إسلام ويب

شرح عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني [1]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • رسالة عقيدة السلف وأصحاب الحديث لشيخ الإسلام أبي عثمان الصابوني عقيدة شاملة لعقيدة أهل السنة والجماعة، وفق ما دلت عليه النصوص من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما أجمع عليه الصحابة رضوان الله عليهم.

    1.   

    نبذة مختصرة عن رسالة عقيدة السلف وأصحاب الحديث

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على رسولنا ونبينا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وعلى أصحابه ومن تبعهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فإننا إن شاء الله بحوله وقوته نشرع في شرح هذه الرسالة المسماة: عقيدة السلف وأصحاب الحديث، للإمام المحدث المفسر شيخ الإسلام أبي عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني ، وهو من علماء القرن الرابع والخامس الهجري، فإن ولادته عام ثلاث وسبعين وثلاثمائة، ووفاته عام تسع وأربعمائة، وهذه العقيدة شاملة، بين فيها المؤلف رحمه الله عقيدة السلف وأصحاب الحديث في ألوهية الرب وربوبيته وأسمائه وصفاته، وأفاض وتوسع في الصفات التي اشتد فيها النزاع بين أهل السنة وبين أهل البدع كصفة الكلام، وناقش أهل البدع من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة الذين يقولون: إن كلام الله مخلوق، وإن القرآن مخلوق، وبين أن هذا كفر وضلال.

    كما تكلم عن صفة النزول وبين أن النصوص فيها متواترة في الصحاح والسنن والمسانيد، وأنه يجب إثبات النزول لله عز وجل على ما يليق بجلاله وعظمته، وكذلك صفة الاستواء وصفة الرؤية، فهذه الصفات: الكلام والعلو والاستواء والرؤية اشتد فيها النزاع بين أهل السنة وبين أهل البدع، ولذلك أفاض فيها المؤلف رحمه الله.

    وهذه الصفات الثلاث هي العلامة الفارقة بين أهل السنة وبين أهل البدع، فمن أثبتها فهو من أهل السنة ومن أنكرها فهو من أهل البدع.

    وكذلك أيضاً بين عقيدة أهل السنة في عذاب القبر ونعيمه، وفي الجنة والنار، وفي الخير والشر، وفي المقتول هل هو مقتول بأجله، وفي القضاء والقدر، وفي الموت.

    كذلك شرح عقيدة أهل السنة في الإيمان، وأنه قول باللسان، وتصديق بالقلب، وعمل بالقلب، وعمل بالجوارح، وبين عقيدة أهل السنة والجماعة في أنهم لا يكفرون بالذنب خلافاً للخوارج والمعتزلة.

    وكذلك أيضاً بين عقيدة أهل السنة في الصحابة وأنهم يترضون عنهم ويتولونهم وينزلونهم منازلهم التي تليق بهم بالعدل والإنصاف على حسب النصوص لا بالهوى والتعصب، خلافاً للرافضة الذين كفروا الصحابة وفسقوهم وطعنوا فيهم، وعبدوا أهل البيت، وخلافاً للنواصب الذين نصبوا العداوة لأهل البيت.

    وكذلك أيضاً بين عقيدة أهل السنة في وسوسة الشياطين وفي السحر والسحرة، وأن السحر له حقيقة وله خيال، خلافاً لمن قال: ليس منه حقيقة وإنما هو خيال.

    وبين آداب أصحاب الحديث وبين علامات أهل البدع وعلامات أهل السنة وبين عواقب العباد، ومشيئة الله، وبين الإرادة وأنها تنقسم إلى نوعين، وتكلم عن الخير والشر، وتكلم عن الهداية وأقسامها، وبين أن أفعال العباد مخلوقة لله خلافاً للمعتزلة الذين يقولون: إن العبد يخلق فعل نفسه.

    وكذلك بين عقيدة أهل السنة في الحوض والكوثر، والشفاعة والبعث بعد الموت، وهو أصل من أصول الإيمان، ومن أنكر البعث فهو كافر بنص القرآن.

