إسلام ويب

شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية [10]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • وردت بعض النصوص بإثبات الإسلام لقوم مع نفي الإيمان عنهم، وقد اختلف الناس في ذلك، وقد بين شيخ الإسلام بالأدلة أن المنفي كمال الإيمان والمثبت أصله.

    1.   

    القول فيمن أثبت الإسلام دون الإيمان

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وحينئذ فهؤلاء الذين أثبت لهم القرآن والسنة الإسلام دون الإيمان، هل هم المنافقون الكفار في الباطن؟ أم يدخل فيهم قوم فيهم بعض الإيمان؟ هذا مما تنازع فيه أهل العلم على اختلاف أصنافهم، فقالت طائفة من أهل الحديث والكلام وغيرهم: بل هم المنافقون الذين استسلموا وانقادوا في الظاهر، ولم يدخل إلى قلوبهم شيء من الإيمان ] .

    هذا القول الأول، وهو قول الإمام البخاري وبعض أهل الكلام من الخوارج والمعتزلة، قالوا: هؤلاء الذين نفي عنهم الإيمان وأثبت لهم الإسلام في قوله تعالى: قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات:14] ، هم منافقون، وهذا إسلام المنافقين .

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وأصحاب هذا القول قد يقولون: الإسلام المقبول هو الإيمان؛ ولكن هؤلاء أسلموا ظاهراً لا باطناً فلم يكونوا مسلمين في الباطن، ولم يكونوا مؤمنين، وقالوا: إن الله سبحانه يقول: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران:85] ].

    هذا دليلهم، وهو قوله تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران:85]، قالوا: المراد بالإسلام الإيمان، والإيمان هو الإسلام فهما مترادفان عند هذه الطائفة ولا فرق بينهما، فمن ابتغى غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه، والإسلام هو الإيمان، ومادام نفي عنهم الإيمان، فلا يقبل منهم، ودل على أنهم منافقون.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ بيانه: كل مسلم مؤمن فما ليس من الإسلام فليس مقبولاً، يوجب أن يكون الإيمان منه، وهؤلاء يقولون: كل مؤمن مسلم وكل مسلم مؤمن إذا كان مسلماً في الباطن، وأما الكافر المنافق في الباطن، فإنه خارج عن المؤمنين المستحقين للثواب باتفاق المسلمين ] .

    عندهم أن كل مسلم مؤمن وكل مؤمن مسلم، أما الكافر منافق الباطن فلا شك أنه ليس من المؤمنين.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ولا يسمون بمؤمنين عند أحد من سلف الأمة وأئمتها، ولا عند أحد من طوائف المسلمين، إلا عند طائفة من المرجئة وهم الكرامية الذين قالوا: إن الإيمان هو مجرد التصديق في الظاهر، فإذا فعل ذلك كان مؤمناً، وإن كان مكذباً في الباطن، وسلموا أنه معذب مخلد في الآخرة، فنازعوا في اسمه لا في حكمه ].

    الكرامية جمعوا بين المتناقضين في مسمى الإيمان، وفي اسم المؤمن وحكمه، قالوا: إذا نطق الإنسان بالشهادتين نسميه مؤمناً كامل الإيمان، وإن كان مكذباً في الباطن فهو مخلد في النار، فجمعوا بين المتناقضين، ولهذا كان من أفسد تعاريف الإيمان قول الكرامية، يليه في الفساد قول الجهمية الذين يقولون: الإيمان معرفة الرب بالقلب، والكرامية يقولون: الإيمان النطق اللسان ولو كان مكذباً في الباطن، فإذا نطق باللسان فهو مؤمن كامل الإيمان، ثم بعد ذلك ننظر إلى قلبه، إن كان مصدقاً فإنه يدخل الجنة، وإن كان مكذباً فهو مخلد في النار، وهذا من أفسد ما قيل.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ومن الناس من يحكي عنهم أنهم جعلوهم من أهل الجنة، وهو غلط عليهم ] .

    هذا ليس بصحيح، فالذين يجعلونهم من أهل الجنة هم المرجئة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ومع هذا فتسميتهم له مؤمناً بدعة ابتدعوها مخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، وهذه البدعة الشنعاء هي التي انفرد بها الكرامية دون سائر مقالاتهم أي: تسمية المكذب بالباطن مؤمناً بدعة ابتدعوها مخالفة للكتاب والسنة، حيث سموا من نطق بالشهادتين مؤمناً ولو كان مكذباً في الباطن.

    قول الجمهور فيمن أثبت الإسلام دون الإيمان

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقال الجمهور من السلف والخلف: بل هؤلاء الذين وصفوا بالإسلام دون الإيمان، قد لا يكونون كفاراً في الباطن، بل معهم بعض الإسلام المقبول ] .

    هذا هو القول الثاني: أن المسلم غير المؤمن، فالمسلم هو الذي دخل في الإسلام ولكنه مقصر في بعض الواجبات، أو فاعل لبعض المحرمات، والمؤمن هو الذي أدى الواجبات وترك المحرمات، فالآيات التي أثبتت الإسلام ونفت الإيمان محمولة على ضعيف الإيمان، وهذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية وجمهور من السلف والخلف.

    مثل قوله تعالى: قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات:14]، والأعراب ليسوا كلهم منافقين، ولكنهم ضعيفو الإيمان، دخلوا في الإسلام وعندهم ضعف.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وهؤلاء يقولون: الإسلام أوسع من الإيمان فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمناً].

    الإسلام أوسع دائرة من الإيمان؛ لأن الإسلام يطلق على العاصي وعلى المطيع، أما الإيمان فلا يطلق إلا على المطيع، فالعاصي لا يسمى مؤمناً بإطلاق، وكل المسلمين يدخلون في الإسلام، العصاة والمطيعين؛ لكن الإيمان لا يدخل فيه إلا المطيع، ودائرته أضيق.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويقولون في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن) إنه يخرج من الإيمان إلى الإسلام ] .

    هذا الحديث صحيح رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد والدارمي وابن حبان والبغوي وابن أبي شيبة وغيرهم.

