إسلام ويب

شرح سنن النسائي كتاب الطهارة [12]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للغسل أحكام وآداب، ومن ذلك أنه نهي عن اغتسال الجنب في الماء الراكد والبول فيه والاغتسال منه، إلى غير ذلك من الأحكام والآداب.

    1.   

    النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم.

    أخبرنا سليمان بن داود والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن بكير أن أبا السائب أخبره أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب) ].

    هذا الحديث فيه النهي عن اغتسال الإنسان في الماء الدائم وهو جنب، والنهي للتحريم، وهو يقتضي الفساد، فلا يجوز للإنسان أن يغتسل بالماء الدائم وهو جنب، بمعنى: أن يغمس جسمه في الماء الدائم، والدائم هو الذي لا يجري، أما إذا كان يجري فلا حرج أن يغتسل في وسط الماء؛ لأن كل جرية تذهب ويأتي بعدها بدلها.

    لكن إذا كان الماء راكداً كأن يكون في بركة فهو منهي عن الاغتسال فيه؛ لأنه قد يكدره على غيره، فإذا اغتسل هذا واغتسل هذا واغتسل هذا، صار الماء مستعملاً، والنهي يقتضي الفساد، فلا يجوز للإنسان أن يغتسل في وسط الماء الراكد، لكن كما قال أبو هريرة لما اغتسل: أغرف منه اغترافاً، فيغترف بيده إلى خارج الماء الدائم، إلى خارج البركة، أو خارج الإناء الذي فيه الماء.

    أما أن يغتسل وسطه ويغمس نفسه في الماء الراكد فإن هذا لا يجوز.

    وظاهر الحديث أنه لو اغتسل في وسطه لا يجزئه؛ لأنه منهي عنه، والنهي يقتضي الفساد، وإنما يغتسل خارج الماء الدائم، وخارج البركة أو خارج الإناء الكبير الذي فيه الماء.

    فلا يجوز للإنسان أن يغتسل في وسطه؛ لأنه منهي عنه، والنهي يقتضي الفساد، وإنما يغتسل خارج الماء الدائم، أو خارج البركة، أو خارج الإناء الكبير الذي فيه الماء.

    1.   

    النهي عن البول في الماء الراكد والاغتسال منه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب النهي عن البول في الماء الراكد والاغتسال منه.

    أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري عن سفيان عن أبي الزناد عن موسى بن أبي عثمان عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يبولن أحدكم في الماء الراكد، ثم يغتسل منه) ].

    هذا الحديث فيه تحريم البول في الماء الراكد ثم الاغتسال فيه؛ لأنه إذا بال فيه الأول وبال فيه الثاني تنجس، وقد لا يتنجس إذا كان الماء كثيراً، لكنه منهي عن البول فيه؛ لأن هذا وسيلة لتنجيسه، فلا يجوز للإنسان أن يبول في الماء الراكد، ثم يغتسل منه.

    وقوله: (ثم يغتسل) بالجزم عطف على البول؛ يعني: لا يجمع بين البول والاغتسال، ويصح: ثم يغتسل منه؛ لأنه قد يحتاج إلى الاغتسال به، والمقصود أنه منهي عن الاغتسال في الماء الراكد، وإذا بال فيه يكون النهي أشد؛ لأنه وسيلة إلى تنجيسه.

    ومادام أن الماء لا يجري فهو راكد، لكن إذا كان يجري فهذا لا إشكال فيه؛ لأن الجريان لا يترك مجالاً للنجاسة أن تستقر، فإذا بال في الماء الذي يجري أو اغتسل في الماء الذي يجري فلا حرج، وذلك أنها تذهب الجرية ويأتي بعدها غيرها، لكن إذا كان راكداً لا يجري سواء تحرك أو لم يتحرك فهو راكد سواء كان في بركة أو في إناء كبير، كالإناء المصنوع من حصى أو من القرو فلا يجوز للإنسان أن يغتسل في وسطه، وإذا بال فيه يكون أشد نهياً، وإنما إذا أراد الاغتسال يغترف منه اغترافاً كما سئل أبو هريرة : ماذا يفعل؟ قال: يغترف منه اغترافاً، فيغترف بيده أو بإناء، ويكون خارج الماء، أما أن يغتسل فيه فهذا منهي عنه.

