إسلام ويب

شرح سنن النسائي كتاب الطهارة [19]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • دم الحيض شيء كتبه الله على بنات آدم، ورتب عليه أحكاماً ينبغي على من أتاها الحيض أن تلتزم بها، من ترك الصلاة والصيام والجماع والطواف بالبيت، بخلاف دم الاستحاضة النازل من المرأة فإن هذا لا يكون حكمه حكم الحيض.

    1.   

    بدء الحيض، وهل يسمى الحيض نفاساً

    شرح حديث عائشة في قصة حيضها بسرف في مسيرهم إلى الحج

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ كتاب الحيض والاستحاضة.

    باب بدء الحيض، وهل يسمى الحيض نفاساً.

    أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا سفيان عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق عن أبيه عن عائشة قالت: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نرى إلا الحج، فلما كنا بسرف حضت، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، فقال: ما لك أنفست؟ قلت: نعم. قال: هذا أمر كتبه الله عز وجل على بنات آدم، فاقض ما يقضي الحاج غير ألا تطوفي بالبيت) ].

    هذا الحديث فيه بيان ما ترجم له المؤلف رحمه الله من بدء الحيض، وأن بدء الحيض كان من أول ما كتب الله على بنات آدم في حواء وبناتها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (هذا أمر كتبه الله على بنات آدم)، ففيه الرد على من قال: إن الحيض أول ما بدأ في بنات بني إسرائيل، وإن نساء بني إسرائيل فعلن أمراً فأصابهن الحيض، وإنه قبل ذلك كانت النساء لا يأتيهن الحيض وأنهن فعلن كذا وكذا ثم أصبن بالحيض.

    وتأول ما ذكر عن ابن مسعود بسند صحيح عنه أنه قال: (كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلون جميعاً، فكانت المرأة تتشرف للرجل، فألقى الله عليهن الحيض فمنعهن المساجد).

    ويحتمل أنه أخذ عن بني إسرائيل؛ لأن ابن مسعود رضي الله عنه قد يأخذ عن بني إسرائيل قليلاً.

    والحافظ ابن حجر رحمه الله تأوله على معنى طول المكث عقوبة لهن، لا أنه ابتدئ وجوده.

    ومما يدل على أن الحيض كان قبل بنات بني إسرائيل تفسير بعض المفسرين لقول الله تعالى في قصة سارة زوج إبراهيم عليه الصلاة والسلام: وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ [هود:71]، قال بعض العلماء: معنى (ضحكت): حاضت. والمعلوم أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان قبل بني إسرائيل، فإسرائيل هو يعقوب عليه الصلاة والسلام، والأنبياء من ذريته، ويعقوب هو حفيد إبراهيم، وسارة جدته، وقد ألقي عليها الحيض، فيكون قبل بني إسرائيل، لكن الحافظ ابن حجر تأوله على أن المراد طول المكث، وهو ليس بظاهر.

    فالحديث دل على أن الحيض مكتوب على بنات آدم، وبنات آدم ابتدأن من حواء، واختلف العلماء في دخول حواء في ذلك.

    وفيه إثبات الكتابة لله عز وجل، وأنها من الصفات الفعلية، ومن ذلك حديث عبد الله بن عمرو في صحيح مسلم : (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء)، وفي الحديث الآخر: (خط الله التوراة لموسى بيده)، ففيه إثبات للكتابة الفعلية كما يليق بجلال الله وعظمته.

    وفيه تسمية الحيض نفاساً، كما ترجم المؤلف رحمه الله، لقوله: (أنفست؟) يعني: أحضت؟ فالحيض يسمى نفاساً.

    وفي الحديث من الفوائد أن الحائض إذا أحرمت بالعمرة ثم جاءها الحيض وبقي حتى جاء الحج فإنها تلبي بالحج وتدخل الحج على العمرة، فتكون قارنة، فتدخل أعمال العمرة في أعمال الحج، فتطوف طوافاً واحداً وتسعى سعياً واحداً، كما فعلت عائشة ، فإنها أحرمت بالعمرة، فلما قربت من مكة حاضت، وبقي الدم حتى جاء الحج، فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم وهي تبكي، فأمرها أن تغتسل للحج وتمتشط وتلبي بالحج، وفي بعض ألفاظ الحديث: (ارفضي عمرتك وامتشطي) فأحرمت بالحج فصارت قارنة.

