يطلب البركة ويعتقد أن البركة من الله، وهذا سبب، وليس شخصاً مباركاً؛ فهذا من الشرك الأصغر، أما إذا كان شخصاً مباركاً فيه خير ونفع للإسلام والمسلمين، كعالم ينفع الله به الناس، أو محسن يتصدق وينفق أمواله لمساعدة الآخرين، فهذا لا بأس به، وإن كان يعتقد أن ذاته فيها بركة فهذا شرك أكبر، وإذا كان ذلك ليس عن عقيدة فلا يضر.

    فالمهم النية ومقصوده من هذا المسح، فإن كان مزاحاً فقط من دون نية، التبرك فهذا شيء آخر، أما إذا قصد التبرك فهذا على حسب التفصيل السابق.

    حكم طروء الرياء في أثناء العمل وبعده

    السؤال: أحياناً أعمل بعض الأعمال أريد بها وجه الله تعالى، لكن بعد العمل أو أثناء العمل يدخل في قلبي شيء من الرياء، كفرحي بعلم فلان من الناس، أو حبي أن أمدح، فهل هذا من الرياء؟ وما العلاج لهذا؟

    الجواب: إن كان ذلك في أثناء العمل فهذا فيه تفصيل: إن طرأ الرياء في أثناء العمل وكان خاطراً ودفعه فلا يضره، أما إذا استرسل فيه ففيه خلاف بين أهل العلم، فمن العلماء من قال: يجازى بنيته الأولى؛ لأن نيته الأولى كانت لله، ومن العلماء من قال: إذا استرسل معه إلى نهاية العمل فإنه يحبط العمل.

    وأما إذا كان بعد العمل، ثم أثنى عليه الناس فهذا لا يضره؛ لأن تلك عاجل بشرى المؤمن، كما في الحديث: (تلك عاجل بشرى المؤمن)، لكن لا يتحدث هو بالعمل، لكن لو تحدَّث الناس بعمله، أو علم الناس به، ثم سره ذلك فلا يضره ذلك، فهذا من عاجل بشرى المؤمن، أما أن يتحدث بعمله ويقول: أنا أفعل كذا، وأنا أصوم، وأنا أصلي الليل، وأنا أصوم الإثنين والخميس؛ فهذا من الرياء كما ذكر العلماء.

    والإنسان إذا وقع في شيء من ذلك فليجاهد نفسه، وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وليدفع هذه الخواطر، وليعلم أن الناس لا ينفعونه ولا يضرونه.

    كيفية زيارة القبور

    السؤال: ما هي الصيغة المشروعة في زيارة القبور، وهل الداعي إذا دعا للميت يستقبل القبر؟

    الجواب: نعم يستقبل القبر ويسلم عليه، ويقول: السلام عليك -يا فلان- ورحمة الله وبركاته، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا زار قبر النبي صلى الله عليه وسلم قال: السلام عليك يا رسول الله. ثم يتأخر ويقول: السلام عليك يا أبا بكر ورحمة الله وبركاته، ثم يقول: السلام عليك يا أبتاه. ثم ينصرف.

    ولكن لا يجوز له أن يقرأ القرآن عنده، ولا يصلي عند القبر، فكل هذا من وسائل الشرك، ولا يطيل المكث، بل يدعو ثم ينصرف.

    الجنيد والتيجاني والطرق الصوفية

    السؤال: من هو الإمام الجنيد ، ومن هو التيجاني؟

    الجواب: الجنيد من الصوفية، واسمه أبو القاسم الجنيد، وكان يثني عليه شيخ الإسلام رحمه الله، وتنتسب إليه الصوفية، لكنه من الصوفية المعتدلة، ولهذا نقل عنه شيخ الإسلام وابن القيم أنه قال: (علمنا -أي: الصوفية- مقيد بالكتاب والسنة) وهذا كلام عظيم.

    أما التيجاني فهو رئيس فرقة التيجانية، وتنتسب إليه التيجانية، وهي فرقة من فرق الصوفية، ومن الفرق الصوفية: القادرية والنقشبندية، وهناك طرق كثيرة موجودة في السودان وباكستان وأفريقيا والشام ومصر، وكل طريقة لها شيخ، ومن هذه الطرق ما يوصل إلى الكفر، ومنها ما يوصل إلى البدعة، ومن هذه البدع صلاة الفاتح، ويعتقدون أن صلاة الفاتح أفضل من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، أو يعتقدون أنها أفضل من القرآن، وكذلك الطريقة الشاذلية، وهناك كتب ومؤلفات في هذا، فعلى السائل أن يرجع إلى تفاصيل هذه الطرق في المؤلفات، ليرى الأذكار التي عندهم، وكيف أنهم يتمسحون بشيوخهم، وبعض هذه الطرق تعبد شيوخها، فالواحد منهم يقول له الشيخ: إذا أردت أن تعصي الله فاذكرني. يعني: خف مني ولا تخف من الله.

