إسلام ويب

شرح سنن ابن ماجه المقدمة [4]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهو بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان، ولا يكمل الإيمان إلا بأن يحب المسلم لأخيه ما يحبه لنفسه، وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.

    1.   

    الإيمان

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب في الإيمان.

    حدثنا علي بن محمد الطنافسي حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن سهيل بن أبي صالح عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضع وستون أو سبعون باباً، أدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأرفعها قول: لا إله إلا الله، والحياء شعبة من الإيمان) ].

    هذا حديث عظيم، وقد أخرجه الشيخان رحمهما الله، فأخرجه البخاري بلفظ: (الإيمان بضع وستون شعبة)، وأخرجه مسلم بلفظ: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان).

    وفي هذا الحديث دليل على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وأن الإيمان شعب، وأنه يدخل فيه أعمال القلوب وأعمال الجوارح وأقوال اللسان، ولهذا قال: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)، وبين الأعلى والأدنى شعب متفاوتة، فمنها ما يقرب من شعبة الشهادة، ومنها ما يقرب من شعبة الإماطة، فالصلاة شعبة، والزكاة شعبة، والصوم شعبة، والحج شعبة، وبر الوالدين شعبة، والجهاد في سبيل الله شعبة، والأمر بالمعروف شعبة، والإحسان إلى الجيران شعبة، وهكذا.

    قال: (والحياء شعبة من الإيمان) وكلمة التوحيد قول باللسان، وإماطة الأذى عن الطريق عمل بالبدن، والحياء عمل قلبي، فإذاً: يدخل في الإيمان أعمال القلوب وأعمال الجوارح وأقوال اللسان، وفيه رد على المرجئة الذين يقولون: الإيمان تصديق بالقلب فقط، فإن الحديث جعل الإيمان شعباً كثيرة، والبضع من ثلاث إلى تسع، وقد تتبع البيهقي رحمه الله هذه الشعب وألف كتاباً سماه: شعب الإيمان، وأوصلها إلى تسع وسبعين شعبة، وتتبعها من النصوص، وأوصل البضع إلى أعلاه.

    مذهب المرجئة في الإيمان

    المرجئة يقولون: الإيمان تصديق بالقلب فقط، وأما أعمال الجوارح وقول اللسان فليس من الإيمان، وهذا من أبطل الباطل، والصواب: أن الإيمان تصديق بالقلب وعمل بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح، فهذه الأربعة الأشياء كلها داخلة في مسمى الإيمان، وهي: قول القلب وتصديقه وإقراره، وعمل القلب وهو: النية والإخلاص والمحبة والرغبة والرهبة والخشية، وعمل الجوارح كالصلاة والصيام والزكاة، وقول اللسان كتلاوة القرآن والذكر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله، خلافاً للمرجئة -مرجئة الفقهاء كالأحناف وغيرهم- الذين يقولون: الأعمال ليست داخلة في مسمى الإيمان، ولكنها مطلوبة، وأما المرجئة المحضة كالجهمية فيقولون: ليست مطلوبة، وإنما يكفي معرفة القلب، وهذا من أبطل الباطل.

    يقولون: مطلوبة وليست من الإيمان، فالإنسان عليه واجبان: واجب الإيمان وواجب العمل.

    والإمام أبو حنيفة عنه روايتان:

    الرواية الأولى التي عليها أكثر أصحابه: أن الإيمان شيئان: إقرار باللسان وتصديق بالقلب.

    والرواية الثانية: أن الإيمان تصديق بالقلب فقط، وأما الإقرار باللسان فهو ركن زائد مطلوب، وليس من الإيمان، مثل الأعمال، والصواب: أنها من الإيمان.

    ومذهب أهل السنة: أن الأعمال مطلوبة وهي من الإيمان، والمرجئة المحضة كالجهمية قالوا: ليست مطلوبة، بل يكفي معرفة الرب بالقلب، فعند الجهم -والعياذ بالله- الإيمان: معرفة الرب بالقلب، والكفر هو: جهل الرب بالقلب، فألزمه العلماء بهذا التعريف أن إبليس مؤمن؛ لأنه عرف ربه بقلبه، وفرعون مؤمن؛ لأنه عرف ربه بقلبه، وأبو طالب مؤمن، واليهود مؤمنون؛ لأنهم كما قال تعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ [البقرة:146]، وهذا من أبطل الباطل.

    وأفسد ما قيل في تعريف الإيمان: هو تعريف الجهم له، ثم يليه قول الكرامية الذين يقولون: الإيمان هو إقرار باللسان فقط، فإذا أقر بلسانه فهو مؤمن، وإذا خالف عمله ما تكلم به بلسانه صار منافقاً، ويقولون: إن الإنسان قد يكون مؤمناً كامل الإيمان ومع ذلك يخلد في النار، مثل قول المرجئة الذين يقولون: من أقر بلسانه فهو مؤمن ولو كان منافقاً في الباطن، فإذا كان منافقاً في الباطن فهو مؤمن كامل الإيمان وهو مخلد في النار، وهذا من أفسد ما قيل، ثم يليه قول مرجئة الفقهاء ثم قول الخوارج الذين يقولون: الإيمان هو: التصديق، والأعمال كلها داخلة في مسمى الإيمان فإذا تخلف عمل من الأعمال أو فعل معصية ذهب الإيمان كله وصار كافراً وخلد في النار والعياذ بالله؛ لأن الإيمان عندهم لا يتبعض ولا يتعدد.

