إسلام ويب

شرح جامع الترمذي أبواب الطهارة [7]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد بينت الشريعة المطهرة جملة من نواقض الوضوء، ومن ذلك خروج الريح والصوت من الدبر، ومس الذكر، والأكل من لحم الإبل، والنوم المستغرق، وغير ذلك مما لا يسع المسلم جهله لتعلقه بمعرفة ما تصح به صلاته.

    1.   

    ما جاء في الوضوء من الريح

    شرح حديث: (لا وضوء إلّا من صوت أو ريح)

    قال المصنف رحمه الله: [ باب: ما جاء في الوضوء من الريح.

    حدثنا قتيبة وهناد قالا: حدثنا وكيع عن شعبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا وضوء إلا من صوت أو ريح).

    قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح ].

    قلت: هذا الحديث أخرجه أحمد وابن ماجه وابن خزيمة .

    وهذا يدل على ما دل عليه الحديث الآخر في الصحيح، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، وفسر أبو هريرة الحدث بالفساء أو الضراط.

    شرح حديث: (إذا كان أحدكم في المسجد فوجد ريحاً بين إليتيه ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا قتيبة حدثنا عبد العزيز بن محمد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كان أحدكم في المسجد فوجد ريحاً بين إليتيه فلا يخرج حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) ].

    أي: أن المقصود حتى يتحقق؛ لأنه دخل في الوضوء بيقين، فلا يخرج منه بشك، فاليقين لا يزول بالشك، وقد جاء في الحديث الصحيح عند أبي داود : (إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه فلا يخرج حتى يسمع صوتاً، أو يجد ريحاً).

    قال رحمه الله تعالى: [ قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح، وهو قول العلماء أن لا يجب عليه الوضوء إلا من حدث، يسمع صوتاً أو يجد ريحاً ].

    أي أن المراد التحقق، وذلك بسماع صوت، أو أن يجد ريحاً، أو أن يجد بللاً على ذكره مثلاً، فالمراد أن يتحقق.

    قال رحمه الله تعالى: [ وقال عبد الله بن المبارك : إذا شك في الحدث؛ فإنه لا يجب عليه الوضوء حتى يستيقن استيقاناً يقدر أن يحلف عليه.

    وقال: إذا خرج من قُبُل المرأة الريح وجب عليها الوضوء، وهو قول الشافعي وإسحاق ].

    قلت: الريح إنما تخرج من الدبر فقط لا من القبل، فإذا خرج من قبل المرأة فليس بريح.

    قال صاحب (تحفة الأحوذي): وقال أصحاب أبي حنيفة : خروج الريح من القبل لا يوجب الوضوء.

    وقال القاري في (المرقاة): توجيه قول الحنفية أنه نادر فلا يشمله النص، كذا قيل، والصحيح ما قاله ابن الهمام من أن الريح الخارج من الذكر اختلاج لا ريح، فلا ينقض، كالريح الخارجة من جراحة في البطن. انتهى.

    قلت: وكذلك إذا خرج من قبل المرأة فليس بريح.

    قال: وقال بعض علماء الحنفية في شرحه (لشرح الوقاية): اتفق أصحابنا على أن الريح الخارجة من الدبر ناقضة، واختلفوا في الخارجة من الذكر وقبل المرأة: فروى القدوري عن محمد : أنه يوجب الوضوء، وبه أخذ بعض المشايخ.

    وقال أبو الحسن : لا وضوء فيهما، إلا أن تكون المرأة مفضاة، والمفضاة: هي التي اختلط سبيلاها: القبل والدبر، وقيل: مسلك البول والحيض، فيستحب لها الوضوء، وكان الشيخ أبو حفص الكبير يقول: إذا كانت المرأة مفضاة يجب عليها الوضوء، وإن لم تكن مفضاة لا يجب، وهكذا ذكر هشام في نوادره عن محمد .

    قلت: هذا صحيح؛ لاحتمال أن تكون من الدبر، وفي هذه الحالة يجب الوضوء.

    قال: ومن المشايخ من قال في المفضاة: إذا كان الريح منتناً يجب الوضوء، وما لا فلا، كذا في (الذخيرة) ].

    قلت: خروج الريح من قبل المرأة لا يوجب الوضوء، لكن ذلك من باب الاحتياط، ولاسيما إذا كان يخرج بدون اختيارها، فهذا أمر لا حيلة لها فيه، فلعل عبد الله بن المبارك ذكر ذلك من باب الاحتياط.

    وذكر المسجد في هذا الحديث ليس بقيد، فلو كان خارج المسجد فلا يجب عليه الوضوء إلا إذا تيقن أو غلب على ظنه الحدث.

    شرح حديث: (إن الله لا يقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمود بن غيلان حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله لا يقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) ].

    قلت: وهذا رواه الشيخان.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وفي الباب عن عبد الله بن زيد وعلي بن طلق وعائشة وابن عباس وابن مسعود وأبي سعيد رضي الله عنهم.

    قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح ].

    1.   

    ما جاء في الوضوء من النوم

    شرح حديث ابن عباس في صلاة النبي بعد نومه في سجود غط فيه

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: ما جاء في الوضوء من النوم.