    ويقدمونهم على النبي صلى الله عليه وسلم، ويعرضون كلام الرسول على كلامهم، فما وافق كلامهم قبلوه وما خالفه ردوه.

    وقد يكون في البلد الواحد أكثر من مائة طريقة، وكل طريقة لها شيخ، ولهم طريقة في الأذكار، ولهم طريقة في تقديس وتعظيم شيوخهم، ومنهم المبتدع، ومنهم الكافر، نسأل الله السلامة والعافية.

    الفرق بين كمال التوحيد الواجب وكمال التوحيد المستحب

    السؤال: ما الفرق بين كمال التوحيد الواجب وكمال التوحيد المستحب، مع ذكر مثال يوضح ذلك؟

    الجواب: كمال التوحيد الواجب تنافيه المعصية، فمثلاً: إذا عصى الإنسان ربه نقص توحيده، وذلك مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه)، فكونه لا يحب لأخيه ما يحبه لنفسه ينقص كمال التوحيد الواجب أو كمال الإيمان الواجب، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)، فإذا قدم شيئاً من محبة الولد أو الوالد فإنه ينقص كمال التوحيد الواجب، ومثل قوله تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [التوبة:24]، فإذا قدم شيئاً من محبة الآباء أو الأبناء أو الإخوان أو الأزواج أو العشيرة على الله ورسوله فإنه متوعد بهذا الوعيد، ويكون فاسقاً، لقوله تعالى: فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:24]، أما إذا ترك شيئاً من المستحبات غير الواجبة، فهذا هو الذي ينقص كمال الإيمان المستحب.

    إذاً: هناك فرق، فمن ترك شيئاً واجباً فقد نقص كمال التوحيد والإيمان الواجب، وإذا ترك المستحب فهذا نقص في الكمال المستحب.

    فالزاني أو السارق فعله لهذه المعصية ينقص إيمانه الواجب، لا إيمانه المستحب، وكذلك إذا قصر في بعض الواجبات، كما إذا قصر في بره بوالديه أو صلته لرحمه، فيكون ناقص الإيمان وناقص التوحيد.

    أما إذا ترك شيئاً من المستحبات -كأن يترك بعض النوافل، مثل صلاة الليل- فقد ترك شيئاً مستحباً.

    سماع الموتى كلام الأحياء

    السؤال: هل الميت يسمع كلام أصحابه إذا حدثوه وهو في القبر؟

    الجواب: الأصل أنه لا يسمع، قال الله تعالى: إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى [النمل:80]، وقال تعالى: وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [فاطر:22]، فالأصل أن الميت لا يسمع، إلا ما ورد فيه الدليل بأنه يسمعه، كما جاء في الحديث أن الميت إذا دفنه أصحابه وتولوا عنه سمع قرع نعالهم، وكذلك أيضاً صناديد قريش الذين قتلوا يوم بدر وسحبوا وألقوا في قليب هناك، فناداهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (يا فلان ابن فلان! يا فلان ابن فلان! هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً؛ فقد وجدت ما وعدني ربي حقاً. فقال عمر : يا رسول الله! ما تكلم من أناس هلكى؟! فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يجيبون) فالقتلى الذين سحبوا إلى القليب في يوم بدر سمعوا كلام الرسول صلى الله عليه وسلم.

    العذر بالجهل في ارتكاب الشرك

    السؤال: هل يعذر بالجهل من يطوف بالقبر أو يفعل شيئاً من أعمال الشرك إذا كان يجهل أن ما يعمله شرك بالله عز وجل؟

    الجواب: الذين وقع فيهم ذلك قبل بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام هم أهل الفترة، وفيهم كلام لأهل العلم، وأما بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد نزول القرآن، فإن الله تعالى يقول: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15]، فالله بعث الرسول، وأنزل القرآن، فهل يعذر المشرك إذا لُبِّس عليه أن يطوف بالقبور ويدعوها من دون الله، ويذبح لها، فصار مغطى عليه الحق ولا يبصر الحق ولا يعلمه بسبب تلبيس علماء السوء الذين يلبسون عليه ويحسنون له الشرك؟

    قال بعض العلماء: إنه يعذر في هذه الحالة، ولكنه يعامل في الدنيا معاملة المشركين، فلا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن مع المسلمين في مقابرهم، فحكمه حكم أهل الفترات.

    وهذا هو الذي ذهب إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، حيث قال: لا نكفر أحداً حتى تقوم عليه الحجة. وقال آخرون من أهل العلم: إنه لا يعذر أحد بعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن الله يقول: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15] وقد بعث الرسول، وأنزل القرآن، والقرآن يتلى، والنصوص واضحة في بيان الشرك والتحذير منه، فلا يعذرون، فهما قولان لأهل العلم ذكرهما شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره.

    وفق الله الجميع لطاعته، ورزق الله الجميع العمل الصالح والعلم النافع، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.