    وفيه من الفوائد أن الحائض تفعل ما يفعله الحاج إلا الطواف بالبيت، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فاقضي ما يقضي الحاج، غير ألا تطوفي بالبيت)، فتفعل جميع المناسك، فلها أن تقف بعرفة ومزدلفة ومنى، وترمي الجمار، وتقصر من شعرها، وتذبح هديها، وتبيت في منى ومزدلفة وعرفة، ولها أن تسعى ولو نزل الدم بعد الطواف؛ لأن السعي لا يشترط له الطهارة، ولأن المسعى ليس من المسجد، فلها أن تمكث فيه بخلاف المسجد.

    1.   

    ذكر الاستحاضة وإقبال الدم وإدباره

    شرح حديث: (إنما ذلك عرق، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب ذكر الاستحاضة وإقبال الدم وإدباره.

    أخبرنا عمران بن يزيد قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الله -وهو ابن سماعة - قال: حدثنا الأوزاعي قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: أخبرني هشام بن عروة عن عروة : (أن فاطمة بنت قيس من بني أسد قريش أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت أنها تستحاض، فزعمت أنه قال لها: إنما ذلك عرق، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي واغسلي عنك الدم ثم صلي) ].

    أخبرنا هشام بن عمار قال: حدثنا سهل بن هاشم قال: حدثنا الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي) ].

    قوله (فزعمت) يعني: قالت. فالزعم يراد به القول كما هو هنا، ويراد به الإدعاء الكاذب، كما في قوله تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا [التغابن:7].

    فهو يطلق على القول المحقق، ويطلق على القول الكاذب، وهنا المراد به القول المحقق.

    ومثله ما جاء في الحديث الآخر في قصة الرجل الذي جاء يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، فقال: وزعم رسولك أن الله كتب علينا في اليوم والليلة خمس مرات. وزعم رسولك أن الله أوجب علينا الصدقة، وزعم رسولك أن الله أوجب علينا صوم شهر رمضان. يعني: وقال: وهذا الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـفاطمة بنت قيس : (إنما ذلك عرق) فقوله: (ذلك) خطاب للمرأة، وقوله: (عرق) هو دم الاستحاضة يخرج من عرق يقال له: العاذل، وليس بدم الحيض، قال: (فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي، واغسلي عنك الدم وصلي) وظاهره أنها مميزة، ولكن المعروف أن فاطمة كانت لها عادة، وجاء في الحديث أنه ردها إلى عادتها فقال: (فانظري عدد الأيام التي كان يأتيك فاجلسي ثم اغتسلي) وهنا قال: (إذا أقبلت الحيضة) يعني: أقبلت بالعادة المعروفة، أو أقبلت بالتمييز إذا كانت مميزة.

    شرح حديث: (إن ذلك عرق، فاغتسلي ثم صلي..)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا قتيبة قال: حدثني الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت: (استفتت أم حبيبة بنت جحش رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إني استحاض؟ فقال: إن ذلك عرق، فاغتسلي ثم صلي. فكانت تغتسل عند كل صلاة) ].

    هذا الحديث فيه دليل على أن دم الاستحاضة لا يمنع المرأة من الصلاة، ولا يمنع من إتيان زوجها لها؛ لأنه ليس دم الحيض، ولا يمنع المرأة من الطواف بالبيت إذا كانت في مكة، سواء في حج أو في عمرة أو تطوع، ولكنها تلبس ما يمنع نزول الدم، كالحفاظات، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تستثفر بثوب) حتى لا تلوث ثيابها ولا تلوث المسجد، فتستثفر بثوب وتتوضأ لكل صلاة؛ لأن حدثها مستمر، كمن به جروح سيالة، وكمن به سلس البول، فتتوضأ لكل صلاة وتصوم وتصلي، وتطوف بالبيت، ويأتيها زوجها، وإنما يمتنع ذلك عليها في وقت الحيض.

    وقوله: فكانت تغتسل عند كل صلاة، هذا اجتهاد منها لم يأمرها به النبي صلى الله عليه وسلم، فكانت تغتسل اجتهاداً منها لأجل النظافة، وإلا فإن الغسل لا يجب عليها إلا عند انتهاء مدة دم الحيض، أو إذا كانت مميزة وانتهت أيام التمييز، فتغتسل مرة واحدة ثم تتوضأ لكل صلاة.

    إلا أنه -كما سيأتي- إذا جمعت بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء فإنها تغتسل لكل صلاتين من باب الاستحباب أيضاً، فتغتسل للظهر والعصر، وتغتسل للمغرب والعشاء، وتغتسل للفجر.

    1.   

    المرأة تكون لها أيام معلومة تحيضها

    شرح حديث: (امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب المرأة تكون لها أيام معلومة تحيضها كل شهر.

    أخبرنا قتيبة قال: حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن جعفر بن ربيعة عن عراك بن مالك عن عروة عن عائشة قالت: (إن أم حبيبة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدم. فقالت عائشة : رأيت مركنها ملآن دماً. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسل).

    أخبرنا قتيبة مرة أخرى ولم يذكر فيه جعفر بن ربيعة ].

    هذه هي المعتادة، وهي المرأة يكون لها أيام معلومة تحيضها كل شهر تجلس هذه الأيام فقط ثم تغتسل وتصوم تصلي.

    وفي هذا الحديث أن أم حبيبة استحيضت وسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الدم، قالت عائشة : (رأيت مركنها ملآن دماً) والمركن هو: ما تغسل فيه الثياب، وهذا يدل على أن الدم كان كثيراً، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك) يعني: قبل الاستحاضة، فإذا كانت تحبسها حيضتها خمسة أيام فإنها تجلس خمسة أيام، وكذلك الستة والسبعة من أول الشهر أو من وسطه أو من آخره.

    فالمعتادة إذا كانت تعرف عدد الأيام وتعرف الوقت من الشهر تمكث عادتها.

    فإن لم يكن لها عادة أو نسيت العادة فإنها تعمل بالتمييز الصالح، فإن لم يكن لها تمييز ولا عادة فهذه تسمى متحيرة، فتجلس ستة أيام أو سبعة أيام على عادة نسائها من أول كل شهر هلالي.

    فالمؤلف رحمه الله ترجم للمرأة التي يكون لها أيام معلومة من كل شهر، وهذه هي المعتادة، والترجمة السابقة وهي: (ذكر الاستحاضة وإقبال الدم وإدباره) ظاهرها أنه إقبال الدم وإدباره بالتمييز، فدم الحيض دم أسود يعرف، ودم الاستحاضة دم أصفر رقيق، لكن المعروف أن فاطمة كانت معتادة.

    شرح حديث: (دعي قدر تلك الأيام والليالي التي كنت تحيضين فيها ...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أنبأنا محمد بن عبد الله بن المبارك قال: حدثنا أبو أسامة قال: حدثنا عبيد الله بن عمر قال: أخبرني عن نافع عن سليمان بن يسار عن أم سلمة قالت: سألت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: (إني استحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال لا، ولكن دعي قدر تلك الأيام والليالي التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي واستثفري وصلي) ].

    هذا ظاهر في أنها كانت معتادة، فتجلس كعادتها ثم تغتسل وتستثفر - أي: تتحفظ- وتصلي.

    شرح حديث: (لتنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيض...)

    1.   

    ذكر الأقراء

    شرح حديث: (لتنظر قدر قرئها التي كانت تحيض لها فلتترك الصلاة...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب ذكر الأقراء.

    أخبرنا الربيع بن سليمان بن داود بن إبراهيم قال: حدثنا إسحاق -وهو ابن بكر بن مضر - قال حدثني أبي عن يزيد بن عبد الله -وهو ابن أسامة بن الهاد - عن أبي بكر -وهو ابن محمد بن عمرو بن حزم - عن عمرة عن عائشة قالت: (إن أم حبيبة بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف وأنها استحيضت لا تطهر، فذكر شأنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليست بالحيضة، ولكنها ركضة من الرحم، لتنظر قدر قرئها التي كانت تحيض لها فلتترك الصلاة، ثم تنظر ما بعد ذلك فلتغتسل عند كل صلاة) ].

    هذا فيه بيان أن دم المستحاضة دم فساد، وأنه لا يمعنها من الصلاة ولا يمنعها من إتيان زوجها، ولكنها تجلس عدد الأيام التي كانت تحيضها زماناً ومكاناً من الشهر.