    والشبهة التي بنى عليها جميع أهل البدع أقوالهم في الإيمان هي: أن الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص، ولا يتعدد ولا يتبعض، ولا يذهب بعضه ولا يبقى بعضه.

    وأما أهل السنة فيقولون: الإيمان متعدد ومتبعض، ويزيد وينقص، ويقوى ويضعف، ويذهب بعضه ويبقى بعضه.

    ويقول شارح الطحاوية: إن الخلاف مع مرجئة الفقهاء لفظي لا يترتب عليه فساد في العقيدة، والصحيح أنه ليس لفظياً من جميع جميع الوجوه، وله آثار تترتب عليه.

    منها: فتح الباب للمرجئة الذين يقولون: الأعمال غير مطلوبة.

    ومنها: فتح الباب للفساق، فيأتي السكير العربيد فيقول: أنا مؤمن كامل الإيمان، وإيماني كـأبي بكر وعمر ، فإذا قيل له: كيف يكون إيمانك مثل إيمان أبي بكر وعمر ولهما أعمال عظيمة؟ قال: إن الإيمان هو: التصديق، والأعمال شيء آخر، وأنا مصدق وأبو بكر مصدق، ففتح المرجئة باباً للقول: بأن إيمان أهل السماء وإيمان أهل الأرض واحد!

    ومنها: أنهم خالفوا نصوص الكتاب والسنة لفظاً، وإن كانوا وافقوهما في المعنى، بخلاف أهل السنة فإنهم وافقوا النصوص لفظاً ومعنى، وتأدبوا مع النصوص، والواجب على المسلم أن يتأدب مع النصوص، ولا يخالفها لا لفظاً ولا معنى، كهؤلاء الذين وافقوا النصوص في المعنى فقالوا: الأعمال مطلوبة، ولكنهم خالفوا النصوص لفظاً، فإن الله تعالى أدخل الأعمال في مسمى الإيمان، فقال سبحانه: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الأنفال:2-4]، فأدخل إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وزيادة الإيمان عند تلاوة القرآن ووجل القلب عند ذكر الله والتوكل على الله في مسمى الإيمان.

    والحياء: عمل قلبي وخلق داخلي يبعث الإنسان على فعل المحامد وترك الرذائل والمذام.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو خالد الأحمر عن ابن عجلان. ح وحدثنا عمرو بن رافع حدثنا جرير عن سهيل جميعاً عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه.

    حدثنا سهل بن أبي سهل ومحمد بن عبد الله بن يزيد قالا: حدثنا سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يعظ أخاه في الحياء فقال: (إن الحياء شعبة من الإيمان) ].

    وفي اللفظ الآخر: (دعه فإن الحياء خير كله)، وهذا لفظ مسلم.

    شرح حديث: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ..)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا سويد بن سعيد حدثنا علي بن مسهر عن الأعمش ح وحدثنا علي بن ميمون الرقي حدثنا سعيد بن مسلمة عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من خردل من كبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان) ].

    الحديث أخرجه مسلم بمعناه، وهذا فيه: وعيد شديد للمتكبر، وفيه: أن الكبر من كبائر الذنوب، والكبر كما جاء تفسيره في الحديث الآخر: (بطر الحق وغمط الناس)، وبطر الحق: رده، وغمط الناس: احتقارهم، وهذا هو الكبر، وهو من الكبائر، فإن كان الكبر تكبراً عن التوحيد والإيمان صار مخرجاً من الملة، وإن كان الحق الذي رده دون التوحيد والإيمان فيكون مرتكباً لكبيرة، فيكون الكبر كفراً أكبر إذا رد التوحيد والإيمان، أو كفراً أصغر إذا رد ما هو دون ذلك.

    وقوله: (ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان) يعني: لا يدخلها دخول خلود، ولكن قد يدخلها دخولاً مؤقتاً، كما إذا مات على المعاصي مصراً عليها ولم يعف الله عنه؛ لأن النصوص تضم بعضها إلى بعض، وقد دلت النصوص على أن من ارتكب الكبائر فهو متوعد بالنار، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا [النساء:10]، فإذا دخل النار فإنه لا يخلد فيها، وإنما يطهر فيها بقدر معاصيه ثم يخرج منها بشفاعة الشافعين، أو برحمة أرحم الراحمين، وقد يعفو الله عنه، فهو تحت المشيئة، كما قال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].

    شرح حديث: (إذا خلّص الله المؤمنين..)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن يحيى حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا خلّص الله المؤمنين من النار وأمنوا فما مجادلة أحدكم لصاحبه في الحق يكون له في الدنيا أشد مجادلة من المؤمنين لربهم في إخوانهم الذين أدخلوا النار. قال: يقولون: ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويحجون معنا فأدخلتهم النار؟ فيقول: اذهبوا فأخرجوا من عرفتم منهم. فيأتونهم فيعرفونهم بصورهم، لا تأكل النار صورهم، فمنهم من أخذته النار إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من أخذته إلى كعبيه، فيخرجونهم فيقولون: ربنا أخرجنا من قد أمرتنا. ثم يقول: أخرجوا من كان في قلبه وزن دينار من الإيمان، ثم من كان في قلبه وزن نصف دينار، ثم من كان في قلبه مثقال حبة من خردل).

    قال أبو سعيد : فمن لم يصدق هذا فليقرأ: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:40] ].

    هذا الحديث أخرجه البخاري بمعناه في حديث طويل، وأخرجه مسلم وأحمد والنسائي في كتاب الإيمان.

