إسلام ويب

شرح الحموية لابن تيمية [11]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أبو الحسن الأشعري رحمه الله رجع إلى مذهب السلف وصرح بكونه على عقيدة أحمد بن حنبل وألف في ذلك كتابه الإبانة في أصول الديانة، ومع هذا فالأشاعرة المنتسبون لأبي الحسن باقون على ما كان عليه قبل رجوعه إلى مذهب السلف، والعجيب أن بعض أئمتهم أثبتوا جميع الصفات ومنهم الباقلاني وأبو محمد الجويني.

    1.   

    موافقة الأشعري لمعتقد أحمد بن حنبل في الصفات

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال أيضاً أبو الحسن الأشعري في كتابه الذي سماه الإبانة في أصول الديانة ].

    وهو من آخر كتبه، ألفه لما رجع إلى معتقد أهل السنة والجماعة.

    قال: [ وقد ذكر أصحابه أنه آخر كتاب صنفه، وعليه يعتمدون في الذب عنه عند من يطعن عليه، فقال: فصل في إبانة قول أهل الحق والسنة ].

    ومعنى إبانة يعني: إظهار.

    قال رحمه الله تعالى: [ فإن قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون وديانتكم التي بها تدينون؟

    قيل له: قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكلام ربنا وسنة نبينا وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول أبو عبد الله أحمد بن حنبل نضر الله وجهه ورفع درجته وعجل مثوبته قائلون، ولما خالف قوله مخالفون؛ لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق، ودفع به الضلالة، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين ].

    يقصد الإمام أحمد إمام السنة والجماعة، وقوله: (الكامل) فيه مبالغة بالكمال، وإنما هذا وصف للنبي صلى الله عليه وسلم، فهو الرئيس الكامل، يعني: الكمال البشري، فالكمال لله عز وجل، لكن الكمال البشري رئيسه وصاحبه هو الرسول صلى الله عليه وسلم، والإمام أحمد هو إمام السنة والجماعة، لكن ليس بمعصوم.

    قال: [ فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وجليل معظم، وكبير مفهم ].

    وكبير مفهم أي: فهمه الله تعالى.

    قال: [ وجملة قولنا: أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبما جاءوا به من عند الله، وبما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا نرد من ذلك شيئاً، وأن الله واحد لا إله إلا هو، فرد صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً ].

    قوله: (فرد) ليس من أسماء الله، وإنما هو من باب الخبر.

    قال: [ وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وأن الجنة حق، والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.

    وأن الله مستو على عرشه، كما قال تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5].

    وأن له وجهاً، كما قال تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:27].

    وأن له يدين بلا كيف، كما قال تعالى: خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75]، وكما قال تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ [المائدة:64].

    وأن له عينين بلا كيف، كما قال: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر:14].

    وأن من زعم أن أسماء الله غيره كان ضالاً، وذكر نحواً مما ذكر في الفرق ].

    يعني: لا يجوز أن يقال: أسماء الله منفصلة أو صفات منفصلة، فالله تعالى بذاته وأسمائه وصفاته هو الخالق وغيره مخلوق.

    قال: [ وذكر نحواً مما ذكر في الفرق.. إلى أن قال: ونقول: إن الإسلام أوسع من الإيمان، وليس كل إسلام إيماناً].

    الإسلام أوسع من الإيمان، فالعاصي يقال له: مسلم ولا يقال له: مؤمن بإطلاق، وإذا قلت: مؤمن وسكت فتكون قد أخطأت، وإذا قلت: ليس بمؤمن فقد أخطأت، بل لا بد من القيد، فتقول: مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وفي النفي لا تقول: ليس بمؤمن، فإنك إن قلت: مؤمن بإطلاق وافقت المرجئة، وإذا قلت: ليس بمؤمن وافقت الخوارج والمعتزلة، بل تقول في النفي: ليس بصادق الإيمان، أو ليس بمؤمن حقاً.

    قال: [ وندين بأن الله يقلب القلوب بين أصبعين من أصابع الله عز وجل ].

    وذلك كما جاء في الحديث: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)، تقول له عائشة : (يا رسول الله تكثر أن تدعو بهذا فهل تخاف؟ قال: وما يؤمني يا عائشة وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء؟)، فإذا أراد أن يقلب قلب عبد قلبه، هذا وهو سيد الخلق عليه الصلاة والسلام، وهو المعصوم عليه الصلاة والسلام.

