إسلام ويب

شرح جامع الترمذي المقدمةللشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يعد علم الحديث من أجل العلوم وأنبلها، وذلك لما له من أهمية في معرفة أحوال وحياة النبي صلى الله عليه وسلم، ولما له من حاجة في حياة وشؤون الناس، وقد أفرده العلماء رحمهم الله تعالى بالتأليف والتصنيف، وذلك خدمة لسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وحتى يتسنى للناس الاقتداء بنبيهم في كل أمر.

    1.   

    مقدمة المباركفوري على شرح جامع الترمذي

    حد علم الحديث وموضوعه وغايته

    هذه المقدمة من المباركفوري شارح سنن الترمذي رحمه الله.

    قال رحمه الله تعالى: [ الحمد لله الذي شرح صدور أصفيائه بعلوم كلامه المعجز القديم، وعرف أولياءه بمعارف كتابه المهيمن الكريم، وروح أرواح أهل وداده بفوحات عرف ذكره الحكيم.

    والصلاة والسلام على رسوله الذي بين للناس ما نزل إليهم وهداهم إلى الصراط المستقيم، وعلى آله وأصحابه الذين هم كالنجوم في نقل أموره وأيامه وسننه وتبليغ دينه القويم.

    أما بعد:

    فهذه فوائد مهمة فريدة، ومباحث جمة مفيدة، ومعارف رائقة عجيبة، وعوارف رائعة غريبة، وتحقيقات بديعة لطيفة، وأبحاث نفيسة شريفة، لا يستغني عنها كل من يشتغل بعلم الحديث وكتبه، بل لا بد منها لمن يشتغل بالجامع الصحيح للإمام الهمام: أبي عيسى الترمذي رحمه الله، جمعها وحررها إمام العصر، مسند الوقت، شيخ المعارف وإمامها، ومن في يديه زمامها، المحقق المحدث الفقيه الأجل، الشيخ أبو العلاء محمد بن عبد الرحمن المباركفوري طيب الله ثراه، وجعل الجنة مثواه، صنفها وجعلها مقدمة لشرحه تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي، وهي مشتملة على بابين:

    الباب الأول: في فوائد متعلقة بعلم الحديث وأهله وكتبه عموماً.

    الباب الثاني: في فوائد متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه خصوصاً، تقبلها الله ونفع بها المسلمين. قال: بسم الله الرحمن الرحيم

    الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً، وفيه أحد وأربعون فصلاً:

    الفصل الأول: في حد علم الحديث وموضوعه وغايته، قال الكرماني في شرح البخاري : اعلم أن علم الحديث موضوعه: هو ذات رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وحده: هو علم يعرف به أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفعاله وأحواله.

    وغايته: هو الفوز بسعادة الدارين. قال السيوطي : هذا الحد مع شموله لعلم الاستنباط غير محرر، ولم يزل شيخنا العلامة محيي الدين الكافيجي يتعجب من قوله: إن موضوع علم الحديث: ذات الرسول. ويقول: هذا موضوع الطب لا موضوع الحديث، كذا في التدريب.

    قلت: والعجب كل العجب من الكافيجي كيف أنه تعجب من قول الكرماني: إن موضوع علم الحديث: ذات الرسول. وكيف قال: إن هذا موضوع الطب لا موضوع الحديث؟! ألم يعلم أن موضوع الطب هو بدن الإنسان من حيث الصحة والمرض، لا ذات رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن قال: إن ذات رسول الله صلى الله عليه وسلم من أفراد بدن الإنسان، فبهذا الاعتبار صار ذاته صلى الله عليه وسلم موضوع الطب.

    قلنا: لم يقل الكرماني: إن موضوع علم الحديث ذات رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث الصحة والمرض، بل قال: موضوع علم الحديث ذات رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعد تقييده بهذه الحيثية كيف يكون ذاته صلى الله عليه وسلم موضوع الطب؟! والعجب من السيوطي أيضاً أنه نقل كلام شيخه الكافيجي هذا وسكت.

    وقال صاحب كشف الظنون: علم الحديث: هو علم يعرف به أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وأحواله. فاندرج فيه معرفة موضوعه.

    وأما غايته: فهي الفوز بسعادة الدارين، كذا في الفوائد الخاقانية.

    وهو ينقسم إلى:

    العلم برواية الحديث. وهو علم يبحث فيه عن كيفية اتصال الأحاديث بالرسول عليه الصلاة والسلام، من حيث أحوال رواتها ضبطاً وعدالة، ومن حيث كيفية السند اتصالاً وانقطاعاً وغير ذلك، وقد اشتهر بأصول الحديث.

    العلم بدراية الحديث. وهو علم يبحث عن المعنى المفهوم من ألفاظ الحديث، وعن المراد منها، مبنياً على قواعد العربية وضوابط الشريعة، ومطابقاً لأحوال النبي صلى الله عليه وسلم.

    وموضوعه: أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم من حيث دلالتها على المعنى المفهوم أو المراد.

    وغايته: التحلي بالآداب النبوية، والتخلي عما يكرهه وينهاه، ومنفعته أعظم المنافع كما لا يخفى على المتأمل.