    فـالبخاري أخرجه بمعناه في آخر حديث الشفاعة الطويل وهو: أن المؤمنين يوم القيامة يشفعون لإخوانهم الموحدين العصاة الذين دخلوا النار، وأنهم يسألون الله ويلحون عليه في السؤال، كما أن الإنسان إذا كان له حق في الدنيا يجادل حتى يأخذ حقه، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (فما مجادلة أحدكم لصاحبه في الحق يكون له في الدنيا أشد مجادلة من المؤمنين لربهم في إخوانهم الذين أدخلوا النار) يعني: سؤالهم الله لا يقل عن مجادلة الإنسان في أخذ حقه في الدنيا، (يقولون: ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويحجون معنا)، فيشفعهم الله فيهم، ويجعل الله لهم علامة يعرفونهم بها، والشفاعة لابد فيها من شرطين: الأول: إذن الله للشافع، فلا يشفع إلا بعد الإذن، وهذه المجادلة تكون بعد الإذن، وكذلك الشفاعة، والشرط الثاني: أن يكون ممن رضي الله أن يشفع له.

    ونبينا صلى الله عليه وسلم الذي هو أشرف الخلق وأوجه الناس عند الله لا يبدأ بالشفاعة إلا بعد الإذن، ففي الحديث: أنه يأتي ويسجد تحت العرش فيحمد الله ويلهمه بمحامد يفتحها عليه في ذلك الموقف، (فيقول الله: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع -وهذا هو الإذن- فيقول: يا رب! وعدتني بالشفاعة، فشفعني في أن تقضي بين خلقك، فيقول الله: شفعتك، اذهب فأنا آتي فأقضي بينكم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ثم أذهب فأقف مع الناس)، وهذا في الشفاعة العظمى، وهؤلاء المؤمنون إذا أذن الله لهم أن يشفعوا في إخوانهم جعل لهم علامة يعرفونهم بها، فيقول: اذهبوا فأخرجوهم من النار، فيعرفونهم بصورهم، يعني: وجوههم، والصورة تطلق على الوجه، وتطلق على الجسم، ولهذا لابد في إزالة الصورة من إزالة الوجه والرأس، وأما إزالة الكفين فقط فلا يكفي، فإذا أزيل الرأس والوجه زال المحظور، سواء كان مجسماً أو غير مجسم، وأما إذا بقي الرأس فقد بقي المحظور ولو أزيل الجسد كله، ويعتبر صورة، فقد جاء في الحديث: (يعرفونهم بصورهم) يعني: بوجوههم، وقال: (لا تأكل النار وجوههم)، فالنار لا تأكل من وجوه العصاة محل السجود، بخلاف الكفرة فإن النار تغمره من جميع جهاته، ويعرفونهم أيضاً بأن منهم من تأخذه النار إلى ساقيه، ومنهم إلى حقويه، ومنهم إلى كذا، على حسب المعاصي، بخلاف الكفرة فإن النار تغمرهم من جميع الجهات والعياذ بالله، قال تعالى: لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ [الأعراف:41]، فوجوههم وغيرها سواء؛ لأنهم لم يسجدوا لله.

    وهذا الحديث من الأدلة على كفر تارك الصلاة، فالذي يصلي مؤمن؛ ولا تأكل النار وجهه؛ لأنه محل السجود، والذي لا يصلي تأكل النار وجهه؛ لأنه كافر والعياذ بالله.

    ولا يكفي في إزالة الصورة وضع خط على الحلق كما يفعل بعض الناس، بل لا بد من قطع الرأس والوجه كاملين، ولا يكفي أيضاً إزالة العينين والأنف والفم والأذن، بل لا بد من إزالة الرأس والوجه كاملين.

    وقوله: (فيقولون: ربنا أخرجنا من قد أمرتنا، ثم يقول: أخرجوا من كان في قلبه وزن دينار من الإيمان، ثم من كان في قلبه وزن نصف دينار، ثم من كان في قلبه مثقال حبة من خردل)، وهذه الشفاعة للعصاة مشتركة بين النبي صلى الله عليه وسلم وغيره، فالنبي صلى الله عليه وسلم يشفع وفي كل مرة يحد الله له حداً، والأنبياء يشفعون، والملائكة يشفعون، والمؤمنون يشفعون، وتبقى بقية لا تنالهم الشفاعة فيخرجهم رب العالمين برحمته، ويقول: (شفعت الملائكة وشفع النبيون ولم يبق إلا رحمة أرحم الراحمين، فيخرج قوماً من النار لم يعلموا خيراً قط).

    شرح حديث: (فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن..)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا علي بن محمد حدثنا وكيع حدثنا حماد بن نجيح -وكان ثقة- عن أبي عمران الجوني عن جندب بن عبد الله قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاورة، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً) ].

    حزاورة يعني: فتياناً أشداء أقوياء، وقوله: (تعلمنا الإيمان) يعني: الشهادتين، قال في الزوائد: إسناد هذا الحديث صحيح، رجاله ثقات.

    ويشهد لهذا قول ابن مسعود رضي الله عنه: (كنا إذا تعلمنا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم نجاوزها حتى نتعلم معانيها والعمل بها)، وهذا بعد الإيمان وبعد الشهادتين، فالإيمان هو: أصل الدين وأساس الملة.

    شرح حديث: (صنفان من هذه الأمة..)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا علي بن محمد حدثنا محمد بن فضيل حدثنا علي بن نزار عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صنفان من هذه الأمة ليس لهما نصيب في الإسلام: المرجئة والقدرية) ].

