إسلام ويب

شرح صحيح ابن حبان كتاب العلم [1]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من أجل القربات وأعظم الطاعات طلب العلم وتعلمه وتعليمه للناس، وهذا إذا ابتغى به صاحبه وجه الله والدار الآخرة، وترك الجدال والمراء بالباطل، وخشي الله واتقاه وعمل بالعلم الذي تعلمه.

    1.   

    فضل العلم وإثبات النصرة لأصحاب الحديث

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب العلم.

    ذكر إثبات النصرة لأصحاب الحديث إلى قيام الساعة.

    أخبرنا عمر بن محمد الهمداني ].

    الهمداني نسبة إلى قبيلة همدان، أما بالذال: همذان فهو نسبة إلى بلدة الشرق همذان.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم خذلان من خذلهم حتى تقوم الساعة) ].

    وهذا رواه مسلم في صحيحه: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله).

    قوله في الترجمة: [ ذكر إثبات النصرة لأصحاب الحديث إلى قيام الساعة ]، قيل للإمام أحمد : من هم الطائفة المنصورة؟ قال: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم، وقوله: (لا تزال طائفة من أمتي)، المعنى: أن الطائفة المنصورة هم المستقيمون على طاعة الله، المؤدون لفرائض الله، وفي مقدمتهم العلماء والمحدثون، وقد يكونوا مجتمعين وقد يكونوا متفرقين، منهم المزارع والنجار.

    والصحابة في المقدمة، والتابعون والمحدثون والعلماء ثم أشباههم كلهم داخل في عموم هذا الطائفة المنصورة.

    والفرقة الناجية والطائفة المنصورة واحدة.

    والحديث أخرجه البخاري ومسلم وأحمد والترمذي.

    1.   

    ذكر الإخبار عن سماع المسلمين السنن خلفاً عن سلف

    قال المصنف رحمه الله: [ ذكر الإخبار عن سماع المسلمين السنن خلفاً عن سلف

    أخبرنا الحسن بن سفيان قال: حدثنا عبد الله بن جعفر البرمكي قال: حدثنا عبيد الله بن موسى عن شيبان عن الأعمش عن عبد الله بن عبد الله عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تسمعون ويسمع منكم، ويسمع ممن يسمع منكم) عبد الله بن عبد الله الرازي ثقة كوفي ].

    هذا الحديث إسناده صحيح، أخرجه أبو داود والحاكم والبيهقي وأحمد .

    وفيه الحث على سماع السنن، وأنه ينبغي للعلماء أن يحدثوا، وأن يسمع منهم من بعدهم، ومن بعدهم يسمعوه إلى من بعدهم.

    1.   

    ذكر الإخبار عما يستحب للمرء كثرة سماع العلم ثم الاقتفاء والتسليم

    قال رحمه الله: [ ذكر الإخبار عما يستحب للمرء كثرة سماع العلم ثم الاقتفاء والتسليم:

    أخبرنا أبو يعلى قال: حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا أبو عامر العقدي قال: حدثنا سليمان بن بلال عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن عبد الملك بن سعيد بن سويد عن أبي حميد وأبي أسيد رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم، وتلين له أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم قريب، فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم، وتنفر عنه أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم بعيد، فأنا أبعدكم منه) ].

    لعله: (وتُرون) يعني: تظنون، أما (تَرون) بالفتح تعلمون.

    قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم ، وأخرجه أحمد والبزار ، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد والبزار ورجاله رجال الصحيح.

    هذا الحديث يحتاج إلى تأمل في صحة هذا المعنى؛ لأن فيه فتح باب أن الإنسان يقول: هذا الحديث مناسب، لكن لو صح فهو محمول على أهل العلم والفقه.

    1.   

    ما جاء في الزجر عن كتبة المرء السنن مخافة أن يتكل عليها دون الحفظ لها

    قال رحمه الله تعالى:[ باب الزجر عن كتبة المرء السنن مخافة أن يتكل عليها دون الحفظ لها:

    أخبرنا الحسن بن سفيان قال: حدثنا كثير بن يحيى صاحب البصري قال: حدثنا همام عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي لله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تكتبوا عني إلا القرآن؛ فمن كتب عني شيئاً فليمحه).