    حدثنا إسماعيل بن موسى كوفي وهناد ومحمد بن عبيد المحاربى -المعنى واحد- قالوا: حدثنا عبد السلام بن حرب الملائي عن أبي خالد الدالاني عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم نام وهو ساجد حتى غط أو نفخ، ثم قام يصلى، فقلت: يا رسول الله! إنك قد نمت؟! قال: إن الوضوء لا يجب إلا على من نام مضطجعاً، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله) ].

    قلت: هذا الحديث ضعيف.

    قال صاحب (تحفة الأحوذي): قال أبو داود : قوله في الوضوء: (وأنه نام مضطجعاً) هو حديث منكر لم يروه إلا يزيد أبو خالد الدالاني عن قتادة ، وروى أوله جماعة عن ابن عباس لم يذكروا شيئاً من هذا.

    قلت: ليست بصحيحة نسبته إليه، فهو ليس من كلامه.

    وقد صح الحديث: (ولكن من غائط وبول ونوم)، فالمهم هو الاستغراق، فإذا نام واستغرق انتقض وضوؤه، سواء أكان مضطجعاً أم غير مضطجع، فالعبرة في النوم بالاستغراق.

    قال رحمه الله تعالى: [ قال أبو عيسى : وأبو خالد اسمه يزيد بن عبد الرحمن .

    قال: وفي الباب عن عائشة وابن مسعود وأبي هريرة رضي الله عنهم ].

    قال الشارح: واعلم أن الترمذي لم يحكم على حديث ابن عباس رضي الله عنهما المذكور بشيء من الصحة أو الضعف ههنا، وقد تكلم عليه في علله المفرد، وقد تكلم عليه غيره من أصحاب الحديث.

    قال الحافظ في (التلخيص): مداره على يزيد أبي خالد الدالاني وعليه اختلف في ألفاظه، وضعف الحديث من أصله أحمد والبخاري فيما نقله الترمذي في (العلل المفرد)، وأبو داود في السنن والترمذي وإبراهيم الحربي في علله وغيرهم.

    وقال البيهقي في (الخلافيات): تفرد به أبو خالد الدالاني ، وأنكره عليه جميع أئمة الحديث.

    وقال في (السنن): أنكره عليه جميع الحفاظ، وأنكروا سماعه من قتادة ، وقال الترمذي : رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن ابن عباس قوله، ولم يذكر فيه أبا العالية ، ولم يرفعه. انتهى.

    قلت: صح الحديث: (ولكن من غائط وبول ونوم).

    قال أبو داود : وذكرت حديث يزيد الدالاني لـأحمد بن حنبل فانتهرني استعظاماً له، فقال: ما لـيزيد الدالاني يُدخِل على قتادة ؟! ولم يعبأ بالحديث.

    يقول الترمذي في (العلل): وسألت محمداً عن هذا الحديث فقال: هذا لا شيء، رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن ابن عباس ، ولم يذكر فيه أبا العالية ، ولا أعرف لـأبي خالد الدالاني سماعاً من قتادة .

    قلت: ذكر شعبة أن قتادة لم يسمع من أبي العالية إلا أربعة أحاديث، ثم ذكرها ولم يذكر هذا فيها.

    شرح حديث أنس: (كان أصحاب رسول الله ينامون ثم يقومون ولا يتوضئون)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينامون ثم يقومون فيصلون ولا يتوضئون ].

    والمراد بالنوم هنا أنهم كانوا ينعسون، والنعاس لا يضر.

    قال رحمه الله تعالى: [ قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح.

    قال: وسمعت صالح بن عبد الله يقول: سألت عبد الله بن المبارك عمن نام قاعداً معتمداً فقال: لا وضوء عليه.

    قال أبو عيسى : وقد روى حديث ابن عباس سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن ابن عباس قوله، ولم يذكر فيه أبا العالية ، ولم يرفعه.

    واختلف العلماء في الوضوء من النوم، فرأى أكثرهم أنه لا يجب عليه الوضوء إذا نام قاعداً أو قائماً حتى ينام مضطجعاً، وبه يقول الثوري وابن المبارك وأحمد .

    وقال بعضهم: إذا نام حتى غلب على عقله وجب عليه الوضوء، وبه يقول إسحاق ].

    قلت: هذا هو الأصل، فإذا نام واستغرق ولم يسمع من حوله، وصار لا يدري ما يجري حوله؛ فهذا يجب عليه الوضوء، وأما إذا نعس نعاساً يسمع معه ما يجري حوله فهذا لا وضوء عليه.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقال الشافعي : من نام قاعداً فرأى رؤيا، أو زالت مقعدته لوسن النوم فعليه الوضوء ].

    فهذا يستدل به على أنه نوم مستغرق.

    قلت: الراجح أنه إذا نام واستغرق بحيث لا يفهم ما يجري حوله بسبب الاستغراق؛ انتقض وضوؤه، وأما إذا كان نومه نعاساً فلا ينقض الوضوء؛ لأن الصحابة كانوا ينعسون ويغطون في النعاس ثم يقومون إلى الصلاة ولا يتوضئون، فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ذلك.

    والاستغراق يكون غالباً في نوم المضطجع، وبعض الناس قد يستغرق وهو قائم.

    والمراد بالاستغراق هنا الاستغراق في النوم، وأما إذا استغرق ليستريح ولم ينم فلا يعد مستغرقاً في النوم.

    1.   

    ما جاء في الوضوء مما غيرت النار

    شرح حديث: (الوضوء مما مست النار ولو من ثور أقط)

    قال المصنف رحمه الله: [ باب: ما جاء في الوضوء مما غيرت النار.

    حدثنا ابن أبي عمر قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الوضوء مما مست النار ولو من ثور أقط. قال: فقال له ابن عباس رضي الله عنهما: يا أبا هريرة ! أنتوضأ من الدهن؟! أنتوضأ من الحميم؟! قال: فقال أبو هريرة : يا ابن أخي! إذا سمعت حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تضرب له مثلاً) ].

    الحميم: هو الماء الحار، وهذا كان في أول الإسلام، فكان الناس يتوضئون مما مسته النار، فإذا شربوا حميماً -كالقهوة والشاي اليوم أو غيرهما مما مسته النار-، أو أكلوا طعاماً؛ فإنهم يتوضئون، ثم نسخ الوضوء مما مست النار إلا لحم الإبل، فهو مستثنى من ذلك، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (توضئوا من لحوم الإبل، ولا تتوضئوا من لحوم الغنم) كما في حديث جابر ، وفي الحديث الآخر: (سئل صلى الله عليه وسلم: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئتم، قالوا: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم).

    فلحم الإبل مستثنى مما سبق، فيتوضأ منه سواء أكان نيئاً أم مطبوخاً، والصواب أن جميع أجزاء الإبل تنقض الوضوء، وبعض العلماء يرى أن الذي ينقض هو اللحم الأحمر دون الشحم والأمعاء والكرش وغيرها مما ليس بلحم أحمر.

    والصواب الأول، فالله تعالى لما حرم لحم الخنزير قال: وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ [البقرة:173] فشمل جميع أجزاء الخنزير، فكلها محرمة حتى شحمه وعصبه، وكذلك الحال في الوضوء من لحم الإبل.

    وفي هذا الحديث نجد أن أبا هريرة يرى أن الحكم الأول من الوضوء مما مست النار ما زال باقياً.

    والثور من الأقط هو اللبن إذا أحمي عليه بالنار فصار قطعاً.

    وقوله: [ (فقال له ابن عباس : يا أبا هريرة : أنتوضأ من الدهن؟! أنتوضأ من الحميم؟! قال: فقال أبو هريرة : يا ابن أخي! إذا سمعت حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تضرب له مثلاً) ].

    صدق في ذلك أبو هريرة رضي الله عنه، فينبغي للإنسان المسلِّم لله ولرسوله إذا سمع الحديث أن يقول: سمعنا وأطعنا، ولا يضرب الأمثال، ولا يعارض النص برأي ولا بفهم.

    وقد ذكر الشيخ أحمد شاكر رواية عن ابن عباس في (المسند) تشبه هذه الرواية في المعنى، قال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا عبد الرزاق وابن بكر قالا: أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني محمد بن يوسف أن سليمان بن يسار أخبره أنه سمع ابن عباس ورأى أبا هريرة وهو يتوضأ، فقال: أتدري مما أتوضأ؟ قال: لا، قال: أتوضأ من أثوار أقط أكلتها، قال ابن عباس : ما أبالي مما توضأت، أشهد لرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل كتف لحم ثم قام إلى الصلاة وما توضأ: قال: وسليمان حاضر ذلك منهما جميعاً ].

    قال: وهذا إسناده صحيح، رواته أئمة ثقات، وهو مع رواية الترمذي يدلان على أن الجدل في هذا كان شديداً بين ابن عباس وأبي هريرة ، وأنه لم يقتنع أحدهما بحجة الآخر.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [وفي الباب عن أم حبيبة وأم سلمة وزيد بن ثابت وأبي طلحة وأبي أيوب وأبي موسى رضي الله عنهم.

    قال أبو عيسى : وقد رأى بعض أهل العلم الوضوء مما غيرت النار، وأكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم على ترك الوضوء مما غيرت النار ].

    قال الحازمي في كتاب (الاعتبار): قد اختلف أهل العلم في هذا الباب، فبعضهم ذهب إلى الوضوء مما مست النار، وممن ذهب إلى ذلك ابن عمر وأبو طلحة وأنس بن مالك وأبو موسى وعائشة وزيد بن ثابت وأبو هريرة وأبو غرة الهذلي وعمر بن عبد العزيز وأبو مجلز لاحق بن حميد وأبو قلابة ويحيى بن يعمر والحسن البصري رحمهم الله.

    وذهب أكثر أهل العلم وفقهاء الأمصار إلى ترك الوضوء مما مست النار، ورأوه آخر الأمرين من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قلت: وهو الصواب، فهو آخر الأمرين، ويدل على هذا حديث جابر : (كان آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار).