    وفي هذا الحديث نفى النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان عن الزاني والسارق والشارب، وفي لفظ: عن الناهب قال: (ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن).

    وهذه فسرها الجمهور فقالوا: إن الزاني والسارق خرجوا من الإيمان عند الإطلاق إلى الإسلام، فيسمى الزاني مسلماً ولا يسمى مؤمناً؛ لأنه فعل كبيرة، وإلا فمعه أصل الإيمان، وليس بكافر، فالإسلام لابد له من إيمان، فيؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر لكن لما فعل الكبيرة لم يسم مؤمناً حتى يتوب فيسمى مسلماً.

    وكذلك السارق وشارب الخمر عند جمهور أهل السنة، فلا نقول عن الزاني إنه مؤمن ولا نقول ليس بمؤمن، بل نقول: إنه مؤمن ضعيف الإيمان، مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وفي النفي لا نقول: إن الزاني ليس بمؤمن لأن هذا معناه أنه كافر، ولكن نقول: ليس بصادق الإيمان، وليس بمؤمن حقاً، وهذا مذهب جماهير أهل السنة وعلى رأسهم، شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ودوروا للإسلام دارة، ودوروا للإيمان دارة أصغر منها في جوفها، وقالوا: إذا زنى خرج من الإيمان إلى الإسلام ولا يخرجه من الإسلام إلى الكفر. ] .

    جعلوا دائرتين دائرة كبيرة وفي وسطها دائرة صغيرة وقالوا: إذا أدى المؤمن الواجبات وترك المحرمات فهو في الدائرة الصغيرة، فإذا زنا خرج من الدائرة الصغيرة إلى الدائرة التي هي أكبر منها، فإذا خرج من الدائرة التي أكبر منها خرج إلى الكفر، فيكون للإسلام دائرة، في وسطها دائرة صغيرة، ومن وراء الإسلام دائرة كبرى، فالمؤمن إذا أدى الواجبات وترك المحرمات صار في الدائرة الصغيرة، وإذا زنى أو فسق أو سرق خرج من الدائرة الصغيرة إلى دائرة الإسلام، وإذا فعل مكفراً خرج من دائرة الإسلام إلى دائرة الكفر، نسأل الله السلامة والعافية.

    ودائرة الإحسان تكون دائرة أصغر من دائرة الإسلام، فدائرة الإحسان صغيرة ثم أكبر منها دائرة الإيمان، ثم دائرة الإسلام، ثم بعد ذلك دائرة الكفر.

    والإحسان: أن يعبد الله على المشاهدة، ويراقب ربه، والمؤمن هو الذي فعل الطاعات وترك المحرمات، لكن ما وصل إلي درجة المراقبة والمشاهدة التي هي درجة الإحسان.

    أدلة الجمهور على إثبات الإسلام لضعيف الإيمان

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ودليل ذلك أن الله تبارك وتعالى قال: قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [الحجرات:14-17] ] .

    هذه الآيات استدل بها أهل القول الثاني من جمهور السلف والخلف على أن ضعيف الإيمان يثبت له الإسلام وينفى عنه الإيمان، والدلالة أنه نفى عنه الإيمان وأثبت له الإسلام قوله تعالى: قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات:14]، وهؤلاء الأعراب دخلوا في الإسلام من جديد وعندهم ضعف ونقص.

    والبخاري وجماعة يقولون: هؤلاء منافقون، والإسلام الذي أثبت لهم هو إسلام المنافقين؛ لأن الإيمان والإسلام شيء واحد.

    وهناك مرجحات للقول بأنهم ضعفاء الإيمان وليسوا منافقين، منها قوله تعالى: وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات:14] أي: لما يدخل الإيمان الكامل فيكم ويتوقع دخوله.

    منها أنه أثبت لهم طاعة حيث قال تعالى: وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الحجرات:14]، ولو كانوا منافقين فليس لهم طاعة.

    ومنها أنه أثبت لهم ثواباً.

    ومنها أنه بين المؤمنين الخلص الكاملين بقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [الحجرات:15]، ثم قال: قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ [الحجرات:16]، فأثبت لهم الدين، ثم قال: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا [الحجرات:17]، فأثبت لهم الإسلام، ولو كانوا منافقين ما أثبت لهم الإسلام.

    1.   

    الأدلة التي رجح بها الجمهور كون ضعيف الإيمان يسمى مسلماً

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فقد قال تعالى قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات:14] ، وهذا الحرف - أي: لما - ينفى به ما قرب وجوده وانتظر وجوده ولم يوجد بعد، فيقال لمن ينتظر غائباً: أي: لما، ويقال: قد جاء لما يجئ بعد، فلما قالوا آمنوا قيل: لم تؤمنوا بعد، بل الإيمان مرجو منتظر منهم ] .

    هذا هو المرجح الأول أنهم ضعفاء الإيمان، وهو أنه أتى بلما، فقال تعالى: وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات:14]، وهذا ينفى به ما قرب وجوده وانتظر وجوده ولم يوجد بعد، فتقول: أثمرت البساتين ولما يثمر بستاننا، أي: قرب، والمعنى: أن بستاننا ما أثمر وسوف يثمر قريباً، فقوله: وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات:14]، أي: لم تؤمنوا ولكن قرب دخول الإيمان في قلوبكم، فهذا دليل على أنهم دخلوا في الإسلام إلا أنهم لم يدخلوا الإيمان الكامل، ولهذا قال: وهذا الحرف -أي:لما- ينفى به ما قرب وجوده وانتظر وجوده، فهنا المعنى: قرب وجود الإيمان المنتظر وجوده ولكنه لم يوجد بعد، فمن ينتظر غائباً وسأل هل أتى فلان؟ تقول له: لما يأت، وسوف يأتي قريباً، وهل قدم فلان من السفر؟ لما يقدم، أي: هو سيقدم قريباً، فأنت نفيت عنه القدوم ولكنك أثبت قرب قدومه، وكذلك لما يدخل الإيمان في قلوبكم أي: هو سوف يدخل قريباً، وهذا هو المرجح الأول.

