اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الاقتصاد في الاعتقاد للمقدسي [8] للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي


شرح الاقتصاد في الاعتقاد للمقدسي [8] - (للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي)
إن صفة الكلام من الصفات التي اشتد فيها النزاع بين أهل السنة والجماعة وبين أهل البدع، فمن المبتدعة من يقولون: إن الحروف والأصوات ليست كلام الله، أما أهل السنة والجماعة فيعتقدون أن الحروف المكتوبة والأصوات المسموعة عين كلام الله تعالى لا حكاية.
إثبات أن الحروف المقروءة عين كلام الله تعالى
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ونعتقد أن الحروف المكتوبة والأصوات المسموعة عين كلام الله عز وجل لا حكاية ولا عبارة، قال الله عز وجل: الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة:1-2]. وقال: المص * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ [الأعراف:1-2] . وقال: الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ [يوسف:1] .وقال: المر [الرعد:1]، وقال: كهيعص [مريم:1]، حم * عسق [الشورى:1-2]، فمن لم يقل: إن هذه الأحرف عين كلام الله عز وجل فقد مرق من الدين وخرج عن جملة المسلمين، ومن أنكر أن يكون حروفاً فقد كابر العيان وأتى بالبهتان ].من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الحروف المكتوبة في المصاحف هي كلام الله، والأصوات المسموعة هي كلام الله، الصوت صوت القاري والمسموع كلام الباري.وجملة: (لا حكاية ولا عبارة) فيها الرد على أهل البدع، ومنهم الكلابية أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب الذين يقولون: الحروف والأصوات ليست كلام الله، وإنما هي حكاية عن كلام الله. وعلى الأشاعرة الذين يقولون: الحروف والأصوات عبارة عن كلام الله، والحكاية والعبارة متقاربان.فكلام الله عند هاتين الفرقتين معنى نفسي قائم في نفس الرب لا يسمع، كما أن العلم قائم بنفسه، وهذا باطل. وقد رد المصنف هذا وقال: نعتقد -معشر أهل السنة والجماعة- أن الحروف المكتوبة والأصوات المسموعة عين كلام الله تعالى لا حكاية كما تقول الكلابية، ولا عبارة كما يقول الأشاعرة.والأدلة على ذلك كثيرة ومنها: قول الله عز وجل: الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة:1-2] ووجه الدلالة أنه تعالى قال: (ذَلِكَ الْكِتَابُ) والكتاب هو حروف مكتوبة أمامنا، قال: ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة:2] فهو كلام الله.وقال تعالى: المص * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ [الأعراف:1-2] إذاً: الكتاب الذي أنزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم هو كلام الله، وهو الكتاب الذي أنزل فيه حروف وألفاظ.وقال تعالى: الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ [يوسف:1] فهو الكتاب الذي فيه حروف.وقال تعالى: المر [الرعد:1]، وقال تعالى: كهيعص [مريم:1]، وقال تعالى: حم * عسق [الشورى:1-2] فهذه الآيات وغيرها تدل على أن كلام الله حروف.يقول: (فمن لم يقل: إن هذه الأحرف هي عين كلام الله عز وجل فقد مرق من الدين وخرج عن جملة المسلمين). أي أن من أنكر أن يكون الحروف من كلام الله فقد خرج من الدين وخالف المسلمين.ومروقه من الدين لقوله: إنها مخلوقة، ومن قال: القرآن مخلوق. فهو كافر كما قال العلماء.ومن أنكر أن يكون كلام الله حروفاً فقد كابر العيان وأتى بالبهتان، فإذا فتحت المصحف عاينت حروف كلام الله تعالى.ويقصد بهذا المؤلف رحمه الله الرد على الأشاعرة وكذلك الكلابية الذين يقولون: القرآن عبارة عن كلام الله أو حكاية عن كلام الله، وكلام الله إنما هو معنى نفسي يقوم بنفس الرب، وهذا من أبطل الباطل.