    قال: وممن لم ير منه الوضوء: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس وعامر بن ربيعة وأبي بن كعب وأبو أمامة وأبو الدرداء والمغيرة بن شعبة وجابر بن عبد الله رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، ومن التابعين: عبيدة السلماني وسالم بن عبد الله والقاسم بن محمد ومن معهم من فقهاء أهل المدينة، ومالك بن أنس والشافعي وأصحابه، وأهل الحجاز وعامتهم، وسفيان الثوري وأبو حنيفة وأهل الكوفة وابن المبارك وأحمد وإسحاق. انتهى كلام الحازمي .

    قلت -القائل صاحب التحفة-: والظاهر الراجح ما ذهب إليه أكثر أهل العلم، والله تعالى أعلم. ا هـ

    قلت: وظاهر الكلام أن أبا هريرة بقي على الأمر الأول من الوضوء مما مست النار، وخالفه ابن عباس في هذا، واشتد النزاع بينهما.

    1.   

    ما جاء في ترك الوضوء مما غيرت النار

    شرح حديث جابر في صلاة الرسول الظهر والعصر بعد أكله من شاة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: ما جاء في ترك الوضوء مما غيَّرت النار.

    حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان بن عيينة حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل سمع جابراً رضي الله عنه، قال سفيان : وحدثنا محمد بن المنكدر عن جابر رضي الله عنه قال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه، فدخل على امرأة من الأنصار، فذبحت له شاة فأكل، وأتته بقناع من رطب فأكل منه، ثم توضأ للظهر وصلى، ثم انصرف فأتته بُعلَالة من عُلالة الشاة فأكل، ثم صلى العصر ولم يتوضأ) ].

    عبد الله بن محمد بن عقيل في حفظه شيء، ولكنه هنا متابَع من قبل محمد بن المنكدر ، فزال ما كنا نخشاه من خطأ عبد الله بن محمد بن عقيل .

    قال الشيخ أحمد شاكر : هذا حديث صحيح ليست له علة.

    وقد حاول بعضهم أن يعله، فنقل البيهقي في (المعرفة) عن الشافعي أنه قال: لم يسمع ابن المنكدر هذا الحديث من جابر ، وإنما سمعه من عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر ، وهو مردود برواية ابن جريج عند أحمد وأبي داود .

    قلت: ومحمد بن المنكدر مدلس وقد عنعن هنا، لكن في السند الآخر عبد الله بن محمد بن عقيل وفيه ضعف، فرواية كل منهما تقوي رواية الآخر وتجبرها.

    قال الشيخ أحمد شاكر : والذي دفعهم إلى هذه الشبهة في التعليل -يعني الذين أعلوا هذا الحديث- أن سفيان بن عيينة شك في سماع ابن المنكدر هذا الحديث من جابر ، كما روى أحمد عن سفيان : سمعت ابن المنكدر غير مرة يقول: عن جابر ، وكأني سمعته مرة يقول: أخبرني من سمع جابراً ، وظننته سمعه من ابن عقيل ، وابن المنكدر وعبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر ....

    فهذا الإسناد يفهم منه أن سفيان سمعه من ابن المنكدر وابن عقيل كلاهما عن جابر ، ثم شك في أن ابن المنكدر سمعه من جابر ، ولكن غيره لم يشك، واليقين مقدم على الشك. انتهى.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وفي الباب عن أبي بكر الصديق وابن عباس وأبي هريرة وابن مسعود وأبي رافع وأم الحكم وعمرو بن أمية وأم عامر وسويد بن النعمان وأم سلمة رضي الله عنهم.

    قال أبو عيسى : ولا يصح حديث أبي بكر في هذا الباب من قبل إسناده، إنما رواه حسام بن مصك عن ابن سيرين عن ابن عباس عن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم، والصحيح إنما هو عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، هكذا روى الحفاظ.

    قلت: وحديث أبي بكر ذكره الشارح فقال: قوله: (وفي الباب عن أبي بكر الصديق ) قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم نهش من كتف ثم صلى ولم يتوضأ)، أخرجه أبو يعلى والبزار ، وفيه حسام بن مصك وقد أجمعوا على ضعفه، كذا في (مجمع الزوائد).

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وروي من غير وجه عن ابن سيرين عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    ورواه عطاء بن يسار وعكرمة ومحمد بن عمرو بن عطاء وعلي بن عبد الله بن عباس وغير واحد عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكروا فيه (عن أبي بكر الصديق)، وهذا أصح.

    قال أبو عيسى : والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم، مثل سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق ، رأوا ترك الوضوء مما مست النار، وهذا آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكأن هذا الحديث ناسخ للحديث الأول حديث الوضوء مما مست النار ].

    قلت: وهذا هو الصواب، فيكون ناسخاً له، أو ناسخاً للوجوب مع بقاء الاستحباب، فيجمع بينهما بأن هذا محمول على استحباب الوضوء، وهذا محمول على الجواز، أو على النسخ، وحمله على الاستحباب أولى؛ لأن فيه العمل بالدليلين معاً.

    1.   

    ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل

    شرح حديث: (سئل رسول الله عن الوضوء من لحوم الإبل....)

    قال المصنف رحمه الله: [ باب: ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل.