    دليل إثبات الطاعة للمسلم

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ثم قال تعالى: وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ [الحجرات:14]، أي : لا ينقصكم من أعمالكم المثبتة شيئاً، أي: في هذه الحال؛ فإنه لو أراد طاعة الله ورسوله بعد دخول الإيمان في قلوبهم لم يكن في ذلك فائدة لهم ولا لغيرهم؛ إذ كان من المعلوم أن المؤمنين يثابون على طاعة الله ورسوله، وهم كانوا مقرين به فإذا قيل لهم: المطيع يثاب والمراد به المؤمن الذي يعرف أنه مؤمن لم يكن فيه فائدة جديدة ].

    هذا هو المرجح الثاني، ووجه الدلالة أنه أثبت لهم طاعة، ولو كانوا منافقين لم يثبت لهم طاعة، فلما أثبت لهم طاعة دل على أنهم مسلمون، قال تعالى: وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا [الحجرات:14] ، إن تطيعوا الله ورسوله وأنتم في هذه الحال، لا ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئاً؛ لأنكم مسلمون، ولا يقول القائل: إن المراد وإن تطيعوا الله بعد دخول الإيمان في قلوبكم؛ لأنه لو أراد طاعة الله ورسوله بعد دخول الإيمان في قلوبهم لم يكن في ذلك فائدة لهم أو لغيرهم، إذ كان من المعلوم أن المؤمنين يثابون على طاعة الله ورسوله، وهم كانوا مقرين به.

    لكن المراد: إن تطيعوا الله ورسوله وأنتم في هذه الحال مع ضعف إيمانكم يثبكم الله على أعمالكم.

    فكونه أثبت لهم طاعة الله ورسوله وهم في هذه الحال، دل على أنهم ليسوا منافقين وإنما هم ضعيفو الإيمان، وضعيف الإيمان يثاب على أعماله.

    فأثبت لهم طاعة مع نفي الإيمان الكامل عنهم، فدل على أنهم مسلمون وليسوا منافقين كما يقوله الإمام البخاري والجماعة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وأيضاً: فالخطاب لهؤلاء المخاطبين قد أخبر عنهم: لما يدخل في قلوبهم، وقيل لهم: وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا [الحجرات:14]، فلو لم يكونوا في هذه الحال مثابين على طاعة الله ورسوله لكان خلاف مدلول الخطاب ] .

    هذا هو المرجح الثالث، فمدلول الخطاب لهؤلاء الأعراب، قال تعالى: قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا [الحجرات:14]، ثم خاطبهم فقال: وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا [الحجرات:14].

    فأهل القول الأول يقولون: هذه الطاعة تكون بداية دخول الإيمان في قلوبهم، ونحن نقول: ولو كان كذلك لكان خلاف مدلول الخطاب، والخطاب موجه لهم وهم في هذه الحال، أي: قل لم تؤمنوا أيها الأعراب ولكن قولوا أسلمنا، وإن تطيعوا الله يثبكم على أعمالكم.

    فإن قيل: إن الطاعة تكون بعدما يدخل الإيمان في قلوبهم، قلنا: لو كان كذلك لصار الخطاب غير موجه إليهم، وإنما وجه إليهم بعد دخول الإيمان، وهذا خلاف مجيء الخطاب، وهذا هو المرجح الثالث.

    دلالة وصف كاملي الإيمان بعد ذكر الضعفاء فيه

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فبين ذلك أنه وصف المؤمنين الذين أخرج هؤلاء منهم فقال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات:15] ، وهذا نعت محقق للإيمان؛ لا نعت من معه مثقال ذرة من إيمان ].

    هذا هو المرجح الرابع: أنه بعد أن أخبرهم بأنهم ضعفاء الإيمان، بين لهم أوصاف المؤمنين الكمل الذين حققوا الإيمان فقال: انظروا أوصاف المؤمنين الذين حققوا الإيمان: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات:15]، فهؤلاء هم الصادقون في إيمانهم، الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يشكوا وجاهدوا بالمال وجاهدوا بالنفس فأولئك هم الصادقون، وأنتم لستم صادقين.

    وضعيف الإيمان ليس بصادق الإيمان، وهؤلاء هم الصادقون، كما قالت الآية الأخرى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الأنفال:2-4]، فهؤلاء المؤمنون الذين حققوا لإيمان.

    وفي الآية الأخرى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ [النور:62]، فالمرجح الرابع: أن الله بين وصف المؤمنين الكمل الذين حققوا الإيمان، والأعراب خرجوا من هذا الوصف، فهذا وصف المؤمنين الذين حققوا الإيمان ولستم أيها الأعراب منهم؛ لأنكم لم تصلوا إلى هذه الدرجة، فأنتم ضعيفو الإيمان، وهؤلاء حققوا الإيمان وكملوه.

    وهؤلاء الأعراب وغيرهم معهم أصل الإيمان، لكن ليس معهم كمال الإيمان.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ كما في قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الأنفال:2-4] ] .

    هذا هو الشاهد: أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الأنفال:4] ، كما أن الشاهد في الآية السابقة، أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات:15]، والمقصود هؤلاء الذين حققوا الإيمان وصدقوا في إيمانهم، وأنتم أيها الأعراب لم تصلوا إلى هذه الدرجة، ولم تصلوا إلى كمال الإيمان.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقوله تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [النور:62] ] .

    هؤلاء هم المؤمنون الكمل.

    تقرير مذهب الجمهور

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، وأمثال ذلك ] .

    هؤلاء نفي عنهم الإيمان لضعفهم مثل الأعراب.

    والمؤلف رحمه الله يقرر بهذا مذهب الجمهور، وأن هؤلاء الذين نفي عنهم الإيمان وأثبت لهم الإسلام ليسوا منافقين ولكن إيمانهم ضعيف، فلهذا نفى عنهم الإيمان الكامل وإن كان معهم أصل الإيمان الذي يصح به الإسلام، والإسلام لابد له من إيمان يصححه، فالمسلم لابد أن يكون مؤمناً بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والإيمان الذي يصحح الإسلام لابد منه، لكن الإيمان المكمل هو الذي نفي عنهم، والمثبت لهم أصل الإيمان.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فدل البيان على أن الإيمان المنفي عن هؤلاء الأعراب: هو هذا الإيمان الذي نفي عن فساق أهل القبلة الذين لا يخلدون في النار ].

