إسلام ويب

شرح الوصية الكبرى لابن تيمية [6]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن دين الله تعالى وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، والله تعالى ما أمر عباده بأمر إلا اعترض الشيطان فيه بأمرين لا يبالي بأيهما ظفر: إما إفراط وإما تفريط، وممن وقعوا في الإفراط ومجاوزة الحد: الخوارج، فقد كفروا المسلمين بالكبائر والمعاصي، ومرقوا من هذا الدين كما يمرق السهم من الرمية، وللمروق من الدين أسباب تجدها مشروحة في هذه المادة.

    1.   

    وسطية الإسلام والتحذير من الغلو فيه

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فصل: وقد تقدم أن دين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، والله تعالى ما أمر عباده بأمر إلا اعترض الشيطان فيه بأمرين لا يبالي بأيهما ظفر: إما إفراط فيه وإما تفريط فيه، وإذا كان الإسلام الذي هو دين الله لا يقبل من أحد سواه قد اعترض الشيطان كثيراً ممن ينتسب إليه حتى أخرجه عن كثير من شرائعه، بل أخرج طوائف من أعبد هذه الأمة وأورعها عنه حتى مرقوا منه كما يمرق السهم من الرمية، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال المارقين منه، فثبت عنه في الصحاح وغيرها من رواية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأبي سعيد الخدري وسهل بن حنيف وأبي ذر الغفاري وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وابن مسعود رضي الله عنهم وغير هؤلاء، أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الخوارج فقال: (يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم أو فقاتلوهم؛ فإن في قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم يوم القيامة، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)، وفي رواية: (شر قتلة تحت أديم السماء، خير قتيل من قتلوه)، وفي رواية: (لو يعلم الذين يقاتلونهم ما لهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم لنكلوا عن العمل) ].

    هذا البحث بين فيه المؤلف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن دين الإسلام وسط بين الإفراط والتفريط، ولهذا قال رحمه الله: وقد تقدم أن دين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، والغالي هو الذي زاد عن الحد، وهو المُفْرِط.

    والجافي: هو المقصر الذي يقصر ولا يؤدي الواجبات.

    فالنصارى مثلاً غلاة، فقد غلو في عيسى فقالوا: إنه ابن الله، أو ثالث ثلاثة، واليهود قصروا وجفوا وقالوا: إنه ولد بغي، أي: ولد زنا، وأما أهل الإسلام فهم وسط بين الغالي والجافي، فقالوا: إنه عبد الله ورسوله، فليس إلهاً ولا ابن إله؛ فإن الله ليس له ولد -تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً- وليس هو ولد بغي كما يقول اليهود، وإنما هو عبد الله ورسوله.

    فتبين بهذا أن دين الإسلام وسط بين الغالي والجافي، والله تعالى ما أمر عباده بأمر إلا اعترض الشيطان فيه بأمرين لا يبالي بأيهما ظفر: إما إفراط فيه وإما تفريط فيه، فالشيطان يحرص أن يوقع الإنسان إما في الإفراط أو في التفريط، وذلك مثل قصة الرهط الذين أرادوا أن يزيدوا على عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فسألوا عن عبادته في السر، فقيل لهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وينام، ويصوم ويفطر، ويتزوج النساء.

    فقال هؤلاء الرهط: إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأما نحن فلا ندري هل غفر لنا أو لا، فلابد أن نزيد، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل ولا أنام على فراشي، وقال الآخر: وأما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: وأما أنا فلا أتزوج النساء، أي: زهداً حتى لا ينشغل عن العبادة، وقال آخر: وأما أنا فلا آكل اللحم.

    فهذا من الغلو، فلما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بهم أنكر عليهم، وخطب الناس وقال: (ما بال أقوام يقولون كذا وكذا، لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني).

    وشخص آخر يتساهل ويفرط، فلا يؤدي الواجبات ولا يترك المحرمات، فهذا مفرِّط، والأول مُفْرِط، والشيطان لا يبالي بأيهما ظفر، وجاء في بعض الآثار: أن الشيطان يشم القلوب، فإن وجد في القلب رغبة في العبادة وقوة أوقعه في الإفراط والزيادة، وإن رأى فيه تساهلاً أوقعه في التفريط والتقصير.