    وإذا اغتسل وسط الماء يكون الماء مستعملاً ولا يكون نجساً؛ لأن البول وسيلة للتنجيس، وأما الاغتسال فليس وسيلة للتنجيس، لكن يكون الماء مستعملاً.

    وإذا غمس الإنسان نفسه فيه وأتى الثاني والثالث وغمس نفسه فيه أيضاً صار هذا وسيلة إلى أن -مثلاً- يسقط فيه شيء من الفضلات.

    والجمهور يرون أنه إذا غمس نفسه فيه يكون الماء مستعملاً ولا يرتفع الحدث؛ لأن النهي يقتضي الفساد، ولا يقتضي هذا إراقة الماء، بل يتركه ليستفاد منه فيستعمل في شيء آخر، فالماء ليس بنجس، لكنه مستعمل.

    وإذا بال في الماء الراكد وكان قليلاً -أي: دون القلتين- فهو نجس؛ لحديث: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)، والقلتان خمس قرب.

    والقول الثاني للمحققين: أنه لا ينجس إلا إذا تغيرت أحد أوصافه الثلاثة، لحديث أبي سعيد : (الماء طهور لا ينجسه شيء).

    وعلى كل، فالحديث الأول فيه النهي عن الاغتسال في الماء الراكد، لكن الثاني فيه النهى عن البول فيه، ثم الاغتسال منه حتى ولو لم يغتسل فيه، فهو نجس في هذه الحالة.

    1.   

    باب ذكر الاغتسال أول الليل

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب ذكر الاغتسال أول الليل.

    أخبرنا عمرو بن هشام قال: حدثنا مخلد عن سفيان عن أبي العلاء عن عبادة بن نسي ، عن غضيف بن الحارث رضي الله عنه أنه سأل عائشة رضي الله عنها: (أي الليل كان يغتسل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: ربما اغتسل أول الليل، وربما اغتسل آخره. قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة) ].

    هذا الحديث فيه أنه لا بأس أن يغتسل الجنب أول الليل أو آخره، لكن عليه أن يتوضأ قبل أن ينام؛ كما ثبت في الصحيحين أن عمر رضي الله عنه قال: (أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم، إذا توضأ) أي: إذا توضأ فلا بأس أن يؤخر الاغتسال إلى آخر الليل، وإن اغتسل أول الليل فهو أفضل.

    1.   

    الاغتسال أول الليل وآخره

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ الاغتسال أول الليل وآخره.

    أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي أخبرنا حماد عن برد عن عبادة بن نسي عن غضيف بن الحارث قال: (دخلت على عائشة رضي الله عنها فسألتها، قلت: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل من أول الليل أو من آخره؟ قالت: كل ذلك، ربما اغتسل من أوله وربما اغتسل من آخره، قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة) ].

    برد هذا : هو برد بن سنان وهو مختلف في توثيقه، والأرجح أنه ثقه.

    وعبادة بن نسي بضم النون وفتح المهملة الخفيفة الكندي أبو عمر الشامي قاضي طبرية، ثقة فاضل من الثالثة.

    1.   

    ذكر الاستتار عند الاغتسال

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب ذكر الاستتار عند الاغتسال.

    أخبرنا مجاهد بن موسى حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثني يحيى بن الوليد حدثني محل بن خليفة قال: حدثني أبو السمح رضي الله عنه قال: (كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكان إذا أراد أن يغتسل قال: ولني قفاك، فأوليه قفاي، فأستره به) ].