    الإيمان الذي نفي عن الأعراب في قوله تعالى: قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات:14] ، هو الإيمان الذي نفي عن الفساق في الحديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن)، والفاسق عندما ينفى عنه الإيمان ليس بكافر، وإنما ينفى عنه الكمال؛ لأن عنده أصل الإيمان الذي يصح به الإسلام، فهو مؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، فكذلك الأعراب أثبت لهم أصل الإيمان ونفي عنهم كمال الإيمان وتحقيقه.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ بل قد يكون مع أحدهم مثقال ذرة من إيمان، ونفي هذا الإيمان لا يقتضي ثبوت الكفر الذي يخلد صاحبه في النار ] .

    يعني: أن نفي الإيمان هنا معناه: نفي كمال الإيمان، لا أنه يكون كافراً، كما في الحديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، فالذي نفي عنه هو كمال الإيمان ولا يقتضي الكفر، بل يقتضي حدوث أصل الإيمان، إنما الذي يقتضي الكفر هو نفي أصل الإيمان.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وبتحقق هذا المقام يزول الاشتباه في هذا الموضع، ويعلم أن في المسلمين قسماً ليس هو منافقاً محضاً في الدرك الأسفل من النار، وليس هو من المؤمنين الذين قيل فيهم: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات:15] .

    ولا من الذين قيل فيهم: أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الأنفال:74] .

    فلا هم منافقون ولا هم من هؤلاء الصادقين المؤمنين حقاً، ولا من الذين يدخلون الجنة بلا عقاب، بل له طاعات ومعاص وحسنات وسيئات، ومعه من الإيمان ما لا يخلد معه في النار.

    وله من الكبائر ما يستوجب دخول النار، وهذا القسم قد يسميه بعض الناس: الفاسق الملي، وهذا مما تنازع الناس في اسمه وحكمه ].

    بتحقيق هذا المقام يزول الاشتباه في هذا الموضع؛ لأن هذا الموضع موضع اشتباه، ووجه ذلك أن الخوارج لما سمعوا: قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات:14]، وقوله: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، كفروه، وقالوا: نفي عنه الإيمان لكفره، فاشتبه عليهم الأمر، واشتبهت عليهم النصوص، ولم يجمعوا بينها.

    وأما المرجئة فقالوا: هو مؤمن كامل الإيمان.

    وهدى الله أهل السنة والجماعة فجمعوا بين النصوص.

    وبتحقيق هذا المقام في هذا الموضع، الذي فيه نصوص أثبتت الإسلام لقوم ونفت عنهم الإيمان علم أن في المسلمين قسماً ليس هو منافقاً محضاً في الدرك الأسفل من النار وليس هو من المؤمنين الكمل، الذين حققوا الإيمان.

    فهو مؤمن ضعيف الإيمان، وليس من المؤمنين الذين قيل فيهم:إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات:15]، ولا من الذين قيل فيهم: أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الأنفال:4] ، كما في سورة الأنفال، فلا هم منافقون، ولا هم من هؤلاء الصادقين المؤمنين حقاً، ولا هم من الذين يدخلون الجنة بلا عقاب، بل لهم طاعات ومعاصي، فالناس أربعة أصناف، وكلها داخلة في مسمى الإسلام، وهم الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، وهؤلاء يثبت لهم الإسلام وينفى عنهم الإيمان، القسم الثاني الصادقون المؤمنون حقاً، وهم الذين أدوا الواجبات وتركوا المحرمات، قال الله عنهم: أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات:15] ، أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الأنفال:4].

    القسم الثالث: الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، وهم الذين أحكموا التوحيد وخلصوه ونقوه من شوائب الشرك والبدع ونحو ذلك.

    القسم الرابع: المؤمنون ضعيفو الإيمان، الذين لهم طاعات وحسنات ومعاص وسيئات، ومعهم من الإيمان ما يمنع الخلود في النار، ومعهم من الكبائر ما يقتضي دخول النار، وهذا هو الذي وصف به الأعراب والزاني والسارق الذين نفي عنهم الإيمان في قوله تعالى: قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات:14] والحديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن).

    فهذه أربعة أصناف كلها داخلة في مسمى الإسلام غير الكفار، والكافر هو القسم الخامس.

    فالكافر ظاهراً وباطناً ليس بمؤمن، ويشمل اليهود والنصارى والوثنيين والمجوس والشيوعيين والملاحدة جميعاً، فكلهم أظهروا كفرهم، وهم صنف واحد.

    والصنف الرابع الذين لهم طاعات وحسنات ولهم معاص وسيئات، فليس معهم كمال الإيمان، بل معهم من الإيمان ما لا يخلد في النار ولهم كبائر يستوجبون بها دخول النار- فهم تحت مشيئة الله، قد يعفو الله عنهم ويدخلهم الجنة من أول وهلة، وقد يعذبهم ولكن لا يخلدون، وقد يكون مخلداً في النار على حسب الجرائم؛ لأنه تواترت الأخبار أنه يدخل النار جملة من أهل الكبائر مؤمنون مصدقون لكنهم دخلوا النار بالمعاصي، كمن مات على سرقة أو زنا أو عقوق، وبعضهم يكون مكثراً حتى أنه يخلد كالقاتل، والمراد بالخلود: طول المكث، أي: يمكث مدة طويلة ولكن لا يخلد، فالخلود خلودان: خلود مؤبد لا نهاية له، وهذا خلود الكفرة، والثاني: خلود مؤقت، له أمد ونهاية، وهو خلود بعض العصاة الذين اشتدت جرائمهم وكثرت وفحشت كالقاتل: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا [النساء:93] ، لكنه ليس بكافر إلا إذا استحل، فإذا رأى أن القتل حلال كفر .

    كذلك المرابي إذا تعامل بالربا فهو ضعيف الإيمان، إلا إذا اعتقد أن الربا حلال كفر.