    هذا الحديث ضعيف، فيه محمد بن فضيل صدوق من العاشرة، وفيه: علي بن نزار بن حيان الأسدي ضعيف، وفي المغني والديوان قال: إن علياً ليس بحل، وفي التقريب: ضعيف.

    والمقصود: أن هذا الحديث ضعيف، وكل الأحاديث التي في المرجئة والقدرية ضعيفة، وإنما تصح موقوفة على الصحابة، فوقفها على الصحابة أصح، وأما رفعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فهي بأسانيد ضعيفة.

    والمرجئة هم: الذين يرجئون الأعمال، يعني: يؤخرونها ولا يدخلونها في مسمى الإيمان.

    والقدرية هم: الذين ينفون القدر، ويقولون: إن الله لم يقدر أعمال العباد، ولا شك أنهم مبتدعة، وهذا الحديث لا بأس به موقوفاً، وأما مرفوعاً فلا يصح.

    وكل الأحاديث المرفوعة في القدرية ضعيفة، وأما وقفها على الصحابة فصحيح، وهي نحو عشرة أحاديث.

    وهذا الحديث قد أخرجه الترمذي بهذا الطريق وطريق آخر، وقال: حسن غريب، ولكنه ليس بحسن، وإنما هو حديث ضعيف.

    شرح حديث جبريل في بيان مراتب الدين

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا علي بن محمد حدثنا وكيع عن كهمس بن الحسن عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر عن ابن عمر عن عمر قال: (كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد شعر الرأس، لا يرى عليه أثر سفر، ولا يعرفه منا أحد، قال: فجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبته إلى ركبته، ووضع يديه على فخذيه، ثم قال: يا محمد! ما الإسلام؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت. فقال: صدقت. فعجبنا منه يسأله ويصدقه! ثم قال: يا محمد! ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر والقدر خيره وشره. قال: صدقت. فعجبنا منه يسأله ويصدقه! ثم قال: يا محمد! ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإنك إن لا تراه فإنه يراك. قال: فمتى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل. قال: فما أمارتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها، - قال وكيع : يعني: تلد العجم العرب- وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البناء. قال: ثم قال: فلقيني النبي صلى الله عليه وسلم بعد ثلاث، فقال: أتدري من الرجل؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: ذاك جبريل أتاكم يعلمكم معالم دينكم) ].

    هذا الحديث أخرجه مسلم مطولاً، وأخرجه البخاري من حديث عمر ، وأخرجه البخاري مختصراً من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهو حديث عظيم اشتمل على مراتب الدين، ودل على أن الدين له مراتب ثلاث: هي الإسلام والإيمان والإحسان، فالإسلام له أركان ظاهرة مثل: الشهادتين والصلاة والزكاة والصيام والحج، والإيمان له أركان باطنة وهو: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، ولابد من اجتماعهما ظاهراً وباطناً، فمن أتى بأركان الإسلام الظاهرة والباطنة فهو مؤمن باطناً وظاهراً، ومن أتى بأركان الإسلام الظاهرة ولم يأت بأركان الإيمان الباطنة فهو منافق في الدرك الأسفل من النار، فمن نطق بالشهادتين ظاهراً وصلى وصام وزكى وحج ولم يؤمن في الباطن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر فهو منافق في الدرك الأسفل من النار، ومن ادعى أنه مؤمن في الباطن بالله وملائكته وكتبه ورسله وامتنع عن النطق بالشهادتين، وعن الصلاة والزكاة والصوم والحج، فليس بصادق؛ لأنه لم يتحقق إيمانه؛ لأنه لابد للإيمان الباطن من عمل ظاهر يتحقق به، وإلا صار كإيمان إبليس وفرعون، فلا بد من انقياد في الظاهر، وعمل يتحقق به، وإلا صار كإيمان إبليس وفرعون.

    كما أن الإسلام الظاهر الشهادتين والصلاة والزكاة والصوم والحج لابد له من إيمان في الباطن يصححه، وإلا صار كإسلام المنافقين، فالمنافقون ينطقون بالشهادتين ويصلون ويحجون ويجاهدون، ولكنهم ليس عندهم إيمان في الباطن يصحح هذا الإسلام، فصاروا في الدرك الأسفل من النار والعياذ بالله، قال سبحانه: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون:1]، وقال سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة:8]، فلابد من الأمرين جميعاً.

    وركن الإحسان هو: أن يعبد الله على المشاهدة، وله مرتبتان:

    المرتبة الأولى: (أن تعبد الله كأنك تراه)، فإن ضعف عن هذه المرتبة انتقل إلى المرتبة الثانية: (فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، ولهذا قال في نهاية الحديث: (أتاكم يعلمكم معالم دينكم) يعني: دلائله، وفي لفظ آخر: (أتاكم يعلمكم أمر دينكم)، وفي لفظ: (يعلمكم دينكم) فجعل الدين مراتب ثلاث: إسلام وإيمان وإحسان.

    ولما سأله عن الساعة قال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل) يعني: علم السائل وعلم المسئول سواء؛ لأن هذا من اختصاص الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ [الأعراف:187]، وقال في الآية الأخرى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا [النازعات:42-43]، وقال في آية ثالثة: يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا [الأحزاب:63].