    في الحديث مشروعية الاستتار عند الاغتسال، بل يجب الاستتار إذا كان عنده أحد، ولا يجوز للإنسان أن يغتسل عرياناً أمام الناس، أما إذا لم يكن عنده أحد فلا حرج.

    وغضيف بالضاد المعجمة مصغراً، ويقال بالطاء المهملة ابن الحارث السكوني ويقال: الثمالي يكنى أبا أسماء وهو حمصي مختلف في صحبته، قال ابن حبان : من قال: الحارث بن غطيف وهم، ومنهم من فرق بين غضيف بن الحارث فأثبت صحبته، وغطيف بن الحارث فقال: إنه تابعي، وهو أشبه، مات عن بضع وستين.

    والخلاصة: أن غضيف بن الحارث أبو أسماء الحمصي عن عمرو وبلال وعنه مكحول وعبادة بن نسي وثقه العجلي والنسائي ، قال الخليفة : مات في زمان مروان .

    شرح حديث اغتسال النبي عليه الصلاة والسلام يوم الفتح وفاطمة تستره بثوب

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا يعقوب بن إبراهيم عن عبد الرحمن عن مالك عن سالم عن أبي مرة مولى عقيل بن أبي طالب عن أم هانئ رضي الله عنها: (أنها ذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، فوجدته يغتسل وفاطمة تستره بثوب، فسلمت، فقال: من هذه؟ قلت: أم هانئ ، فلما فرغ من غسله قام فصلى ثماني ركعات في ثوب ملتحفاً به) ].

    هذا الحديث مخرج في الصحيحين، وفيه مشروعية الاستتار عند الاغتسال ووجوبه، وفيه جواز سلام المرأة على الرجل إذا لم يكن هناك ريبة، فـأم هانئ سلمت على رسول الله، أما قول الشارح أنه يحتمل أنها سلمت على فاطمة فليس بوجيه، فلا بأس بالسلام إذا لم يكن هناك ريبة، أما إذا كانت هناك ريبة فلا، وقوله: (سلمت، فقال: من هذه؟ فقالت: أم هانئ ) يعني: الإنسان إذا قيل له: من؟ فليسم نفسه ويقول: فلان ابن فلان، أما أن يقول: أنا، فهذا جاء فيه الكراهة؛ وذلك: (أن جابراً لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من؟ قال: أنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنا أنا! كأنه كره ذلك)؛ لأنها لا تفيد التعريف، لكن إذا قيل: من؟ فليقال: فلان، أو أبو فلان، أما أن يقول: أنا، فهذا ليس تعريفاً. وفيه جواز الصلاة بالثوب الواحد، أو القطعة الواحدة مثل الشرشف فيجوز أن يصلى فيه، فإن كان ضيقاً ائتزر به، وإن كان واسعاً التحف به وجعل طرفيه على كتفيه. وفيه مشروعية صلاة الضحى، وقال بعضهم: إنها صلاة الفتح، واحتج النووي بهذا على أن أكثر صلاة الضحى ثمان ركعات، والصواب أنه لا حد لأكثرها.

    فإن قيل: وهل يؤخذ من حديث أم هانئ جواز رد السلام بلفظ (مرحباً)؟

    قلنا: إنما كان ذلك بعد السلام، فلما رد عليها السلام، قال: (مرحباً بـأم هانئ ).

    وفيه أن ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم ولو كانت امرأة، فإذا أمنت امرأة أحد فإنه يؤمن، ففي رواية لـمسلم : (أنها قالت: يا رسول الله! ابن أمي زعم أنه قاتل رجلاً قد أجرته، فقال: قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ !)؛ لأن الرجل كافراً، وعلي رضي الله عنه أخوها، أراد أن يقتله، فشكت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأثبت إجارته وأمانه وقال: (قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ ).

    1.   

    باب ذكر القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للغسل

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب ذكر القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للغسل.