    والأصابع لله ثابتة كما يليق بالله العظيم، وهي كسائر الصفات، جاء في الحديث: (إن الله يضع السموات على أصبع، والأرضين على أصبع، والماء والثرى على أصبع، والشجر على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، ثم يهزهن بيده ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟) فهناك خمسة أصابع ثابتة لله كما يليق بجلاله وعظمته.

    قال رحمه الله تعالى: [ وأنه عز وجل يضع السماوات على أصبع، والأرضين على أصبع، كما جاءت الرواية الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم.. إلى أن قال: والإيمان قول وعمل، يزيد وينقص].

    وهذا خلافاً للمرجئة الذين يقولون: إن الإيمان تصديق بالقلب فقط، فقوله: الإيمان قول وعمل، أي: قول اللسان وقول القلب، فاللسان بالنطق والقلب بالإقرار، والعمل: عمل القلب وعمل الجوارح، والمرجئة يقولون: الأعمال ليست من الإيمان، وإنما الإيمان هو تصديق القلب فقط.

    وقوله: (يزيد وينقص) أي: يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والمرجئة يقولون: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، بل إيمان أهل السماء وأهل الأرض واحد.

    1.   

    قبول الأشعري لأحاديث الآحاد الصحيحة في العقائد

    قال رحمه الله تعالى: [ ونسلم الروايات الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي رواها الثقات عدلاً عن عدل حتى ينتهي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ].

    يعني: نقبل الحديث إذا عدلت رواته واتصل سنده.

    يعني: خلافاً لأهل البدع الذين يقولون: أخبار الآحاد لا تقبل في العقائد، أما نحن فنقول: إذا ثبت الحديث بسند صحيح وعدلت رواته واتصل سنده قبل في العقائد والأعمال والأخلاق وفي كل شيء، خلافاً للمعتزلة وأهل البدع القائلين بأن أخبار الآحاد لا تقبل في العقائد، وهذا باطل، ويعللون قولهم بأن خبر الآحاد ظني الثبوت ظني الدلالة، وهذا كله مما أحدثه أهل البدع، فقولهم: ظني الثبوت، يعني: مشكوك في ثبوته، فلا يقبل، وإذا كان الدليل من القرآن أو كان متواتراً قالوا: هذا قطعي الثبوت، لكنه ظني الدلالة، فلا نجزم بأن قوله: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف:54] يفيد الاستواء، لجواز أن يكون معناها استولى.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ إلى أن قال: ونصدق بجميع الروايات التي يثبتها أهل النقل من النزول إلى السماء الدنيا، وأن الرب عز وجل يقول: هل من سائل؟ هل من مستغفر؟ وسائر ما نقلوه وأثبتوه خلافاً لما قال أهل الزيغ والتضليل.

    ونعول فيما اختلفنا فيه على كتاب ربنا وسنة نبينا وإجماع المسلمين، وما كان في معناه، ولا نبتدع في دين الله ما لم يأذن لنا به، ولا نقول على الله ما لا نعلم.

    ونقول: إن الله يجيء يوم القيامة، كما قال تعالى: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر:22].

    وأن الله يقرب من عباده كيف شاء، كما قال تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق:16] ].

    وهذا الأصل فيه أن الضمير يعود إلى الله، فقوله: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ [ق:16] يعني: أقرب إليه بالعلم والقدرة والإحاطة.

    والقول الثاني: أن المراد قرب الملائكة، والمعنى: قرب الملائكة من قلب العبد، بحيث تكون ذوات الملائكة أقرب إلى العبد من حبل الوريد، ولهذا قيده بالظرف، فقال: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ [ق:16-17].

    يعني: أقرب إليه من حبل الوريد وقت تلقي المتلقيان، ولو كان المراد قرب الرب لكان عام التعلق ولم يخصص ولم يقيد بوقت تلقي المتلقيان، هكذا ذهب إلى هذا القول شيخ الإسلام رحمه الله وجماعة.

    وآخرون من أهل العلم كمثل أبي الحسن الأشعري قالوا: إن القرب يعود إلى الله، والمراد قرب الله في العلم، مثل قوله: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق:16]، فهو قرب بالعلم.

    وبعضهم قال: قرب بالعلم والقدرة والرؤية والإحاطة.

    قال رحمه الله تعالى: [ وأن الله يقرب من عباده كيف شاء، كما قال تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق:16]، وكما قال ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى [النجم:8-9] ].

    هذا القول بأن هذا يعود إلى الله، والراجح أنه يعود إلى جبريل، فقوله تعالى: ثُمَّ دَنَا [النجم:8] أي: جبريل فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى [النجم:8-9].

    وجاء في حديث الإسراء أنه يعود إلى الله لكن قال العلماء: إن هذا من أفراد شريك بن أبي نمر وله أوهام وأغلاط في حديث الإسراء، ولهذا لما روى مسلم في الصحيح حديث شريك قال: فقدم وأخر وزاد ونقص، وهذا أبو الحسن يقرر أن قوله: (ثم دنى فتدلى) يعود إلى الله.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ إلى أن قال: وسنحتج لما ذكرناه من قولنا وما بقي مما لم نذكره باباً باباً.

    ثم تكلم على أن الله يرى، واستدل على ذلك، ثم تكلم على أن القرآن غير مخلوق واستدل على ذلك، ثم تكلم على من وقف في القرآن وقال: لا أقول: إنه مخلوق ولا غير مخلوق ].

    هذا التوقف باطل، وهو أحد مذاهب أهل البدع إذ بعضهم يقول: القرآن مخلوق، وبعضهم يقول: أتوقف فلا أقول مخلوق ولا غير مخلوق، وهذا مذهب الواقفة قال بعضهم: الواقفة شر من الجهمية، فعلى الإنسان أن يجزم بأن القرآن كلام الله، غير مخلوق، أما التوقف فبدعة.

    1.   

    بيان عقيدة الإمام الأشعري في الاستواء

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم قال: باب ذكر الاستواء على العرش.

    إن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟

    قيل له: إن الله مستو على عرشه، كما قال: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، وقد قال الله: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:10]، وقال: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [النساء:158]، وقال: يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ [السجدة:5]، وقال تعالى حكاية عن فرعون: يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ [غافر:36] ].

    كل هذا فيه إثبات العلو، إذ الصعود يكون من أسفل إلى أعلى، وفرعون لما أعلمه موسى بأن الله في العلو أمر وزيره هامان أن يبني صرحاً ليكذب موسى فيما ادعاه بزعمه من أن الله في العلو، وليس المراد أن فرعون أثبت العلو، إذ بعض الجهمية يغالط ويقول: إن فرعون أثبت العلو، ومن أثبت العلو فهو على مذهب فرعون، وهذا باطل، ففرعون منكر للعلو، وهو منكر للرب، ولذلك يقول: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24] فكيف يثبت العلو؟!

    قال رحمه الله تعالى: [ وقال تعالى حكاية عن فرعون: يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا [غافر:36-37]، كذب موسى في قوله: إن الله فوق السماوات، وقال: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ [الملك:16]، فالسماوات فوقها العرش، فلما كان العرش فوق السماوات قال: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك:16]؛ لأنه مستو على العرش الذي فوق السماوات، فكل ما علا فهو سماء، فالعرش أعلى السماوات، وليس إذا قال: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك:16] يعني: جميع السماء، وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السماوات، ألا ترى أن الله عز وجل ذكر السماوات فقال: وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا [نوح:16]، فلم يرد أن القمر يملأهن وأنه فيهن جميعاً، ورأينا المسلمين جميعاً يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء؛ لأن الله على العرش الذي هو فوق السموات، فلولا أن الله على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش، كما لا يحطونها إذا دعوا إلى الأرض ].

    1.   

    رد الإمام الأشعري على منكري الاستواء

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم قال: فصل، وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية ].

    الحرورية هم الخوارج، سموا بذلك؛ لأنهم سكنوا بلدة تسمى حروراء.

    [ إن معنى قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، أنه استولى وملك وقهر، وأن الله عز وجل في كل مكان، وجحدوا أن يكون على عرشه كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة، فلو كان كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة؛ لأن الله قادر على كل شيء، والأرض فالله قادر عليها وعلى الحشوش وعلى كل ما في العالم، فلو كان الله مستوياً على العرش، بمعنى: الاستيلاء، وهو عز وجل مستوياً على الأشياء كلها، لكان مستوياً على العرش وعلى الأرض وعلى السماء وعلى الحشوش والأقذار؛ لأنه قادر على الأشياء مستول عليها، وإذا كان قادراً على الأشياء كلها، ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول: إن الله مستو على الحشوش والأخلية، لم يجز أن يكون الاستواء على العرش بمعنى الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معنى الاستواء يخص العرش دون الأشياء كلها.

    وذكر دلالات من القرآن والحديث والإجماع والعقل.

    ثم قال: باب الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين.

    وذكر الآيات في ذلك، ورد على المتأولين بكلام طويل لا يتسع هذا الموضع لحكايته، مثل قوله: فإن سئلنا: أتقولون ذلك: لله يدان؟

    قيل: نقول ذلك.

    وقد دل عليه قوله تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:10]، وقوله تعالى: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75]، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله مسح ظهر آدم بيده، واستخرج منه ذريته)، وقد جاء في الخبر المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن الله خلق آدم بيده، وخلق جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس شجرة طوبى بيده)، وليس يجوز في لسان العرب ولا في عادة أهل الخطاب أن يقول القائل: عملت كذا بيدي ويريد به النعمة ].

    والمؤلف رحمه الله قصده من هذا تبيين أن أهل السنة كلهم متفقون على إثبات الصفات لله عز وجل، وأن إنكار الجهمية والأشاعرة والمعتزلة في الصفات مخالفة لما أجمع عليه أهل السنة والجماعة والعلماء والأئمة.

    قال رحمه الله تعالى: [ وليس يجوز في لسان العرب ولا في عادة أهل الخطاب أن يقول القائل: عملت كذا بيدي ويريد به النعمة، وإذا كان الله إنما خاطب العرب بلغتها، وما يجري مفهوماً من كلامها ومعقولاً في خطابها، وكان لا يجوز في خطاب أهل اللسان أن يقول القائل: فعلت بيدي ويعني به النعمة، بطل أن يكون معنى قوله تعالى: (بيدي) النعمة، وذكر كلاماً طويلاً في تقرير هذا ونحوه ].

    1.   

    إثبات الإمام الباقلاني للصفات

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني المتكلم، وهو أفضل المتكلمين المنتسبين إلى الأشعري ليس فيهم مثله، لا قبله ولا بعده ].

    يعني: أن الباقلاني من الأشاعرة المعتدلين، ولهذا أثنى عليه المؤلف رحمه الله.

    قال: [ وهو أفضل المتكلمين المنتسبين إلى الأشعري ، ليس فيهم مثله لا قبله ولا بعده، قال في كتاب الإبانة تصنيفه: فإن قال: فما الدليل على أن ].

    الأشعري له كتاب الإبانة، والباقلاني له كتاب الإبانة أيضاً.

    قال: [ فإن قال: فما الدليل على أن لله وجهاً ويداً؟

    قيل له: قوله تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:27]، وقوله تعالى: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75]، فأثبت لنفسه وجهاً ويداً ].

    والأشاعرة المتأخرون لا يثبتون هذه الصفات لله وهو يثبتها الآن؛ لأنه ليس كالأشاعرة المتأخرين، بل هو من المعتدلين، ولذا تراه يثبت كثيراً من الصفات.

    قال: [ فإن قال: فما أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة إذا كنتم لا تعقلون وجهاً ويداً إلا جارحة؟

    قلنا: لا يجب هذا، كما لا يجب إذا لم نعقل حياً عالماً قادراً إلا جسماً أن نقضي نحن وأنتم بذلك على الله سبحانه، وكما لا يجب في كل شيء كان قائماً بذاته أن يكون جوهراً؛ لأنا وإياكم لا نجد قائماً بنفسه في شاهدنا إلا كذلك، وكذلك الجواب لهم إن قالوا: فيجب أن يكون علمه وحياته وكلامه وسمعه وبصره وسائر صفاته عرضاً واعتلوا بالوجود.

    قال: فإن قال: تقولون: إنه في كل مكان؟ قيل له: معاذ الله! بل هو مستو على العرش، كما أخبر في كتابه فقال: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، وقال تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:10]، وقال: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ [الملك:16]، قال: ولو كان في كل مكان، لكان في بطن الإنسان وفمه والحشوش والمواضع التي يرغب عن ذكرها، ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم يكن، وينقص بنقصانها إذا بطل منها ما كان، ولصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض ].

    يعني: يدعى من جهة الأرض ولا يدعى من جهة السماء لعلة كونه في كل مكان، نعوذ بالله.