    ثم سأل عن الأمارات فذكر له أمارتان، قال: (أن تلد الأمة ربتها)، وقد فسرها الراوي بأن تلد العجم العرب، يعني: أن يكثر التسري، فيتسرى الملوك وغيرهم العجميات الموالي فيلدن العرب، فيكون المولود عربياً؛ لأن أباه عربي وأمه أعجمية، وفي رواية أخرى: (أن تلد الأمة ربها) يعني: سيدها، وفي لفظ آخر: (تلد الأمة ربتها) أي: سيدتها؛ لأن المالك إذا تسرى بالأمة وجاءت بولد صار سيداً على أمه؛ لأنه ولد المالك، وولد المالك سيد على أمه وعلى غيرها، وكذلك الأمة تلد ربتها، أي: بنت المالك، فتكون سيدة على أمها وعلى غيرها، فتلد الأمة سيدتها، أو تلد سيدها، فهذا من أشراط الساعة، أن يكثر التسري.

    وكذلك من علامتها: (التطاول في البنيان)، وهناك علامات أخرى كثيرة لم تذكر في هذا الحديث، فأشراط الساعة كثيرة، منها صغيرة ومنها كبيرة، وهي التي تعقبها الساعة مباشرة، وهذه تأتي في آخر الزمان، وأولها المهدي ثم الدجال ثم نزول عيسى بن مريم ثم خروج يأجوج ومأجوج، فهذه أربعة متوالية مرتبة، ثم تتابع الأشراط: كالدخان وهدم الكعبة ونزع القرآن من الصحف ومن الصدور -والعياذ بالله- ثم طلوع الشمس من مغربها ثم خروج الدابة ثم آخرها نار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر، تبيت معهم إذا باتوا وتقيل معهم إذا قالوا، ومن تخلف أكلته.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا إسماعيل بن علية عن أبي حيان عن أبي زرعة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً بارزاً للناس فأتاه رجل فقال: يا رسول الله! ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه وتؤمن بالبعث الآخر. قال: يا رسول الله! ما الإسلام؟ قال: أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان. قال: يا رسول الله! ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإنك إن لا تراه فإنه يراك. قال: يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: ما المسئول بأعلم من السائل، ولكن سأحدثك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربتها فذلك من أشراطها، وإذا تطاول رعاء الغنم في البنيان فذلك من أشراطها، في خمس لا يعلمهن إلا الله، فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان:34]) ].

    وهذا هو الحديث السابق جاء بألفاظ أخرى، وفيه بيان مفاتيح الغيب الخمسة في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [لقمان:34]، وقد أخرجه البخاري ومسلم.

    وقوله في أحد ألفاظ الحديث: (أن تلد الأمة ربها) فسرها بعضهم: بأن تكثر السرائر وتتداول حتى يشتري الرجل أمه ويتسراها وهو لا يعرف أنها أمه.

    ولا يجوز للإنسان الحر أن يتزوج الأمة إلا بالشروط التي ذكرها الله في كتابه: بألا يستطيع مهر الحرة، ويخاف على نفسه الزنا، فمن وُجد هذان الشرطان فيه جاز له أن يتزوج الأمة، ومع ذلك قال الله: وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ [النساء:25] أي: إن الصبر أفضل، فإذا تزوج الأمة صار أولادها أرقاء تبعاً لأمهم، إلا إذا اشترط على السيد أن يكون أولاده أحراراً وقبل السيد، صاروا أحراراً وإلا كانوا أرقاء لسيد الأمة، وأما النسب فإنهم ينسبون لأبيهم، فلا يجوز الزواج بالأمة إلا بهذين الشرطين، قال تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا [النساء:25] يعني: مهراً أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ [النساء:25] أي: الإماء، قال تعالى: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ [النساء:25] أسيادهن، قال تعالى: وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ [النساء:25] ولابد من هذا القيد وهي أن تكون محصنة، قال تعالى: فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ [النساء:25]، وهذا الشرط الثاني وهو خشية العنت، يعني: أن يخاف على نفسه من الزنا، وليس عنده مهر الحرة، قال تعالى: وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ [النساء:25].

    والبعث الآخر المذكور في الحديث يعني: إعادة الأرواح إلى أجسادها، هذا هو البعث الآخر، ولقاء الله يعني: ملاقاته للحساب والجزاء، والحفاة العراة يعني: الذين كانوا حفاة فقراء ليس عندهم شيء، وكانوا عراة، فإنهم يتحضرون ويسكنون في البلدان ويتطاولون في البنيان، ويتمدنون بعد أن كانوا في البادية حفاة ليس لهم نعال، وعراة ليس لهم ثياب، ويبنون العمارات.

    شرح حديث: (الإيمان معرفة بالقلب..)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا سهل بن أبي سهل ومحمد بن إسماعيل قالا: حدثنا عبد السلام بن صالح أبو الصلت الهروي حدثنا علي بن موسى الرضا عن أبيه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الإيمان معرفة بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأركان)، قال أبو الصلت: لو قرئ هذا الإسناد على مجنون لبرئ ].

    هذا الحديث ضعيف، وقال بعضهم: إنه موضوع، فإن أبا الصلت هذا ليس بشيء، وهو أحد الروافض الضعفاء الكذابين، قال الدارقطني بعد أن ساق هذا الحديث: وهو متهم بوضعه، لم يحدث به إلا من سرقه منه، فالحديث باطل.

    وقوله: لو قرئ على مجنون لبرئ، يعني: أنهم سلسلة كلهم من آل البيت.

    وهذا الحديث ليس ذكراً ولا دعاءً حتى يقرأ على المجنون، ولكن هذا من كلام أبي الصلت.