    حدثنا هناد حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عبد الله بن عبد الله الرازي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوضوء من لحوم الإبل فقال: توضئوا منها، وسئل عن الوضوء من لحوم الغنم؟ فقال: لا تتوضئوا منها) ].

    هذا الحديث دليل على وجوب الوضوء من أكل لحوم الإبل، وهو حديث صحيح ثابت، ومثله حديث جابر بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (توضئوا من لحوم الإبل، ولا تتوضئوا من لحوم الغنم)، وهذا خاص بلحم الإبل، سواءٌ أكان نيئاً أم مطبوخاً، وأما حديث جابر بن عبد الله (كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار) فهو عام يستثنى منه لحوم الإبل.

    وذهب الجمهور إلى أن لحم الإبل لا ينقض الوضوء، وظنوا أنه داخل في عموم حديث جابر : (كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار)، والصواب أن لحم الإبل مخصص من هذا العموم للأدلة السابقة، لذا فأكل لحوم الإبل ينقض الوضوء مطبوخاً كان أو نيئاً، ولو لم تمسه النار، وإلى هذا ذهب طائفة من أهل الحديث ومنهم: الإمام أحمد وابن خزيمة وجماعة من أهل الحديث.

    والصواب أن هذا النقض عام بجميع أجزاء الإبل، فالله تعالى لما حرم لحم الخنزير قال: أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ [الأنعام:145] فشمل شحمه بالإجماع.

    وقال بعض العلماء: إن النقض خاص بلحم الإبل الأحمر فقط، وأما الكرش والشحم والرأس والعصب فلا ينقض، والصواب أن جميع أجزاء الإبل تنقض، وأما مرق الإبل ولبنها فلا ينقض الوضوء.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وفي الباب عن جابر بن سمرة وأسيد بن حضير .

    قال أبو عيسى : وقد روى الحجاج بن أرطاة هذا الحديث عن عبد الله بن عبد الله عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أسيد بن حضير ، والصحيح حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب ، هو قول أحمد وإسحاق ، وروى عبيدة الضبي عن عبد الله بن عبد الله الرازي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ذي الغرة الجهني .

    وروى حماد بن سلمة هذا الحديث عن الحجاج بن أرطاة فأخطأ فيه، وقال فيه: عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه عن أسيد بن حضير ، والصحيح: عن عبد الله بن عبد الله الرازي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب .

    قال إسحاق : صح في هذا الباب حديثان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث البراء ، وحديث جابر بن سمرة .

    وهو قول أحمد وإسحاق ، وقد روي عن بعض أهل العلم من التابعين وغيرهم أنهم لم يروا الوضوء من لحوم الإبل، وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة ].

    قلت: وهو قول غيرهم أيضاً، كـمالك والشافعي وجماعة.

    قال في (تحفة الأحوذي): قوله : (فقال: توضئوا منها) فيه دليل على أن أكل لحوم الإبل ناقض للوضوء.

    قال النووي : اختلف العلماء في أكل لحوم الجزور، فذهب الأكثرون إلى أنه لا ينقض الوضوء.

    قلت: الأكثرون هنا هم الجمهور، وكلام الترمذي السابق: [ وقد روي عن بعض التابعين ]، كأنه يشير به إلى أنه قول الأقل.

    قال النووي : اختلف العلماء في أكل لحوم الجزور، فذهب الأكثرون إلى أنه لا ينقض الوضوء، وممن ذهب إليه الخلفاء الأربعة الراشدون : أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، وابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وأبو الدرداء وأبو طلحة وعامر بن ربيعة وأبو أمامة وجماهير التابعين، ومالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم.

    وذهب إلى انتقاض الوضوء به أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ويحيى بن يحيى وأبو بكر بن المنذر وابن خزيمة، واختاره الحافظ أبو بكر البيهقي ، وحُكيَ عن أصحاب الحديث مطلقاً، وحكي عن جماعة من الصحابة.

    واحتج هؤلاء بحديث جابر بن سمرة الذي رواه مسلم ، قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه : صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا حديثان: حديث جابر وحديث البراء ، وهذا المذهب أقوى دليلاً، وإن كان الجمهور على خلافه.

    قلت: صدق، وقوله بأن هذا قول الخلفاء الأربعة فيه نظر؛ فإن ذلك يحتاج إلى ثبوت النقل عنهم، ثم كيف يخفى هذا على الخلفاء الأربعة ولاسيما الشيخين؟! فبعيد أن يخفى عليهم مثل هذا الحكم.

    قال: وقد أجاب الجمهور عن هذا الحديث بحديث جابر : (كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار)، ولكن هذا الحديث عام، وحديث الوضوء من لحوم الإبل خاص، والخاص مقدَّم على العام. انتهى.

    قال الحافظ في (التلخيص): قال البيهقي : حكى بعض أصحابنا عن الشافعي قال: إن صح الحديث في لحوم الإبل قلت به.

    قال البيهقي : قد صح فيه حديثان: حديث جابر بن سمرة وحديث البراء ، قاله أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه . انتهى.

    قلت: فيكون مذهباً له.

    1.   

    الوضوء من مس الذكر

    شرح حديث: (من مس ذكره فلا يصل حتى يتوضأ)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: الوضوء من مس الذكر.

    حدثنا إسحاق بن منصور قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن هشام بن عروة قال: أخبرني أبي عن بسرة بنت صفوان رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من مس ذكره فلا يصل حتى يتوضأ).

    قال: وفي الباب عن أم حبيبة وأبي أيوب وأبي هريرة وأروى بنت أنيس وعائشة وجابر وزيد بن خالد وعبد الله بن عمرو رضي الله عنهم ].

    قلت: قال البخاري : هو أصح شيء في هذا الباب. أي: حديث بسرة بنت صفوان ، وهو يوجب الوضوء من مس الذكر إذا مس اللحم اللحم من دون حائل، وأما إذا مسه من وراء قفازين، أو من وراء الثوب فلا.

    والمراد بالكف هنا ظاهر الكف أو باطنه، فإذا مس ذكره بظهر كفه أو بطنها انتقض وضوؤه، وأما إذا مسه بذراعه، أو برجله، أو مسه من وراء حائل فلا.

    وهو أصح من حديث طلق بن علي أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل إذا مس ذكره فقال: (هو بضعة منك) فهذا قاله النبي صلى الله عليه وسلم قديماً حين جاءه طلق بن علي وهو يبني مسجده عليه الصلاة والسلام، فهو منسوخ بحديث بسرة عند جمع من أهل العلم، وهو أرجح وأصح عند آخرين، ولهذا قال البخاري : هو أصح شيء في هذا الباب.

    قال رحمه الله تعالى: [ قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح، وهكذا روى غير واحد مثل هذا عن هشام بن عروة عن أبيه عن بسرة .

    وروى أبو أسامة وغير واحد هذا الحديث عن هشام بن عروة عن أبيه عن مروان عن بسرة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، حدثنا بذلك إسحاق بن منصور حدثنا أبو أسامة بهذا.

    وروى هذا الحديث أبو الزناد عن عروة عن بسرة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    حدثنا بذلك علي بن حجر قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عروة عن بسرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه.

    وهو قول غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين، وبه يقول الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق ، قال محمد : وأصح شيء في هذا الباب حديث بسرة ].

    قلت: محمد هو البخاري .

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقال أبو زرعة : حديث أم حبيبة في هذا الباب أصح، وهو حديث العلاء بن الحارث عن مكحول عن عنبسة بن أبي سفيان عن أم حبيبة رضي الله عنها.

    وقال محمد : لم يسمع مكحول من عنبسة بن أبي سفيان ، وروى مكحول عن رجل عن عنبسة غير هذا الحديث، وكأنه لم ير هذا الحديث صحيحاً ].

    قال صاحب التحفة: قوله: (وفي الباب عن أم حبيبة وأبي هريرة وأروى بنت أنيس وعائشة وجابر وزيد بن خالد وعبد الله بن عمرو )، وأيضاً في الباب عن سعد بن أبي وقاص وأم سلمة وابن عباس وابن عمر وطلق بن علي والنعمان بن بشير وأنس وأبي بن كعب ومعاوية بن حيدة وقبيصة .

    فأما حديث أم حبيبة فأخرجه ابن ماجه والأثرم ، وصححه أحمد وأبو زرعة ، كذا في (المنتقى).

    وقال الخلال في العلل: صحح أحمد حديث أم حبيبة ، وقال ابن السكن : لا أعلم به علة. كذا في (التلخيص).

    وأما حديث أبي أيوب فأخرجه ابن ماجة .

    وأما حديث أبي هريرة فتقدم تخريجه، وأما حديث أروى ابنة أنيس -بضم الهمزة وفتح النون مصغراً- فأخرجه البيهقي ، قال الحافظ في (التلخيص): وسأل الترمذي البخاري عنه فقال: ما تصنع بهذا؟! لا تشتغل به.

    وأما حديث عائشة فأخرجه الدارقطني وضعفه، قال الحافظ : وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو .

    وأما حديث جابر فأخرجه ابن ماجه والأثرم ، وقال ابن عبد البر : إسناده صالح. وقال الضياء : لا أعلم بإسناده بأساً. وقال الشافعي : سمعت جماعة من الحفاظ غير ابن نافع يرسلونه.

    وأما حديث زيد بن خالد فأخرجه أحمد والبزار .

    وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه أحمد والبيهقي من طريق بقية حدثني محمد بن الوليد الزبيدي حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه: (أيما رجل مس فرجه فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ).

    قال الترمذي في (العلل) عن البخاري : هو عندي صحيح.

    وأما حديث سعد بن أبي وقاص فأخرجه الحاكم .

    وأما حديث أم سلمة فذكره الحاكم .

    وأما حديث ابن عباس فأخرجه البيهقي ، وفي إسناده الضحاك بن حمزة ، وهو منكر الحديث.

    وأما حديث ابن عمر فأخرجه الدارقطني والبيهقي .

    وأما حديث طلق بن علي فأخرجه الطبراني وصححه.

    وأما حديث النعمان بن بشير فذكره ابن منده .