    وذكر عقيدة السلف من الأخبار الواردة في الأسماء والصفات، وأنهم إذا ثبت الخبر والنقل بالعدول الثقات الضابطين واتصل السند فإنه يعمل به ويقبل في العقائد وفي الأعمال وفي كل شيء، فإذا صح سند الحديث وعدلت رواته ولم يكن فيه شذوذ ولا علة فإنه مقبول في العقائد والأعمال والأخلاق وفي كل شيء، فهي عقيدة أهل السنة والجماعة خلافاً لأهل البدع من المعتزلة وغيرهم الذين يقولون: لا نقبل خبر الآحاد في العقائد، وهذا مذهب باطل مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة، فهي عقيدة شاملة بين فيها المؤلف رحمه الله عقيدة السلف وأصحاب الحديث وفق ما دلت عليه النصوص من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما أجمع عليه الصحابة.

    1.   

    ترجمة أبي عثمان الصابوني

    نسبه

    قال المحقق: [ هو أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن عامر بن عابد الصابوني النيسابوري الحافظ المفسر المحدث الفقيه الواعظ الملقب بشيخ الإسلام.

    وأما لفظ الصابوني، فقد ذكر السمعاني في كتاب الأنساب:

    أنه نسبة إلى عمل الصابون، وقال: هو بيت كبير بنيسابور الصابونية لعل بعض أجدادهم عمل الصابون فعرفوا به ].

    هذه الطبعة دراسة وتحقيق الدكتور ناصر الجديع .

    قال: [ وأما نسبه من جهة أمه فقد ذكر تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية الكبرى، نقلاً عن عبد الغافر الفارسي في كتابه السير في تاريخ نيسابور: أنه النسيب المعمم المخول المدلي من جهة الأمومة إلى الحنفية والفضلية والشيبانية والقرشية والتميمية والمزنية والضبية، من الشعب النازلة إلى الشيخ أبي سعد يحيى بن منصور السلمي الزاهد الأكبر على ما هو مشهور من أنسابهم عند جماعة من العارفين بالأنساب بأنه أبو عثمان إسماعيل بن زين اليت ابنة الشيخ أبي سعد الزاهد ابن أحمد بن مريم بنت أبي سعد الأكبر الزاهد.

    مولده ونشأته في طلب العلم

    ولد في بوشنج من نواحي هراة في النصف من جماد الآخرة، سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة من الهجرة، قال عبد الغافر الفارسي : كان أبوه عبد الرحمن أبو نصر من كبار الواعظين في نيسابور، ففتك به لأجل التعصب والمذهب وقتل، وإسماعيل بعد حول سبع سنين، وأقعد بمجلس الوعظ مقام أبيه، وحضر أئمة الوقت مجالسه، وأخذ الإمام أبو الطيب سهل بن محمد الصعلوكي في تربيته وتهيئة أسبابه، وكان يحضر مجالسه ويثني عليه، وكذلك سائر الأئمة كالأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني ، والأستاذ الإمام أبو بكر بن فورك ، وسائر الأئمة كانوا يحضرون مجلس تذكيره، ويتعجبون من كمال ذكائه وعقله وحسن إيراده الكلام عربيه وفارسيه، وحفظه الأحاديث، حتى كبر وبلغ مبلغ الرجال، ولم يزل يرتفع شأنه حتى صار إلى ما صار إليه، وهو في جميع أوقاته مشتغل بكثرة العبادات ووظائف الطاعات، بالغ في العفاف والسداد وصيانة النفس، معروف بحسن الصلاة، وطول القنوت، واستشعار الهيبة حتى كان يضرب به المثل.

    أقوال أهل العلم في الصابوني

    وصفه عبد الغافر بأنه الإمام شيخ الإسلام الخطيب المفسر المحدث الواعظ، أوحد وقته في طريقته، وعظ المسلمين في مجالس التذكير سبعين سنة، وخطب وصلى في الجامع -يعني: بنيسابور- نحواً من عشرين سنة.

    وقال: كان أكثر أهل العصر من المشايخ سماعاً وحفظاً ونشراً لمسموعاته وتصنيفاته وجمعاً وتحريضاً على السماع، وإقامة لمجالس الحديث، سمع الحديث بنيسابور وبسرخس وبهراك وبالشام وبالحجاز وبالجبال، وحدث بكثير من البلاد، وأكثر الناس السماع منه.

    وقد ذكره السيوطي والداودي في كتابيهما طبقات المفسرين، وأوردا أنه أقام شهراً في تفسير آية، وهذا يدل على سعة علمه في تفسير القرآن العظيم، وكان الصابوني رحمه الله يحترم الحديث، ويهتم بالأسانيد، فقد حكى الفقيه أبو سعيد السكري عن بعض من يوثق بقوله من الصالحين: أن الصابوني قال: ما رويت خبراً ولا أثراً في المجلس إلا وعندي إسناده، وما دخلت بيت الكتب قط إلا على طهارة، وما رويت الحديث ولا عقدت المجلس ولا قعدت للتدريس إلا على طهارة.