    تلبيس الشيطان على الخوارج

    قوله رحمه الله: (وإذا كان الإسلام الذي هو دين الله لا يقبل من أحد سواه قد اعترض الشيطان كثيراً ممن ينتسب إليه حتى أخرجه عن كثير من الشرائع) وجواب (إذا) الشرطية يحتمل أنه سيأتي، أو أنه مقدر، أي: إذا كان الإسلام الذي هو دين الله قد اعترض الشيطان كثيراً ممن ينتسب إليه فغيره من باب أولى أن يعترضهم الشيطان.

    فالشيطان قد اعترض كثيراً ممن ينتسب إليه حتى أخرجهم عن كثير من الشرائع، بل أخرج طوائف من أعبد هذه الأمة وأورعها حتى مرقوا منه كما يمرق السهم من الرمية، وهم الخوارج، فالخوارج من أعبد الناس، فقد كانوا رهباناً في الليل وأسوداً في النهار، فيصلون الليل، ويصومون النهار، وهم شجعان في الجهاد، فأخرجهم الشيطان عن كثير من شرائع الإسلام فكفروا المسلمين بالمعاصي، وقالوا: من فعل الكبيرة كفر، فمن زنا كفر، ومن سرق كفر، ومن شرب الخمر كفر، فهذا من إخراج الشيطان لهم عن شرائع الإسلام، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم؛ لأنهم مارقون من الدين.

    والمارقون: هم الخارجون بسرعة، فهم يخرجون منه بسرعة، وقد قال عنهم النبي صلى الله عليه وسلم: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)، فالسهم حينما ترمي به فإنه يخرج بسرعة من الرمية، فكذلك هؤلاء فإنهم خرجوا بسرعة من الإسلام، ففي الصحاح وغيرها من رواية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأبي سعيد الخدري وسهل بن حنيف وأبي ذر الغفاري وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وابن مسعود ، وهؤلاء سبعة رضي الله عنهم وأرضاهم، أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الخوارج فقال: (يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم) أي: أنك إذا رأيت كثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم لرأيت عبادتك قليلة بالنسبة إلى عبادتهم.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم)؛ لأنهم لا يعملون به، ولا يعملون بالسنة التي هي وحي من الله، ولو تدبروا القرآن وتأملوه ما كفروا المسلمين، ثم قال: (أينما لقيتموهم فاقتلوهم)، أو قال: (أو فقاتلوهم فإن في قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم يوم القيامة، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)، وفي رواية: (شر قتيل تحت أديم السماء، وخير قتيل من قتلوه).

    أي: أن مقتولهم شر قتيل، والذي يقتلونه هو خير قتيل، وفي رواية: (لو يعلم الذين يقاتلونهم ما زوي لهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم) أي: من الأجر والثواب، وما زوي أي: ما أخفي لهم، (لنكلوا عن العمل) أي: لاكتفوا بهذا الأجر.

    اختلاف العلماء في حكم تكفير الخوارج

    وهذه النصوص استدل بها بعض العلماء على تكفير الخوارج، وقالوا: إن هذه الأدلة صريحة في كفرهم، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية)، والذي يمرق من الشيء فإنه يخرج منه، فدل ذلك على كفرهم.

    وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم فقال: (أينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم)، ثم شبههم بعاد، فقال: (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)، وعاد قوم هود قوم كفار، فدل على كفرهم.

    ومما احتجوا به أيضاً ما جاء في رواية: (يمرقون من الإسلام ثم لا يعودون إليه).

    وذهب الجمهور إلى أنهم مبتدعة وليسوا كفاراً، وقالوا: إنهم متأولون، وفرق بين المتأول والجاحد، فالجاحد يكفر والمتأول لا يكفر، وهذه النصوص تدل على فسقهم وبدعتهم ولا تدل على كفرهم، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حيث قال: إن هذا هو حكم الصحابة عليهم، فالصحابة حكموا عليهم بأنهم مبتدعة ولم يحكموا عليهم بالكفر.

    واحتجوا بقول علي رضي الله عنه لما سئل عنهم: أكفار هم؟ قال: لا، من الكفر فروا. والقول بتكفيرهم قول قوي؛ لأن النصوص صريحة بتكفيرهم، وإن كان الجمهور يرون أنهم مبتدعة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وهؤلاء لما خرجوا في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قاتلهم هو وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وتحضيضه على قتالهم، واتفق على قتالهم جميع أئمة الإسلام ].