    قلت: قال الطبراني : حدثنا الحسن بن علي الفسوي حدثنا محمد بن محمد الحنفي حدثنا حماد بن محمد الحنفي قال: حدثنا أيوب بن عتبة عن قيس بن أيوب بن عتبة عن قيس بن طلق عن أبيه طلق بن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من مس فرجه فليتوضأ) ].

    وقال: لم يروه عن أيوب بن عتبة إلا حماد بن محمد ، وقد روى الحديث الآخر حماد بن محمد ، وهما عندي صحيحان، ويشبه أن يكون سمع الحديث الأول من النبي صلى الله عليه وسلم -يعني السابق قبل هذا- ثم سمع هذا بعد، فوافق حديث بسرة وأم حبيبة وأبي هريرة وزيد بن خالد الجهني .

    قلت: وكل هذه الروايات تقوي حديث بسرة ، وتدل على أن العمل عليه دون حديث طلق بن علي : (إنما بضعة منك)، بل قد روي عن طلق بن علي نفسه حديث: (من مس فرجه فليتوضأ)، وفيه بعض الضعف، وهو يوافق حديث بسرة ، فهو يؤيد أن حديث طلق بن علي الأول إما منسوخ، أو مرجوح بتقديم حديث بسرة بنت صفوان عليه.

    وأما من قال: إن هذا الحديث يدل على الاستحباب جمعاً بينه وبين حديث طلق بن علي فليس بظاهر؛ لأنه ليس هناك دليل يدل على الاستحباب.

    فالصواب أن حديث طلق إما منسوخ أو ضعيف، وأنه يجب الوضوء من ذلك، فالأحاديث صريحة في وجوب الوضوء.

    قال الشارح: وقال الحافظ الحازمي في كتاب (الاعتبار): وممن روي عنه الإيجاب -يعني إيجاب الوضوء من مس الذكر- من الصحابة: عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأبو أيوب الأنصاري وزيد بن خالد وأبو هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص وجابر وعائشة وأم حبيبة وبسرة بنت صفوان وسعد بن أبي وقاص -في إحدى الروايتين- وابن عباس -في إحدى الروايتين- رضوان الله عليهم أجمعين، ومن التابعين: عروة بن الزبير وسليمان بن يسار وعطاء بن أبي رباح وأبان بن عثمان وجابر بن زيد والزهري ومصعب بن سعد ويحيى بن كثير عن رجال من الأنصار، وسعيد بن المسيب -في أصح الروايتين- وهشام بن عروة والأوزاعي وأكثر أهل الشام والشافعي وأحمد وإسحاق ، والمشهور من قول مالك أنه كان يوجب منه الوضوء. ا هـ

    قلت: وهذا الحكم عام؛ لأن الأحاديث التي فيها لفظة: (فرج) تشمل الرجال والنساء، ويجب الوضوء من المس ولو كان بدون قصد.

    وبعضهم يسأل عن القابلة تضع قضيباً في يدها فتولد المرأة الحامل، فهل ينتقض وضوءها؟

    فنقول: نعم ينتقض، وهذه حالة ليست دائمة، بل هي نادرة، فينبغي لها أن تتوضأ ولا يكلفها ذلك شيء.

    1.   

    ما جاء في ترك الوضوء من مس الذكر

    شرح حديث طلق بن علي في ترك الوضوء من مس الذكر

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: ما جاء في ترك الوضوء من مس الذكر.

    حدثنا هناد حدثنا ملازم بن عمرو عن عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق بن علي -هو الحنفي - عن أبيه رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وهل هو إلا مضغة منه أو بضعة منه).

    وفي الباب عن أبي أمامة رضي الله عنه.

    قال أبو عيسى : وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وبعض التابعين أنهم لم يروا الوضوء من مس الذكر، وهو قول أهل الكوفة وابن المبارك ].

    قال صاحب (تحفة الأحوذي): قوله: (وفي الباب عن أبي أمامة ). أخرجه ابن ماجه ، وفي سنده جعفر بن الزبير ، وهو متروك والقاسم وهو ضعيف .

    قال الحافظ الزيلعي : وهو حديث ضعيف، قال البخاري والنسائي والدارقطني في جعفر بن الزبير : متروك، والقاسم أيضاً ضعيف.

    قوله: (وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم) وبعض أنهم لم يروا الوضوء من مس الذكر، وهو قول أهل الكوفة وابن المبارك.

    قال الحازمي في كتاب (الاعتبار): وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب، فذهب بعضهم إلى حديث طلق بن علي ، ورأوا ترك الوضوء من مس الذكر، روي ذلك عن علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وحذيفة بن اليمان وعمران بن حصين وأبي الدرداء وسعد بن أبي وقاص في إحدى الروايتين، وسعيد بن المسيب في إحدى الروايتين، وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وربيعة بن عبد الرحمن وسفيان الثوري وأبي حنيفة وأصحابه ويحيى بن معين وأهل الكوفة. ا هـ

    واستدل هؤلاء بحديث طلق بن علي المذكور في هذا الباب.

    وأجاب ابن الهمام عن حديث بسرة بنت صفوان المذكور في الباب المتقدم بأن حديث طلق بن علي يترجح عليه بأن حديث الرجال أقوى؛ لأنهم أحفظ للعلم وأضبط، ولهذا جُعلت شهادة امرأتين بمنزلة رجل.