 

أدلة إثبات أن القرآن حروف

 تكفير ابن المبارك لمن كفر بحرف من القرآن
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال عبد الله بن المبارك : من كفر بحرف من القرآن فقد كفر بالقرآن، ومن قال: لا أؤمن بهذه اللام فقد كفر ].هذه العبارة قالها عبد الله بن المبارك الإمام العالم الزاهد المشهور، فقال: (من كفر بحرف من القرآن فقد كفر بالقرآن)؛ لأنه يجب الإيمان بالقرآن كله، فمن آمن ببعضه وكفر ببعضه فقد كفر بالجميع، وعبد الله بن المبارك قال هذا الكلام أخذاً من قول الله تعالى: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [البقرة:85].قال: ومن قال: لا أؤمن بهذا اللام الذي هو من كلام الله فقد كفر.
إثبات أن كلام الله بصوت والرد على المخالفين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وروى عبد الله بن أنيس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يحشر الناس يوم القيامة -وأشار بيده إلى الشام- عراة غرلاً بهماً. قال: قلت: ما بهماً؟ قال: ليس معهم شيء، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة حتى أقصه منه. قالوا: وكيف وإنما نأتي الله عراة غرلاً بهما؟ قال: بالحسنات والسيئات)، رواه أحمد وجماعة من الأئمة ].هذا الحديث رواه الإمام أحمد رحمه الله في المسند، ورواه البخاري رحمه الله في الأدب المفرد، والحاكم في المستدرك، والخطيب البغدادي وغيرهم، وهو حديث مشهور ويسمى حديث المظالم.و البخاري رحمه الله رواه معلقاً في الصحيح فقال: رحل جابر بن عبد الله إلى عبد الله بن أنيس في طلب الحديث الواحد. والحديث الذي رحل من أجله هو حديث المظالم هذا.وهذا فيه الرحلة في طلب العلم، ولهذا رواه البخاري في الرحلة لطلب العلم، حيث رحل جابر بن عبد الله من المدينة إلى عبد الله بن أنيس في الشام في طلب الحديث الواحد، واشترى بعيراً لهذه المهمة.فعلماء الصحابة ومن بعدهم كان لهم عناية في طلب الحديث، وكانوا يتحملون المشاق، وقد استغرقت إحدى الرحلات شهراً، وهي رحلة من المدينة إلى الشام، فلما وصل إليه طرق عليه الباب، فلما خرج عبد الله بن أنيس قال جابر بن عبد الله : حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في المظالم خشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه، فذكر الحديث.والشاهد من الحديث قوله: (فيناديهم بصوت)، فيه إثبات الصوت، أي أن كلام الله بصوت يسمع. وفيه الرد على الأشاعرة والكلابية والجهمية والفلاسفة الذين يقولون: إن كلام الله معنى قائم بالنفس، إلا أن الكلابية يقولون: الكلام أربع معانٍ في نفسه هي: الأمر والنهي والخبر والاستفهام، والأشاعرة يقولون: هو معنى واحد لا يتعدد ولا يتجزأ ولا يتفسر ولا يتنوع، بل هذا التنوع هو صفات له، إن عبرت عنه بالعربية فهو القرآن، وإن عبرت عنه بالعبرانية فهو التوراة، وإن عبرت عنه بالسريانية فهو الإنجيل، وإن عبرت عنه بالداودية فهو الزبور، فهو شيء واحد، هكذا يقول الأشاعرة؛ وعندهم هو واحد لكن له صفات، ويمثلون لذلك بالإنسان، فالإنسان له صفات متعددة، فأنت أب بالنسبة لأبنائك وابن بالنسبة إلى آبائك وأجدادك، وأنت عم بالنسبة إلى أبناء أخيك، وأنت خال بالنسبة إلى أبناء أختك، فأنت واحد وتوصف بأنك أب وابن وعم وخال، فكذلك الكلام معنى واحد يوصف بأنه توراة وإنجيل وقرآن؛ فالتنوع هو في العبارات والدلالات لا في المدلول، وكلهم يقولون: الحروف والأصوات دليل على القرآن وليست هي قرآناً، إلا أن الكلابية يسمونها حكاية، والأشاعرة يسمونها عبارة.