    أي: أن هؤلاء الخوارج لما خرجوا في خلافة علي رضي الله عنه قاتلهم هو والصحابة رضي الله عنهم؛ عملاً بالنصوص التي فيها الحض على قتالهم، كما سبق في الأدلة: (فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله) وقوله: (لئن لقيتهم لأقتلنهم قتل عاد)، فاتفق على قتالهم جميع أئمة الإسلام.

    1.   

    بدعة الرفض وحكم العلماء فيها

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وهكذا كل من فارق جماعة المسلمين، وخرج عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وشريعته من أهل الأهواء المضلة والبدع المخالفة.

    ولهذا قاتل المسلمون أيضاً الرافضة الذين هم شر من هؤلاء، وهم الذين يكفرون جماهير المسلمين مثل الخلفاء الثلاثة وغيرهم، ويزعمون أنهم هم المؤمنون ومن سواهم كافر، ويكفرون من يقول: إن الله يرى في الآخرة، أو يؤمن بصفات الله وقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة، ويكفرون من خالفهم في بدعهم التي هم عليها ].

    أي: أن كل من خرج عن جماعة المسلمين، وخرج عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم وشريعته من أهل الأهواء والمضلين فإنه يقاتل أيضاً مثل الخوارج.

    ومثل المؤلف رحمه الله بقوله: ولهذا قاتل المسلمون أيضاً الرافضة الذين هم شر من هؤلاء، فالمؤلف يرى أن الرافضة شر من الخوارج، وسموا رافضة لأنهم رفضوا زيد بن علي بن الحسين لما سألوه عن أبي بكر وعمر ، وكانوا قبل ذلك يسمون بالخشبية؛ لأنهم يقاتلون بالخشب ولا يقاتلون بالسيف حتى يخرج المهدي الذي دخل في السرداب.

    ويقولون: ليس هناك جهاد في سبيل الله حتى يخرج المهدي الذي دخل في سرداب سامراء في العراق في سنة ستين ومائتين، فإذا خرج قام الجهاد، وأما الآن فليس هناك جهاد، ولا دين، ولا عمل بالشريعة حتى يخرج.

    وفي زمن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب -وهو رجل صالح- سأله الرافضة الخشبية وقالوا: ما تقول في أبي بكر وعمر ؟ فترحهم عليهما وترضى عنهما وقال: هما وزيرا جدي رسول الله؛ لأن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب من سلالة فاطمة ، وجده الرابع هو علي بن أبي طالب ، فلما قال لهم ذلك تركوه ورفضوه، وقال: رفضتموني.. رفضتموني، فسموا الرافضة، وكانوا قبل ذلك يسمون بالخشبية، فهؤلاء الرافضة يقول عنهم المؤلف: هم شر من الخوارج، ولهذا قاتلهم المسلمون كما قاتل المسلمون الخوارج.

    وأول ظهورهم في زمن علي رضي الله عنه، فهم السبئية الذين غلو في علي ، وقالوا: إنك أنت الإله يقصدون علياً ، فلما قالوا: أنت الإله أمر بأخدود يحفر في الأرض، وأججت فيه النيران، فألقاهم وقذفهم فيها، وقال:

    لما رأيت الأمر أمراً منكرا أججت ناري ودعوت قنبرا

    فلما قذفهم في النار قالوا: هذا هو الإله؛ لأنه لا يعذب بالنار إلا رب النار! فزادوا في غلوهم في علي نعوذ بالله، وقاتلهم المسلمون بعد ذلك في أزمنة متعددة، منها: في القرن الثالث الهجري في أيام العبيديين لما استولوا على مصر والمغرب وغيرها.

    وقد بين المؤلف رحمه الله مذهب الرافضة فقال: وهم الذين يكفرون جماهير المسلمين، فيكفرون الصحابة وعلى رأسهم الخلفاء الثلاثة وغيرهم.

    فهم يكفرون الخلفاء الثلاثة أبا بكر وعمر وعثمان ، ويعتقدون أنهم ظلمة مغتصبون اغتصبوا الخلافة من علي بن أبي طالب ، ويعتقدون أن الصحابة كفروا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وارتدوا، فولوا أبا بكر زوراً وبهتاناً وظلماً، وأخفوا النصوص التي فيها النص على أن الخليفة بعد النبي صلى الله عليه وسلم هو علي ، ثم ولوا عمر بهتاناً وزوراً، ثم ولوا عثمان بهتاناً وزوراً، ثم وصلت النوبة إلى الخليفة الرابع وهو علي، ويزعمون أنهم هم المؤمنون ومن سواهم كفار، فيكفرون أهل السنة والجماعة.