    أخبرنا محمد بن عبيد حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن موسى الجهني قال: (أتي مجاهد بقدح حزرته ثمانية أرطال فقال: حدثتني عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بمثل هذا) ].

    قوله: (ثمانية أرطال) أي: ما يقارب صاعاً ونصف؛ لأن الصاع خمسة أرطال ونصف بالعراقي.

    شرح حديث اغتسال النبي عليه الصلاة والسلام بالصاع

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا خالد حدثنا شعبة عن أبي بكر بن حفص قال: سمعت أبا سلمة يقول: (دخلت على عائشة رضي الله عنها وأخوها من الرضاعة، فسألها عن غسل النبي صلى الله عليه وسلم، فدعت بإناء فيه ماء قدر صاع، فسترت ستراً، فاغتسلت فأفرغت على رأسها ثلاثاً) ].

    هذا الحديث ظاهره أن أبا سلمة رآها، لكن الأقرب أنها سترت واغتسلت، ورآها أخوها من الرضاعة، أما أبو سلمة فلم يرها.

    شرح حديث اغتسال النبي عليه الصلاة والسلام بالفرق

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنه أنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل في القدح وهو الفرق، وكنت أغتسل أنا وهو في إناء واحد) ].

    الفرق إناء يسع ثلاثة آصع، وفيه جواز اغتسال الرجل وزوجته جميعاً من إناء واحد؛ وفيه فوائد منها: جواز اغتسال الرجل وزوجته جميعاً، وفيه تعلم أحدهما من الآخر، وفيه جواز نظر الرجل إلى امرأته ونظرها إليه، وجواز نظر الرجل إلى فرج امرأته، وهي تنظر إلى فرجه؛ لأنها حل له وهو حل لها، وهو يدل على ضعف الحديث الآخر حديث عائشة : (ما رأيت منه ولا رأى مني) يعني: العورة، فهذا ضعيف وليس بصحيح، وفيه جواز اغتسال الرجل بفضل المرأة؛ لأن المرأة إذا اغترفت من الماء صار فضلاً لها، ومع ذلك فليغترفان وفي اللفظ الآخر: (حتى أقول: دع لي، وهو يقول: دعي لي)، وذلك من باب المداعبة، يعني: الماء يقل، فيقول: دعي لي، أبقي لي شيئاً من الماء، وهي تقول: أبق لي.

    والفرق: ستة عشر رطلاً، وكل خمسة أرطال تعني: صاعاً، فيكون التقدير ثلاثة أصواع ورطل.

    شرح حديث اغتسال النبي عليه الصلاة والسلام بخمسة مكاكي

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا سويد بن نصر قال: حدثنا عبد الله حدثنا شعبة عن عبد الله بن جبر قال: سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بمكوك، ويغتسل بخمسة مكاكي) ].

    المكوك: هو المد، وهو ملء كفي الرجل، وقوله: (يتوضأ بمكوك، ويغتسل بخمسة مكاكي)؛ يعني: صاعاً ومداً، صاع وربع في الغالب؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، والمكوك هو المد، ويتوضأ بالمد، وربما توضأ بثلثي المد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد.

    شرح حديث: (يكفي من الغسل من الجنابة صاع)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا أبو الأحوص ، عن أبي إسحاق عن أبي جعفر قال: تمارينا في الغسل عند جابر بن عبد الله رضي الله عنه، فقال جابر : يكفي من الغسل من الجنابة صاع من ماء، قلنا: ما يكفي صاع ولا صاعان، قال جابر : قد كان يكفي من كان خيراً منكم وأكثر شعراً. ].

    يقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو خيراً منهم وأكثر شعراً عليه الصلاة والسلام، فقد كان كث اللحية، وكان طويل شعر الرأس كذلك.

    1.   

    ذكر الدلالة على أنه لا وقت في الغسل

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب ذكر الدلالة على أنه لا وقت في ذلك.

    أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله عن معمر عن الزهري (ح) وأخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر وابن جريج عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، وهو قدر الفرق) ].

    الفرق: ثلاثة آصع، وهذا ليس فيه تحديد؛ لأن عادة غسله صلى الله عليه وسلم بالصاع أو ستة أمداد، وهذا فرق يسع ثلاثة آصع، فدل على أنه ليس هناك شيء محدد أو قسم محدد لا يزيد عليه، لكن لا ينبغي الإسراف، بل يغتسل بصاع أو صاع ونصف، أو ما زاد قليلاً من غير إسراف.

    1.   

    ذكر اغتسال الرجل والمرأة من نسائه من إناء واحد

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب ذكر اغتسال الرجل والمرأة من نسائه من إناء واحد.

    أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله عن هشام بن عروة (ح) وأخبرنا قتيبة عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل وأنا من إناء واحد نغترف منه جميعاً) ].

    فيه جواز اغتسال الرجل وامرأته من إناء واحد، وأنه لا بأس بنظر أحدهما إلى الآخر، ومن المعلوم أنهما إذا اغتسلا يخلعان الثياب، وأما حديث: (ما رأيت منه ولا رأى مني) يعني: العورة، فحديث ضعيف، وحديث اغتسالهما جميعاً ثابت في الصحيحين أيضاً، ويدل على أنه لا بأس باغتسال الرجل وامرأته معاً.

    شرح حديث: اغتسال رسول الله وزوجته من إناء واحد من الجنابة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا خالد حدثنا شعبة حدثني عبد الرحمن بن القاسم سمعت القاسم يحدث عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد من الجنابة).

    أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبيدة بن حميد عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها قالت: (لقد رأيتني أنازع رسول الله صلى الله عليه وسلم الإناء، أغتسل أنا وهو منه) ].

    ومثل هذا الحديث قد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام في اللفظ الآخر: (أقول -أي: عائشة -: دع لي ويقول: دعي لي) يعني: اترك لي بقية الماء؛ لأنه يقل.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى حدثنا سفيان حدثني منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد).

    أخبرنا يحيى بن موسى عن سفيان عن عمرو عن جابر بن زيد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (أخبرتني خالتي ميمونة : أنها كانت تغتسل ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد) ].

    الحديث الأول عن عائشة وهذا عن ميمونة ، وفيه دليل على جواز غسل الرجل مع نسائه فقد اغتسل رسول الله مع ميمونة واغتسل مع عائشة واغتسل مع أم سلمة أيضاً عليه الصلاة والسلام.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله عن سعيد بن يزيد قال: سمعت عبد الرحمن بن هرمز الأعرج يقول: حدثني ناعم مولى أم سلمة رضي الله عنها : (أن أم سلمة سئلت: أتغتسل المرأة مع الرجل؟ قالت: نعم، إذا كانت كيسة، رأيتني ورسول الله صلى الله عليه وسلم نغتسل من مركن واحد؛ نفيض على أيدينا حتى ننقيهما، ثم نفيض عليها الماء) قال الأعرج : لا تذكر فرجاً ولا تباله ].

    وقوله: (كيسة) يعني: حسنة الأدب في استعمال الماء مع الرجل، ومن كياستها أنها لا تذكر فرجاً ولا تباله، يعني: لا تتكلم عن الأشياء التي تحصل بينها وبين زوجها، وقوله: (فرجاً) عام له ولها، ولا تباله: يعني: ولا تتباله؛ أي: تفعل أفعالاً كالبلهاء، وقد فسرها الأعرج بذلك.

    وقوله: (ناعم ) هو ناعم بن أجيل بالجيم مصغراً، الهمداني أبو عبد الله المصري مولى أم سلمة ثقة فقيه من الثالثة.

    1.   

    ذكر النهي عن الاغتسال بفضل الجنب

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب ذكر النهي عن الاغتسال بفضل الجنب.