    قال أبو حاتم رضي الله عنه: زجره صلى الله عليه وسلم عن الكتبة عنه سوى القرآن أراد به الحث على حفظ السنن دون الاتكال على كتبتها وترك حفظها والتفقه فيها، والدليل على صحة هذا إباحته صلى الله عليه وسلم لـأبي شاه كتب الخطبة التي سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذنه صلى الله عليه وسلم لـعبد الله بن عمرو بالكتبة ].

    هذا ما ذهب إليه المصنف رحمه الله، ولكن جاء ما يدل على أن النهي إنما كان لأجل ألا يختلط بالقرآن غيره، فلما استقر الأمر وزال الإشكال أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالكتابة، وأذن صلى الله عليه وسلم بالكتابة؛ فلهذا قال: (اكتبوا لـأبي شاه)، كان عبد الله بن عمرو يكتب، قال أبو هريرة : إني من أكثر الناس حديثاً إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه يكتب ولا أكتب، المقصود أن النهي عن الكتابة لئلا يختلط بالقرآن غيره، لا لأجل أن يتكلوا على الكتابة، والمعنى الذي ذكره ابن حبان رحمه الله فيه نظر، بل جاء ما يدل على أن النهي إنما هو لئلا يختلط بالقرآن في أول الأمر، ثم رخص بعد ذلك.

    وهذا الحديث إسناده قوي، وأخرجه أحمد ومسلم والدارمي والنسائي في فضل القرآن.

    وورد النهي في حديث النسائي أنه خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره، والنهي خاص بكتابة غير القرآن مع القرآن في شيء واحد، والإذن في تفريقهما، أو النهي متقدم والأذن ناسخ له عند الأمن من الالتباس وهو أقربها مع أنه لا ينافيها، وقيل: النهي خاص بمن خشي منه الاتكال على الكتابة دون الحفظ، والإذن لمن أمن منه ذلك، ومنهم من أعل حديث أبي سعيد ، وقال الصواب: وقفه على أبي سعيد .

    الأقرب أنه خشية الالتباس بالقرآن كما سبق.

    قال رحمه الله تعالى:[ أخبرنا الحسين بن أحمد بن بسطام بالأبلة حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد حدثنا سفيان عن فطر عن أبي الطفيل عن أبي ذر رضي الله عنه قال: (تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يطير بجناحيه إلا عندنا منه علم).

    قال أبو حاتم : معنى (عندنا منه) يعني: بأوامره ونواهيه وأخباره وأفعاله وإباحاته صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    ذكر دعاء المصطفى لمن أدى من أمته حديثاً سمعه

    قال المؤلف رحمه الله: [ ذكر دعاء المصطفى صلى الله عليه وسلم لمن أدى من أمته حديثاً سمعه:

    أخبرنا محمد بن عمر بن يوسف قال: حدثنا نصر بن علي الجهضمي قال: حدثنا عبد الله بن داود عن علي بن صالح عن سماك بن حرب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه كما سمعه؛ فرب مبلغ أوعى من سامع) ].

    يعني: دعا له بالنضارة، وأن يجعل الله وجهه نضراً (فرب مُبلغ) الذي يبلغه الحديث (أوعى له من سامع)، وفي اللفظ الآخر: (ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه)، فقد يكون الذي بلغ ليس بفقيه، والذي يبلغه فقيه يستنبط منه أحكامه وفوائده.

    والحديث إسناده حسن من أجل سماك بن حرب ، قال الحافظ في التقريب: صدوق، وقد تغير بآخره، فكان ربما تلقن، فمثله لا يرقى حديثه إلى الصحة، وأخرجه أبو نعيم وأحمد والترمذي وابن ماجة .

    1.   

    ذكر رحمة الله من بلغ أمة المصطفى حديثاً صحيحاً عنه

    قال المؤلف رحمه الله: [ذكر رحمة الله جل وعلا من بلغ أمة المصطفى صلى الله عليه وسلم حديثاً صحيحاً عنه:

    أخبرنا أبو خليفة قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة قال: حدثني عمر بن سليمان - هو ابن عاصم بن عمر بن الخطاب - عن عبد الرحمن بن أبان -هو ابن عثمان بن عفان -عن أبيه قال: خرج زيد بن ثابت عند مروان قريباً من نصف النهار، فقلت: ما بعث إليه إلا لشيء سأله، فقمت إليه فسألته، فقال: أجل سألنا عن أشياء سمعناها من رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رحم الله امرأ سمع مني حديثاً فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه، ثلاث خصال لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم الجماعة؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم) ].