    وكان رحمه الله ينظم الشعر أحياناً، قال عبد الغافر الفارسي : من فضائله نظم الشعر على ما يليق بالعلماء من غير مبالغة في تعمق يلحقه بالمنهي، وهذا نموذج من شعره، قال رحمه الله:

    ما لي أرى الدهر لا يشخو بذي كرم ولا يجود بمعوان ومفضال

    ولا أرى أحداً في الناس مشترياً حسن الثناء بإنعام وإفضال

    صاروا سواسية في لؤمهم شرعاً كأنما نسجوا فيه بمنوال

    وقال رحمه الله:

    إذا لم أصب من مالكم ونوالكم ولم أسل المعروف منكم ولا البَّر

    وكنتم عبيداً للذي أنا عبده فمن أجل ماذا أتعب البدن الحرَّ

    أسرته

    له رحمه الله ولدان هما عبد الله أبو نصر مات في حياة والده في بعض ثغور أذربيجان وهو متوجه إلى الحجاز للحج، والآخر هو عبد الرحمن أبو بكر سمع أباه بنيسابور وسمع الحديث وأسمعه، وعقد مجلس الإملاء وتولى القضاء بأذربيجان، مات بأصبهان في حدود سنة خمسمائة، ومع أن كنية الصابوني أبو عثمان إلا أني لم أجد له ولداً بهذا الاسم في الكتب التي ترجمت له، وله أخ هو إسحاق بن عبد الرحمن الصابوني أبو يعلى الواعظ، ينوب عنه في الوعظ، سمع الحديث بهراة ونيسابور وبغداد.

    كان مولده سنة خمس وسبعين وثلاثمائة للهجرة، ووفاته في ربيع الآخر سنة خمس وخمسين وأربعمائة للهجرة.

    ويتضح مما سبق أن عائلة إسماعيل الصابوني عائلة علم ومعرفة وإرشاد؛ حيث كان أبوه من كبار الواعظين، وكان ابنه عبد الرحمن ممن اشتغل بالحديث وتولى القضاء، وكان أخوه إسحاق ينوب عنه في وعظ الناس، وسمع الحديث بعدة نواحي.

    أقول: أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني عالم مفسر محدث فقيه، من أهل السنة والجماعة نشأ في بيت علم، وتتلمذ على العلماء، وأخذ عنه العلم عدد من التلاميذ، وهو من أهل السنة والجماعة، ومن العلماء الذين يشار إليهم بالبنان، رحمه الله وتغمده بواسع رحمته.

    1.   

    ذكر سند الرسالة إلى أبي عثمان الصابوني

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ بسم الله الرحمن الرحيم

    رب يسر وأعن بفضلك ورحمتك.

    أخبرنا قاضي القضاة بدمشق نظام الدين عمر بن إبراهيم بن محمد بن مفلح الصالحي الحنبلي إجازة مشافهة، قال: أخبرنا الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد بن المحب المقدسي إجازة إن لم يكن سماعاً، قال: أخبرنا الشيخان جمال الدين عبد الرحمن بن أحمد بن عمر بن شكر وأبو عبد الله بن محمد بن المحب عبد الله بن أحمد بن محمد المقدسيين قال الأول: أخبرنا إسماعيل بن أحمد بن الحسين بن محمد العراقي سماعاً، قال: أخبرنا أبو الفتح عبد الله بن أحمد الخرقي وقال الثاني: أخبرنا أحمد بن عبد الدائم وأخبرنا المحدث تاج الدين محمد ابن الحافظ عماد الدين إسماعيل بن محمد بن بغدش البعلي في كتابه، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن الخباز شفاهاً قال: أخبرنا أحمد بن عبد الدائم إجازة إن لم يكن سماعاً، قال: أخبرنا الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي قال: أخبرنا الخرقي سماعاً قال: أخبرنا أبو بكر عبد الرحمن بن إسماعيل الصابوني قال: حدثنا والدي شيخ الإسلام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن فذكره.

    وأخبرنا قاضي القضاة عز الدين عبد الرحيم بن محمد بن الفرات الحنفي إجازة مشافهة قال: أخبرنا محمود بن خليفة بن محمد بن خلف المنبجي إجازة قال: أخبرنا الجمال عبد الرحمن بن أحمد بن عمر بن شكر بسنده قال ].