    قلت: وهذه دعوى تحتاج إلى دليل.

    قال: وفيه أن بسرة بنت صفوان لم تنفرد بحديث إيجاب الوضوء من مس الذكر، بل رواه عدة من رجال الصحابة، منهم: أبو هريرة ، وحديثه صحيح كما عرفت، ومنهم عبد الله بن عمرو ، وحديثه -أيضاً- صحيح كما عرفت، ومنهم جابر ، وإسناد حديثه صالح كما عرفت، ومنهم زيد بن خالد وسعد بن أبي وقاص وابن عباس وابن عمر وغيرهم، وتقدم تخريج أحاديثهم.

    قلت: إذاً: فالقول بأن بسرة انفردت به من تعصب الحنفية المعروف، فقد رواه عدة من الصحابة.

    قال: وأجاب بعضهم بأن حديث طلق أثبت من حديث بسرة ، فقد أسند الطحاوي إلى ابن المديني أنه قال: حديث ملازم بن عمرو أحسن من حديث بسرة ، وعن عمرو بن علي الفلاس أنه قال: حديث طلق عندنا أثبت من حديث بسرة .

    وفيه أن الظاهر أن حديث بسرة هو الأثبت والأقوى والأرجح، قال البيهقي : يكفي في ترجيح حديث بسرة على حديث طلق أن حديث طلق لم يخرجه الشيخان، ولم يحتجا بأحد من رواته، وحديث بسرة قد احتجا بجميع رواته، كذا في (التلخيص).

    وقال في حاشيته على شرح الوقاية: إن أحاديث النقض أكثر وأقوى من أحاديث الرخصة. ا هـ

    وأجاب بعضهم بأن حديث بسرة منسوخ بحديث طلق ، وفيه أن هذا دعوى من غير دليل، بل الدليل يقتضي خلافه كما ستعرف عن قريب.

    وأجاب بعضهم بأن المراد بالوضوء في حديث بسرة الوضوء اللغوي، أو غسل اليد.

    وفيه أن الواجب أن تحمل الألفاظ الشرعية على معانيها الشرعية، على أنه قد وقع في حديث ابن عمر عند الدارقطني : (فليتوضأ وضوءه للصلاة).

    وقال بعضهم: إن حديث بسرة وحديث طلق تعارضا فتساقطا، والأصل عدم النقض.

    وذكر في المغني رواية عن أحمد في تعمد مس الذكر، فقال:

    فصل: فعلى رواية النقض لا فرق بين العامد وغيره، وبه قال الأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبو أيوب وأبو خيثمة ؛ لعموم الخبر، وعن أحمد : لا ينتقض الوضوء إلا بمسه قاصداً مسه.

    قال أحمد بن الحسين : قيل لـأحمد : الوضوء من مس الذكر؟ فقال: هكذا، فقبض على يده، وهذا قول مكحول وطاوس وسعيد بن الجبير وحميد الطويل ، قالوا: إن مسه يريد وضوءاً وإلا فلا شيء عليه؛ لأنه لمس، فلا ينقض الوضوء من غير قصد، كلمس النساء.

    قلت: هذه رواية مرجوحة.

    قال رحمه الله تعالى: [ قال أبو عيسى : وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وبعض التابعين أنهم لم يروا الوضوء من مس الذكر، وهو قول أهل الكوفة وابن المبارك ، وهذا الحديث أحسن شيء روي في هذا الباب ].

    قلت: وهذا كما قال البخاري .

    قال رحمه الله تعالى: [ وقد روى هذا الحديث أيوب بن عتبة ومحمد بن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه، وقد تكلم بعض أهل الحديث في محمد بن جابر وأيوب بن عتبة ، وحديث ملازم بن عمرو عن عبد الله بن بدر أصح وأحسن ].

    قوله: [ وهذا الحديث أحسن شيء روي في هذا الباب ].

    قال في الشرح: وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه ، وصححه ابن حبان والطبراني وابن حزم ، وقال ابن المديني : هو أحسن من حديث بسرة ، وضعفه الشافعي وأبو حاتم وأبو زرعة والدارقطني والبيهقي وابن الجوزي ، وادعى فيه النسخ ابن حبان والطبراني وابن العربي والحازمي وآخرون، كذا في (التلخيص).

    قلت: الخلاف مشهور، لكن حديث بسرة أصح.

    قلت: والصواب أن المس خاص باليد، ففي بعض الروايات: (من مس فرجه بيده فليتوضأ)، واليد إذا أطلقت فالمراد بها الكف، كما قال تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة:38]، والمراد الكف إلى الرسغ، والمراد بالكف ظاهره وباطنه.

    وهذا قول عطاء والأوزاعي ، وقال مالك والليث والشافعي وإسحاق : لا ينقض مسه إلا بباطن كفه؛ لأن ظاهر الكف ليس بآلة اللمس، فأشبه ما لو مسه بفخذه.

    ولكن الصواب أن الباطن والظاهر سواء، فلا فرق في الكف بين ظاهرها وباطنها، وأما المس بالذراع أو الرجْل أو الفخذ فلا ينقض الوضوء.