    أخبرنا قتيبة حدثنا أبو عوانة عن داود الأودي عن حميد بن عبد الرحمن قال: (لقد لقيت رجلاً صحب النبي صلى الله عليه وسلم كما صحبه أبو هريرة رضي الله عنه أربع سنين، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمتشط أحدنا كل يوم، أو يبول في مغتسله، أو يغتسل الرجل بفضل المرأة والمرأة بفضل الرجل، وليغترفا جميعاً) ].

    فيه النهي عن الامتشاط كل يوم؛ لما فيه من التنعم والترفه، والذي ينبغي أن يكون الامتشاط يوماً بعد يوم؛ ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الامتشاط كل يوم ولعله للتنزيه.

    وقوله: (وأن يبول في مغتسله)؛ لأنه قد يسبب الوسواس فقد يبول في مغتسله فإذا صب عليه الماء قد يأتيه شيء من رشاش البول، وهذا إذا كان المغتسل أرضاً يعني: غير مبلطة، فيبقى فيها البول، إما إذا كان مبلطاً ويزول بصب الماء عليه فلا إشكال فيه، وكان المغتسل في زمانهم لا يبلط ولا يسمت بل كان تراباً، ولا يوجد عندهم حمامات يزول فيها الماء، فإذا بال فيه بقي البول تحته، فإذا صب عليه الماء أصاب شيئاً من الرشاش فيؤدي إلى الوسواس.

    وقوله: (أو يغتسل الرجل من فضل المرأة والمرأة بفضل الرجل)، هذا النهي اختلف في الجمع بينه وبين حديث عائشة السابق: (كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم جميعاً) وحديث أم سلمة ؛ لأنها إذا اغترفت صار فضلاً لها، فقيل: إن حديث النهي عن اغتسال الرجل بفضل المرأة منسوخ بحديث عائشة : (كنا نغتسل جميعاً)، وقيل: إن النهي للتنزيه وأن الأولى ألا يغتسل بفضل المرأة، فإذا اغتسل فهو مكروه، والنهي للتنزيه، واستدلوا باغتسال النبي صلى الله عليه وسلم مع عائشة وأم سلمة وميمونة ، وقالوا: هذه الأحاديث صرفته من النهي عن التحريم إلى التنزيه، فيكون مكروهاً، وإذا احتاج إليه زالت الكراهة، وإذا وجد غيره فإنه مكروه، والجمع بين الحديثين هو الأولى؛ لأنه لا يصار إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع وعرف التاريخ، وهذه هي القاعدة، فيحمل النهي على التنزيه.

    والأصل في النهي أنه للتحريم إلا إذا صرفه صارف، وهنا صرفه صارف وهو اغتسال النبي صلى الله عليه وسلم وعائشة وميمونة ، والقاعدة هي: النهي للتحريم، والأمر للوجوب، ولا يصرف الأمر عن الوجوب إلى الاستحباب إلا بدليل آخر، والنهي لا يصرف عن التحريم إلا بدليل آخر، فكلما جاء نهي فهو للتحريم، إلا إذا وجد دليل ناسخ، وكلما جاء أمر فهو للوجوب إلا إذا وجد دليل ندب يقتضيه.

    وقوله: (لقيت رجلاً صحب النبي صلى الله عليه وسلم)، فالصحابة كلهم عدول، ولا يضر إبهام الصحابي.

    1.   

    الرخصة في الاغتسال بفضل الجنب

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب الرخصة في ذلك.

    أخبرنا محمد بن بشار عن محمد قال: حدثنا شعبة عن عاصم (ح) وأخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله عن عاصم عن معاذة عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، يبادرني وأبادره حتى يقول: دعي لي، وأقول أنا: دع لي) قال سويد : يبادرني وأبادره، فأقول: دع لي، دع لي ].