    هذا سند الكتاب إلى المؤلف رحمه الله، فالرسالة ثابتة للمؤلف رحمه الله، والمقصود من ذكر السند أن يتحقق لطالب العلم أن هذه الرسالة للمؤلف وأنها ليست منسوبة إليه، وكثير من أهل البدع يشككون في نسبة كثير من المؤلفات إلى العلماء مع ثبوتها؛ لأنهم يريدون أن يطعنوا في معتقد أهل السنة والجماعة، فتجدهم يشككون في رسالة الإمام أحمد في الرد على الزنادقة، وفي ثبوت الرسالة في الصلاة للإمام أحمد، وهكذا.

    فهذا السند الآن يبطل دعواهم، ولولا السند -كما قال عبد الله بن المبارك -لقال من شاء ما شاء، ولهذا قال كثير من المحدثين: بيننا وبينكم القوائم، وهي الإسناد، فالإسناد يبطل دعوى كثير من أهل البدع الذين يطعنون في ثبوت الرسائل والعقائد والكتب إلى الأئمة.

    فهذه الرسالة ثابتة بهذا السند إلى الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني وهي من كلامه رحمه الله.

    1.   

    شرح مقدمة رسالة عقيدة السلف وأصحاب الحديث

    قال المصنف رحمه الله: [ الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فإني لما وردت آمد طبرستان وبلاد جيلان متوجهاً إلى بيت الله الحرام، وزيارة قبر نبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الكرام، سألني إخواني في الدين أن أجمع لهم فصولاً في أصول الدين التي استمسك بها الذين مضوا من أئمة الدين، وعلماء المسلمين، والسلف الصالحين، وهدوا ودعوا الناس إليها في كل حين ].

    قوله: (وهدوا) يعني: هم هدوا الناس وهدوا.

    قال المصنف رحمه الله تعالى:[ ونهوا عما يضادها وينافيها جملة المؤمنين المصدقين المتقين، ووالوا في اتباعها، وعادوا فيها، وبدعوا وكفروا من اعتقد غيرها، وأحرزوا لأنفسهم ولمن دعوهم إليها بركتها وخيرها ].

    قوله: (بركتها) في نسخة بين قوسين زيادة (ويمنها).

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وأفضوا إلى ما قدموه من ثواب اعتقادهم لها، واستمساكهم بها، وإرشاد العباد إليها، وحملهم إياهم عليها ].

    في نسخة: (وحملهم وحثهم) زيادة بين قوسين.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فاستخرت الله تعالى، وأثبت في هذا الجزء ما تيسر منها على سبيل الاختصار، رجاء أن ينتفع به أولو الألباب والأبصار، والله سبحانه يحقق الظن، ويجزل علينا المن بالتوفيق للصواب، والصدق والهداية، والاستقامة على سبيل الرشد والحق بمنه وفضله ].

    في نسخة: (بالتوفيق للصواب، والصدق والهداية).

    حمد الله والثناء عليه

    افتتح المؤلف رحمه الله هذه الرسالة بالحمد لله اقتداء بالكتاب العزيز؛ فإن الله سبحانه وتعالى افتتح كتابه العظيم بالحمد لله رب العالمين.

    والحمد هو: الثناء على المحمود بالصفات الاختيارية، أما الثناء عليه فهو بالصفات الجبلية التي جبل الإنسان عليها فإنه يسمى مدحاً، ولا يسمى حمداً، فإن كان الثناء على الصفات الاختيارية التي يفعلها الموصوف باختياره مع حبه وإجلاله سمي حمداً، وإن كان الثناء عليه بالصفات الجبلية التي جبل عليها فإنه يسمى مدحاً، والحمد أكثر من المدح، ولهذا قال: الحمد لله رب العالمين، ولم يقل: أمدح الله رب العالمين، فالحمد معناه: الثناء على المحمود بصفاته الاختيارية مع حبه وإجلاله العظيم، فالله تعالى محمود بصفاته لما له من الصفات العظيمة، ولما له من الأسماء الحسنى، ولما له من النعم العظيمة على عباده، فهو الذي خلقهم وأوجدهم من العدم، ورباهم بنعمه، ومنَّ على المؤمنين بالإسلام والإيمان، وهو محمود على صفاته العظيمة، ومحمود على أسمائه، وهو سبحانه وتعالى المالك لجميع أنواع المحامد، وهو مستحق لها سبحانه وتعالى، فله سبحانه وتعالى أنواع المحامد كلها لله ملكاً واستحقاقاً، بخلاف الثناء على المحمود بالصفات التي جبل عليها؛ فالأسد إذا مدحته وقلت: إنه قوي، وإنه مفتول الساعدين هذا يسمى مدحاً ولا يسمى حمداً؛ لأن الأسد جبله الله وخلقه الله على هذا الصفات، كونه قوي يفترس غيره، فهذه القوة التي أعطاه الله إياها، وجبله عليها بخلاف الإنسان إذا مدحته، قلت: فلان كريم، فلان محسن، فلان يحسن إلى الناس، فلان مقدام شجاع، لا يهاب الأعداء، فهذا صفات اختيارية يفعلها باختياره، ويسمى هذا حمداً.