    ولهذا قال: (لتنظر قدر قرئها) وفيه إطلاق القرء على الحيض، وهو الأرجح، فالقرء يطلق على الطهر وعلى الحيض، والمراد بالقرء هنا الحيض، ولهذا قال سبحانه: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228]، أي: ثلاث حيض.

    وأما قوله: (فلتغتسل عند كل صلاة) فهذا اللفظة ضعيفة لم تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، والصواب أنها هي التي كانت تغتسل من دون أمر النبي صلى الله عليه وسلم، أما رفعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلا يصح.

    وهذه أم حبيبة بنت جحش هي التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف ، ومن العجيب أن بنات جحش ثلاث كن كلهن مستحاضات، فـزينب بنت جحش أم المؤمنين كانت تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستحاضة، وأختها أم حبيبة بنت جحش كانت تحت عبد الرحمن بن عوف مستحاضة، والثالثة حمنة بنت جحش التي كانت تحت طلحة بن عبيد الله كانت مستحاضة وعبد الرحمن بن عوف وطلحة كلاهما من العشرة المبشرين بالجنة.

    أمر المستحاضة أن تترك الصلاة قدر أقرائها ثم تغتسل وتصلي

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا أبو موسى قال: حدثنا سفيان عن الزهري عن عمرة عن عائشة (أن ابنة جحش كانت تستحاض سبع سنين، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ليست بالحيضة، إنما هو عرق. فأمرها أن تترك الصلاة قدر أقرائها وحيضتها وتغتسل وتصلي، فكانت تغتسل عند كل صلاة) ].

    هذا فيه أن دم الاستحاضة إنما هو من عرق يقال له: العاذل، حيث قال صلى الله عليه وسلم: (إنما هو عرق) وليس بدم حيض، وفيه أن هذه المرأة معتادة؛ لأنه أمرها بأن تترك الصلاة قدر أقرائها، يعني: قدر العادة التي كان يأتيها الدم فيها قبل الحيض.

    وفيه أنها هي التي كانت تغتسل لكل صلاة من نفسها، ولم يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا عيسى بن حماد قال: أخبرني ليث عن يزيد بن أبي حبيب عن بكير بن عبد الله عن المنذر بن المغيرة عن عروة أن فاطمة بنت أبي حبيش حدثته (أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت إليه الدم، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما ذلك عرق، فانظري إذا أتاك قرؤك فلا تصلي، وإذا مر قرؤك فلتطهري، ثم صلي ما بين القرء إلى القرء).

    قال أبو عبد الرحمن : قد روى هذا الحديث هشام بن عروة عن عروة ولم يذكر فيه ما ذكر المنذر ].

    المنذر لا بأس به، والزيادة من الثقة مقبولة، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ.

    وفيه إطلاق القرء على الحيض، حيث قال: (إذا مر قرؤك -يعني: الحيض).

    وفيه أنها تصلي ما بين القرء إلى القرء يعني: ما بين الحيضة إلى الحيضة الثانية.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا عبدة ووكيع وأبو معاوية قال: حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت (جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: إني امرأة استحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: لا، إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي) ].

    قوله: (إذا أقبلت)، يعني: إذا كان لها عادة فإنها تجلس عادتها، وإن لم يكن لها عادة أو نسيت العادة فإنها تعمل بالتمييز.

    1.   

    جمع المستحاضة بين الصلاتين وغسلها إذا جمعت

    شرح الأحاديث الواردة في المستحاضة التي أمرت بجمع الصلاتين والغسل لهما

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب جمع المستحاضة بين الصلاتين وغسلها إذا جمعت.

    حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا محمد قال: حدثنا شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة (أن امرأة مستحاضة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل لها: إنه عرق عاند، وأمرت أن تؤخر الظهر وتعجل العصر وتغتسل لهما غسلاً واحداً، وتؤخر المغرب وتعجل العشاء وتغتسل لهما غسلاً واحداً، وتغتسل لصلاة الصبح غسلاً واحداً) ].

    هذا فيه مشروعية غسل المستحاضة إذا جمعت بين الصلاتين، فتغتسل ثلاث مرات: مرة للظهر والعصر، ومرة للمغرب والعشاء، ومرة للفجر، ولكن هذا الأمر للاستحباب وليس بواجب، والواجب إنما هو الغسل بعد انتهاء دم الحيض.