    هذا من حسن خلقه عليه السلام يلاطف أهله فيقول: (دعي لي، وتقول: دع لي)؛ وهذا الحديث فيه رخصة اغتسال الرجل بفضل المرأة؛ لأنها إذا اغترفت صار فضلاً لها، والأول فيه النهي، والجمع بينهما كما سبق: أن النهي للتنزيه، وحديث عائشة لبيان الجواز، والذي صرفه عن التحريم إلى التنزيه اغتسال النبي صلى الله عليه وسلم وعائشة .

    وحديث: (أو يغتسل الرجل بفضل المرأة والمرأة بفضل الرجل وليغترفا جميعاً).

    ظاهره أنه إذا اغترفا لا يكون فضلة، لكن جاء في الحديث الآخر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء وتوضأ بفضل الماء الذي اغتسلت منه بعض أزواجه)، فهو محمول عل التنزيه، والوضوء والغسل حكمهما واحد.

    وحديث النهي عن الامتشاط الأقرب أنه للتنزيه؛ لأن فيه الترفه، فيكره للإنسان أن يترفه ويتنعم بحيث ليس له هم إلا نفسه، فبعض الناس يشتغل عن الأمور الهامة بالأشياء التافهة، ويترفه في كل شيء، فيسرف في نقاء الثياب وبياضها، يسرف في تلميع السيارة، وما أشبه ذلك، وكل هذا من باب الترفه، فيشغله الترفه عن الأمور المهمة، والإنسان ينبغي عليه أن يعتني بالأمور المهمة، أما التوافه فلا يشغل نفسه ويضيع وقته فيها، ولا بأس أن يمارسها الشخص لكن بدون إسراف وبدون ترفه، ولا يعني هذا أن يلبس ثياباً وسخة، أو ثياباً مخرقة وقد أنعم الله عليه، فإن الله جميل يحب الجمال، لكن مع ذلك لا تسرف وتضيع الأوقات كلها في تعديل الثوب، وتعديل الغترة، وتلميع السيارة، لا هذا ولا هذا بل كن وسطاً.

    1.   

    ذكر الاغتسال في القصعة التي يعجن فيها

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب ذكر الاغتسال في القصعة التي يعجن فيها.

    أخبرنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا إبراهيم بن نافع عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أم هانئ رضي الله عنها: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اغتسل هو وميمونة من إناء واحد في قصعة فيها أثر العجين) ].

    فيه -كما سبق- جواز اغتسال الرجل وامرأته من إناء واحد، وفيه جواز الاغتسال بالماء الذي فيه أثر العجين، أو أثر شيء آخر من الأشياء الطاهرة، فإذا اختلط بالماء شيئاً من الطاهرات فلا بأس، كشيء من العجين أو شيء من الزعفران ما لم يسلب عنه اسم الماء، فإذا سلب عنه اسم الماء فإنه ينتقل من كونه ماء إلى مسمى آخر، كأن يمتلئ به حبر أو زعفران أو لبن، أما كونه يوجد فيه شيء من أثر العجين، وهو لم يغيره ولم يختلط بأجزائه، أو من أثر اللبن أو أثر شيء آخر من الطاهرات كالطحلب الذي يكون في البرك وما أشبهه فلا بأس؛ لأنه طاهر، إلا إذا سلبه اسم الماء؛ فلا يتوضأ به، فمثلاً: صب فيه حبر فصار أزرقاً، فصار لا يسمى ماء بل يسمى حبراً، أو صب على ماء لبناً فصار لبناً ولا يسمى ماء، ومثله ماء العصير، كعصير البرتقال وما أشبهه فهذا لا يسمى ماء مطلقاً، وإنما ماء مقيداً يقال: ماء عصير.. ماء حبر.. فلا يصح أن يتوضأ به، ولهذا اغتسل النبي صلى الله عليه وسلم هو وأهله من قصعة فيها أثر العجين؛ لأن هذا العجين لم يغير الماء ولا سلب وصف الماء عنه، وإذا كان طاهراً فلا يضر هذا الأثر.