    (الحمد) أل للاستغراق، أي: أن الله تعالى له جميع أنواع المحامد كلها له سبحانه وتعالى، وهو المالك والمستحق لها.

    (الله) لفظ الجلالة لا يسمى به غيره سبحانه وتعالى، أعرف المعارف لفظ الله، فالله معناه: ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، الذي تألهه القلوب محبة وإجلالاً وتعظيماً، وأصل الله الإله، ثم سهلت الهمزة ودمجت اللام في اللام، وتأتي أسماء الله كلها صفات له، كما قال سبحانه وتعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الحشر:22-24]، فلفظ الجلالة يأتي أولاً ثم تأتي بعدها الأسماء والصفات، فأعرف المعارف لفظ الجلالة سبحانه وتعالى، ولا يسمى به غيره سبحانه وتعالى.

    وأسماء الله قسمان:

    قسم لا يسمى به إلا هو مثل: الله، الرحمن، رب العالمين، خالق الخلق، مالك الملك.

    وقسم يسمى به غيره ويشترك، مثل: العزيز والرحيم والحي والسميع والبصير والملك، هذه أسماء مشتركة تطلق على الله وتطلق على غيره: قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ [يوسف:51]، وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ [يوسف:43].

    وأسماء الله مشتقة مشتملة على معان، وكل اسم مشتمل على صفة، فالله مشتمل على الألوهية، الرحمن مشتمل صفة الرحمة، العليم صفة العلم، القدير صفة القدرة.. وهكذا فأسماء الله مشتملة على المعاني وعلى الصفات، بخلاف الصفة، مثلاً: صفة العلم ما يشتق منها اسم يقال له عالم، وإنما الأسماء مشتملة على الصفات والمعاني، وكل اسم مشتمل على الصفة فهي مشتقة.

    قوله: (رب العالمين) الرب من أسمائه خاصة، فهو مربيهم بنعمه، هو الذي أوجدهم من العدم، ورباهم بنعمه سبحانه وتعالى، فالله هو الرب وغيره المربوب، وهو الخالق وغيره المخلوق، وهو المالك وغيره المملوك، وهو المدبر وغيره المدَبر، فهو رب العالمين.

    و(العالمين) كل ما سوى الله يسمى عالم، فالله تعالى رب المخلوقات كلها، وأنت واحد من ذلك العالم، والعوالم في السماوات والأرضين والبحار والجو، هذه المخلوقات كلها عالم، فكل ما سوى الله عالم والله تعالى رب الجميع.

    بيان معنى قوله تعالى: (والعاقبة للمتقين)

    قوله: (والعاقبة للمتقين) العاقبة يعني: ما يعقب الشيء ويأتي بعده.

    والمتقين: جمع متقي، وهو الذي اتقى غضب الله وسخطه وناره بالإيمان والتوحيد، فالمتقون هم المؤمنون الموحدون، سموا متقين؛ لأنهم يتقون غضب الله وسخطه بإيمانهم وتوحيدهم، وأدائهم الواجبات، وتركهم المحرمات؛ فاستحقوا هذا الاسم؛ كما قال سبحانه في أول سورة البقرة: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:2]، ثم ذكر أوصافهم، فقال: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة:3-5].

    فالعاقبة الحميدة للمتقين، من اتقى الله ووحده وأخلص له العبادة، واتقى الشرك والمحرمات، وأدى الواجبات، فالعاقبة الحميدة له، لهم في الدنيا النصر والغلبة والتأييد، وفي الآخرة هم أهل الجنة وأهل الكرامة الذين رضي الله عنهم، وأسكنهم جنته، وأحل عليم رضوانه.