    قال: [ ولصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض، وإلى خلفنا وإلى يميننا وإلى شمالنا، وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله. وقال أيضاً في هذا الكتاب: صفات ذاته التي لم يزل ولا يزال موصوفاً بها، وهي: الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والبقاء والوجه والعينان واليدان والغضب والرضا، وقال في كتاب التمهيد كلاماً أكثر من هذا ].

    كتاب التمهيد هو كتاب الباقلاني ، وهناك التمهيد لـابن عبد البر وهذا غير ذاك.

    قال: [ فقال في كتاب التمهيد كلاماً أكثر من هذا، لكن ليست النسخة حاضرة عندي، وكلامه وكلام غيره من المتكلمين في هذا الباب ].

    هذا يدل على أن المؤلف ينقل حرفياً، ويدل على أن المؤلف رحمه الله كانت عنده كتب كثيرة من المتقدمين والمتأخرين ينقل منها.

    قال: [ وقال في كتاب التمهيد كلاماً أكثر من هذا لكن ليست النسخة حاضرة عندي، وكلامه وكلام غيره من المتكلمين في هذا الباب مثل هذا كثير لمن يطلبه، وإن كنا مستغنين بالكتاب والسنة وآثار السلف عن كل كلام ].

    لكن من باب الرد على الخصوم بأقوال أئمتهم وعلمائهم، وإلا فالكتاب والسنة وأقوال الصحابة والعلماء كافية، لكن لا ينقل عن أهل الكلام، إلا لإقناع الخصوم من الأشاعرة، فيقال: هذا القاضي منكم، وهذا الأشعري تنتسبون إليه، فانظروا إلى كلامه، إذ كلامه يبطل ما تدعونه من إنكار الصفات وتأويلها.

    1.   

    مخالفة متأخري الأشاعرة لأئمتهم المتقدمين

    قال: [ وملاك الأمر: أن يهب الله للعبد حكمة وإيماناً بحيث يكون له عقل ودين حتى يفهم ويدين ].

    ومن كان كذلك تمت النعمة عليه.

    قال: [ وملاك الأمر: أن يهب الله للعبد حكمة وإيماناً بحيث يكون له عقل ودين؛ حتى يفهم ويدين، ثم نور الكتاب والسنة يغنيه عن كل شيء، ولكن كثيراً من الناس قد صار منتسباً إلى بعض طوائف المتكلمين ومحسن للظن بهم دون غيرهم، ومتوهماً أنهم حققوا في هذا الباب ما لم يحققه غيرهم، فلو أوتي بكل آية ما تبعها حتى يؤتى بشيء من كلامهم ].

    ولهذا أكثر المؤلف رحمه الله من النقول عنهم للرد على الخصوم بأقوال أئمتهم وأتباعهم.

    قال: [ ثم هم مع هذا مخالفون لأسلافهم غير متبعين لهم ].

    يعني: مثل الأشاعرة الآن، فهم مخالفون لأتباعهم، فهذا القاضي الباقلاني وأبو الحسن الأشعري وهذه أقوالهم، والأشاعرة يخالفونهم.

    قال: [ ثم هم مع هذا مخالفون لأسلافهم غير متبعين لهم، فلو أنهم أخذوا بالهدى الذي يجدونه في كلام أسلافهم لرجي لهم مع الصدق في طلب الحق أن يزدادوا هدى، ومن كان لا يقبل الحق إلا من طائفة معينة ثم لا يستمسك بما جاءت به من الحق ففيه شبه من اليهود الذين قال الله فيهم: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة:91]، فإن اليهود قالوا: لا نؤمن إلا بما أنزل الله علينا، قال الله لهم: فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة:91] بما أنزل عليكم ].

    أي: أن هؤلاء يقولون: لا نقبل إلا أقوال أئمتنا، ومع ذلك لا يقبلون الحق الذي مع أئمتهم. فهذا الأشعري أثبت الوجه واليدين، فلماذا تنكرونها؟ ففيكم شبه من اليهود، فإن اليهود يقولون: لا نقبل إلا ما أنزل علينا، ومع ذلك خلفوا ما أنزل عليهم، وأنتم تقولون: لا نقبل إلا أقوال أئمتنا، وهذه أقوال القاضي والأشعري قد أثبتت اليد والوجه وغيرها وأنتم لم تثبتوا شيئاً، فلم لا تقولون الحق الذي مع أئمتكم؟!

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يقول سبحانه: لا لما جاءتكم به أنبياؤكم تتبعون، ولا لما جاءتكم به سائر الأنبياء تتبعون، ولكن إنما تتبعون أهواءكم، فهذا حال من لم يتبع الحق لا من طائفته ولا من غيرهم، مع كونه يتعصب لطائفة دون طائفة بلا برهان من الله ولا بيان ].

    1.   

    بيان رأي الجويني في آيات الصفات

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وكذلك قال أبو المعالي الجويني في كتاب الرسالة النظامية: اختلفت مسالك العلماء في هذه الظواهر، فرأى بعضهم تأويلها والتزم ذلك في آي الكتاب ].

    يعني: ظواهر النصوص وآيات الكتاب كقوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف:54]، وقوله تعالى: (يحبهم ويحبونه)، هل تؤول أو لا تؤول؟ وأبو المعالي الجويني من متأخري الأشاعرة، وهو الذي تكلم في مسألة الاستواء وقرر نفي استواء الرب على عرشه بين تلاميذه، حيث يقول: إن الرب كان قبل أن يخلق العرش وهو الآن على ما كان، وقصده بذلك إنكار الاستواء، فلما أكثر من هذا قام إليه أحد تلاميذه وقال: يا أستاذ! دعنا من هذا الكلام، لكن كيف ندفع هذه الضرورة على المسلم؟ ما قال أحد قط: يا الله! إلا اتجه إلى العلو وجهه وقال: حيرني الهمداني حيرني الهمداني والهمداني هذا هو من تلاميذه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال في كتاب الرسالة النظامية: اختلفت مسالك العلماء في هذه الظواهر، فرأى بعضهم تأويلها والتزم ذلك في آي الكتاب ].

    وهؤلاء هم الأشاعرة والمعتزلة والجهمية، أما أهل السنة فلم يؤولونها، بل أجروها على ظاهرها، وأمروها كما جاءت، كما قال الإمام أحمد رحمه لله.

    قال: [ فرأى بعضهم تأويلها والتزم ذلك في آي الكتاب وما يصح من السنن، وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل، وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الرب ].

    وهذا غلط، فإن أئمة السلف يفوضون الكيفية ولا يفوضون المعاني. أما مذهب المفوضة فقال بعض العلماء عنهم: المفوضة أشر من الجهمية، فالمفوضة يقولون: لا نعرف المعنى، بل هي حروف تجري على اللسان ولا يعرف معناها، وهذا غلط، فإن الله تعالى أمر بتدبر القرآن، فقال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ [النساء:82] وقال: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر:17]، ولم يقل: لا تفسروها ولا تدبروها فإنها غير معلومة المعنى، بل قال تعالى: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [ص:29]، فقوله ذاك إنما قاله ظناً منه أن السلف يفوضون المعنى، مثل ما قال النووي رحمه الله في صحيح مسلم : مذهب الخلف التأويل، ومذهب السلف تفويض المعنى، وهذا غلط، إذ ليس من مذهب أهل السنة والجماعة تفويض المعنى، بل عندهم تفويض الكيفية، والمعنى معلوم كما قال الإمام مالك : الاستواء معلوم -أي: في اللغة العربية- والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الرب.

    قال: والذي نرتضيه رأياً وندين الله به عقداً اتباع سلف الأمة، والدليل السمعي القاطع في ذلك: أن إجماع الأمة حجة متبعة، وهو مستند معظم الشريعة، وقد درج صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ترك التعرض لمعانيها ].

    شيخ الإسلام ينقل هذه النصوص ليبين أن مذهب السلف وأهل السنة والجماعة هو إثبات الصفات وتفويض الكيفية، ونقل الشيخ كلام أبي المعالي ولم يرد عليه، فيحمل كلام أبي المعالي في تفويض المعنى على أن المقصود معنى الكيفية، لكن المعروف من أبي المعالي غير ذلك، ولهذا فهذا إشكال من نقل الشيخ رحمه الله هذا الكلام ضمن نقولات العلماء في إثبات مذهب السلف.

    قال: [ وكانوا لا يألون جهداً في ضبط قواعد الملة، والتواصي بحفظها، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها، فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوغاً أو محتوماً لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، وإذا انصرم عصرهم وعصر التابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك هو الوجه المتبع، فحق على ذي الدين أن يعتقد تنزيه الله عن صفات المحدثين، ولا يخوض في تأويل المشكلات، ويكل معناها إلى الرب، فليجر آية الاستواء والمجيء، وقوله: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75] .. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:27]، وقوله: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر:14]، وما صح من أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم كخبر النزول وغيره على ما ذكرنا ].

    1.   

    نقل الصواب من الآخرين ليس قبولاً بكل أقوالهم

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قلت: وليعلم السائل أن الغرض من هذا الجواب ذكر ألفاظ بعض الأئمة الذين نقلوا مذهب السلف في هذا الباب، وليس كل من ذكرنا شيئاً من قوله من المتكلمين وغيرهم يقول بجميع ما نقوله في هذا الباب وغيره ].

    يعني: هذا الكلام تعقيب من المؤلف على جميع النصوص لا خاصاً بالنقل هذا، فيقول: نقلنا عنهم؛ لنبين أن هذا مذهب السلف، لكن في بعض النقول التي ننقلها عنهم أشياء لا نوافقهم عليها، فمقصود المؤلف رحمه الله النقل عن السلف في أنهم يجرون الصفات على ظاهر الكتاب.

    أما قوله: نفوض المعنى، فهذا ليس بصحيح، فالمعنى لا يفوض، وهذا لا يقول به المؤلف رحمه الله، لكن قصده من النقل عن أبي المعالي الجويني هو قوله: أن السلف لا يتعرضون للتأويل، بل يجرونها على ظاهرها، ولا يلزم من هذا أنهم يفوضون المعنى، بل هذا من الأغلاط عليهم.

    ويقول الشيخ: ليس كل من نقلنا عنه نوافقه في كل ما يقول؛ لأن الاستفادة من نقوله لكلام العلماء، أما ما يعتقده فلا نوافقه في كل ما يقول.

    وقوله: (وليس كل من ذكرنا شيئاً من قوله من المتكلمين وغيرهم يقول بجميع ما نقوله في هذا الباب وغيره.

    في نسخة: (نقول بجميع ما يقوله) الأولى بالنون والثانية بالياء، وهي الصواب.

    قال: [ وليس كل من ذكرنا شيئاً من قوله من المتكلمين وغيرهم نقول بجميع ما يقوله في هذا الباب وغيره، ولكن الحق يقبل من كل من تكلم به ].

    أي: من تكلم بكلام الحق قبلناه منه ورددنا الباطل الذي معه؛ لأن الحق يقبل ممن جاء به.

    فإذا تكلم أبو المعالي الجويني بكلام الحق قبلنا منه ورددنا الباطل الذي معه.

    قال: [ كان معاذ بن جبل يقول في كلامه المشهور عنه الذي رواه أبو داود في سننه: اقبلوا الحق من كل من جاء به، وإن كان كافراً أو قال: فاجراً، واحذروا زيغة الحكيم، قالوا: كيف نعلم أن الكافر يقول الحق؟ قال: إن على الحق نوراً. أو كلاماً هذا معناه ].

    هذا الأثر في سنن أبي داود من كتاب السنة حيث قال: باب لزوم السنة.

    عن ابن شهاب : أن أبا إدريس الخولاني أخبره: أن يزيد بن عميرة وكان من أصحاب معاذ بن جبل أخبره قال: كان لا يجلس مجلساً للذكر حين يجلس إلا قال: الله حكم قسط، هلك المرتابون، فقال معاذ بن جبل يوماً : إن من ورائكم فتناً يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن، حتى يأخذه المؤمن والمنافق، والرجل والمرأة، والصغير والكبير، والعبد والحر، فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن؟ ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع، فإن ما ابتدع ضلالة، وأحذركم زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق، قال: قلت لـمعاذ : ما يدريني رحمك الله إن كان الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال: بلى، اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال لها: ما هذه؟! ولا يثنيك ذلك عنه، فإنه لعله أن يراجع، وتلق الحق إذا سمعته، فإن على الحق نوراً. وأخرجه الحاكم في مستدركه مع اختلاف يسير في الألفاظ.

    1.   

    سبيل النجاة في باب الصفات

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال: فأما تقرير ذلك بالدليل وإماطة ما يعرض من الشبه وتحقيق الأمر على وجه يخلص إلى القلب ما يبرد به من اليقين، ويقف على مواقف آراء العباد في هذه المهامه، فما تتسع له هذه الفتوى.

    وقد كتبت شيئاً من ذلك قبل هذا، وخاطبت ببعض ذلك بعض من يجالسنا، وربما أكتب إن شاء الله في ذلك ما يحصل المقصود به].