    والحديث معروف في كتب الموضوعات ذكره ابن الجوزي وغيره، فمن العجب كيف يكتب ابن ماجة رحمه الله مثل هذا الحديث وأمثاله!

    وقوله: الإيمان قول باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالجوارح، ليس بحديث، وإنما هو قول لأهل السنة.

    قال في الهامش: [ قوله أبي الصلت هذا مبالغة لا مسوغ لها، وأبو الصلت رافضي ضعيف خبيث ].

    وهذا لأنه شيعي رافضي، يقول بالأئمة الاثني عشرية: وقوله: لو قرأ على مجنون لبرئ، من الغلو فيهم.

    قوله: وأبو الصلت وثقه ابن معين ، وقال: ليس ممن يكذب، وقال في الميزان: رجل صالح إلا أنه شيعي، وتابعه علي بن الأعرابي ، وقد أخرج له النسائي وابن ماجة ، وقال الخطيب : كان غالياً في التشيع، والشيعة يتميزون بالكذب، قال شيخ الإسلام : أكذب الطوائف الشيعة.

    وقد تساهل المؤلف رحمه الله في روايته عن مثل هذا؛ لأنه ذكر السند.

    وأهل السنة يقولون: الإيمان: معرفة بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح، وأما رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فباطل كذب، والشيعي لا تقبل روايته فيما يتعلق بآل البيت، حتى ولو كان صادقاً في أموره العادية؛ لأنه رافضي، والشيعة في الغالب يتبعون المعتزلة، ومذهبهم مذهب المعتزلة في الغالب.

    وقال ابن الحسن رحمه الله: كان عبد السلام بن صالح بن سليمان أبو الصلت الهروي -مولى قريش نزل نيسابور- صدوقاً له مناكير، وكان يتشيع، وأفرط العقيلي فقال: كذاباً.

    وقال في الحاشية: الحديث ليس بصحيح، الحديث باطل بهذا السند، ولكن المعنى صحيح، فالإيمان: معرفة بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح.

    شرح حديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه..)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال: سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه -أو قال: لجاره- ما يحب لنفسه) ].

    هذا الحديث صحيح رواه الشيخان - البخاري ومسلم - رحمهما الله، وهو دليل على وجوب أن يحب كل شخص لأخيه ما يحبه لنفسه من الخير، فقوله: (لا يؤمن أحدكم) يعني: لا يؤمن الإيمان الواجب الذي تبرأ به ذمته (حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، فإذا كنت تحب لنفسك الخير وأن يرزقك الله، ويوفقك للعلم فأحب لأخيك ذلك، وإذا كنت تحب لنفسك أن يرزقك الله مالاً حلالاً فأحب لأخيك ذلك، وإذا كنت تحب لنفسك أن يرزقك الله زوجة صالحة فأحب هذا لأخيك، ومن لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه فإيمانه ناقص ولم يأت بالإيمان الواجب.

    شرح حديث: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون..)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال: سمعت قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) ].

    هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم ، ومعنى الحديث: أنه لا يؤمن الإيمان الكامل الواجب الذي تبرأ به ذمته ويستحق به دخول الجنة والنجاة من النار حتى يكون النبي صلى الله عليه وسلم أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين، فإن قدم محبة المال أو الولد أو الوالد أو التجارات أو الأموال أو المساكن على محبة الله ورسوله فإنه يكون عاصياً، ولم يأت بالإيمان الواجب، ويكون إيمانه ضعيفاً، بل يكون فاسقاً، فمثلاً: من تعامل بالربا فقد قدم محبته على محبة الله ورسوله، ويكون عاصياً، والإيمان الكامل أن يقدم محبة الله على محبة المال، فلا يتعامل بالربا ولا يأخذ الرشوة، وكذلك لو أمره والده بالمعصية ثم أطاعه فقد قدم محبة الوالد على محبة الله ورسوله، ويكون عاصياً، ولهذا توعد الله من قدم شيئاً من الأصناف الثمانية على محبة الله ورسوله في قوله سبحانه: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:24]، يعني انتظروا ما يحل بكم من عقوبة الله، فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [التوبة:24] وهذا تهديد، ثم قال: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:24]، فدل على أن هذا من الفسق ومن الخروج عن الطاعة.

    وقد ثبت أن عمر قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله! إنك أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا تبلغ المحبة حتى أكون أحب إليك من نفسك. فقال عمر : يا رسول الله! الآن أنت أحب إلي من كل شيء حتى من نفسي. فقال: الآن يا عمر !) يعني: الآن بلغت المحبة التامة.

    شرح حديث: (والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا..)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع وأبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده! لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) ].

    هذا الحديث صحيح ثابت. رواه مسلم ، وهو دليل على فضل السلام، وأنه من أسباب المحبة، والمحبة من أسباب الإيمان، والإيمان من أسباب دخول الجنة؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده) ففيه: إثبات اليد لله عز وجل، وهذا قسم من النبي صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده) وكان كثيراً ما يحلف بهذا.

    وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر منادياً ينادي في بعض الغزوات: (ألا لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة)، فالجنة حرام على الكافرين، فلا يدخل الجنة إلا مؤمن.

