إسلام ويب

شرح الاقتصاد في الاعتقاد للمقدسي [8]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن صفة الكلام من الصفات التي اشتد فيها النزاع بين أهل السنة والجماعة وبين أهل البدع، فمن المبتدعة من يقولون: إن الحروف والأصوات ليست كلام الله، أما أهل السنة والجماعة فيعتقدون أن الحروف المكتوبة والأصوات المسموعة عين كلام الله تعالى لا حكاية.

    1.   

    إثبات أن الحروف المقروءة عين كلام الله تعالى

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ونعتقد أن الحروف المكتوبة والأصوات المسموعة عين كلام الله عز وجل لا حكاية ولا عبارة، قال الله عز وجل: الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة:1-2].

    وقال: المص * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ [الأعراف:1-2] .

    وقال: الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ [يوسف:1] .

    وقال: المر [الرعد:1]، وقال: كهيعص [مريم:1]، حم * عسق [الشورى:1-2]، فمن لم يقل: إن هذه الأحرف عين كلام الله عز وجل فقد مرق من الدين وخرج عن جملة المسلمين، ومن أنكر أن يكون حروفاً فقد كابر العيان وأتى بالبهتان ].

    من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الحروف المكتوبة في المصاحف هي كلام الله، والأصوات المسموعة هي كلام الله، الصوت صوت القاري والمسموع كلام الباري.

    وجملة: (لا حكاية ولا عبارة) فيها الرد على أهل البدع، ومنهم الكلابية أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب الذين يقولون: الحروف والأصوات ليست كلام الله، وإنما هي حكاية عن كلام الله. وعلى الأشاعرة الذين يقولون: الحروف والأصوات عبارة عن كلام الله، والحكاية والعبارة متقاربان.

    فكلام الله عند هاتين الفرقتين معنى نفسي قائم في نفس الرب لا يسمع، كما أن العلم قائم بنفسه، وهذا باطل. وقد رد المصنف هذا وقال: نعتقد -معشر أهل السنة والجماعة- أن الحروف المكتوبة والأصوات المسموعة عين كلام الله تعالى لا حكاية كما تقول الكلابية، ولا عبارة كما يقول الأشاعرة.

    والأدلة على ذلك كثيرة ومنها: قول الله عز وجل: الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة:1-2] ووجه الدلالة أنه تعالى قال: (ذَلِكَ الْكِتَابُ) والكتاب هو حروف مكتوبة أمامنا، قال: ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة:2] فهو كلام الله.

    وقال تعالى: المص * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ [الأعراف:1-2] إذاً: الكتاب الذي أنزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم هو كلام الله، وهو الكتاب الذي أنزل فيه حروف وألفاظ.

    وقال تعالى: الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ [يوسف:1] فهو الكتاب الذي فيه حروف.

    وقال تعالى: المر [الرعد:1]، وقال تعالى: كهيعص [مريم:1]، وقال تعالى: حم * عسق [الشورى:1-2] فهذه الآيات وغيرها تدل على أن كلام الله حروف.

    يقول: (فمن لم يقل: إن هذه الأحرف هي عين كلام الله عز وجل فقد مرق من الدين وخرج عن جملة المسلمين). أي أن من أنكر أن يكون الحروف من كلام الله فقد خرج من الدين وخالف المسلمين.

    ومروقه من الدين لقوله: إنها مخلوقة، ومن قال: القرآن مخلوق. فهو كافر كما قال العلماء.

    ومن أنكر أن يكون كلام الله حروفاً فقد كابر العيان وأتى بالبهتان، فإذا فتحت المصحف عاينت حروف كلام الله تعالى.

    ويقصد بهذا المؤلف رحمه الله الرد على الأشاعرة وكذلك الكلابية الذين يقولون: القرآن عبارة عن كلام الله أو حكاية عن كلام الله، وكلام الله إنما هو معنى نفسي يقوم بنفس الرب، وهذا من أبطل الباطل.

    1.   

    أدلة إثبات أن القرآن حروف

    حديث ابن مسعود: (من قرأ حرفاً من كتاب الله...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وروى الترمذي من طريق عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قرأ حرفاً من كتاب الله عز وجل فله عشر حسنات)، قال الترمذي : هذا حديث صحيح. ورواه غيره من الأئمة وفيه: (أما إني لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف) ].

    هذا الحديث رواه الترمذي في كتاب فضائل القرآن، وفيه إثبات أن القرآن حروف وفيه ردّ على الأشاعرة والكلابية.

    وفي رواية غيره: (أما إني لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف)، فإذا قرأ المسلم (ألم) فهذه ثلاثة أحرف بثلاثين حسنة، كل حرف منها بعشر حسنات لمن تقبل الله منه.

    نعت أم سلمة قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم مفسرة حرفاً حرفاً

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وروى يعلى بن مملك عن أم سلمة أنها نعتت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفاً حرفاً. رواه أبو داود وأبو عبد الرحمن النسائي وأبو عيسى الترمذي ، وقال: حديث حسن صحيح غريب ].

    هذا الحديث رواه أبو داود والنسائي والإمام أحمد في مسنده والبخاري في (خلق أفعال العباد) والنسائي في فضائل القرآن، وفيه أن أم سلمة وصفت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هي تصف قراءة مفسرة حرفاً حرفاً. فكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يسرع، وإنما يقف على رءوس الآي، فيقرأ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] ثم الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3] ثم مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4]، وهذا فيه الرد على من أنكر أن يكون القرآن حروفاً كالأشاعرة والكلابية وغيرهم.

    إخباره صلى الله عليه وسلم عن قراء يقيمون حروف القرآن دون حدوده

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وروى سهل بن سعد الساعدي قال: (بينا نحن نقتري إذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: الحمد لله، كتاب الله واحد، وفيكم الأخيار، وفيكم الأحمر والأسود، اقرءوا القرآن قبل أن يأتي أقوام يقرءونه يقيمون حروفه كما يقام السهم لا يتجاوز تراقيهم، يتعجلون أجره ولا يتأجلونه)، رواه أبو بكر الآجري وأئمة غيره ].

    هذا الحديث رواه أبو بكر الآجري في (أخلاق حملة القرآن) ورواه أبو داود في السنن بإسناد جيد.

    وقوله: (يقيمون حروفه إقامة السهم) يعني: يقرءون القرآن قراءة مجودة لكن لا يقبل منهم، وقوله: (لا يجاوز تراقيهم) الترقوة: العظم فوق الكتف، أي أنه غير مقبول منهم لعدم إخلاصهم؛ ولهذا قال: (يتعجلون أجره ولا يتأجلونه) أي: يأخذون أجرهم في الدنيا من مالٍ وجاهٍ وغيره مقابل القراءة، ولا يطلبون الثواب المؤجل عند الله عز وجل، وكثيراً ما يريد الإنسان بعمل الآخرة الدنيا.

    والشاهد من الحديث قوله: (يقيمون حروفه) فأثبت أن القرآن حروف.

    تفضيل أبي بكر وعمر إعراب القرآن على من حفظ بعض حروفه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وروي عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أنهما قالا: إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه ].

    هذا الحديث أورده ابن قدامة رحمه الله في المناظرة التي جرت بينه وبين أهل البدع، وفيه عن أبي بكر وعمر أنهما قالا: (إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه).

    ومعناه أن قراءة الإنسان قراءة مجودة مرتلة أحب إليهما وأفضل من حفظ الحروف مع عدم فهم للمعاني وتأمل لها.

    وهذا مثلما قال أبو عبد الرحمن السلمي التابعي الجليل: (كان مشايخنا الذين يقرئوننا القرآن -عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود - يقولون: كنا لا نتجاوز العشر الآيات حتى نتعلم معانيها والعمل بها، فتعلمنا العلم والعمل جميعاً)، فكون الإنسان يتفهم الآيات التي يقرؤها ويتفهم معانيها ويتدبرها ويجودها أحسن من كونه يحفظ آيات كثيرة من غير إعراب ومن غير تفهم.

    والشاهد قولهما: (من حفظ بعض حروفه). فأثبتا أن القرآن حروف، وفيه الرد على من أنكر أن يكون القرآن حروفاً من الأشاعرة والكلابية.

    قول علي في الجنب أنه لا يقرأ حرفاً من القرآن

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وروى أبو عبيد في فضائل القرآن بإسناده قال: سئل علي رضي الله عنه عن الجنب يقرأ القرآن؟ فقال: لا، ولا حرفاً ].

    هذا الأثر فيه إثبات أن القرآن حروف.

    وقراءة الجنب للقرآن مختلف فيها بين أهل العلم، فعند جمهور العلماء أن الجنب لا يقرأ القرآن حتى يغتسل، وإذا لم يكن عليه جنابة ولكنه كان محدثاً حدثاً أصغر فله أن يقرأ القرآن عن ظهر قلب، أما المصحف فلا يمسه حتى يتوضأ.

    وقال بعض العلماء: للجنب قراءة القرآن.

    وأما الحائض والنفساء ففيهما خلاف، فجمهور الأئمة قاسوا الحائض والنفساء على الجنب، فقالوا: الحائض والنفساء لا تقرآن القرآن. واستدلوا بحديث ضعيف، والصواب: أن الحائض والنفساء تقرءان القرآن عن ظهر قلب، ولا تقاسان على الجنب؛ لأن الجنب مدة جنابته قليلة، والجنب يستطيع أن يغتسل ويقرأ القرآن، لكن الحائض والنفساء لا تستطيعان ذلك ومدتهما تطول، فقد تكون مدة النفاس أربعين يوماً وتكون النفساء حافظة للقرآن فتنسى إذا لم تراجع، وقد تكون مدرسة أو طالبة وتحتاج لقراءته، فلها أن تقرأه عن ظهر قلب.

    حكم ابن مسعود بالكفر بالقرآن على من كفر بحرف منه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: من كفر بحرف منه - يعني القرآن - فقد كفر به أجمع. وقال أيضاً: من حلف بسورة البقرة فعليه بكل حرف يمين ].

    يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (من كفر بحرف منه -يعني القرآن- فقد كفر به أجمع). وهذا رواه الطبري رحمه الله في مقدمة تفسيره واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة.

    وقال أيضاً: (من حلف بسورة البقرة فعليه بكل حرف يمين). أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، وذلك لأن كل حرف من حروف البقرة وغيرها من السور هو من القرآن، وسورة البقرة تشمل ألفاظها وحروفها ومعانيها، فلهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: (من حلف بسورة البقرة فعليه بكل حرف يمين).

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال طلحة بن مصرف : قرأ رجل على معاذ بن جبل فترك واواً فقال: لقد تركت حرفاً أعظم من جبل أحد ].

    أي أن ترك حرفاً من القرآن أعظم من الجبل؛ لأن كلام الله صفة من صفاته، ولا يجوز إسقاط شيء منه ولا ترك حرف من حروفه.

    إثبات الحسن البصري لحروف القرآن الكريم

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال الحسن البصري في كلام له: قال الله عز وجل: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ [ص:29] ، وما تدبر آياته إلا اتباعه، أما والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: قد قرأت القرآن كله فما أسقطت منه حرفاً وقد أسقطه -والله- كله ].

    هذا الأثر رواه ابن كثير في التفسير وعزاه إلى ابن أبي حاتم .

    فـالحسن البصري الإمام المعروف العالم التابعي الجليل يقول في قول الله تعالى: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ [ص:29] وما تدبر آياته إلا اتباعه والعمل به؛ لأن التدبر وسيلة إلى العمل، ولهذا يقول رحمه الله: (وما تدبر آياته إلا اتباعه، أما والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: قد قرأت القرآن كله فما أسقطت منه حرفاً وقد أسقطه -والله- كله). يعني: ما أسقط منه حرفاً بالقراءة ولكنه أسقطه كله حيث لم يعمل به ولم يتبعه، فإذا لم يعمل به ولم يتبعه فقد أسقطه كله وإن أقام حروفه؛ لأن التلاوة وإن كانت عبادة مستقلة إلا أنها وسيلة إلى العمل، فإذا لم يعمل به فلن تحصل الفائدة، بل بذلك قامت عليه الحجة وصار القرآن حجة عليه.

    تكفير ابن المبارك لمن كفر بحرف من القرآن

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال عبد الله بن المبارك : من كفر بحرف من القرآن فقد كفر بالقرآن، ومن قال: لا أؤمن بهذه اللام فقد كفر ].

    هذه العبارة قالها عبد الله بن المبارك الإمام العالم الزاهد المشهور، فقال: (من كفر بحرف من القرآن فقد كفر بالقرآن)؛ لأنه يجب الإيمان بالقرآن كله، فمن آمن ببعضه وكفر ببعضه فقد كفر بالجميع، وعبد الله بن المبارك قال هذا الكلام أخذاً من قول الله تعالى: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [البقرة:85].

    قال: ومن قال: لا أؤمن بهذا اللام الذي هو من كلام الله فقد كفر.

    1.   

    إثبات أن كلام الله بصوت والرد على المخالفين

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وروى عبد الله بن أنيس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يحشر الناس يوم القيامة -وأشار بيده إلى الشام- عراة غرلاً بهماً. قال: قلت: ما بهماً؟ قال: ليس معهم شيء، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة حتى أقصه منه. قالوا: وكيف وإنما نأتي الله عراة غرلاً بهما؟ قال: بالحسنات والسيئات)، رواه أحمد وجماعة من الأئمة ].

    هذا الحديث رواه الإمام أحمد رحمه الله في المسند، ورواه البخاري رحمه الله في الأدب المفرد، والحاكم في المستدرك، والخطيب البغدادي وغيرهم، وهو حديث مشهور ويسمى حديث المظالم.

    و البخاري رحمه الله رواه معلقاً في الصحيح فقال: رحل جابر بن عبد الله إلى عبد الله بن أنيس في طلب الحديث الواحد. والحديث الذي رحل من أجله هو حديث المظالم هذا.

    وهذا فيه الرحلة في طلب العلم، ولهذا رواه البخاري في الرحلة لطلب العلم، حيث رحل جابر بن عبد الله من المدينة إلى عبد الله بن أنيس في الشام في طلب الحديث الواحد، واشترى بعيراً لهذه المهمة.

    فعلماء الصحابة ومن بعدهم كان لهم عناية في طلب الحديث، وكانوا يتحملون المشاق، وقد استغرقت إحدى الرحلات شهراً، وهي رحلة من المدينة إلى الشام، فلما وصل إليه طرق عليه الباب، فلما خرج عبد الله بن أنيس قال جابر بن عبد الله : حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في المظالم خشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه، فذكر الحديث.

    والشاهد من الحديث قوله: (فيناديهم بصوت)، فيه إثبات الصوت، أي أن كلام الله بصوت يسمع. وفيه الرد على الأشاعرة والكلابية والجهمية والفلاسفة الذين يقولون: إن كلام الله معنى قائم بالنفس، إلا أن الكلابية يقولون: الكلام أربع معانٍ في نفسه هي: الأمر والنهي والخبر والاستفهام، والأشاعرة يقولون: هو معنى واحد لا يتعدد ولا يتجزأ ولا يتفسر ولا يتنوع، بل هذا التنوع هو صفات له، إن عبرت عنه بالعربية فهو القرآن، وإن عبرت عنه بالعبرانية فهو التوراة، وإن عبرت عنه بالسريانية فهو الإنجيل، وإن عبرت عنه بالداودية فهو الزبور، فهو شيء واحد، هكذا يقول الأشاعرة؛ وعندهم هو واحد لكن له صفات، ويمثلون لذلك بالإنسان، فالإنسان له صفات متعددة، فأنت أب بالنسبة لأبنائك وابن بالنسبة إلى آبائك وأجدادك، وأنت عم بالنسبة إلى أبناء أخيك، وأنت خال بالنسبة إلى أبناء أختك، فأنت واحد وتوصف بأنك أب وابن وعم وخال، فكذلك الكلام معنى واحد يوصف بأنه توراة وإنجيل وقرآن؛ فالتنوع هو في العبارات والدلالات لا في المدلول، وكلهم يقولون: الحروف والأصوات دليل على القرآن وليست هي قرآناً، إلا أن الكلابية يسمونها حكاية، والأشاعرة يسمونها عبارة.

    والفلاسفة يقولون: ليس الكلام حرفاً وإنما هو معنى يفيض من العقل الفعال على النفس الشريفة، فيحصل لها تصورات بحسب ما قبلته منه.

    فهذا الحديث فيه رد على جميع هؤلاء الطوائف.