    والحديث إسناده صحيح أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة والطبراني .

    وفيه بيان مشروعية التبليغ عن النبي صلى الله عليه وسلم، فمن علم شيئاً وتأكد منه عليه أن يبلغه.

    ومعنى: (لا يغل عليهن قلب مسلم): الغلول: هو الإخفاء، يعني: لا يخفي هذا ويترك هذا الشيء وإنما يلزم الجماعة، وينصح ولاة الأمور ويحب الخير لهم.

    وإخلاص العمل لله، يعني: أن يعتقد الإخلاص، ويصرف عمله لله، وكذلك أيضاً ينصح لولاة الأمور.

    وقوله: (يغل) بتشديد اللام، قال ابن الأثير : معنى الغل وهو الحقد والشحناء، أي: لا يدخله حقد يزيله عن الحق، وروي: يغل بالتخفيف من الوغول الدخول في الشر، ويروى بضم الياء من الإغلال وهو الخيانة، والمعنى: أن هذه الخلال الثلاث تستصلح بها القلوب، فمن تمسك بها طهر قلبه من الخيانة والدغل والشر، انظر النهاية ].

    1.   

    ذكر البيان بأن هذا الفضل إنما يكون لمن أدى حديث المصطفى كما سمعه سواء

    قال رحمه الله: [ ذكر البيان بأن هذا الفضل إنما يكون لمن أدى ما وصفنا كما سمعه سواء من غير تغيير ولا تبديل فيه ].

    يعني: تبليغ الحديث لابد أن يكون من غير زيادة ولا نقصان.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا الحسن بن سفيان قال: حدثنا صفوان بن صالح قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا شيبان قال: حدثني سماك بن حرب عن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (رحم الله من سمع مني حديثاً فبلغه كما سمعه؛ فرب مبلغ أوعى له من سامع) ].

    إسناده حسن.

    1.   

    ذكر إثبات نضارة الوجه في القيامة من بلغ للمصطفى سنة صحيحة كما سمعها

    قال رحمه الله تعالى: [ ذكر إثبات نضارة الوجه في القيامة من بلغ للمصطفى صلى الله عليه وسلم سنة صحيحة كما سمعها.

    أخبرنا ابن خزيمة قال: حدثنا محمد بن عثمان العجلي قال: حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن سماك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (نضر الله امرأ سمع منا حديثاً فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع) ].

    قوله: (نضر الله) هذا خبر بمعنى الدعاء، والمعنى: دعاء له بالنضارة، والنضارة الحسن والبهاء والبهجة، وهذا يكون سببه السرور؛ لأن الله ينعمه يوم القيامة، فهو دعاء بأن ينعمه الله في الجنة حتى تحصل له النضارة والبهجة والسرور.

    1.   

    ذكر عدد الأشياء التي استأثر الله تعالى بعلمها دون خلقه

    قال رحمه الله تعالى:[ ذكر عدد الأشياء التي استأثر الله تعالى بعلمها دون خلقه.

    أخبرنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف حدثنا أبو عمر الدوري حفص بن عمر حدثنا إسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مفاتيح الغيب خمس: لا يعلم ما تضع الأرحام أحد إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا الله ولا يعلم متى يأتي المطر إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة) ].

    وهذه مفاتيح الغيب ذكرها الله تعالى في آخر سورة لقمان: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [لقمان:34]، ففي الآية: وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ [لقمان:34]، وفي الحديث يقول: (لا يدري متى تضع).

    وهو حديث صحيح أخرجه البخاري في التفسير من طريق مالك ، وأخرجه أحمد في المسند.

    لكن بهذا اللفظ (متى تضع) الآن الأطباء يعلمون الأجنة بعد أن تخلق، لكن قبل أن تخلق لا يعلمها إلا الله، ولهذا يقول الملك: (يا رب ذكر أو أنثى؟ أشقي أم سعيد).

    1.   

    ذكر خبر ثان يصرح بالأشياء التي استأثر الله تعالى بعلمها

    1.   

    ما جاء في الزجر عن العلم بأمر الدنيا مع الانهماك فيها والجهل بأمر الآخرة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر الزجر عن العلم بأمر الدنيا مع الانهماك فيها والجهل بأمر الآخرة، ومجانبة أسبابها.

    أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسن حدثنا أحمد بن يوسف السلمي أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يبغض كل جعظري جواظ سخاب بالأسواق، جيفة بالليل، حمار بالنهار، عالم بأمر الدنيا، جاهل بأمر الآخرة) ].

    قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم ، وأخرجه البيهقي في السنن من طريق أبي بكر القطان عن أحمد بن يوسف السلمي بهذا الإسناد.

    والجواظ قيل: هو القصير البطين، وقيل: هو كثير اللحم المختال في مشيته، وقيل: الأكول، ويقال: الفاجر.

    والسخاب بالأسواق هو الذي يكثر الصياح واللجاج مع غيره عند البيع والشراء.

    قوله: (جيفة بالليل) يعني: ينام أكثر الليل أو الليل كله، ولا يقوم لصلاة الصبح؛ لأنه أرهق نفسه بالأعمال المتعبة.

    وقوله: (حمار النهار) يعني: يعمل للدنيا.

    وقوله: (عالم بأمر الدنيا) يعني: تجده في أمور الدنيا خبيراً بما يجلب له الخير، ويدفع عنه الضر.

    قوله: (جاهل بأمور الآخرة): يعني: أنه لم يتفقه في دينه مما يجب عليه أن يعلمه؛ لأنه شغل نفسه بأمور الدنيا، فجعل الدنيا أكبر همه، ومبلغ علمه.

    1.   

    ما جاء في الزجر عن تتبع المتشابه من القرآن للمرء المسلم

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر الزجر عن تتبع المتشابه من القرآن للمرء المسلم.

    أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا حبان أخبرنا عبد الله حدثنا يزيد بن إبراهيم التستري حدثني ابن أبي مليكة عن القاسم بن محمد عن عائشة : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قول الله: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ [آل عمران:7] إلى آخرها، فقال: إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فاعلموا أنهم الذين عنى الله فاحذروهم) ].

    يعني: هؤلاء يتبعون المتشابه، قال: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمران:7] والزيغ: هو ميل عن الشيء، ومنه زاغت الشمس: إذا مالت عن وسط السماء إلى الغروب، فالزيغ هو الميل عن الحق وعن الاستقامة، فالذي يصفه بأنه زائغ فهو من يتبع المتشابه.

    قوله: (ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ) يعني: طلباً لفتنة الناس، والتلبيس عليهم في دينهم، وإفساداً فيما بينهم.

    وأما الراسخون في العلم فيقولون: آمنا بالله، أما هؤلاء الزائغون فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم) يعني: الذين سمى الله في هذه الآية: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران:7] وهذا فيه التحذير من اتباع المتشابه، وهي حقائق الأسماء والصفات، وحقائق ما يكون في اليوم الآخر، فلا يعلمها إلا الله.

    شرح حديث: (أنزل القرآن على سبعة أحرف)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى حدثنا أبو خيثمة حدثنا أنس بن عياض عن أبي حازم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أنزل القرآن على سبعة أحرف، والمراء في القرآن كفر ثلاثاً؛ ما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتهم منه فردوه إلى عالمه) .

    قال أبو حاتم رضي الله عنه: قوله صلى الله عليه وسلم: (ما عرفتم منه فاعملوا به) أضمر فيه الاستطاعة، يريد: اعملوا بما عرفتم من الكتاب ما استطعتم.

    وقوله: (وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه) فيه الزجر عن ضد هذا الأمر، وهو ألا يسألوا من لا يعلم ].

    اختلف العلماء في المقصود بالسبعة الأحرف، هل هي سبع لغات أو سبع معاني؟ وجاء أنها سبعة أوجه من المعاني على حسب لغات القبائل.

    ثم بعد ذلك لما اختلف الصحابة زمن عثمان في القراءات جمعهم على القراءات الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفق العرضة الأخيرة، لا أنه ألغى الأحرف السبعة كما يظن البعض.

    1.   

    ما جاء في ذكر العلة التي من أجلها قال النبي: (وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر العلة التي من أجلها قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه).

    أخبرنا عمر بن محمد الهمداني حدثنا إسحاق بن سويد الرملي حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدثني أخي عن سليمان بن بلال عن محمد بن عجلان عن أبي إسحاق الهمداني عن أبي الأحوص عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنزل القرآن على سبعة أحرف لكل آية منها ظهر وبطن) ].

    وهذا الحديث إسناده حسن.

    قوله: (وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه). يعني: الخفي ردوه إلى عالمه.

    قال شعيب الأرنؤوط: وعلق عليه الشيخ محمود شاكر حفظه الله ورعاه، فقال: الظاهر: هو ما تعرفه العرب من كلامها، وما لا يعرض أحد بجهالته من حلال وحرام، والباطن: هو التفسير الذي يعلمه العلماء بالاستنباط والفقه، ولم يرد الطبري ما تفعله الطائفة الصوفية وأشباههم في التلاعب بكتاب الله تعالى وسنة رسوله، والعبث بدلالات ألفاظ القرآن وادعائهم أن لألفاظه ظاهراً هو الذي يعلمه علماء المسلمين، وباطناً يعلمه أهل الحقيقة فيما يزعمون، وانظر كلام البغوي في شرح السنة (1/263).

    يعني: الظاهر ما يعلمه كل أحد، والباطن ما يعلمه العلماء، قال ابن عباس رحمه الله: التفسير على أربعة أنحاء: تفسير لا يعذر أحد بجهله، وتفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله.

    1.   

    ما جاء في الزجر عن مجادلة الناس في كتاب الله مع الأمر بمجانبة من يفعل ذلك

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر الزجر عن مجادلة الناس في كتاب الله مع الأمر بمجانبة من يفعل ذلك.

    أخبرنا الحسن بن سفيان الشيباني حدثنا عاصم بن النضر الأحول حدثنا المعتمر بن سليمان قال: سمعت أيوب يحدث عن ابن أبي مليكة عن عائشة أنها قالت : (قرأ نبي الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران:7] إلى قوله: أُوْلُوا الأَلْبَابِ [آل عمران:7] قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا رأيتم الذين يجادلون فيه، فهم الذين عنى الله فاحذروهم. قال مطر : حفظت أنه قال: لا تجالسوهم فهم الذين عنى الله فاحذروهم) .

    قال أبو حاتم : سمع هذا الخبر أيوب عن مطر الوراق وابن أبي مليكة جميعاً ].

    قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم ، وأخرجه الطبري في جامع البيان من طريق المعتمر بن سليمان بهذا الإسناد.

    وقول أبي حاتم : (سمع هذا الخبر أيوب عن مطر الوراق وابن أبي مليكة ): هذا خطأ، وصواب العبارة: سمع هذا الخبر أيوب ومطر الوراق عن ابن أبي مليكة جميعاً.

    1.   

    ما جاء في وصف العلم الذي يتوقع دخول النار في القيامة لمن طلبه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر وصف العلم الذي يتوقع دخول النار في القيامة لمن طلبه.

    أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد المروزي بالبصرة حدثنا محمد بن سهل بن عسكر حدثنا ابن أبي مريم عن يحيى بن أيوب عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء ، ولا تماروا به السفهاء، ولا تخيروا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار) ].

    قال شعيب الأرنؤوط: رجاله ثقات رجال الصحيح.

    وأخرجه ابن ماجة ، وقال البوصيري في زوائده: هذا إسناد رجاله ثقات على شرط مسلم.

    شرح حديث: (من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله ...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمد بن عبد الله بن يحيى بن محمد بن مخلد حدثنا أبو الربيع سليمان بن داود حدثنا ابن وهب قال: أخبرني أبو يحيى بن سليمان الخزاعي عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الأنصاري عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا، لم يجد عَرْفَ الجنة يوم القيامة) . ].

    وهذا وعيد شديد، والواجب على الإنسان أن يجاهد نفسه وأن يطلب العلم لله؛ لأن طلب العلم من أجلِّ القربات وأفضل الطاعات، والعبادة لا بد فيها من أن تكون خالصة لله، وموافقة للشرع.

    قال تعالى: وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [العنكبوت:6] فجاهد نفسك حتى يكون العمل خالصاً لوجه الله، قال بعض السلف: طلبنا العلم لغير الله فأبى إلا أن يكون لله، يعني: في أول الأمر طلب العلم لأجل الدنيا، ثم بعد ذلك لما ذاق حلاوة العلم حسنت نيته.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وأخبرنا عمر بن محمد بن بجير حدثنا أبو الطاهر بن السرح أنبأنا ابن وهب بإسناده مثله ].

    1.   

    ما جاء في الزجر عن مجالسة أهل الكلام والقدر ومفاتحتهم بالنظر والجدال

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر الزجر عن مجالسة أهل الكلام والقدر ومفاتحتهم بالنظر والجدال.

    أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى حدثنا أبو خيثمة وهارون بن معروف قالا: حدثنا المقرئ حدثنا سعيد بن أبي أيوب عن عطاء بن دينار عن حكيم بن شريك عن يحيى بن ميمون الحضرمي عن ربيعة الجرشي عن أبي هريرة عن عمر بن الخطاب أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تجالسوا أهل القدر، ولا تفاتحوهم) ].

    هذا الحديث فيه ضعف.

    قال شعيب الأرنؤوط: إسناده ضعيف لجهالة حكيم بن شريك الهذلي كما قال أبو حاتم .

    لكن أهل القدر هم من المبتدعة، ولا ينبغي أن يجالس المرء أهل البدع، إلا إذا أراد أن يرد عليهم وينكر عليهم، ويدعوهم إلى الله، ويبين باطلهم.

    1.   

    ما جاء في أن النبي كان يتخوف على أمته جدال المنافق

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر ما كان يتخوف صلى الله عليه وسلم على أمته جدال المنافق.

    أخبرنا أبو يعلى حدثنا خليفة بن خياط حدثنا خالد بن الحارث حدثنا حسين المعلم عن عبد الله بن بريدة عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أخوف ما أخاف عليكم جدال المنافق عليم اللسان) ].

    قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط البخاري ، وأخرجه البزار عن محمد بن عبد الملك عن خالد بن الحارث بهذا الإسناد، وقال: لا نحفظه إلا عن عمر ، وإسناد عمر صالح فأخرجناه عنه، وأعدناه عن عمران لحسن إسناده.

    وفيه النهي عن جدال المنافق عليم اللسان، وفي هذا الزمن المنافقون يتكلمون في الصحف والفضائيات، وهم زنادقة، يضلون الناس عن الحق، ويجادلون بالباطل ويدافعون عن السفور والمجون، ويطعنون في الأحاديث التي فيها الأمر بالحجاب، والمنافقون عندهم فصاحة وعندهم شبه، فينبغي للمسلم أن يحذرهم ويحذر منهم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى حدثنا محمد بن مرزوق حدثنا محمد بن بكر عن الصلت بن بهرام حدثنا الحسن عن جندب البجلي في هذا المسجد: أن حذيفة حدثه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن ما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن، حتى إذا رئيت بهجته عليه وكان ردئاً للإسلام غيّره إلى ما شاء الله، فانسلخ منه ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسيف، ورماه بالشرك، قال: قلت: يا نبي الله، أيهما أولى بالشرك، المرمي أم الرامي؟ قال: بل الرامي) ].

    قال شعيب الأرنؤوط: أخرجه البزار عن محمد بن مرزوق والحسن بن أبي كبشة كلاهما عن محمد بن بكر البرساني بهذا الإسناد، وقال: لا نعلمه يروى إلا عن حذيفة ، وإسناده حسن.

    1.   

    ما جاء في أن الواجب على المرء أن يسأل العلم النافع

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر ما يجب على المرء أن يسأل الله جل وعلا العلم النافع، رزقنا الله إياه وكل مسلم.

    أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن أسامة بن زيد عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم إني أسألك علماً نافعاً ، وأعوذ بك من علم لا ينفع) ].

    قال شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن، رجاله رجال مسلم ، أسامة بن زيد وهو الليثي مولاهم أبو زيد المدني ، صدوق يهم، فهو حسن الحديث.

    1.   

    ما يستحب للمرء أن يقرن في التعوذ مع العلم الذي لا ينفع من أشياء معلومة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر ما يستحب للمرء أن يقرن إلى ما ذكرنا في التعوذ منها أشياء معلومة.

    أخبرنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي حدثنا أبو نصر التمار حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وعمل لا يرفع، وقلب لا يخشع، وقول لا يسمع) ].

    قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم ، أبو نصر التمار هو عبد الملك بن عبد العزيز القشيري النسائي .

    وأخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله.

    1.   

    ما جاء في تسهيل الله طريق الجنة على من يسلك طريقاً فيه علم

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر تسهيل الله جل وعلا طريق الجنة على من يسلك في الدنيا طريقاً يطلب فيه علماً.

    أخبرنا إبراهيم بن إسحاق الأنماطي الزاهد حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا محمد بن خازم عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سهل الله له به طريقاً من طرق الجنة، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه) ].

    قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرطهما، وأخرجه ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود في العلم.

    قوله: (من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه) أيضاً هذا في الصحيح.

    1.   

    ما جاء في بسط الملائكة أجنحتها لطلبة العلم رضاً بصنيعهم ذلك

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر بسط الملائكة أجنحتها لطلبة العلم رضاً بصنيعهم ذلك.

    أخبرنا ابن خزيمة حدثنا محمد بن يحيى ومحمد بن رافع قالا: حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن عاصم عن زر قال: (أتيت صفوان بن عسال المرادي قال: ما جاء بك؟ قال: جئت أنبط العلم، قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من خارج يخرج من بيته يطلب العلم إلا وضعت له الملائكة أجنحتها؛ رضاً بما يصنع) ].

    هذا فيه فضل طلب العلم، والمراد بالعلم إذا أطلق العلم الشرعي من الكتاب والسنة، أما غيره من العلوم فينبغي أن يقيد ويقال: علم الطب، علم الصيدلة، علم الفلك، علم الزراعة، علم النجارة، علم الحدادة، وهكذا. حتى إنهم يقولون: العالم، عالم الفضاء، يطلقون العالم على من يعلم العلوم الشرعية، أما غيره فيقيدون ويقولون: عالم الفضاء، عالم الطب.

    قال شعيب الأرنؤوط: يقال: أنبط الحفار إذا بلغ الماء في البئر، ونبط الماء إذا نبع، والاستنباط: الاستخراج، واستنبط الفقيه إذا استخرج الفقه الباطن باجتهاده وفهمه.

    ثم قال: إسناده حسن من أجل عاصم وهو ابن أبي النجود ، وهو في مصنف عبد الرزاق ، ومن طريقه أخرجه أحمد وابن ماجة والطبراني والنسائي وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي .

    1.   

    ما جاء في أمان الله من النار من أوى إلى مجلس علم ونيته فيه صحيحة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر أمان الله جل وعلا من النار من أوى إلى مجلس علم ونيته فيه صحيحة.

    أخبرنا عمر بن سعيد بن سنان حدثنا أحمد بن أبي بكر عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أن أبا مرة مولى عقيل بن أبي طالب أخبره عن أبي واقد الليثي : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في المسجد، والناس معه، إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذهب واحد، فلما وقفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلما، فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهباً، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه) ].

    هذا رواه البخاري في الصحيح. وفيه فضل العلم ومن أوى إليه ودخل في الحلقة.

    قوله في الترجمة: (ذكر أمان الله جل وعلا من النار، من أوى إلى مجلس علم ونيته فيه صحيحة).

    وجاء في الحديث أن الملائكة تقول: (يا رب، إن فيهم عبدك فلاناً جاء وليس منهم وجلس معهم، قال: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) فهذا أوضح في بيان الترجمة وموافقتها.

    1.   

    ما جاء في التسوية بين طالب العلم ومعلمه وبين المجاهد في سبيل الله

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر التسوية بين طالب العلم ومعلمه، وبين المجاهد في سبيل الله.

    أخبرنا أبو يعلى حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي حدثنا المقرئ أنبأنا حيوة قال: حدثني أبو صخر أن سعيداً المقبري أخبره: أنه سمع أبا هريرة يقول: إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من دخل مسجدنا هذا ليتعلم خيراً أو يعلمه كان كالمجاهد في سبيل الله، ومن دخله لغير ذلك كان كالناظر إلى ما ليس له) ].

    قال شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن، وأبو صخر هو حميد بن زياد الخراط ، ويقال: حميد بن صخر أبو مودود الخراط ، قال الحافظ في التقريب: صدوق يهم.

    و سعيد المقبري ثقة، أخرج حديثه الجماعة، ورمي بالاختلاط قبل موته، لكن لم يأخذ عنه أحد في اختلاطه فيما قاله الإمام الذهبي في الميزان.

    وأخرجه الحاكم في المستدرك من طريق عبد الله بن يزيد المقرئ بهذا الإسناد، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد احتجا بجميع رواته، ثم لم يخرجاه، ولم أعلم له علة، فقال البوصيري : وقد أعله الدارقطني في علله بأن اختلف فيه على سعيد المقبري ، فرواه حميد عنه هكذا، وخالفه عبيد الله بن عمر فرواه عن المقبري عن عمر بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث عن كعب قوله.

    ورواه ابن عجلان عن المقبري عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن كعب قوله.

    وقول عبيد الله بن عمر أشبه بالصواب.

    وقول الحاكم : إن الشيخين احتجا بجميع رواته فيه نظر.

    قوله: (ومن دخل لغير ذلك كان كالناظر إلى ما ليس له) يعني: إذا دخل المسجد لا يتعلم.

    قال شعيب الأرنؤوط: وأخرجه ابن أبي شيبة ، ومن طريقه ابن ماجة في المقدمة: باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، عن حاتم بن إسماعيل عن حميد بن صخر به، قال البوصيري في الزوائد: هذا إسناد صحيح، احتج مسلم بجميع رواته.

    1.   

    ما جاء في وصف العلماء الذين لهم الفضل المذكور في الأحاديث

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر وصف العلماء الذين لهم الفضل الذي ذكرنا قبل.

    أخبرنا محمد بن إسحاق الثقفي حدثنا عبد الأعلى بن حماد حدثنا عبد الله بن داود الخريبي قال: سمعت عاصم بن رجاء بن حيوة عن داود بن جميل عن كثير بن قيس قال: (كنت جالساً مع أبي الدرداء في مسجد دمشق، فأتاه رجل فقال: يا أبا الدرداء ، إني أتيتك من مدينة الرسول في حديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو الدرداء : أما جئت لحاجة؟ أما جئت لتجارة؟ أما جئت إلا لهذا الحديث؟ قال: نعم. قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً من طرق الجنة، والملائكة تضع أجنحتها رضاً لطالب العلم، وإن العالم يستغفر له من في السماوات ومن في الأرض والحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وأورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر) .

    قال أبو حاتم رضي الله عنه: في هذا الحديث بيان واضح أن العلماء الذين لهم الفضل الذي ذكرنا، هم الذين يعلمون علم النبي صلى الله عليه وسلم دون غيره من سائر العلوم. ألا تراه يقول: (العلماء ورثة الأنبياء) والأنبياء لم يورثوا إلا العلم، وعلم نبينا صلى الله عليه وسلم سنته، فمن تعرى عن معرفتها لم يكن من ورثة الأنبياء ].

    قال شعيب الأرنؤوط: حديث حسن، إسناده ضعيف؛ لضعف داود بن جميل ، ويقال: الوليد بن جميل ، وكثير بن قيس ، ويقال: قيس بن كثير ، والأول أكثر.

    وأخرجه أبو داود في أو كتاب العلم، وابن ماجة في المقدمة.

    وأخرجه أبو داود من طريق محمد بن الوزير الدمشقي حدثنا الوليد قال: لقيت شبيب بن شيبة فحدثني عن عثمان بن أبي سودة عن أبي الدرداء .... وهذا سند حسن في الشواهد فيتقوى الحديث به.

    وعبارة: (وإن العلماء هم ورثة الأنبياء ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر، ومن سلك طريقاً يطلب به علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة) أورده البخاري في صحيحه في كتاب العلم، ضمن عنوان باب العلم قبل القول والعمل.

    قال الحافظ في الفتح: هذا طرف من حديث أخرجه أبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم مصححاً من حديث أبي الدرداء .