    والحديث فيه: فضل السلام وإفشائه، وأنه من أسباب المحبة؛ لأنه إذا لقي المسلم أخاه وأعرض كل منهما عن الآخر وقع الاختلاف في القلوب، وهذا من أسباب الشحناء والعداوة والبغضاء والإعراض، والسلام لاشك أنه يقرب بين المسلمين ويؤلف بين قلوبهم، ويكون سبباً في جلب المودة والمحبة، فينبغي إفشاء السلام على كل شخص عرفته أو لم تعرفه، وبعض الناس لا يسلم إلى على من يعرفه وهذا غلط، فالسنة إفشاء السلام على كل من لقيته، إلا إذا عرفت أنه غير مسلم فلا تبدأه بالسلام؛ وهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه)، وإذا سلم عليك فرد عليه السلام ولو كان كافراً، وقل: وعليكم، فقط، ولا تكملها، فقد كان اليهود يسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم فيرد عليهم ويقول: (وعليكم)، وكانوا يقولون: السام عليك، ويحذفون اللام، يعنون: الموت، وقد ثبت أن اليهود جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم مرة وقالوا: (السام عليك، فقال: وعليكم، -ففطنت عائشة من وراء الحجاب- فقالت: وعليكم السام واللعنة. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: يا عائشة ! إن الله يبغض الفحش والتفحش. فقالت: يا رسول الله! أما سمعت ما قالوا؟ قال: أما سمعت ما قلت؟ قلت: وعليكم، فرديت عليهم تحيتهم، فإنها تقبل منا ولا تقبل منهم) فرد عليهم تحيتهم خيراً أو شراً، من دون فحش.

    على أن كل كافر لا ينبغي أن يسلم المسلم عليه إذا عرف أنه كافر، سواء كان رافضياً أو غير رافضي، فإذا لم يعرف فالأصل السلام إذا كان في بلاد الإسلام.

    لما جاء الشيطان بالشهاب يريد أن يحرق وجهه صلى الله عليه وسلم قال: (ألعنك بلعنة الله) وشيطان الإنس لابد معه من المصانعة، أما الشيطان الجني فلا يفيد فيه إلا الاستعاذة بالله واللعنة كقوله صلى الله عليه وسلم: (ألعنك بلعنة الله)، وقد بين الله سبحانه وتعالى كيفية التعامل مع الإنسي فقال: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34] فدلت على مصانعة العدو من الإنس، والإحسان إليه، وإسداء الكلام الطيب إليه، أما الشيطان فلا يكفيه إلا الاستعاذة منه، قال تعالى: وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [الأعراف:200] أي: تقول: أعوذ بالله من الشيطان، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (ألعنك بلعنة الله) وقد لعنه الله فقال: شَيْطَانًا مَرِيدًا * لَعَنَهُ اللَّهُ [النساء:117-118]، ولأنه اعتدى، وأتى بشهاب يريد أن يحرقه.

    واللعن لا يكون إلا على العموم، أما المعين فلا يلعن، ولذا جاءت النصوص بلعن أصناف عامة: (لعن الله السارق)، (لعن الله شارب الخمر)، (لعن الله آكل الربا) وهذا عموم، أما لعن المعين فلا، ولو كانت امرأة متبرجة فلا تلعنها، بل قل على العموم: لعن الله المتبرجات، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لعن شارب الخمر، وهو القائل: (لعن الله في الخمر عشرة: شاربها...).

    ولما جيء برجل يشرب الخمر، وأقيم عليه الحد، فقال رجل: لعنه الله، أو أخزاه الله ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي: (لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله)، فالمعين لا يلعن؛ لأنه لا يدرى حاله، فقد يكون المعين ما بلغه النص، وقد يتوب، وقد يعفو الله عنه، وقد يكون ممن غفر الله له، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده)، ولعن آكل الربا، ولعن شارب الخمر، كل ذلك على العموم.

    وإذا عرفت أنه يكفر الصحابة، ويعبد آل البيت، فهو من المنافقين.

    شرح حديث: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا عفان حدثنا شعبة عن الأعمش ح وحدثنا هشام بن عمار حدثنا عيسى بن يونس حدثنا الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) ].

    هذا الحديث أخرجه الشيخان، وفيه التحذير من سب المسلم وقتاله، فقوله: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) يدل على أن القتال بين المسلمين من الأعمال الكفرية، لكنه كفر أصغر، مثل قوله عليه الصلاة والسلام: (اثنتان في الناس هما بهم كفر، الطعن في النسب، والنياحة على الميت)، وقوله: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض).

    ويدل أيضاً على أن السباب من الفسق، وفيه تحذير من سباب المسلمين.

    والشاهد من هذا الحديث في باب الإيمان: أن سباب المسلم وقتاله يضعف الإيمان وينقصه، على أن الفاسق ابتداء ناقص الإيمان، وكذلك المتقاتلون فيما بينهم من المسلمين لا يعملون ذلك إلا بسبب ما حل بهم من نقص في الإيمان، وضعف فيه.

    شرح حديث: (من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثني نصر بن علي الجهضمي حدثنا أبو أحمد حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، مات والله عنه راض)، قال أنس : وهو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم، قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء، وتصديق ذلك في كتاب الله في آخر ما نزل، يقول الله تعالى: فَإِنْ تَابُوا [التوبة:5] قال: خلع الأوثان وعبادتها وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ [التوبة:5] وقال في آية أخرى: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ [التوبة:11].

    حدثنا أبو حاتم حدثنا عبيد الله بن موسى العبسي حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس مثله ].