والفلاسفة يقولون: ليس الكلام حرفاً وإنما هو معنى يفيض من العقل الفعال على النفس الشريفة، فيحصل لها تصورات بحسب ما قبلته منه.فهذا الحديث فيه رد على جميع هؤلاء الطوائف. والفلاسفة يقولون: ليس الكلام حرف، وإنما هو معنى يسير من العقل الفعال على النفس الشريفة، فيحصل له من التصورات والتصديقات بحسب ما قبلته من ذلك، فهذا الحديث فيه رد على هذه الطوائف من الكلابية والأشاعرة والفلاسفة الذين ينكرون أن يكون كلام الله بالصوت، وهذا حديث صريح حيث قال: (فيناديهم بالصوت). وأصح ما ثبت في الصحيح: (أن الله تعالى ينادي آدم يوم القيامة بالصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب) وينادي آدم فيقول: (لبيك وسعديك، فيقول: أخرج بعث النار)، وهذا فيه إثبات الصوت. والحديث فيه: (يحشر الناس يوم القيامة) وأشار بيده إلى الشام؛ لأنه مكان المحشر (غرلاً بهماً عراة لا ثياب عليهم) وغرلاً جمع الأغرل وهو الأقلح، والغرلة: القلفة، يعني: غير مختونين، والأغرال: غير المختونين، أي لم تزل عنهم الجلدة التي تقطع من الصبي وهو صغير. فالناس ترجع إليهم يوم القيامة، فيكونون غير مختونين، عراة لا ثياب عليهم، حفاة، وفي اللفظ الآخر: (لا نعال عليهم) .وقوله: (بهماً) أي: ليس معهم شيء، ويكون القصاص هناك بالحسنات والسيئات (فيناديهم الرب سبحانه وتعالى بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة حتى أقصه منه، قالوا: وكيف يكون القصاص؟) أي: ليس عندنا شيء، لا دراهم، ولا فضة، ولا ذهب، ولا أوراق نقدية، ولا أمتعة فكيف يكون القصاص؟ فقال: (بالحسنات والسيئات) أي: أن القصاص هناك يكون بالحسنات والسيئات.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وروى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء كجر السلسلة على الصفوان فيخرون سجداً). وذكر الحديث].حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه رواه البخاري تعليقاً في كتاب التوحيد، يقول عبد الله بن مسعود : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء كجر السلسلة على الصفوان فيخرون سجداً). وله شواهد.وأخرج نحوه في كتاب التفسير في قوله: إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ [الحجر:18] باب: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ [سبأ:23].وفيه وجهان لإثبات الصوت لكلام الله حيث قال: سمع صوته أهل السماء وهذا وجه، والوجه الثاني قوله: وأن كلام الله بصوت يسمع. وفيه الرد على من أنكر الصوت من الكلابية والأشاعرة والفلاسفة وقوله: (كجر السلسلة على الصفا) سلسلة الحديد على الصفا أو الصفوان، والصفوان: الحجر الأملس، وهذا من باب التقريب، وليس فيه تشبيه صوت الله بصوت السلسلة، وإنما المعنى أن كلام الله يسمع بصوت، كما يسمع صوت السلسلة، وهو كقوله في الحديث الآخر: (إنكم ترون ربكم كما ترون القمر)، فليس في هذا تشبيه لله بالقمر، وإنما تشبيه للرؤية بالرؤية، وهنا تشبيه للصوت بالصوت، يعني: كما أن الصوت المسموع من السلسلة يكون قوياً، فكذلك الصوت المسموع من كلام الله يكون قوياً، وإلا فصوت الله لا يشبه صوت المخلوقين.
 تكفير ابن المبارك لمن كفر بحرف من القرآن
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال عبد الله بن المبارك : من كفر بحرف من القرآن فقد كفر بالقرآن، ومن قال: لا أؤمن بهذه اللام فقد كفر ].هذه العبارة قالها عبد الله بن المبارك الإمام العالم الزاهد المشهور، فقال: (من كفر بحرف من القرآن فقد كفر بالقرآن)؛ لأنه يجب الإيمان بالقرآن كله، فمن آمن ببعضه وكفر ببعضه فقد كفر بالجميع، وعبد الله بن المبارك قال هذا الكلام أخذاً من قول الله تعالى: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [البقرة:85].قال: ومن قال: لا أؤمن بهذا اللام الذي هو من كلام الله فقد كفر.
شبه المنكرين للصوت والحرف والتدليل على بطلان شبههم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقول القائل بأن الحرف والصوت لا يكون إلا من مخارج باطل ومحال قال الله عز وجل: يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ [ق:30].وكذلك قال الله عز وجل إخباراً عن السماء والأرض أنهما: قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت:11] فحصل القول من غير مخارج ولا أدوات.وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كلمه الذراع المسموم. وصح أنه سلم عليه الحجر وسلمت عليه الشجرة ].هذه شبه المنكرين للحرف والصوت من كلام الله عز وجل، فقد بين المؤلف رحمه الله شبههم ورد عليها.ومن شبههم أنهم يقولون: الحرف والصوت لا يكون إلا من مخارج، ومعروف أن الإنسان إذا تكلم فلا بد أن يتكلم من مخارج، ومخارج الحروف معروفة فهناك حروف من أطراف اللسان، وحروف من حافة اللسان، وحروف من إطباق الشفتين، وهذا يلزم منه أن يكون الرب له مخارج حروف، فيكون له لسان، ويكون له شفتين، ويكون له أضراس، وهذا محال.يقول المؤلف رحمه الله: هذا محال، أي: كلام باطل لا وجه له؛ لأن هذا فيه تشبيه الخالق بالمخلوق الآدمي، والله نفى عن نفسه ممثالة المخلوقات قال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].قال سبحانه: فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:74].قال: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:4].قال سبحانه: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65].فيرد عليهم أولاً بأن التمثيل باطل، فالله ليس له مثيل، وهذا تمثيل والتمثيل باطل، فلا يمكن أن يماثل الخالق بالمخلوق.والجواب الثاني: أنه يوجد بعض المخلوقات تتكلم من غير مخارج، من غير أسنان، من غير أضراس، من غير شفتين، ومن غير لسان، وإذا كانت المخلوقات يمكن أن تتكلم من دون مخارج حروف، فإمكان ذلك في حق الرب أولى، فقولكم: أنه لا بد أن يكون مخارج باطل، وذكر أدلة على جواز التكلم بغير مخارج منها: الدليل الأول: أن النار تكلمت، حيث قال الله عز وجل: يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ [ق:30] فقوله: (وتقول) يدل على أن جهنم تكلمت، وجهنم ليس لها لسان، ولا أضراس، ولا أسنان، ولا شفتين، فإذا أمكن أن تتكلم بعض المخلوقات من دون مخارج فإمكان ذلك في حق الرب من باب أولى.الدليل الثاني: قال الله تعالى للسماء والأرض: اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت:11] والسماء والأرض ليس لهما أضراس أو أسنان أو شفتين، أو مخارج؛ ولهذا قال المؤلف: (فحصل القول من غير مخارج ولا أدوات). أي: حصل قول من السماء والأرض، ومن جهنم من غير مخارج، ولا أدوات؛ لا أسنان ولا أضراس، وإذا أمكن هذا في المخلوق أمكن في الخالق من باب أولى.الدليل الثالث: حديث روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كلمه الذراع المسموم. والمؤلف يشير إلى حديث أبي هريرة في قصة الشاة المسمومة التي أهداها اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر، حيث أهدت يهودية للنبي صلى الله عليه وسلم ذراعاً مشوياً وكانت الذراع تعجبه، فنهس منها نهسة ثم نطق وتكلم الذراع بأنه مسموم، وهذا رواه البخاري رحمه الله في كتاب الجزية والموادعة، ورواه البيهقي في دلائل النبوة.فهذا الذراع الذي تكلم ليس له أضراس أو أسنان، وليس له مخارج أو أدوات، فإذا أمكن هذا في المخلوق أمكن في الخالق من باب أولى.الدليل الخامس: قال: (وصح أنه سلم عليه الحجر). كذلك حديث تسليم الحجر على رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه مسلم في صحيحه، والترمذي في سننه، قال عليه الصلاة والسلام: (إني لأعلم حجراً كان يسلم علي في مكة) .والحجر ليس له أضراس ولا أسنان، ولا مخارج وأدوات.الدليل السادس: قوله: (وسلمت عليه الشجرة). وهذا ورد في حديث علي رضي الله عنه عند الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح الإسناد.فالشجرة سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم، وسمع الكلام منها وليس لها مخارج ولا أدوات، ولا أضراس ولا أسنان وإذا أمكن هذا في المخلوق أمكن ذلك في الخالق من باب أولى، ولهذا رد الإمام أحمد رحمه الله على أهل البدع وقال: وأما قولهم: إن الكلام لا يكون إلا من جوف وفم وشفتين ولسان، أليس الله قال للسماوات والأرض: اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت:11].وقال: وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ [الأنبياء:79] أتراها سبحت بجوف وفم ولسان وشفتين؟والجوارح إذا شهدت على الكفار فقالوا: لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [فصلت:21] اليد والرجل تشهد وليس لها أضراس ولا أسنان، أتراها نطقت بجوف وفم ولسان؟ ولكن الله أنطقها كيف يشاء من غير جوف ولا فم ولا شفتين ولا لسان، وبهذا تبطل شبهة هؤلاء المنكرين للحرف والصوت في كلام الله عز وجل.
 تكفير ابن المبارك لمن كفر بحرف من القرآن
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال عبد الله بن المبارك : من كفر بحرف من القرآن فقد كفر بالقرآن، ومن قال: لا أؤمن بهذه اللام فقد كفر ].هذه العبارة قالها عبد الله بن المبارك الإمام العالم الزاهد المشهور، فقال: (من كفر بحرف من القرآن فقد كفر بالقرآن)؛ لأنه يجب الإيمان بالقرآن كله، فمن آمن ببعضه وكفر ببعضه فقد كفر بالجميع، وعبد الله بن المبارك قال هذا الكلام أخذاً من قول الله تعالى: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [البقرة:85].قال: ومن قال: لا أؤمن بهذا اللام الذي هو من كلام الله فقد كفر.
الأسئلة

 حكم المزاحمة في الصفوف وحكم حجز الأماكن في الصف
السؤال: هل تجوز مزاحمة أصحاب الصف الأول حتى يذهب الخشوع؟ وهل يجوز حجز الأماكن في الصفوف، إذ إن بعضهم يغيب طويلاً ويترك المكان محجوزاً؟الجواب: ينبغي للإنسان أن يأتي بهدوء وأدب وبدون إيذاء، ويصلي حيث ينتهي به المكان، ولا يزاحم غيره حتى لا يتمكن من الركوع أو السجود ويذهب الخشوع.وأما الحجز فيجوز كأن يتكئ على عمود، أو يحجز مكاناً في المسجد ثم يذهب ليتوضأ أو لحاجة قريبة، وأما لساعات طويلة فلا.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الاقتصاد في الاعتقاد للمقدسي [8] للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

http://audio.islamweb.net