    فهذا القسم هم الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، وهم الذين قال الله فيهم: قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات:14]، فمعهم أصل الإيمان الذي يمنعهم من الخلود في النار كالكفرة، ومعهم كبائر يستوجبون بها دخول النار كالعصاة، وهذا القسم يسميه بعض الناس الفاسق الملي.

    والفاسق هو الذي دخل في ملة الإسلام مثل الزاني والسارق وشارب الخمر والمرابي والقاتل، وهذا مما تنازع الناس في اسمه وحكمه، فأهل السنة يسمونه مؤمناً ناقص الإيمان، والخوارج يسمونه كافراً، والمعتزلة يقولون: خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر، والمرجئة يسمونه مؤمناً كامل الإيمان.

    هذا في الاسم، وأما في الحكم فأهل السنة يقولون: هو تحت مشيئة الله، والخوارج يقولون: مخلد في النار، والمعتزلة: مخلد في النار، والمرجئة: يدخل الجنة من أول وهلة.

    بيان مبدأ ظهور الخلاف في الدين

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ والخلاف فيه أول خلاف ظهر في الإسلام في مسائل أصول الدين ] .

    وذلك في عصر الصحابة، فبعد قتل أمير المؤمنين عثمان ، خرجت الخوارج وكفروا علياً وعثمان ، وقالوا: أنتم حكمتم الرجال في كتاب الله، وأصل الخوارج رجل خرج في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الرجل الذي اعترض على النبي صلى الله عليه وسلم وقال: اعدل يا محمد.

    ولما استأذنه خالد رضي الله عنه في قتله، قال: (اتركه فإنه سيخرج من ضئضئ هذا قوم، تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم)، فرأي الخوارج قديم أصله على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وبعد قتل أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه خرجت الخوارج، ثم بعده جاءت المرجئة والمعتزلة.

    وكذلك الشيعة خرجوا في زمن علي رضي الله عنه وظهرت السبئية الذين غلوا فيه، وقالوا أنت الإله، فخد لهم أخدوداً وأجج لها ناراً وألقاهم فيها وهم أحياء من شدة غضبه عليهم، وقال:

    لما رأيت الأمر منكراً أججت ناري ودعوت قنبراً.

    وإن كان هذا شاذاً من أمير المؤمنين علي، والصواب: أنه يقتل، لأنه لا يعذب بالنار إلا رب النار كما في الحديث، ولكن من شدة حنقه اجتهد وأحرقهم بالنار، فلما ألقوا في النار زادوا في الشرك وسجدوا له وقالوا: هذا هو الإله، نعوذ بالله .

    قال ابن عباس رضي الله عنه : لو كنت مكان أمير المؤمنين لقتلتهم بالسيف، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يعذب بالنار إلا رب النار)، لكن اجتهد.

    والصديق رضي الله عنه حرق بعض المرتدين من أهل الردة، وكذلك خالد بن الوليد حرقهم بالنار اجتهاداً، فيحتمل أن النص ما بلغهم.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فنقول: لما قتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، وصار علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى العراق، وحصل بين الأمة من الفتنة والفرقة يوم الجمل، ثم يوم صفين ما هو مشهور؛ خرجت الخوارج المارقون على الطائفتين جميعاً، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر بهم، وذكر حكمهم ] .

    بعد موقعة الجمل وصفين خرجت الخوارج، والخوارج مذهبهم مذهب فاسد باطل، وهو: تكفير المسلمين بالمعاصي، فمن فعل معصية كبيرة كفر عند الخوارج، وخرج من الإيمان، هذا في الدنيا يعاملونه معاملة الكافر، فإذا زنا قالوا: كفر، وإذا سرق كفر، وإذا عمل بالربا كفر، إذا عق والديه كفر، وإذا أكل الرشوة كفر، وإذا اغتاب كفر، وإذا نم كفر، وحكمه عندهم أنهم يقتلونه، ويحلون دمه وماله، وهو في الآخرة مخلد في النار كالكفار، وهذا المذهب خبيث.

    إذاً في الدنيا يكفرونه ويستحلون دمه وماله، وفي الآخرة يخلد في النار.

    ثم خرجت المعتزلة بعدهم ووافقوهم في أنه يخلد في النار، وخالفوهم في الدنيا وقالوا: لا نسميه كافراً؛ لأن النصوص دلت على أنه خرج من الإيمان، ولم يدخل في الكفر؛ فقالوا: هو في منزلة بين منزلتين.

    والمرجئة قالوا: هو مؤمن كامل الإيمان، فلو فعل جميع الكبائر والمنكرات فلا يضره ما دام أنه مصدق، بل هو مؤمن كامل الإيمان يدخل الجنة من أول وهلة.

    وأهل السنة وهم الطائفة الرابعة قالوا: هو مؤمن ضعيف الإيمان، ولا يقتل كالكافر، لكن يقام عليه الحد، فإذا زنى يقام عليه الحد، وإذا سرق يقام عليه الحد وتقطع يده، وهو في الآخرة تحت مشيئة الله، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ [النساء:48] ، قد يعفو الله عنه، وقد يعذبه على قدر ذنوبه، وإذا عذب دخل النار ولم يخلد، وبعض العصاة يطول مكثه لكن له نهاية فيخرج، ولا يخلد إلا الكفرة.

    فهذه مباحث دقيقة ومسائل دقيقة جداً وخطيرة في نفس الوقت؛ لأن بعض الناس يسلك مسلك الخوارج وهو لا يشعر، وبعض الناس يسلك مسلك الجهمية وهو لا يشعر، وبعض الناس يسلك مسلك المعتزلة، فلابد أن يكون المسلم عنده التحقيق في هذا المقال، ويجمع بين النصوص من كتاب الله وسنة رسوله، ويعمل بها من الجانبين .

    والخوارج لا يعملون إلا ببعض النصوص، فيعملون بنصوص الوعيد، وأغمضوا أعينهم عن نصوص الوعد، فكفروا العصاة وخلدوهم في النار .

    والمرجئة يعملون ببعض النصوص، كنصوص الوعد، وأهملوا نصوص الوعيد، فصاروا يقولون: إن العاصي كامل الإيمان، ويدخل الجنة من أول وهلة.