    الحديث فيه الربيع بن أنس وهو ضعيف ليس بشيء، لكن معناه صحيح، فمن فارق الدنيا على الإخلاص، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ولم يعمل ناقض من نواقض الإسلام، ولم يقصر في أداء الواجبات وترك المحرمات، فهو من الموحدين.

    وقوله تعالى: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [التوبة:5] أي: تابوا من الشرك، وقوله في الآية الأخرى: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ [التوبة:11] أثبت لهم فيها الأخوة بالتوبة من الشرك، وتحقيق التوحيد، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة.

    وبذلك علم أن معناه صحيح، فمن فارق الدنيا على التوحيد والإخلاص، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ولم يفعل ناقضاً من نواقض الإسلام، ولم يصر على كبيرة، يدخل الجنة من أول وهلة.

    أما إن مات على التوحيد، ولم يفعل ناقضاً من نواقض الإسلام، لكنه أصر على الكبائر، ومات عليها من غير توبة، فإنه على خطر، فقد يعذب في قبره، وقد تصيبه الأهوال والشدائد في موقف يوم القيامة، وقد يعذب في النار، ولكن في النهاية يخرج منها إلى الجنة والكرامة.

    شرح حديث: (أمرت أن أقاتل الناس ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن الأزهر حدثنا أبو النضر حدثنا أبو جعفر عن يونس عن الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة) ].

    هذا الحديث رواه الشيخان من غير هذا الطريق، أما هذا الإسناد فإنه ضعيف، بسبب الانقطاع فـالحسن لم يسمع من أبي هريرة.

    وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم مأمور بقتال الناس حتى يوحدوا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، وفيه أن من وحد الله وأقام الصلاة وآتى الزكاة فهو المؤمن، ومن لم يوحد فليس بمؤمن، والمسلمون مأمورون بقتاله.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن الأزهر حدثنا محمد بن يوسف حدثنا عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة) ].

    والإسناد فيه شهر بن حوشب ، وقد تكلموا فيه، قال عن الحديث في الزوائد: إسناده حسن، والمعنى لأنه رواه الشيخان من حديث عمر، وإلا فإسناده ضعيف، فإن شهر بن حوشب الأشعري ضعيف يعتبر به كما حققناه في تعقباتنا على تقريب التهذيب للحافظ ابن حجر .

    وقال البوصيري بحسن ظنه في شهر بن حوشب والله أعلم: هذا إسناد حسن، رواه الدارقطني في سننه. فبعضهم حسنه وقال: حسن صدوق، وبعضهم قال أقل من ذلك: لين، لكن معناه صحيح، فإنه ثابت في الصحيحين.

    شرح حديث: (صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن إسماعيل الرازي، أنبأنا يونس بن محمد، حدثنا عبد الله بن محمد الليثي حدثنا نزار بن حيان عن عكرمة عن ابن عباس وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهم قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب، أهل الإرجاء وأهل القدر) ].

    هذا ضعيف، وكذلك الأحاديث التي في القدرية كلها ضعيفة، ولا تصح مرفوعة.

    قال البوصيري: هذا إسناد ضعيف، نزار بن حيان الأسدي قال ابن حبان في كتاب الضعفاء: يأتي عن عكرمة بما ليس من حديثه! حتى يصدق القلب أنه متعمد؛ لذلك لا يجوز الاحتجاج به بحال، وعبد الله بن محمد الليثي مجهول قاله الذهبي .

    أما المرجئة ففيهم تفصيل، فالمرجئة الغلاة الجهمية لا شك أنه ليس لهم في الإسلام نصيب، أما مرجئة الفقهاء فلا خلاف في إسلامهم، وكذا القدرية فيهم تفصيل أيضاً، منهم الجبرية وغيرهم.

    1.   

    الإيمان يزيد وينقص

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أبو عثمان البخاري سعيد بن سعد حدثنا الهيثم بن خارجة حدثنا إسماعيل -يعني: ابن عياش - عن عبد الوهاب بن مجاهد عن مجاهد عن ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم قالا: الإيمان يزيد وينقص ].

    هذا الحديث موقوف على أبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهما، وكذلك الحديث الذي بعده موقوف على أبي الدرداء ، جعل في المطبوع من ضمن سنن ابن ماجة ، وهي من زيادات أبي الحسن بن القطان راوي السنن عن ابن ماجة، وهو وهم قديم.

    فالحديث لا يصح مرفوعاً، والمرجئة أيضاً يستدلون بحديث: (الإيمان مكمل في القلب، لا يزيد ولا ينقص)، فهذا وضعه بعض جهلة أهل السنة، وذاك وضعه بعض المرجئة بمقابل هذا، قال: الألباني عن الحديث: ضعيف جداً، وقد روي مرفوعاً ولا يصح.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أبو عثمان البخاري حدثنا الهيثم حدثنا إسماعيل عن جرير بن عثمان عن الحارث أظنه عن مجاهد عن أبي الدرداء قال: الإيمان يزداد وينقص ].

    وهذا الإسناد باطل، لما فيه من انقطاع في قوله: أظنه عن كذا، على أن قول أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ويقولون: الإيمان قول باللسان، وعمل بالجوارح، واعتقاد بالقلب، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.

    أما ما ورد في الآثار المتقدمة وإن صحت من قول الصحابة، إلا أن السند هنا عن مجاهد منقطع، كما أن بدعة الإرجاء لم تظهر إلا بعد الصحابة أو في أواخر عهد الصحابة، فما كان عند الصحابة من يتكلم بالإرجاء، والمرجئة هم الذين يقولون: الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان.