إسلام ويب

شرح سنن ابن ماجه المقدمة [9]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • فضائل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرة، فقد قدموا أنفسهم وأموالهم في نصرة دين الله عز وجل ونصرة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    فضل العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه

    شرح حديث العباس: (كنا نلقى النفر من قريش وهم يتحدثون...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فضل العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه:

    حدثنا محمد بن طريف قال: حدثنا محمد بن فضيل قال: حدثنا الأعمش عن أبي سبرة النخعي عن محمد بن كعب القرظي عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: (كنا نلقى النفر من قريش وهم يتحدثون، فيقطعون حديثهم، فذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما بال أقوام يتحدثون، فإذا رأوا الرجل من أهل بيتي قطعوا حديثهم، والله! لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبهم لله ولقرابتهم مني) ].

    هذا فيه انقطاع، فهو ضعيف؛ لأن محمد بن كعب القرظي لم يدرك العباس ، لكن له شاهد يدل عليه، أشار شيخ الإسلام رحمه الله إلى معناه في العقيدة الواسطية.

    قوله: (حتى يحبهم لله ولقرابتي) يعني: آل البيت، فأهل البيت تجب محبتهم، ويحب الترضي عنهم، وموالاتهم، ومن أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم: علي وفاطمة والحسن والحسين والعباس رضي الله عنهم قال المحقق: إسناده ضعيف، ومحمد بن كعب القرظي لم يسمع من العباس بن عبد المطلب فروايته عنه مرسلة.

    يعني: فيكون منقطعاً.

    قال: وأبو سبرة النخعي كوفي يقال اسمه: عبد الله بن عابس ، قال ابن معين : لا أعرفه، ولم يوثقه سوى ابن حبان ، ففيه جهالة حال في أحسن أحواله.

    وتكون هذه علة ثانية أيضاً، وهي جهالة عبد الله بن عابس أبو سبرة ، فمع الانقطاع تكون فيه علتان، لكن له شاهد.

    قال: ومع ذلك قال البوصيري في مصباح الزجاجة: هذا إسناد رجاله ثقات إلا أن محمد بن كعب روايته عن عباس يقال: مرسلة، رواه الإمام أحمد في مسنده.

    وله شاهد رواه الترمذي : (أن العباس دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضباً فقال: ما أغضبك؟ قال: ما لنا وقريش إذا تلاقوا بينهم تلاقوا بوجوه بشرة، وإذا لقونا لقونا بغير ذلك؟ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى احمر وجهه، ثم قال: والذي نفسي بيده! لا يدخل قلب رجل إيمان حتى يحبهم لله ولرسوله) قال الترمذي : حديث حسن. انتهى.

    وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في العقيدة الواسطية قال: لا يؤمن العبد حتى يحبهم لله ولقرابتهم من النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عبد الوهاب بن الضحاك قال: حدثنا إسماعيل بن عياش عن صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن كثير بن مرة الحضرمي عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، فمنزلي ومنزل إبراهيم في الجنة يوم القيامة تجاهين، والعباس بيننا مؤمن بين خليلين) ].

    وهذا ضعيف، بل باطل؛ لأنه موضوع، والعلة فيه من شيخ المؤلف عبد الوهاب ، فقد قيل: إنه وضاع يضع الحديث، ومعناه باطل؛ لأن فيه: أن العباس بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين إبراهيم، والخلفاء الأربعة أفضل من العباس : أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، فهو حديث باطل سنده ومتنه.

    1.   

    فضل الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب رضي الله عنهم

    شرح حديث قول رسول الله للحسن: (اللهم إني أحبه...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فضل الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

    حدثنا أحمد بن عبدة قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد عن نافع بن جبير عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال للحسن : (اللهم إني أحبه، فأحبه وأحب من يحبه، قال: وضمه إلى صدره) ].

    وهذا الحديث ثابت، أخرجه الشيخان، وفيه فضل الحسن رضي الله عنه، وهو من أهل البيت، ومن سادات شباب أهل الجنة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا علي بن محمد قال: حدثنا وكيع عن سفيان عن داود بن أبي عوف أبي الجحاف -وكان مرضياً- عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحب الحسن والحسين فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني) ].

    وهذا فيه أبو الجحاف وهو متكلم فيه.

    قال المحقق: قال في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله ثقات. ورواه النسائي في المناقب عن عمرو بن منصور عن أبي نعيم عن سفيان به.

    قال: وحسن العلامة الألباني رحمه الله إسناده في صحيح سنن ابن ماجة .

    قال في التقريب: داود بن أبي عوف سويد التميمي البرجمي بضم الموحدة والجيم مولاهم أبو الجحاف بالجيم وتشديد المهملة، مشهور بكنيته، وهو صدوق شيعي ربما أخطأ.

    قوله: ربما أخطأ، يعني: قليل، فيكون حسن الحديث، وكونه يتشيع تشيعه قليل.

    ولا شك أن محبة الحسن والحسين من محبة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أبغضهما لابد أن يكون في قلبه مرض.

    قال المحقق: وأخرجه أحمد من طريق سفيان عن سالم بن أبي حفصة ، وسالم من غلاة الشيعة أيضاً، وإن قال ابن حجر في التقريب: صدوق في الحديث، فإنه على ما حققناه في تعقباتنا عليه ضعيف.

    فهذا الضعيف يمكن أن يكون شاهداً، والعمدة ليست عليه بل العمدة على الحديث، والحديث حسن، والمعنى صحيح: فمن أحب الحسن والحسين فلا شك أن هذا من محبة أهل البيت، وأن هذا من الدين والإيمان.

    شرح حديث (... حسين مني وأنا من حسين...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب قال: حدثنا يحيى بن سليم عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن أبي راشد : أن يعلى بن مرة رضي الله عنه حدثهم: (أنهم خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى طعام دعوا له، فإذا حسين يلعب في السكة، قال: فتقدم النبي صلى الله عليه وسلم أمام القوم وبسط يديه فجعل الغلام يفر هاهنا، ويضاحكه النبي صلى الله عليه وسلم، حتى أخذه، فجعل إحدى يديه تحت ذقنه والأخرى في فأس رأسه فقبله، وقال: حسين مني وأنا من حسين ، أحب الله من أحب حسيناً ، حسين سبط من الأسباط) ].

    وقال: إسناده ضعيف، وسعيد بن أبي راشد مجهول، ومع ذلك قال البوصيري في مصباح الزجاجة: هذا إسناد حسن رجاله ثقات.

    ولكن معنى الحديث صحيح؛ فـالحسين رضي الله عنه سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن آل البيت، وحبه دين وإيمان وقربة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا علي بن محمد قال: حدثنا وكيع عن سفيان مثله ].

    قال المحقق: سعيد بن أبي راشد مقبول من السادسة.

    يعني: أنه مقبول إذا توبع.

    وحديث يعلى بن مرة يدور على سعيد بن أبي راشد ، وعلى كل حال يكون الحديث حسناً، والمعنى صحيح، وله شواهد.

    شرح حديث: (أنا سلم لمن سالمتم، وحرب لمن حاربتم)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا الحسن بن علي الخلال وعلي بن المنذر قالا: حدثنا أبو غسان قال: حدثنا أسباط بن نصر عن السدي عن صبيح مولى أم سلمة رضي الله عنها عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لـعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم: (أنا سلم لمن سالمتم، وحرب لمن حاربتم) ].

    وهذا فيه صبيح مولى أم سلمة متكلم فيه، لكن المعنى صحيح، فلا شك أن من حاربهم وعاداهم فهو محارب للنبي صلى الله عليه وسلم.

    قال في التقريب: صبيح مصغراً مولى أم سلمة ، ويقال: مولى زيد بن أسلم ، مقبول من السادسة.

    يعني: مقبول إذا توبع، يعني: قد يكون الحديث حسناً بشواهده.

    وبعد الحديث السابق جاء في المطبوع: حدثنا علي بن محمد قال: حدثنا وكيع عن سفيان مثله.

    ولا معنى لها غير هذا الحديث؛ إذ لم يذكره المزني في التحفة ولا البوصيري في مصباح الزجاجة، ولا علاقة له بهذا الحديث.

    وعلى كل حال يعني زيادة السند.

    والمؤلف لم يذكر حديث: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) وكان ينبغي للمصنف أن يذكره في هذا؛ فإن حديث: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) حديث مشهور.

    1.   

    فضل عمار بن ياسر رضي الله عنه

    شرح حديث قول رسول الله لعمار: (مرحباً بالطيب المطيب)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فضل عمار بن ياسر رضي الله عنه:

    حدثنا عثمان بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالا: حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن هانئ بن هانئ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (كنت جالساً عند النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذن عمار بن ياسر ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ائذنوا له، مرحباً بالطيب المطيب) ].

    هذا الحديث ضعيف؛ لأن هانئ بن هانئ يضعف في الحديث، وعمار بن ياسر رضي الله عنه معروف فضله فإنه من السابقين إلى الإسلام، ومن الذين أوذوا في الله.

    شرح حديث: (ملئ عمار إيماناً إلى مشاشه)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا نصر بن علي الجهضمي قال: حدثنا عثام بن علي عن الأعمش عن أبي إسحاق عن هانئ بن هانئ قال: (دخل عمار على علي فقال: مرحباً بالطيب المطيب، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ملئ عمار إيماناً إلى مشاشه) ].

    وهذا الحديث أيضاً كسابقه ضعيف من أجل هانئ بن هانئ ، وفيه عنعنة الأعمش وعنعنة أبي إسحاق .

    قوله: (ملئ عمار إيماناً إلى مشاشه) يعني: إلى رءوس العظام.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا عبيد الله بن موسى ح وحدثنا علي بن محمد وعمرو بن عبد الله قالا جميعاً: حدثنا وكيع عن عبد العزيز بن سياه عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء بن يسار عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عمار ما عرض عليه أمران إلا اختار الأرشد منهما) ].

    وهذا الحديث لا بأس بسنده، وفيه فضل عمار رضي الله عنه، وأنه يختار الأرشد من الأمرين.

    1.   

    فضل سلمان وأبي ذر والمقداد رضي الله عنهم

    شرح حديث: (إن الله أمرني بحب أربعة...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فضل سلمان وأبي ذر والمقداد رضي الله عنهم.

    حدثنا إسماعيل بن موسى وسويد بن سعيد قالا: حدثنا شريك عن أبي ربيعة الإيادي عن أبي بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله أمرني بحب أربعة، وأخبرني أنه يحبهم، قيل: يا رسول الله! من هم؟ قال علي منهم -يقول ذلك ثلاثاً- وأبو ذر وسلمان والمقداد) ].

    هذا الحديث فيه ضعف من قبل شريك بن عبد الله النخعي القاضي ؛ لأنه ساء حفظه بعد أن تولى القضاء، وشيخه أبو ربيعة منكر الحديث، لكن هؤلاء الصحابة العلماء لهم فضلهم: سلمان وأبو ذر والمقداد رضي الله عنهم أجمعين.

    شرح حديث: (كان أول من أظهر إسلامه سبعة...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن سعيد الدارمي قال: حدثنا يحيى بن أبي بكير قال: حدثنا زائدة بن قدامة عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (كان أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمار وأمه سمية وصهيب وبلال والمقداد ، فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله بعمه أبي طالب ، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون، وألبسوهم أدراع الحديد، وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلا بلالاً فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأخذوه فأعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول: أحد أحد) ].

    وهذا لا بأس بسنده، وعاصم بن أبي النجود لا بأس به، قال المحقق: إسناده صحيح؛ عاصم بن بهدلة بن أبي النجود عندنا ثقة كما حققناه في تعقباتنا على تقريب الحافظ ابن حجر ، وباقي رجاله ثقات.

    ولا شك أن هؤلاء تقدم إسلامهم، والنبي صلى الله عليه وسلم أول هذه الأمة إسلاماً، ثم أبو بكر الصديق وعمار ، ولا شك أن عماراً ممن أوذي في الله، وكذلك أمه رضي الله عنهم وأرضاهم، وكذلك بلال .

    شرح حديث: (لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا علي بن محمد قال: حدثنا وكيع عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت علي ثالثة وما لي ولـبلال طعام يأكله ذو كبد إلا ما وارى إبط بلال) ].

    وهذا لا بأس بسنده، وكان بلال قد هاجر مع النبي صلى الله عليه وسلم حين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم هارباً من مكة إلى الطائف.

    ومما ورد في فضائل سلمان حديث: (سلمان منا أهل البيت) ولكن لم يذكره المصنف رحمه الله.

    1.   

    فضائل بلال بن رباح رضي الله عنه

    شرح أثر ابن عمر: (.. بل بلال رسول الله خيرُ بلالٍ)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فضائل بلال .

    حدثنا علي بن محمد قال: حدثنا أبو أسامة عن عمر بن حمزة عن سالم : أن شاعراً مدح بلال بن عبد الله فقال: بلال بن عبد الله خير بلال، فقال ابن عمر : كذبت! بل بلال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير بلال ].

    وهذا من إنصاف عبد الله بن عمر رضي الله عنه، وبلال بن عبد الله بن عمر، وهو الذي هجره أبوه عبد الله بن عمر لما روى له حديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)، فقال ابنه بلال : والله! لنمنعهن، فأقبل عليه عبد الله وسبه سباً قبيحاً، وهجره، وقال: أقول لك: قال رسول الله: (لا تمنعوا إماء الله) وتقول: والله! لنمنعهن؟ ثم هجره فحين قال الشاعر: بلال بن عبد الله خير بلال، قال له عبد الله: كذبت! هناك بلال خير منه وهو بلال مؤذن النبي عليه الصلاة والسلام، وهو خير من بلال بن عبد الله بن عمر ، وهذا من كذب الشعراء، كما قال تعالى: وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ [الشعراء:224]، ومن إنصاف عبد الله بن عمر ؛ فإنه أخبر بالواقع.

    1.   

    فضائل خباب رضي الله عنه

    شرح أثر قول عمر بن الخباب: (... فما أحد أحق بهذا المجلس منك إلا عمار)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فضائل خباب .

    حدثنا علي بن محمد وعمرو بن عبد الله قالا: حدثنا وكيع قال: حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن أبي ليلى الكندي قال: (جاء خباب إلى عمر رضي الله عنه فقال: ادن؛ فما أحد أحق بهذا المجلس منك إلا عمار ، فجعل خباب يريه آثاراً بظهره مما عذبه المشركون) ].

    فرضي الله عنه، وهذا الأثر لا بأس بسنده، ولا شك أن خباباً رضي الله عنه أوذي في الله وكان من الصادقين.

    شرح حديث: (أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في دين الله عمر...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد قال: حدثنا خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أرحم أمتي بأمتي أبو بكر ، وأشدهم في دين الله عمر ، وأصدقهم حياءً عثمان ، وأقضاهم علي بن أبي طالب ، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب ، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ، وأفرضهم زيد بن ثابت ، ألا وإن لكل أمة أميناً وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح) ].

    وهذا لا بأس بسنده، وهو حديث عظيم فيه فضائل هؤلاء الصحابة الثمانية رضوان الله عليهم.

    فكل واحد له ميزة تميزه، فـأبو بكر اشتهر بالرحمة، وعمر اشتهر بالشدة في الدين، وعلي اشتهر بالقضاء، ومعاذ بن جبل اشتهر بالعلم بالحلال والحرام، وأبو عبيدة أمين هذه الأمة، وهذه فضائل عظيمة لهؤلاء الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم.

    حكم الهجر أكثر من ثلاثة أيام

    في حديث ابن عمر الذي ذكرناه قبل أنه هجر ابنه بلالاً، فإذا كان الهجر لله فيجوز أكثر من ثلاث، حتى يتوب، فيهجر العاصي حتى يتوب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم هجر كعب بن مالك وصاحبيه: هلال بن أمية ومرارة بن الربيع لما تخلفوا عن غزوة تبوك هجرهم خمسين ليلة.

    أما إذا كان الهجر من أجل الدنيا فلا يجوز أكثر من ثلاثة أيام؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يهجر أخاه فوق ثلاث)، هذا إذا كان من أجل الدنيا ومن أجل حظ النفس، أما لأجل الدين فيهجر حتى يتوب من معصيته.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا علي بن محمد قال: حدثنا وكيع عن سفيان عن خالد الحذاء عن أبي قلابة مثله، عند ابن قدامة غير أنه يقول في حق زيد : وأعلمهم بالفرائض ].

    و زيد بن ثابت رضي الله عنه كان عنده علم بالفرائض، وكان من أهل العلم بالفرائص والعناية به.

    1.   

    فضل أبي ذر رضي الله عنه

    شرح حديث: (ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق لهجة من أبي ذر)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فضل أبي ذر رضي الله عنه.

    حدثنا علي بن محمد قال: حدثنا عبد الله بن نمير قال: حدثنا الأعمش عن عثمان بن عمير عن أبي حرب بن أبي الأسود الديلي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق لهجة من أبي ذر) ].

    في هذا الحديث عثمان بن عمير وهو ضعيف، تكلموا فيه، فالحديث ضعيف من أجله، لكن الحديث له شواهد، فهو حسن، ولهذا اعتمده شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    الغبراء هي: الأرض، والخضراء هي: السماء.

    والحديث له شواهد كما ذكرنا، قال المحقق: إسناده ضعيف، فـعثمان بن عمير ويقال: ابن قيس البجلي أبو اليقظان الكوفي ضعيف، ضعفه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي ، وقال أبو حاتم : ضعيف الحديث.. منكر الحديث، كان شعبة لا يرضاه، وقال ابن عدي : رديء المذهب، غال في التشيع، يؤمن بالرجعة.

    نسأل الله العافية، والرجعة معناها: أن علياً يرجع، وهذا معناه أنه رافضي.

    لكن الحديث له شواهد، وقد اعتمده شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

    والحديث أخرجه الترمذي أيضاً وقال: حسن غريب من هذا الوجه، وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي .

    قال المحقق: وليس في هذه الطرق المتقدمة ما يصح إسناده، فالحديث ضعيف، ولا بأس من الاعتبار به في الفضائل.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [وفي الباب عن أبي الدرداء وابن أبي شيبة والبزار والحاكم من طريق حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان

    عن بلال بن أبي الدرداء عنه، وإسناده ضعيف لضعف علي بن زيد ، ولكن أخرجه أحمد من طريق شهر بن حوشب عن عبد الله بن غنم عنه، وشهر ضعيف، يعتبر به في الشواهد والمتابعات.

    وهذه كلها شواهد تشهد له، ولعل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله اعتمد هذا الحديث من أجل هذه الشواهد.