    وأهل السنة وفقهم الله فأخذوا نصوص الوعيد وصفعوا بها وجوه المرجئة وأبطلوا مذهبهم، وأخذوا نصوص الوعد وصفعوا بها وجوه الخوارج وأبطلوا مذهبهم، وأخذوا نصوص الوعيد فاحتجوا بها على أن المؤمن يضعف إيمانه، ونصوص الوعد فاحتجوا بها على أنه لا يخرج من الإسلام، فخرج مذهب أهل السنة من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين، من بين فرث الخوارج ودم المرجئة.

    1.   

    الأسئلة

    الكلام حول كتاب (المعلوم في علاقة الحاكم والمحكوم)

    السؤال: ما رأيكم في كتاب المعلوم في علاقة الحاكم بالمحكوم، وهل تنصحون بقراءته وتوزيعه؟

    الجواب: هذه الرسالة: العلاقة بين الحاكم والمحكوم أسئلة أجاب عليها سماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز يرحمه الله، إعداد أبي عبد الله بن إبراهيم آل بليطح الوائلي ، وقد قرأتها، وهي أسئلة موجهة لسماحة الشيخ رحمه الله، وأجاب عنها في مسائل تتعلق بالحكم فيما أنزل الله، ومسائل أخرى كثيرة.

    ثم أضاف عليها بعد نهاية الأسئلة أقوالاً لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، بعضها مأخوذ من كتاب الإيمان، وأقوالاً للعلامة ابن القيم رحمه الله في كتاب أعلام الموقعين.

    ثم أورد بعد ذلك كلام ابن رجب الحنبلي رحمه الله على حديث تميم الداري : (النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) ، ثم نقل عن أبي بكر الآجري في الشريعة مسائل في حكم الأئمة وولاة الأمور، ثم نقل عن الشوكاني في كتابه السيل الجرار في الأئمة.

    وقد قرأته كله ولم يأت الكاتب بشيء من عند نفسه، وإنما هو نقول، والعلماء كانت توصي بقراءته وتوزيعه.

    حكم ترك الجوال مفتوحاً أثناء الدروس والصلاة

    السؤال: نطلب منكم نصيحة لأصحاب الجوالات أن يغلقوها أثناء الدرس، حيث إنا قدمنا من بلاد بعيدة نطلب الفائدة؟

    الجواب: أجهزة الجوال يجب إغلاقها، وبعض الإخوان في آخر المسجد يستعملون الجوالات ويتكلمون في أثناء الدرس فيشوشون على إخوانهم، وهذا غلط، ولا ينبغي، والذي ينبغي التعاون على البر والتقوى، وإذا كنت لا تريد الفائدة، فاخرج من المسجد ولا تشوش على إخوانك، فيجب إغلاقه وقت الدرس، ووقت الصلاة، وطالب العلم لا يجمل به أن يجعل نغمات موسيقية، فهي محرمة.

    والمقصود منها التنبيه، وليس المقصود منها الطرب، وأعظم من ذلك إذا كان في المسجد، وأعظم من ذلك إذا كان في الصلاة، فهذه ظلمات بعضها فوق بعض، ففي هذا تشويش على المصلين، فلا تلم إلا نفسك فأنت الآثم، فنصيحتي لإخواني جميعاً أن يجعلوا الجرس تنبيهاً عادياً وليس فيه نغمات، سواء جرس الهاتف أو الجوال.

    وثانياً: عليهم أن يغلقوه في المسجد، وفي وقت الصلاة وفي وقت الدرس كذلك، فينبغي للإخوان أن يتعاونوا، ومن يريد أن يفتحه فلا يفتحه في المسجد، بل عليه أن يخرج من المسجد.

    حكم فاعل الكبيرة إذا تاب

    السؤال: إذا خرج الإنسان من الإيمان إلى الإسلام بسبب المعاصي، فمتى يرجع إلى الإيمان مرة أخرى، وهل كل المعاصي تخرج من الإيمان؟

    الجواب: الذي يخرج من الإيمان الكامل، يخرج إلى الإيمان الناقص وهو الإسلام، فالإسلام هو إيمان ناقص، فإذا تاب من الكبيرة التي ارتكبها أو تاب من التقصير في الواجبات عاد إلى تمام الإيمان.

    وكذلك الزاني إذا تاب من الزنا توبة نصوحاً بشروطها، بمعنى أنه أقلع عن المعصية، وندم على ما مضى، وعزم عزماً جازماً على ألا يعود إليها، ورد المظلمة إلى أهلها، فإن كانت سرقة ورد المال إلى صاحبه، فإنه يعود إليه الإيمان الكامل.

    والمراد الكبائر وليس المراد الصغائر، فالصغائر تكفر باجتناب الكبائر، والكبائر جمع كبيرة، والكبيرة أصح ما قيل في تعريفها: هي كل ذنب وجب فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة بالنار أو اللعنة أو الغضب، مثل الزنا الذي جاء فيه الوعيد: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً [الإسراء:32] .

    والقتل وعد عليه بالنار فهو كبيرة، وأكل مال اليتيم وعد عليه بالنار فهو كبيرة، والسرقة فيها حد وهو قطع يد فهي كبيرة.

    فإذا فعلها رجل ثم تاب توبة نصوحاً عاد إلى الإيمان الكامل، أما الصغائر فتكفر باجتناب الكبائر وأداء الفرائض، فإذا أدى الإنسان الفرائض وترك الكبائر كفر الله عنه الصغائر، قال عليه الصلاة والسلام: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينها إذا اجتنبت الكبائر)، قال الله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء:31]، والصغيرة كلطمة أو زلة أو هفوة أو نظرة وما أشبه ذلك، فهذه تكفر باجتناب الكبائر وأداء الفرائض .

    جاء في الحديث الآخر: أن فتنة الرجل في أهله وماله تكفرها الصلاة والصيام والصدقة والحج، وقوله: (فتنة الرجل في أهله) أي: ما يحصل بينه وبين أهله أو بينه وبين جاره أو بينه وبين ولده من الكلام الذي يحصل بينهم، فهذا من الصغائر التي تكفر بأداء الفرائض، أما الكبائر فإنه بها من الإيمان الكامل إلى أصل الإيمان إذا فعل كبيرة، ويعود إليه إذا تاب من الكبيرة توبة نصوحاً.

    وألحق بعضهم بالكبائر ما نفي عن صاحبه الإيمان، أو قال فيه ليس منا، كحديث: (من غشنا فليس منا)، و(ليس منا ضرب الخدود وشق الجيوب)، أو تبرأ منه النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث: (برئ النبي صلى الله عليه وسلم من الصالقة والحالقة والشاقة).

    فإن قيل: فهل البدع تدخل في الكبائر؟

    قلنا: البدع تنقسم إلى قسمين: بدعة مكفرة وبدعة غير مكفرة، فإذا كانت البدع مكفرة فلها حكم الكفر، وإذا كانت بدعة غير مكفرة فحكمها حكم الكبائر وإن كانت أشد من الكبائر، فالبدعة المكفرة مثل بدعة القدرية الأولى الذين نفوا علم الله بالأشياء، ومثل بدعة الجهمية الذين نفوا الأسماء والصفات عن الله، وقد كفرهم ثلاثمائة عالم، ومثل بدعة الروافض الذين يعبدون آل البيت ويكفرون الصحابة ويفسقونهم وكذبوا النصوص، فهذه بدع مكفرة.

    أما البدع غير المكفرة فمثل بدعة المولد، وبدعة التلفظ بنية الأذكار في الصلوات وفي غيرها، فالبدعة حكمها حكم الكبيرة إذا كانت غير مكفرة، وإذا كانت مكفرة فحكمها حكم الكفر.

    كيفية الجمع بين إثبات الزنا من المؤمن ونفي الإيمان عن الزاني

    السؤال: كيف نجمع بين قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، إلى آخر الحديث وبين قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (أيزني المؤمن يا رسول الله! قال: نعم، أيسرق المؤمن قال: نعم، أيكذب المؤمن، قال: لا) ؟

    الجواب: نص الحديث: (أيكون المؤمن جباناً، قال: نعم، قال: أيكون المؤمن كذاباً، قال: لا)، أما هذا اللفظ الذي ذكره السائل فلا أعرف صحته، ولو صح فالمراد بالإيمان المنفي هو الإيمان الكامل، والمثبت أصل الإيمان، وهذه قاعدة، ومن ذلك قوله تعالى: قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات:14]، فأثبت لهم الإسلام ونفى عنهم الإيمان.

    فالإيمان المنفي هو كمال الإيمان وتحقيقه، والإيمان المثبت هو أصل الإيمان، فإذا صح الحديث الذي ذكره السائل فيعني أن معه أصل الإيمان.

    وأما حديث نفي الإيمان: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن.) فالمنفي كمال الإيمان، والمثبت أصل الإيمان، وهذا هو الجمع بينهم.

    أما الحديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه)، فهذا من كمال الإيمان، وكذلك قوله: (لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه)، وقوله: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه).

    الكلام حول حديث: (لا يدخل الجنة مدمن خمر)

    السؤال: ما صحة حديث: (لا يدخل الجنة مدمن خمر)، وإذا صح، فعلام يحمل هذا النفي؟

    الجواب: الأصل أنهم لا يدخلون الجنة، والحديث (لا يدخل الجنة مدمن خمر ومصدق للسحر وقاطع رحم)، فيحمل على الوعيد عند أهل السنة، ويحمل على أنه كبيرة من كبائر الذنوب وعد عليه بعدم دخول الجنة، ولا يكون كافراً .

    والمعنى أنه لا يدخل الجنة جملة من أهل الكبائر من أول وهلة، ولكنهم يدخلونها بعد أن يتطهروا في النار، وليس المراد أنه كافر إلا إذا استحل الخمر، وقال إنه حلال فيكفر.

    حكم تعليق التميمة

    السؤال: كيف ينكر على من وجد قد علق تيمية في يده يزعم أنها تشفي من المرض، وإذا لم يستجب للنصح فهل يمد الناطق يده ويقطع التميمية، أم يكتفي بالنصيحة وتبرأ ذمته؟

    الجواب: التميمة هي ما يعلق لدفع العين من الحُُجُب، وقد يكون الحجاب على الرقبة أو في اليد أو في الإصبع، وأصلها خرزات يعلقها العرب لدفع العين في رقاب الأطفال وغيرها، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك).

    قال عليه الصلاة والسلام: (من تعلق تميمية فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله عليه)، وبعضهم يجعل المصحف تميمة فيجعله في السيارة بقصد دفع العين، والتمائم شرك أصغر إذا اعتقد أنها سبب.

    أما إذا اعتقد أنها هي المؤثرة بذاتها فهذا كفر وشرك بالربوبية، فإذا اعتقد أن التميمية نفسها تدفع العين وتدفع المرض بذاتها فهذا شرك في الربوبية يخرج من الملة تجاوز شرك كفار قريش، وشرك كفار قريش في العبادة والألوهية وهذا شرك في الربوبية، لكن الغالب الآن أن الذي يجعل التميمة يعتقد أنها سبب تدفع العين والشافي هو الله، وإذا اعتقد أنها سبب فهذا شرك أصغر؛ لأنها ليست شركاً، ومن اعتقدها سبباً لم يجعلها الله له سبباً.

    فالحاصل أن الذي يعلق التميمة له حالتان:

    الحالة الأولى: أن يعتقد أنها بذاتها تشفي وتدفع العين، فهذا شرك في الربوبية يخرج من الملة، وهذا قليل.

    الحالة الثانية: أن يعتقد أنها سبب والشافي هو الله، وهذا شرك أصغر.

    الفرق بين من حقق الإيمان بفعل الطاعات وبين الذين يدخلون الجنة بلا حساب

    السؤال: ما الفرق بين من حقق الإيمان بفعل الطاعات وترك المعاصي، وبين الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب لتحقيقهم التوحيد؟

    الجواب: الفرق بينهم أن المؤمن كامل الإيمان الذي أدى الواجب وترك المحرمات، لكن الذي يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب قد زاد على هذا فحقق التوحيد وخلصه ونقاه وصفاه وترك الأمور المكروهة، وفعل المندوب، وترك الأمور التي هي خلاف الأولى، كما في قصة الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب قال عنهم النبي صلى الله عليه وسلم: (هم الذين لا يسترقون) أي: لا يطلبون من يرقيهم.

    والرقية هي القراءة على المريض، وذلك جائز، وقد يفعله كاملو الإيمان وليس فيه مانع، وليس بمعصية، لكن الذي حقق الإيمان فلا يطلب أحداً يرقيه حتى لا يميل قلبه إليه، وإنما يعتمد على الله، فلا يطلب الكي أو التطبب مع أنه جائز وليس بحرام، فالذي يسترقي لا نقول إنه ناقص الإيمان أو ضعيف الإيمان، بل نقول: إنه ما حقق الإيمان، وقد حققه الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وهم لا يسترقون ولا يتطيرون كأهل الشرك، فهم تركوا الشرك والطيرة، وتركوا الأمور المكروهة، وتركوا الأمور التي هي خلاف الأولى كالاسترقاء.

    وإن كان الذين يسترقون ويكتوون ليسوا فساقاً ولا ضعفاء الإيمان، بل هم كاملو الإيمان، لكن ما وصلوا إلى درجة من حقق التوحيد ودخل الجنة بلا حساب ولا عذاب.

    حكم الدراسة في جامعة مختلطة

    السؤال: أدرس في جامعة مختلطة خارج المملكة بعد أن لم أجد قبولاً هنا، فما حكم الدراسة فيها، علماً بأنني لم أجد قبولاً هنا، وقد أمضيت سنة دراسية فيها ؟

    الجواب: لا يجوز لك أن تدرس في جامعة مختلطة؛ لأن هذا فيه خطر على دينك وعرضك؛ ولأن الدراسة في جامعة مختلطة والرجل والمرأة والذكر والأنثى في فصل واحد وسيلة قريبة إلى الزنا وفعل الفاحشة.

    كيف تخاطر بدينك وعرضك؟! أأنت تريد أن تطلب العلم الشرعي حينما تدرس في جامعة مختلطة؟ فالذي يريد أن يطلب العلم الشرعي يطلب رضا الله وثوابه، وهذه وسيلة قريبة إلى الزنا، وهو حرام عليك ولا يجوز لك ولو لم تقبل في الدنيا كلها، وعليك أن تجلس في البيت، فليس الرزق محصوراً في هذه الجامعة المختلطة، وإذا كنت تريد العلم فالدراسة فيها ينافي العلم الشرعي، وإذا كنت تريد الدنيا فالدنيا لا تطلب بالمعاصي، وإذا كنت تريد أن تطلب العلم فاطلبه في مدراس غير مختلطة، أو في حلق الدروس، أو في الشبكة، أو في الأشرطة المفيدة، أو في كتب أهل العلم والاتصال بأهل العلم في الهاتف، وهذه طرق متاحة لطلب العلم.

    أو تبحث عن جامعات أو مدارس أو كليات ليست مختلطة، وإن لم تجد شيئاً فلا يجوز لك أن تدخل هذه الجامعة المختلطة، فإن دخلتها فأنت عاصٍ لله ولرسوله، وهذه وسيلة قريبة إلى الزنا، نعوذ بالله؛ لأن الطالب يجلس بجوار بنت أو زميلة ويخرج معها ويخلو بها في غرفة ويذهب معها في سيارة واحدة، فهذه فواحش وليست علماً، نسأل الله السلامة والعافية.

    حكم من يتبخر بالحبة السوداء

    السؤال: ما حكم من يتبخر بالحبة السوداء وبعض الأعشاب ويزعم أنها تطرد الشياطين وتشفي من العين؟

    الجواب: لا أعلم لهذا أصلاً، وهذا يحتاج إلى دليل، أما كونه يستعملها فإذا كانت الحبة السوداء قد جربها بعض الناس ووجد أنها مفيدة وتشفي من بعض الأمراض فلا بأس، لكن كونه يعتقد أنها تطرد الشياطين، فهذا لابد له من دليل، وإذا لم يكن عنده دليل فإنه يكون مبتدعاً يفعل شيئاً بدون دليل.

    حكم أخذ الأجرة على قراءة القرآن في الرقية

    السؤال: ما حكم من يأخذ أجراً على قراءته للقرآن للمريض في الرقية، ويأخذ الأجر على الماء والزيت ؟

    الجواب: لا بأس أن يأخذ الأجرة على الرقية إذا كانت رقية شرعية، فقد أخذ الصحابة رضوان الله عليهم أجرة على الرقية، وذلك في قصة الصحابي الذي رقى رئيس قبيلة من العرب على قطيع من الغنم، وقرأ عليه الفاتحة فقط فشفي الرجل من سم العقرب، فلما تحرج الصحابة من أخذ الأجرة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (خذوها واضربوا لي معكم بسهم) تطييباً لخواطرهم، وهذا الحديث صحيح.

    ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن ما أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)، رواه البخاري في الصحيح، فلا بأس بذلك لكن عليه ألا يستغل حاجة الناس، بحيث يبيع علبة الصحة بخمسين ريالاً وهو لم يقرأ فيها، أو قرأ فيها شيئاً يسيراً، أو قرأ في ماء كثير ثم عبأ هذه القوارير، فكل هذا استغلال.

    ولا ينبغي للمسلم أن يكون همه المال، والأصل أنه يرقي المريض، وينفث عليه، ولا بأس أن ينفث في الماء كما جاء في سنن أبي داود أنه ينفث على الماء، لكن الأصل أنه يرقي المريض ويقرأ، وإذا رقاه بآية من كلام الله، أو بأدعية شرعية نبوية، وبأدعية لا محذور فيها فلا بأس، وهذا له أن يأخذ عليه أجرة معقولة، أما ما يفعله بعض الناس من كونه يجعلها حرفة وتجارة، ويبيع الزجاجة بكذا والزيت بكذا، وقد يكون قرأ وقد لا يكون قرأ فيأخذ أجراً زيادة عما تستحق، فهذا من باب استغلال المسلمين، نسأل الله السلامة والعافية.