    وكأن قولها: ( وأمرت) الآمر هو النبي صلى الله عليه وسلم، والحكمة من هذا أن خروج الدم يضعفها والاغتسال يزيدها نشاطاً وقوة، فهو مستحب.

    وجمع المستحاضة قد يكون جمعاً صورياً، وذلك بأن تؤخر الظهر إلى آخر وقته، حتى لا يبقى إلا مقدار أربع ركعات، فتصلي، فإذا صلت خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر، فتصليها أربع ركعات، فهي في الصورة جمع وفي الواقع كل صلاة في وقتها، فالظهر في آخر وقتها، والعصر في أول وقتها، ومثلهما المغرب والعشاء فتؤخر المغرب إلى قبل مغيب الشفق بثلاث ركعات ثم تصلي، فإذا صلت ثلاث ركعات غاب الشفق ودخل وقت العشاء، فتصلي أربع ركعات، فهي في الصورة جمع وفي الواقع كل صلاة في وقتها، فالمغرب وقعت في وقتها والعشاء في وقتها.

    فالجمع في الصورة هو الظاهر، وفي الواقع كل صلاة في وقتها، لكن الأولى في آخر الوقت والثانية في أول الوقت.

    ولها أن تجمع؛ لأنها مريضة؛ إذ الحيض نوع من المرض، والأحاديث الآخرى ليس فيها أنها تجمع جمعاً صورياً؛ بل هي مريضة يشق عليها الوضوء لكل صلاة، لكن إذا أمكنها أن تجمع جمعاً صورياً فهذا أحسن؛ لأن كل صلاة ستكون في وقتها.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا سويد بن نصر قال: أخبرنا عبد الله عن سفيان عن عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم عن زينب بنت جحش قالت: (قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: إنها مستحاضة، فقال: تجلس أيام أقرائها ثم تغتسل، وتؤخر الظهر وتعجل العصر وتغتسل وتصلي، وتؤخر المغرب وتعجل العشاء وتغتسل وتصليهما جميعاً، وتغتسل للفجر) ].

    قوله: (أيام أقرائها) يعني: أيام عادتها، فهذه يحتمل أنها معتادة، ويحتمل أنها مميزة، فإن كانت معتادة فالعادة مقدمة.

    1.   

    الفرق بين دم الحيض ودم الاستحاضة

    شرح حديث: (إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب الفرق بين دم الحيض ودم الاستحاضة.

    أخبرنا محمد بن المثنى قال: حدثنا ابن أبي عدي عن محمد بن عمرو -وهو ابن علقمة بن وقاص - عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن فاطمة بنت أبي حبيش (أنها كانت تستحاض، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي فإنما هو عرق) قال محمد بن المثنى حدثنا ابن أبي عدي هذا من كتابه ].

    هذا يؤيد أنها مميزة؛ لأنه قال: (إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف) بفتح الراء، يعني: تعرفه النساء، وروي (يعرف) بكسر الراء، أي: يكون له عرف ورائحة كريهة، بخلاف دم الاستحاضة، فهو أصفر أو أحمر أو رقيق وليس له عرف.

    قوله: (حدثنا ابن أبي عدي هذا من كتابه) فـابن أبي عدي ثقة، سواء أحدث من كتابه أم من حفظه.

    شرح حديث: (إن دم الحيض دم أسود يعرف...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وأخبرنا محمد بن المثنى قال: حدثنا ابن أبي عدي من حفظه قال: حدثنا محمد بن عمرو عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة : (أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن دم الحيض دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي) قال أبو عبد الرحمن : قد روى هذا الحديث غير واحد، ولم يذكر أحد منهم ما ذكر ابن أبي عدي ، والله تعالى أعلم ].

    المراد بالآخر: دم الاستحاضة.

    وقول أبي عبد الرحمن : قد روى هذا الحديث غير واحد، ولم يذكر أحد منهم ما ذكر ابن أبي عدي والله تعالى أعلم.

    يجاب عنه بأنه ثقة، فزيادته مقبولة.

    شرح حديث عائشة في سؤال بنت أبي حبيش رسول الله عن استحاضتها وعدم طهرها

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي عن حماد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: (استحيضت فاطمة بنت أبي حبيش فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إني استحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وتوضئي وصلي، فإنما ذلك عرق وليست بالحيضة. قيل له: فالغسل؟ قال: وذلك لا يشك فيه أحد) ].