    معنى الصلاة على النبي وآله وأصحابه

    قوله: (وصلى الله على محمد) صلاة الله على عبده أحسن ما قيل في تفسيرها ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي العالية - وهو تابعي جليل- قال: صلاة الله على عبده ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، فأنت تدعو الله وتسأله أن يصلي على نبيه، أي: يثني عليه في الملأ الأعلى، تقول: اللهم أثني على عبدك ورسولك محمد في الملأ الأعلى. وهم الملائكة.

    قوله: (وعلى آله) آله هم أتباعه على دينه، ويدخل في الآل ذريته وقرابته والمؤمنون وأزواجه والصحابة كلهم، وتطلق الآل على الذرية الأقارب، ويشمل الأزواج وأتباعه على دينه إلى يوم القيامة، فكل من تبعه على دينه فهو من آله عليه الصلاة والسلام، والصحابة يدخلون في ذلك دخولاً أولياً.

    قوله: (وأصحابه الكرام) عطف الأصحاب على الآل من عطف الخاص على العام، فالصحابة صلى عليهم مرتين: مرة بالعموم في قوله: (وعلى آله) والمرة الثانية بالخصوص في قوله: (وأصحابه).

    قوله: (الكرام) يعني: الذين اتصفوا بصفة الكرم، والصحابة لا شك أنهم أكرم الناس بعد الأنبياء، ومن كرمهم: أنهم سبقوا إلى الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، وإنفاق أموالهم، وبذلوا علمهم، ونشروا دين الله، وبذلوا أرواحهم رخيصة في الجهاد في سبيل الله، وبذلوا أموالهم في سبيل، هل هناك أعظم من هذا الكرم؟! فالصحابة أكرم الناس بعد الأنبياء، رضي الله عنهم وأرضاهم.

    المراد بكلمة (أما بعد)

    قوله: (أما بعد) هذه كلمة يؤتى بها للدخول في الموضوع الذي يريد أن يتكلم الإنسان فيه، ويؤتى بها للفصل ما بين السابق واللاحق، كأن المؤلف انتقل من الخطبة إلى الدخول في صلب الموضوع.

    وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبه الكثيرة: أما بعد، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول يوم الجمعة: (أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها).

    وقد اختلف في أول من قال: أما بعد، فقيل: أول من قالها داود عليه الصلاة والسلام، وقيل: إنها من فصل الخطاب الذي أوتيه داود عليه الصلاة والسلام، وقيل: أول من قالها قس بن ساعدة الإيادي ، وعلى كل حال، فأما بعد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعملها في خطبه ورسائله، من ذلك: أنه عليه الصلاة والسلام لما كتب لملك الروم قال: (من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، السلام على من ابتع الهدى. أما بعد: أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين، ويا أهل الكتاب! تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً)، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي بها في خطبه ورسائله، فينبغي الاقتداء به عليه الصلاة والسلام، وبعض الخطباء وبعض الكتاب يقول: وبعد، لكن (أما بعد) أحسن.

    ذكر سبب تأليف الرسالة

    قال المؤلف رحمه الله مبيناً سبب تأليفه هذه الرسالة: (فإني لما وردت آمد طبرستان وبلاد جيلان متوجهاً إلى بيت الله الحرام، وزيارة قبر نبيه صلى الله عليه وسلم، وأصحابه الكرام، سألني إخواني في الدين أن أجمع لهم فصولاً في أصول الدين).

    إذاً هذه الرسالة جواب لسؤال موجه من بعض الإخوان في الدين إلى أبي عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني، حيث طلبوا منه أن يجمع لهم فصولاً في أصول الدين التي استمسك بها أئمة الدين وعلماء المسلمين، فأجابهم وكتب هذه الرسالة، وبين فيها معتقد أهل السنة والجماعة في ألوهية الله وربوبيته وأسمائه وصفاته، والإيمان، والجنة والنار، والبعث بعد الموت، والصحابة، والخير والشر.. إلى غير ذلك.

    أما قول المؤلف رحمه الله: (متوجهاً إلى بيت الله الحرام، وزيارة قبر نبيه محمد صلى الله عليه وسلم)، هذا مما يلاحظ على المؤلف رحمه الله؛ فإنه لا يشرع شد الرحل إلى زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يشرع السفر لزيارة القبر بهذه النية، وإنما المشروع أن يشد الرحل وأن ينوي السفر لزيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إذا وصل إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وصلى فيه ركعتين زار قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه، هذا هو المشروع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى)، والحديث رواه الشيخان وغيرهما، فالسفر إنما ينشأ لزيارة المسجد النبوي، وإن مشى في زيارة المسجد ولزيارة القبر بالنية فلا بأس، أما أن تكون النية لأجل زيارة القبور فقط فهذا ممنوع، وإنما تكون النية لزيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر المحقق في هذا كلام شيخ الإسلام رحمه الله فقال: بسط شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هذا الموضوع في مجموع الفتاوى، وفيه قوله: (وما ذكره السائل من الأحاديث في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم فكلها ضعيفة باتفاق أهل العلم في الحديث، بل هي موضوعة، لم يرو أحد من أهل السنن المعتمدة شيئاً منها، ولم يحتج أحد من الأئمة بشيء منها، بل مالك إمام أهل المدينة النبوية الذين هم أعلم الناس بحكم هذه المسألة، كره أن يقول الرجل: زرت قبره صلى الله عليه وسلم، ولو كان هذا اللفظ معروفاً عندهم أو مشروعاً أو مأثوراً عن النبي صلى الله عليه وسلم لما جهله عالم المدينة) انتهى.

    فإذاً: الأولى أن يقول المؤلف رحمه الله: متوجهاً إلى بيت الله الحرام، وزيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم.

    قوله: (التي استمسك بها الذين مضوا من أئمة الدين وعلماء المسلمين والسلف الصالحين)، بدأ بالأئمة ثم العلماء ثم السلف، والسلف هم الصحابة والتابعون ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وهم صدر هذه الأمة.

    قوله: (وهدوا) يعني: الذين هداهم الله.

    قوله: (ودعوا الناس إليها في كل حين) يعني: لابد أن يوجد في كل زمان من يقوم بالحق ويظهره ويدعو إليه ويستمسك به؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى).

    قوله: (ونهوا عما يضادها) يعني: أن هؤلاء الأئمة وهؤلاء العلماء وهؤلاء السلف نهوا عما يضاد أصول الدين، وهي البدع.

    قوله: (وينافيها جملة المؤمنين المصدقين المتقين) لأنهم هم الذين يقبلون وينتفعون بخلاف غير المؤمنين فلا يقبلون، وإن كانت الدعوة عامة لكل أحد؛ لكن خص المؤلف رحمه الله جملة المؤمنين المصدقين المتقين؛ لأنهم هم الذين يقبلون وينتفعون بالنصائح والمواعظ.

    قوله: (ووالوا في اتباعها) يعني: والوا المؤمنين في اتباع هذه الأصول؛ من الإيمان بالله والملائكة، والكتب المنزلة، والرسل، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، والصراط والميزان والحوض والجنة والنار، والإيمان بربوبية الله وألوهيته وأسمائه وصفاته، فهذه الأصول والوا من اتبعها وآمن بها وجعلوه من أحبابهم.

    قوله: (وعادوا فيها) أي أن من خالف هذه الأصول وتنكر لها عادوه وأبغضوه.

    قوله: (وبدعوا وكفروا من اعتقد غيرها) أي: بدعوا وكفروا من اعتقد من لم يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.

    قوله: (وأحرزوا لأنفسهم ولمن دعوهم إليها بركتها ويمنها وخيرها)، يعني: حصلت لهم البركة والخير والفضل والأجر والثواب بسبب إيمانهم بهذه الأصول، وموالاتهم عليها، ومعاداتهم لمن خالفها.

    قوله: (وأفضوا إلى ما قدموه من ثواب اعتقادهم لها، واستمساكهم بها وإرشاد العباد إليها، وحملهم إياهم عليها)، لما توفاهم الله وانتهت آجالهم قدموا على ما قدموا من خير عظيم، ووجدوا ثواب اعتقادهم لها واستمساكهم بها، وإرشاد العباد إليها؛ لأنهم حينما دعوا إلى هذا الخير وانتفع الناس بهم صار لهم مثل أجورهم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من دعا إلى هدى كان له من الخير مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً)، فهؤلاء العلماء والأئمة والسلف الذين دعوا إلى أصول الدين، وإلى الإيمان بما ثبت في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مما يجب اعتقاده؛ حصلت لهم بركة هذه الدعوة وخيرها، وأفضوا إلى ما قدموه من ثواب اعتقادهم لها، واستمساكهم بها.

    قوله: (فاستخرت الله تعالى، وأثبت في هذا الجزء ما تيسر منها على سبيل الاختصار).

    يقول المؤلف رحمه الله: لما سألني هؤلاء الإخوان أن أكتب لهم أصولاً في الدين التي تمسك بها الأئمة، ودعوا إليها، ونهوا عما يضادها، وأفضوا إلى الثواب والأجر الذي حصل لهم بسبب نشرهم لدين الله، ودعوتهم إلى توحيد الله، استخرت الله، والاستخارة مشروعة في الأمور التي قد يكون فيها إشكال، والنبي صلى الله عليه وسلم شرع الاستخارة وقال: (إذا كان لأحدكم أمر فليصل ركعتين من غير الفريضة ثم ليدع، فيقول: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم...إلخ)، فالاستخارة مشروعة في الأمور التي يكون فيها إشكال، أما الأمور الواضحة فليس فيها استخارة، فلا تستخير هل تصلي الجماعة أو ما تصلي، ما تستخير في صوم رمضان.. في دفع الزكاة .. في الحج، قال العلماء: إلا إذا كان الحج عن طريق ليس بآمن، فهو يستخير: هل يحج هذا العام أو لا يحج، لكن الأمور التي فيها إشكال تستخير الله: أتتزوج من آل فلان، أتدخل في هذه التجارة مع فلان.

    فالمؤلف رحمه الله استخار، لكن كونه يكتب عقيدة أهل السنة والجماعة هل فيها إشكال؟ نعم. قد يقال: إنه يستخير؛ لأن المؤلفات في العقيدة كثيرة، فهو أشكل عليه الأمر هل الكتابة في هذا الأمر لها فائدة أو ليست لها فائدة؟ لأن العلماء كفوا وكتبوا في هذا الموضوع، فأشكل عليه الأمر، فلهذا قال: استخرت الله تعالى، ثم لما استخار ترجح له أن يكتب هذه الرسالة.

    فالإنسان يستخير في الشيء الذي يشكل عليه ويستشير أيضاً، ويمضي لما يشرح صدره له؛ وإذا لم يتبين له شيء يعيد الاستخارة ويكررها وهكذا.

    المؤلف رحمه الله كان أشكل عليه أن يكتب هذه الرسالة في العقيدة؛ لأن العلماء قد كفوه وكتبوا مؤلفات، فهل تكون الرسالة لها فائدة أو لا تكون؟ لأن العلماء كفوه وكتبوا رسائل ومؤلفات، ثم بعد الاستخارة ترجح له أن يكتب؛ لأن هذا الرسالة مختصرة لمعتقد أهل الحديث وأهل السنة، فهي تلخيص لما كتبه العلماء، فلهذا ترجح للمؤلف رحمه الله بعد الاستخارة أن يكتب هذه الرسالة؛ لأن الرسائل السابقة قد تكون طويلة، وهذه الرسالة مختصرة يستطيع طالب العلم أن يحفظها ويستوعبها في وقت وجيز، ولهذا ترجح للمؤلف رحمه الله الاستخارة فقال: (فاستخرت الله، تعالى وأثبت في هذا الجزء ما تيسر منها على سبيل الاختصار)، فهو اختصر هذه العقيدة ولخصها من كلام أهل العلم.

    وقوله: (رجاء أن ينتفع بها أولو الألباب والأبصار) الرجاء الانتفاع، وإذا انتفع بها صار له مثل أجره، فلهذا أقدم المؤلف رحمه الله على هذه الكتابة.

    قوله: (أولوا الألباب والأبصار) يعني: أصحاب العقول؛ كما قال الله تعالى في كتابه: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الأَلْبَابِ [الزمر:21] فأصحاب العقول السليمة أرشدهم الله إلى توحيده، وإخلاص الدين له، وقبول الحق، وأولو الألباب هم الذين ينتفعون، أما من لم يرد الله هدايته فلا حيلة فيه إن لم يوفق ولم يرزق عقلاً سليماً ولباً من الألباب التي يرشده إلى قبول الحق).

    قوله: (والله سبحانه وتعالى يحقق الظن، ويجزل علينا المن بالتوفيق للصواب والصدق والهداية والاستقامة على سبيل الرشد والحق بمنه وفضله) هذا دعاء من المؤلف رحمه الله بأن يحقق الله له ظنه، ويجزل عليه المن، فيمن عليه بالتوفيق للصواب فيما كتبه، وأن يمن عليه بالصدق والهداية والاستقامة على سبيل الرشد والحق بمنه وفضله، ونرجو أن الله تعالى قد حقق للمؤلف ما أراد إن شاء الله.