    ويكفرون من يقول: إن الله يرى في الآخرة؛ لأنهم يرون أنه لا يرى إلا ما كان جسماً محدوداً، والله ليس جسماً محدوداً، فلا يرى، هكذا يزعمون، فعقيدتهم في هذا هي نفس عقيدة المعتزلة.

    وكذلك يكفرون من آمن بصفات الله وقدرته الكاملة، ومشيئته الشاملة، ويكفرون كل من خالفهم في بدعهم التي هم عليها.

    ذكر بعض بدع الرافضة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فإنهم يمسحون القدمين ولا يمسحون على الخف، ويؤخرون الفطور والصلاة إلى طلوع النجم، ويجمعون بين الصلاتين من غير عذر، ويقنتون في الصلوات الخمس، ويحرمون الفقاع وذبائح أهل الكتاب وذبائح من خالفهم من المسلمين؛ لأنهم عندهم كفار، ويقولون على الصحابة رضي الله عنهم أقوالاً عظيمة لا حاجة إلى ذكرها هنا إلى أشياء أخر، فقاتلهم المسلمون بأمر الله ورسوله ].

    إن من عقائد الروافض أنهم يمسحون على القدمين ولا يمسحون على الخفين في الوضوء، فإذا توضئوا فإنهم يغسلون عضوين ويمسحون عضوين، فيغسلون الوجه واليدين، ويمسحون على الرأس وعلى ظهور القدمين.

    ويقولون: يجب على الإنسان أن يمسح على ظهور القدمين، ويبلل يده بماء ثم يمسحهما كما يمسح على الرأس، وإذا كان عليه خف وجب عليه خلع الخف ومسح ظهور القدمين.

    ولهذا يذكر علماء أهل السنة في عقائدهم: ونرى المسح على الخفين، ويقصدون بذلك مخالفة الرافضة الذين يعتقدون أنه لا يمسح على الخفين، فمن كان عليه خفان عند الرافضة وجب عليه خلع الخفين ومسح ظهور القدمين، ومن كانت رجلاه مكشوفتين وجب عليه أن يمسح على ظهور القدمين.

    استدلال الرافضة على مسح القدمين والرد عليهم

    سويستدلون بقراءة الجر في آية المائدة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة:6]، واحتج عليهم أهل السنة بقراءة النصب وأرجلَكم، فإنها معطوفة على أيديكم أي: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم وأرجلكم، وأما قراءة الجر فأجابوا عنها بجوابين:

    الجواب الأول: أن قراءة الجر محمولة على المسح على الخفين، وقراءة النصب محمولة على غسل الرجلين المكشوفتين.

    والجواب الثاني: التوسع في لفظ امسحوا في قوله تعالى: (وامسحوا برءوسكم)، فيحمل على معناه العام، فإن المسح العام يشمل الغسل ويشمل إمرار اليد على العضو مبلولة بالماء، أي: يشمل الإسالة ويشمل الإفاضة، والمعنى: امسحوا برءوسكم إفاضة وامسحوا بأرجلكم إسالة وصباً للماء، فالمسح في اللغة يطلق على الغسل، تقول العرب: تمسحت للصلاة.

    ويؤخرون الفطور والصلاة إلى طلوع النجم، أي: يؤخرون صلاة المغرب حتى يطلع النجم في السماء، وكذلك يؤخرون الإفطار عند الصيام، ويجمعون بين الصلاتين بغير عذر، ويقنتون في الصلوات الخمس كلها، ويحرمون الفقاع وهو: شراب الشعير، لما يعلوه من الزبد.

    ويحرمون ذبائح أهل الكتاب، ويحرمون ذبائح من خالفهم من المسلمين؛ لأنهم عندهم كفار، فهم يكفرون من خالفهم، ويقولون على الصحابة أقوالاً عظيمة لا حاجة إلى ذكرها هنا، فقاتلهم المسلمون بأمر الله ورسوله.

    1.   

    أسباب المروق من الدين

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فإذا كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين قد انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة حتى أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم، فيعلم أن المنتسب إلى الإسلام أو السنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضاً من الإسلام والسنة، حتى يدعي السنة من ليس من أهلها بل قد مرق منها، وذلك بأسباب ].

    يقول المؤلف هنا: إذا كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين قد انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة، يقصد الخوارج، فقد انتسبوا إلى الإسلام ومرقوا منه حتى أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم، فلا يستغرب أن يمرق من الإسلام من انتسب إلى السنة في هذه الأزمنة المتأخرة، فإذا وجد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصدر الأول والعصر الذهبي وأفضل العصور، وفي زمن الصحابة والخلفاء الراشدين من يمرق من الإسلام مع عبادته العظيمة، فإنه من باب أولى أن يوجد من يمرق من الإسلام في الأزمنة المتأخرة، حتى يدعي السنة من ليس من أهلها، وذلك لأسباب.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ منها: الغلو الذي ذمه الله تعالى في كتابه حيث قال: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ [النساء:171] إلى قوله: وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا [النساء:171].

    وقال تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [المائدة:77]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين)، وهو حديث صحيح ].

    ذكر المؤلف رحمه الله: أنه إذا خرج في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة من مرق من الإسلام كالخوارج وهم في العصر الذهبي فمن باب أولى أن يخرج في هذه العصور المتأخرة بعض الناس، وذلك لأسباب:

    أولها: الغلو في الدين، وقد ذمه الله بقوله: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ [النساء:171]، والغلو: هو الزيادة، فالنصارى غلوا وزادوا في عيسى حتى جعلوه إلهاً، فالغلو في الدين قد يخرج الإنسان من الإسلام، واستدل المؤلف بآية النساء: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ [النساء:171]، وبآية المائدة: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ [المائدة:77].

    وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الغلو بقوله: (إياكم والغلو؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين)، وهو حديث صحيح.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ومنها: التفرق والاختلاف الذي ذكره الله تعالى في كتابه العزيز ].

    السبب الثاني: من أسباب الخروج عن الدين: التفرق والاختلاف، قال تعالى: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران:105]، فنهى سبحانه وتعالى عن التفرق، وبين أن أهل الكتاب اختلفوا بعد أن جاءهم العلم بغياً بينهم فقال: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ [آل عمران:19].

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ومنها: أحاديث تروى عن النبي صلى الله عليه وسلم وهي كذب عليه باتفاق أهل المعرفة، يسمعها الجاهل بالحديث فيصدق بها؛ لموافقة ظنه وهواه ].

    السبب الثالث: من أسباب المروق من الدين: الأحاديث المكذوبة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا سمعها الجاهل صدق بها، مثل وضع بعض الوثنيين المشركين: (لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه)، وهذا كذب وزور، فإذا سمعه بعض الجهال ظنوا أنه صحيح، فيعبدون الأحجار، ومثال ذلك وضع بعض القبوريين لحديث: (إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأهل القبور)، هذا حديث مكذوب وضعه القبوريون حتى يشجعوا الناس ويغروهم بالشرك وعبادة القبور، وهذه أمثلة لما ذكرها المؤلف رحمه الله من الأحاديث المكذوبة التي يسمعها الجاهل فيصدق بها فيقع في الشرك.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وأضل الضلال اتباع الظن والهوى، كما قال الله تعالى في حق من ذمهم: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى [النجم:23] ].

    السبب الرابع من أسباب المروق من الدين: اتباع الظن والهوى، فيتبع بعضهم ظنه وهواه حتى يقع في الشرك -نعوذ بالله- وقد ذمهم الله جل وعلا.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقال في حق نبيه صلى الله عليه وسلم: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:1-4]، فنزهه عن الضلال والغواية اللذين هما الجهل والظلم، فالضال هو الذي لا يعلم الحق، والغاوي الذي يتبع هواه، وأخبر أنه ما ينطق عن هوى النفس، بل هو وحي أوحاه الله إليه، فوصفه بالعلم، ونزهه عن الهوى ].

    نزه الله تعالى نبيه عن داءين مهلكين فقال: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى [النجم:1]، وهذا قسم من الله، ولله سبحانه وتعالى أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، فأقسم بالنجم والليل والضحى والشمس، وأما المخلوق فليس له أن يقسم إلا بالله أو بأسمائه وصفاته، وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ [النجم:1-2] أي: محمد، وَمَا غَوَى [النجم:2] أي: ليس ضالاً ولا غاوياً؛ لأن الضال: هو الذي يعمل بلا علم كالنصارى وأشباههم، والغاوي: هو الذي يعلم ولا يعمل، فالله تعالى نزه نبيه عن الضلال وعن الغواية.