    قوله: لا يشك فيه أحد معناه أن الغسل لا بد منه بعد انتهاء دم الحيض، ولا يشك فيه، لأنه غسل واجب، فإذا انتهت مدة الحيض فلا بد من أن تغتسل، لكن بعد ذلك تتوضأ لكل صلاة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال أبو عبد الرحمن : قد روى هذا الحديث غير واحد عن هشام بن عروة ، ولم يذكر فيه: (وتوضئي) غير حماد، والله تعالى أعلم ].

    يعني أن حماداً هو الذي ذكر: (وتوضئ وصلى) وحماد يحتمل أنه حماد بن زيد ، ويحتمل أنه حماد بن سلمة ، وكلاهما ثقة، والزيادة من الثقة مقبولة، والبعض قد يقول: إن هذه رواية شاذة؛ إذ انفرد بها حماد، والصواب أنها ثابتة؛ لأن زيادة الثقة مقبولة.

    ويحتمل أن مراد النسائي رحمه الله أن هذه الرواية شاذة على طريقة من يقدم رواية الأكثر أو الأحفظ، فبعض المحدثين يقدم رواية الأكثر أو الأحفظ، فإذا لم يذكرها من التلاميذ إلا حماد تكون شاذة عند النسائي وجماعة.

    وهناك قول آخر، وهو أن الزيادة إذا لم تكن مخالفة وكانت من ثقة فإنها مقبولة، وهذا اختيار المتأخرين، كـالحافظ ابن حجر وغيره، وكذلك العراقي ، حيث قال: واحكم بوصل ثقة في الأظهر.

    فإذا كان الراوي ثقة ووصل أو رفع فهو مقدم على من قطع أو وقف، وعليه فإذا كانت الزيادة من ثقة ولم تكن مخالفة فلا تكون شاذة، وبعض المتقدمين يعتبرها شاذة إذا خالف الراوي الأكثر أو الأحفظ.

    ولهذا حصل الخلاف بين العلماء: هل يجب على المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة أو لا يجب؟

    المشهور عند الجمهور أنه يجب عليها أن تتوضأ لكل صلاة؛ كما دل عليه هذا الحدث، وقال آخرون: لا يجب؛ لأن هذا حدث مستمر، فإذا توضأت كفاها، إلا إذا وجد ناقض آخر غير استمرار الدم.

    ومن قال يجب أخذ برواية حماد بن زيد ، ومن قال: لا يجب قال: إن الرواية شاذة انفرد بها حماد بن زيد ، ولهذا نبه النسائي فقال لم يذكر لفظ (توضئي) غير حماد .

    والراجح أنها تتوضأ، لكل صلاة، وهو الذي عليه الفتوى، وهو قول الجمهور، وهو الأحوط، والأبرأ لذمتها، ومثلها من به جروح سيالة أو به سلس البول.

    أسانيد أخرى لحديث عائشة في سؤال بنت أبي حبيش رسول الله عن استحاضتها وعدم طهرها

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا سويد بن نصر قال: حدثنا عبد الله عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن فاطمة بنت أبي حبيش أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت (يا رسول الله! إني استحاض فلا أطهر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فأمسكي عن الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي).

    أخبرنا قتيبة عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: (قالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي).

    أخبرنا أبو الأشعث قال: حدثنا خالد بن الحارث قال: سمعت هشاماً يحدث عن أبيه عن عائشة : (أن بنت أبي حبيش قالت: يا رسول الله! إني لا أطهر، أفأترك الصلاة؟ قال: لا، إنما هو عرق -قال خالد : وفيما قرأت عليه: وليست بالحيضة- فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي) ].

    1.   

    الصفرة والكدرة

    شرح حديث: (كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئاً)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب الصفرة والكدرة.

    أخبرنا عمرو بن زرارة قال: أخبرنا إسماعيل عن أيوب عن محمد قال: قالت أم عطية : كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئاً ].

    أي: بعد الطهر، أما الصفرة والكدرة في زمن العادة فإنها تعتبر حيضاً يقول العلماء: والصفرة والكدرة في زمن العادة حيض، أما بعد الطهر فلا تعتبر.