    والفلاسفة يقولون: ليس الكلام حرف، وإنما هو معنى يسير من العقل الفعال على النفس الشريفة، فيحصل له من التصورات والتصديقات بحسب ما قبلته من ذلك، فهذا الحديث فيه رد على هذه الطوائف من الكلابية والأشاعرة والفلاسفة الذين ينكرون أن يكون كلام الله بالصوت، وهذا حديث صريح حيث قال: (فيناديهم بالصوت).

    وأصح ما ثبت في الصحيح: (أن الله تعالى ينادي آدم يوم القيامة بالصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب)

    وينادي آدم فيقول: (لبيك وسعديك، فيقول: أخرج بعث النار)، وهذا فيه إثبات الصوت. والحديث فيه: (يحشر الناس يوم القيامة) وأشار بيده إلى الشام؛ لأنه مكان المحشر (غرلاً بهماً عراة لا ثياب عليهم) وغرلاً جمع الأغرل وهو الأقلح، والغرلة: القلفة، يعني: غير مختونين، والأغرال: غير المختونين، أي لم تزل عنهم الجلدة التي تقطع من الصبي وهو صغير. فالناس ترجع إليهم يوم القيامة، فيكونون غير مختونين، عراة لا ثياب عليهم، حفاة، وفي اللفظ الآخر: (لا نعال عليهم) .

    وقوله: (بهماً) أي: ليس معهم شيء، ويكون القصاص هناك بالحسنات والسيئات (فيناديهم الرب سبحانه وتعالى بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة حتى أقصه منه، قالوا: وكيف يكون القصاص؟) أي: ليس عندنا شيء، لا دراهم، ولا فضة، ولا ذهب، ولا أوراق نقدية، ولا أمتعة فكيف يكون القصاص؟ فقال: (بالحسنات والسيئات) أي: أن القصاص هناك يكون بالحسنات والسيئات.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وروى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء كجر السلسلة على الصفوان فيخرون سجداً). وذكر الحديث].

    حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه رواه البخاري تعليقاً في كتاب التوحيد، يقول عبد الله بن مسعود : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء كجر السلسلة على الصفوان فيخرون سجداً). وله شواهد.

    وأخرج نحوه في كتاب التفسير في قوله: إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ [الحجر:18] باب: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ [سبأ:23].

    وفيه وجهان لإثبات الصوت لكلام الله حيث قال: سمع صوته أهل السماء وهذا وجه، والوجه الثاني قوله: وأن كلام الله بصوت يسمع. وفيه الرد على من أنكر الصوت من الكلابية والأشاعرة والفلاسفة وقوله: (كجر السلسلة على الصفا) سلسلة الحديد على الصفا أو الصفوان، والصفوان: الحجر الأملس، وهذا من باب التقريب، وليس فيه تشبيه صوت الله بصوت السلسلة، وإنما المعنى أن كلام الله يسمع بصوت، كما يسمع صوت السلسلة، وهو كقوله في الحديث الآخر: (إنكم ترون ربكم كما ترون القمر)، فليس في هذا تشبيه لله بالقمر، وإنما تشبيه للرؤية بالرؤية، وهنا تشبيه للصوت بالصوت، يعني: كما أن الصوت المسموع من السلسلة يكون قوياً، فكذلك الصوت المسموع من كلام الله يكون قوياً، وإلا فصوت الله لا يشبه صوت المخلوقين.

    1.   

    شبه المنكرين للصوت والحرف والتدليل على بطلان شبههم

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقول القائل بأن الحرف والصوت لا يكون إلا من مخارج باطل ومحال قال الله عز وجل: يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ [ق:30].

    وكذلك قال الله عز وجل إخباراً عن السماء والأرض أنهما: قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت:11] فحصل القول من غير مخارج ولا أدوات.

    وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كلمه الذراع المسموم. وصح أنه سلم عليه الحجر وسلمت عليه الشجرة ].

    هذه شبه المنكرين للحرف والصوت من كلام الله عز وجل، فقد بين المؤلف رحمه الله شبههم ورد عليها.

    ومن شبههم أنهم يقولون: الحرف والصوت لا يكون إلا من مخارج، ومعروف أن الإنسان إذا تكلم فلا بد أن يتكلم من مخارج، ومخارج الحروف معروفة فهناك حروف من أطراف اللسان، وحروف من حافة اللسان، وحروف من إطباق الشفتين، وهذا يلزم منه أن يكون الرب له مخارج حروف، فيكون له لسان، ويكون له شفتين، ويكون له أضراس، وهذا محال.

    يقول المؤلف رحمه الله: هذا محال، أي: كلام باطل لا وجه له؛ لأن هذا فيه تشبيه الخالق بالمخلوق الآدمي، والله نفى عن نفسه ممثالة المخلوقات قال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].

    قال سبحانه: فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:74].

    قال: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:4].

    قال سبحانه: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65].

    فيرد عليهم أولاً بأن التمثيل باطل، فالله ليس له مثيل، وهذا تمثيل والتمثيل باطل، فلا يمكن أن يماثل الخالق بالمخلوق.

    والجواب الثاني: أنه يوجد بعض المخلوقات تتكلم من غير مخارج، من غير أسنان، من غير أضراس، من غير شفتين، ومن غير لسان، وإذا كانت المخلوقات يمكن أن تتكلم من دون مخارج حروف، فإمكان ذلك في حق الرب أولى، فقولكم: أنه لا بد أن يكون مخارج باطل، وذكر أدلة على جواز التكلم بغير مخارج منها:

    الدليل الأول: أن النار تكلمت، حيث قال الله عز وجل: يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ [ق:30] فقوله: (وتقول) يدل على أن جهنم تكلمت، وجهنم ليس لها لسان، ولا أضراس، ولا أسنان، ولا شفتين، فإذا أمكن أن تتكلم بعض المخلوقات من دون مخارج فإمكان ذلك في حق الرب من باب أولى.

    الدليل الثاني: قال الله تعالى للسماء والأرض: اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت:11] والسماء والأرض ليس لهما أضراس أو أسنان أو شفتين، أو مخارج؛ ولهذا قال المؤلف: (فحصل القول من غير مخارج ولا أدوات). أي: حصل قول من السماء والأرض، ومن جهنم من غير مخارج، ولا أدوات؛ لا أسنان ولا أضراس، وإذا أمكن هذا في المخلوق أمكن في الخالق من باب أولى.

    الدليل الثالث: حديث روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كلمه الذراع المسموم. والمؤلف يشير إلى حديث أبي هريرة في قصة الشاة المسمومة التي أهداها اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر، حيث أهدت يهودية للنبي صلى الله عليه وسلم ذراعاً مشوياً وكانت الذراع تعجبه، فنهس منها نهسة ثم نطق وتكلم الذراع بأنه مسموم، وهذا رواه البخاري رحمه الله في كتاب الجزية والموادعة، ورواه البيهقي في دلائل النبوة.

    فهذا الذراع الذي تكلم ليس له أضراس أو أسنان، وليس له مخارج أو أدوات، فإذا أمكن هذا في المخلوق أمكن في الخالق من باب أولى.

    الدليل الخامس: قال: (وصح أنه سلم عليه الحجر). كذلك حديث تسليم الحجر على رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه مسلم في صحيحه، والترمذي في سننه، قال عليه الصلاة والسلام: (إني لأعلم حجراً كان يسلم علي في مكة) .

    والحجر ليس له أضراس ولا أسنان، ولا مخارج وأدوات.

    الدليل السادس: قوله: (وسلمت عليه الشجرة). وهذا ورد في حديث علي رضي الله عنه عند الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح الإسناد.

    فالشجرة سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم، وسمع الكلام منها وليس لها مخارج ولا أدوات، ولا أضراس ولا أسنان وإذا أمكن هذا في المخلوق أمكن ذلك في الخالق من باب أولى، ولهذا رد الإمام أحمد رحمه الله على أهل البدع وقال: وأما قولهم: إن الكلام لا يكون إلا من جوف وفم وشفتين ولسان، أليس الله قال للسماوات والأرض: اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت:11].

    وقال: وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ [الأنبياء:79] أتراها سبحت بجوف وفم ولسان وشفتين؟

    والجوارح إذا شهدت على الكفار فقالوا: لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [فصلت:21] اليد والرجل تشهد وليس لها أضراس ولا أسنان، أتراها نطقت بجوف وفم ولسان؟ ولكن الله أنطقها كيف يشاء من غير جوف ولا فم ولا شفتين ولا لسان، وبهذا تبطل شبهة هؤلاء المنكرين للحرف والصوت في كلام الله عز وجل.

    1.   

    الأسئلة

    حكم إثبات صفة الهرولة لله تعالى

    السؤال: ما حقيقة إثبات صفة الهرولة لله تعالى؟

    الجواب: الهرولة مراد بها القرب، وقد سبق أن ذكرنا أن القرب نوعان: قرب من العابدين بالإثابة، وقرب من السائلين بالإجابة، ومن ثمرات هذا القرب أن الله أسرع بالخير من العبد.

    وفسره جماعة فقالوا: معناه أن الله لا يقطع الثواب عن العبد حتى يقطع العبد العمل، وأن الله أسرع بالخير من العبد. لكن هذا من ثمرات القرب وليس هو القرب، والإتيان يليق بجلال الله وعظمته، وهو تقرب من العباد إلى الله تعالى بالطاعات وتقرب من الله تعالى بالثواب، وهو من القرب الخاص.

    دلالة تكليم الله لعبد الله بن حرام

    السؤال: من المقرر أنه لا أحد يرى الله عز وجل في الدنيا، وقد ورد في الحديث أن عبد الله بن حرام كلمه الله كفاحاً، فهل يلزم من ذلك أنه رأى الله عز وجل؟

    الجواب: ليس فيه أنه رآه، بل فيه أنه كلمه كفاحاً بكلام من دون واسطة، فيحمل على أنه بعد الموت، وفي الحديث الثابت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا)، وعبد الله بن حرام قد مات، لكن الحديث فيه أنه كلمه كفاحاً، يعني: من دون واسطة، وليس فيه أنه رآه. ومن العلماء من قال: إنه يلزم من هذا الرؤية، وإذا قيل بهذا فيكون هذا بعد الموت، لأنه لا يرى الله أحد في الدنيا.

    الجمع بين الأحاديث التي تنفي رؤية الله في الدنيا وحديث (رأيت ربي في أحسن صورة)

    السؤال: كيف يوفق بين أحاديث عدم رؤية الله في الدنيا وبين قول النبي صلى الله عليه وسلم: (رأيت ربي الليلة في أحسن صورة

    الجواب: قوله: (رأيت ربي في أحسن صورة) هذا في المنام، وفيه: (فقال: يا محمد! أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا يا رب، فوضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي، فعلمت فقلت: نقل الأقدام إلى الجماعات، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة) فهذا في المنام، وليس في اليقظة، أما في اليقظة فقد قال بعض العلماء: إنه رآه في ليلة المعراج بعيني رأسه، والمحققون على أن الله كلمه بدون واسطة وأنه رآه بعين قلبه ولم يره بعيني رأسه في اليقظة.

    رفع القلم عن المسحور فيما زال فيه عقله

    السؤال: ذكرتم أن المسحور لا يفقه، فلو قلنا ذلك لأصبح جميع المسحورين لا يفقهون، وسيعدون ممن رفع عنهم القلم في المجازاة بالأعمال، وقد سحر النبي صلى الله عليه وسلم ولم يداخله شيء منه فيما يتعلق بالرسالة والشريعة فيما يبدو؟

    الجواب: السحر إنما يتعلق بأمور الدنيا، وقد سحر النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله؛ ولكن لم يصب عقله بشيء من ذلك، ولم يتعد أثر ذلك إلى التشريع.

    فنقول: المصابون والمسحورون الذين زالت عقولهم هؤلاء هم الذين يرفع عنهم القلم، وأما من سحر ولكنه لم يزل عقله في كلِّ شيء -كما سمعنا من بعض الذين يقرءون على المرضى أنه يوجد من المسحورين من يسحر ولكنه يعقل، فيكون سحره في جانب من الجوانب- فهؤلاء لا يرفع عنهم القلم في الجانب الذي يعقلون فيه.

    بيان معنى حديث (بدأ الإسلام غريباً...) وحديث (ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة)

    السؤال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ)، وقال: (ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة) فما معنى هذين الحديثين؟

    الجواب: حديث: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ) على ظاهره، وفيه بيان أن الإسلام سيعود غريباً، وأنه ستعود غربة الإسلام مرة أخرى كما كانت في أول الأمر، ففي أول الأمر بدأ الإسلام غريباً، وكان النبي صلى الله عليه وسلم هو أول المؤمنين من هذه الأمة، ثم تبعه على ذلك حر وعبد، الحر أبو بكر والعبد بلال ، وآمن به من النساء خديجة وهكذا، ثم لم يزل الإسلام يزداد شيئاً بعد شيء حتى اكتمل، وسيعود غريباً في المستقبل، فلا يكون على الإسلام إلا العدد القليل.

    وأما حديث: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة) فهذا فيه تحذير من الفرق الضالة، وفيه أن أهل السنة والجماعة هم أهل الحق.

    والصواب: أن هذه الفرق كلها من فرق الأمة وأنها ليست كافرة، بل هي من الفرق المبتدعة، ولهذا قال العلماء: إن الجهمية والقدرية الذين ينكرون صفة العلم خارجون من الثنتين والسبعين فرقة المذكورة في الحديث لكفرهم وضلالهم، فدل على أن هذه الفرق ليست خارجة من الإسلام وإنما هي مبتدعة، والذين على الحق هم أهل السنة والجماعة.

    وقال بعض العلماء: إن هذه الفرق منها الكافر ومنها المبتدع. ولكن ظاهر الحديث أن هذه الفرق من الفرق المبتدعة.

    مشابهة الأحباش للجهمية في قولهم بأن الله موجود بلا مكان

    السؤال: هناك جماعة منتشرة في هذا العصر وهم الأحباش، يقولون: إن الله موجود بلا مكان، فهل سبقهم إلى هذا أحد؟

    الجواب: نعم، هذا قول الجهمية فإنهم قالوا: إن الله موجود في كل مكان، في السماء وفي الأرض وفي بطون السباع وفي كل مكان، بل لم ينزهوا الله عن الأمكنة القذرة تعالى الله عما يقولون! فالجهمية سبقوا الأحباش، وقد سمعنا عن هؤلاء الأحباش أنهم على مذهب النصارى وأنهم نصارى.

    والمقصود أن هذا هو قول الجهمية؛ فإن الجهمية ينكرون العلو ويقولون: إن الله ليس له مكان، فهو في الجهات كلها وفي كل مكان، نعوذ بالله.

    الجمع بين حديث عدي في تكليم الله لخلقه يوم القيامة وبين النصوص الدالة على امتناع الكلام والنطق عن بعض الخلق

    السؤال: كيف نجمع بين حديث عدي والأحاديث والآيات التي تثبت أن الله لا يكلم بعض الناس؟

    الجواب: ذكر الله تعالى في بعض الآيات أنهم لا ينطقون وأنهم لا يسألون، وفي بعض الآيات ذكر أنهم ينطقون وينكرون، والجمع -كما ذكر الإمام أحمد في الرد على الزنادقة- أنه في بعض المشاهد من يوم القيامة يختم على أفواههم ولا يتكلمون ولا ينطقون، وفي بعضها يخلى بينهم وبين الكلام؛ فالمشاهد متعددة، فقوله تعالى: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلا جَانٌّ [الرحمن:39]، أي: لا يسأل في وقت، وفي وقت آخر يسأل، فيوم القيامة يوم طويل له مشاهد متعددة، ففي وقت لا يسألون وفي وقت يسألون، في وقت لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ولا ينطقون، وفي وقت يخلى بينهم وبين الكلام فيتكلمون.

    الجمع بين حديث: (حجابه النور ...) وبين ثبوت رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة

    السؤال: كيف نجمع بين قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) وبين الأدلة الواردة في رؤية الله تعالى وكشف الحجاب؟

    الجواب: لا توجد منافاة، فالله تعالى ليس كواحد من خلقه، فقد احتجب عن خلقه بالنور، وهو سبحانه وتعالى لا يخفى عليه شيء من أحوال عباده، وهو يراهم، ويكشف الحجاب في يوم القيامة، فينظرون إليه ولا يحترقون وإنما يحترقون في الدنيا لو رأوه، فقوله: (لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره) هذا في الدنيا، أما في الآخرة فينظر إليه المؤمنون ولا يحترقون؛ لأن الله ينشئهم نشأة قوية، وينعمهم سبحانه وتعالى برؤيته.

    حكم القراءة من المصحف في النوافل

    السؤال: هل يجوز في صلاة قيام الليل أن أقرأ من المصحف؛ لأنني لا أحفظ إلا القليل؟

    الجواب: لا بأس بذلك؛ لأن صلاة الليل صلاة طويلة، فإذا تمكن الإنسان وكان عنده وقت كاف فلا بأس بأن يقرأ من المصحف، أما الفرائض فإنه يكتفى فيها بما يحفظه الإنسان.

    سماع الميت السلام ومعرفته من يسلم عليه ويدعو له

    السؤال: هل يسمع الميت السلام والدعاء؟ وهل يعرف من يسلم عليه ويدعو له عند الوقوف على قبره؟

    الجواب: الله أعلم، فالميت نحن مأمورون بالسلام عليه، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ما أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي)، أما كونه يعرف ذلك فالله أعلم، والأصل أن الميت انقطع عمله، وانقطع عن الدنيا، فلا يعلم أحوال الدنيا، ولا يعلم أحوال الناس ولا ما هم عليه، ولكنا مأمورون بالسلام عليه والدعاء له.

    معنى المهيمن وبيان أن صفة الهيمنة ليست صفة الاستيلاء

    السؤال: ما معنى المهيمن؟ وما رأيكم في قول القائل: إن صفة الهيمنة هي صفة الاستيلاء؟

    الجواب: معنى المهيمن: المحيط بعباده وليس معناها أنه كان عاجزاً ثم غلب.

    حكم حج من عليه دين

    السؤال: هل يجوز الحج لمن عليه دين ولم يستطع قضاءه؟ وهل يجوز له أن يتصدق بشيء يسير؟

    الجواب: إذا كان عليه دين حال فيجب عليه أن يقضي الدين ثم يحج إن كان في ماله سعة، وأما إذا كان الدين غير حال وهو يستطيع الوفاء فلا بأس، وأما إذا كان الدين حالاً وهو لا يستطيع أن يحج، أي: إما أن يقضي دينه وإما أن يحج؛ فإن الدين مقدم.

    مدى إمكانية فهم التفويض من كلام الشيباني في أحاديث الصفات

    السؤال: هل يفهم من كلام الشيباني رحمه الله التفويض عندما قال: إن هذه الأحاديث قد روتها الثقات فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها؟

    الجواب: لا يحمل كلامه على التفويض، وإنما الجهمية هم من فهمها وفسرها بالتفويض.

    أما نحن فلا نفسرها تفسير أهل البدع، ونحسن الظن بأهل العلم.

    افتخار زينب بنت جحش بتزويج الله لها بنبيه صلى الله عليه وسلم من فوق سبع سماوات

    السؤال: ورد عن أنس بن مالك رضي الله عنه: كانت زينب بنت جحش تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فتقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات. فهل يجوز الفخر بمثل هذه الأمور؟

    الجواب: نعم، وهذه منقبة ومزية خصها الله بها، ولهذا ما أنكر عليها الصحابة ولا أنكر عليها زوجها النبي صلى الله عليه وسلم.

    الحكم على أثر ابن عباس في نزول القرآن جملة إلى بيت العزة

    السؤال: ما صحة الأثر المروي عن ابن عباس رضي الله عنه: أن القرآن نزل جملة واحدة إلى بيت العزة ثم نزل بعد ذلك منجماً حسب الوقائع؟ وهل فيه تأييد لقول الأشاعرة بأن جبريل أخذ القرآن من اللوح المحفوظ. فقد سمعنا من ينكر هذا الأثر لهذه الشبهة؟

    الجواب: هذا مروي عن ابن عباس وسنده لا بأس به، وعلى القول بصحته فلا منافاة، فقد نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة، وتكلم الله به وأنزله على نبينا صلى الله عليه وسلم مفرقاً على حسب الوقائع.

    معنى قول السلف (كلام الله قديم النوع متجدد الآحاد)

    السؤال: ما معنى قولهم: القرآن قديم النوع متجدد الآحاد؟

    الجواب: الصحيح أن كلام الله تعالى عموماً قديم النوع متجدد الآحاد، وليس ذلك خاصاً بالقرآن، والقرآن هو من كلام الله تعالى.

    والمعنى: أن نوع الكلام قديم، وأما أفراده فمتجددة حادثة، قال الله تعالى لم يزل متكلماً، وهذه صفته، فيتكلم متى شاء أن يتكلم، وأفراد كلامه تعالى حادثة، فقد كلم الله موسى، وكلم الله محمداً صلى الله عليه وسلم في المعراج، ويكلم الله الناس يوم القيامة، وفي الحديث: (أن الله تعالى ينادي يوم القيامة: يا آدم. فيقول: لبيك وسعديك. فيقول: أخرج بعث النار) فهذه جملة من أفراد الكلام المتجدد الحادث.

    حكم دخول المسابقات القرآنية لأخذ المال

    السؤال: ما حكم دخول المسابقات في القرآن بنية أخذ المال؟

    الجواب: إذا كان أخذ المال مقابل التلاوة فلا يجوز، لأن التلاوة من العبادات، والعبادات لا يؤخذ عليها أجرة، ولا يجوز الاستئجار عليها، ففي الحديث: (واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً) فلو قال رجل لرجل: اقرأ جزءاً أو المصحف وأعطيك كذا من المال فإن ذلك لا يجوز.

    أما إذا كان بيت المال يعطي أرزاقاً ومرتبات للمؤذنين وللأئمة وللقارئين والمقرئين والمتعلمين، أو يعطيهم إعانات من دون استئجار ومشارطة فلا بأس بذلك، وبيت المال لا بد له من أن يقوم بكفالة المؤذنين والأئمة والقضاة والمدرسين والدعاة، وتجوز إعانة الحافظ لتشجيعه على حفظ القرآن بدون شرط.

    وقد سئل الإمام أحمد رحمه الله عن رجل يقول: أصلي بكم رمضان بكذا وكذا درهم. فقال: أسأل الله العافية، لا تصلِّ خلف هذا.

    وكذلك الحج، فلا يجوز أخذ المال عليه إلا للتوصل به إلى طاعة الله تعالى، ولهذا فرق العلماء بين من أخذ المال ليحج ومن حج لأمر آخر، فمن لم يحج إلا من أجل المال فهذا هو الذي يقول فيه شيخ الإسلام: يخشى أن يكون داخلاً في قول الله تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ [هود:15-16]. وأما من أخذ المال ليتوصل به إلى الحج فإن فعله جائز، وعليه أن يرد الباقي؛ لأنه ليس مقصوده المال، فيرد الباقي لصاحبه إلا إذا سمح له وأعطاه فلا بأس.

    وبهذا يتبين أن الاستئجار على نفس التلاوة لا يجوز، أما إذا أعطي من بيت المال إعانة من غير شرط فلا بأس بذلك، وهذا ليس خاصاً بالتلاوة، بل يدخل فيه الإمامة والأذان ونحوهما من العبادات.

    وبعض العلماء قالوا: إذا تعطل فلا بأس بالاستئجار للضرورة، وإلا فالأصل المنع.

    تكلم الله تعالى بالتوراة وبيان دلالة خط الله تعالى لها بيده

    السؤال: هل التوراة مخلوقة أم هي كلام الله؟ وإذا كانت كلام الله فكيف قال آدم لموسى عليه السلام في الحديث: (وخطَّ لك التوراة بيده

    الجواب: كتب الله كلها منزلة، وهي كلام الله، فالتوراة والإنجيل والزبور والقرآن كلها كلام الله، ولا يقال: مخلوقة، وقوله: (خط لك التوراة بيده) لا يدل على أنها مخلوقة، فهي كتابة الله تعالى، والله تعالى يوصف بالكتابة، كما في الحديث: (كتب في كتابه فهو عنده ....) والكتابة تشمل خط التوراة بيده أيضاً، ولا تستلزم الخلق.

    وقت أداء تحية المسجد وما يفعله من نسيها

    السؤال: هل لي أن أؤخر تحية المسجد إلى حين انتهاء الدرس علماً بأني آتي في بدايته، وهل أقضي التحية إذا نسيتها؟

    الجواب: تحية المسجد هي عند الدخول، وإذا جلس ولم يصلها فلا حرج، فهي مستحبة، ورأى بعض الظاهرية أنها واجبة، وأما عند نسيانها فيؤتى بها حال ذكرها.

    حكم المتوقف في كون القرآن مخلوقاً أو غير مخلوق

    السؤال: هل يكفر من يقول: القرآن كلام الله لا أقول: مخلوق أو غير مخلوق؟

    الجواب: قال العلماء: هذا متوقف، ومن قال كذلك فقد كفر، ومثله قول أبي حنيفة : من لم يقل: إن الله فوق السماء: فهو كافر، ومن قال لا أدري الله في السماء أو في الأرض. فهو كافر.

    والمقصود: أن من أنكر العلو فهو كافر، ومن قال: إن القرآن مخلوق أو توقف فهو كافر، نعوذ بالله، فلابد من أن يجزم بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، ولا يتوقف.

    حكم الذهاب إلى المزينة

    السؤال: ما حكم الذهاب إلى المزينة إذا كانت تعرف بالأخلاق الطيبة؟

    الجواب: أنصح بأن لا تذهب المرأة إليها، ولا ينبغي أن تخرج المرأة من بيتها إلا لحاجة، وهذه ليست من الحاجات، فتكتفي بما تعمله في بيتها؛ إذ يخشى عليها من الخروج بدون حاجة، ثم إنها لابد لها من أن تتكلف، وقد تتجاوز في بعض الأشياء، وتعمل بعض الأشياء الممنوعة، ثم إنها تدرب وتشجع غيرها على الذهاب إلى المحلات ويراها من يراها من الرجال، وقد تتهم، وقد يتعرض لها بعض الفساق، فنصيحتي لها أن لا تذهب إليها، ولا يجوز لها أن تكشف عورتها عند هذه المزينة.

    ضابط تكفير المعين

    السؤال: ما هو الضابط في تكفير المعين؟

    الجواب: الضابط أنه لا يكفر إلا بعد التبيان والتوضيح بالدليل من كتاب أو سنة أو إجماع، وأن يبين له أن هذا كفر وأنه يجب عليه الرجوع، وتكشف الشبهة إن كان عنده شبهة، فإن رجع وإلا حكم عليه بالكفر.

    حكم المزاحمة في الصفوف وحكم حجز الأماكن في الصف

    السؤال: هل تجوز مزاحمة أصحاب الصف الأول حتى يذهب الخشوع؟ وهل يجوز حجز الأماكن في الصفوف، إذ إن بعضهم يغيب طويلاً ويترك المكان محجوزاً؟

    الجواب: ينبغي للإنسان أن يأتي بهدوء وأدب وبدون إيذاء، ويصلي حيث ينتهي به المكان، ولا يزاحم غيره حتى لا يتمكن من الركوع أو السجود ويذهب الخشوع.

    وأما الحجز فيجوز كأن يتكئ على عمود، أو يحجز مكاناً في المسجد ثم يذهب ليتوضأ أو لحاجة قريبة، وأما لساعات طويلة فلا.