    ومبادئه: العلوم العربية كلها، ومعرفة القصص والأخبار المتعلقة بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومعرفة الأصلين والفقه وغير ذلك، كذا في مفتاح السعادة. انتهى ما في الكشف.

    وقال الجزائري : قد قسموا علم الحديث إلى قسمين:

    قسم يتعلق بروايته، وقسم يتعلق بدرايته.

    قال ابن الأكفاني في إرشاد القاصد: علم رواية الحديث: علم ينقل أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله بالسماع المتصل وضبطها وتحريرها.

    وعلم دراية الحديث: علم يتعرف منه أنواع الرواية وأحكامها وشروط الرواة وأصناف المرويات واستخراج معانيها.

    قال الجزائري : والأولى تسمية هذا الفن، أي: فن مصطلح الحديث، الذي سماه ابن الأكفاني بعلم دراية الحديث، باسمه المعروف، أعني: مصطلح أهل الأثر؛ فإنه أدل على المقصود، وليس فيه شيء من الإبهام والإيهام، وقد جرى على ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله، فسمى رسالته المشهورة فيه: نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر. انتهى.

    وذكر صاحب الحطة تعريف علم الحديث في فصلين فقال:

    الفصل الأول: في علم الحديث رواية، وهو: علم يبحث فيه عن كيفية اتصال الحديث برسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث الصحة والضعف، ومن أحوال رواتها ضبطاً وعدالة، وأحوال رجالها جرحاً وتعديلاً، ومن حيث كيفية السند اتصالاً وانقطاعاً وغير ذلك، وقد اشتهر بأصول الحديث.

    وقال الباجوري في حاشيته على الشمائل المحمدية: إنهم عرفوا علم الحديث رواية بأنه: علم يشتمل على نقل ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قيل: أو إلى صحابي أو إلى من دونه قولاً أو فعلا أو تقريراً أو صفة.

    وموضوعه: ذات النبي صلى الله عليه وسلم من حيث إنه نبي لا من حيث إنه إنسان مثلاً.

    وواضعه: أصحابه صلى الله عليه وسلم الذين تصدوا لضبط أقواله وأفعاله وتقريراته وصفاته.

    وغايته: الفوز بسعادة الدارين.

    ومسائله: قضاياه التي تذكر ضمناً، كقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات). فإنه متضمن لقضية قائله: (إنما الأعمال بالنيات) من أقواله صلى الله عليه وسلم.

    واسمه: علم الحديث رواية.

    ونسبته: أنه من العلوم الشرعية، وهي: الفقه، والتفسير، والحديث.

    وفضله: أن له شرفاً عظيماً من حيث أنه تعرف به كيفية الاقتداء به صلى الله عليه وسلم.

    وحكمه: الوجوب العيني على من انفرد، والكفائي على من تعدد.

    واستمداده: من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريره وهمه وأوصافه الخلقية، وأخلاقه المرضية. فهذه هي المبادئ العشرة.

    الفصل الثاني: في علم الحديث دراية، وهو المراد عند الإطلاق، وهو علم يعرف به حال الراوي والمروي من حيث القبول والرد، وما يتبع ذلك.

    وموضوعه: الراوي والمروي من الحيثية المذكورة.

    وغايته: معرفة ما يقبل وما يرد من ذلك.

    ومسائله: ما يذكر في كتبه من المقاصد، كقولك: كل حديث صحيح يقبل.

    وواضعه: ابن شهاب الزهري في خلافة عمر بن عبد العزيز بأمره، وقد أمر أتباعه بعد فناء العلماء العارفين بالحديث بجمعه، ولولاه لضاع الحديث.

    واسمه: علم الحديث دراية.

    وبقية المبادئ العشرة تعلم مما تقدم، لأنه قد شارك فيه النوع الثاني الأول. كذا في حاشية الباجوري انتهى ما في الحطة.

    قلت: قد ظهر من هذه العبارات أن علم الحديث يطلق على ثلاثة معان:

    الأول: أنه علم يعرف به أقوال رسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله وأحواله، وقد قيل له: العلم برواية الحديث كما في عبارة ابن الأكفاني والباجوري .

    الثاني: أنه علم يبحث فيه عن كيفية اتصال الأحاديث بالرسول صلى الله عليه وسلم، من حيث أحوال رواتها ضبطاً وعدالة، ومن حيث كيفية السند اتصالاً وانقطاعاً وغير ذلك.

    وعلم الحديث بهذا المعنى الثاني هو المعروف بعلم أصول الحديث وقد قيل له: العلم برواية الحديث أيضاً كما في عبارة الكشف والحطة.

    وقد قيل له: العلم بدراية الحديث أيضاً، كما في عبارة ابن الأكفاني والباجوري .

    الثالث: أنه علم يبحث عن المعنى المفهوم من ألفاظ الحديث وعن المراد منها، مبنياً على قواعد العربية وضوابط الشريعة، ومطابقاً لأحوال النبي صلى الله عليه وسلم، كما في عبارة الكشف، فاحفظ هذا ].

    إذاً: علم الحديث رواية: يبحث في حال النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله وأفعاله.

    وعلم الحديث دراية: يبحث في اتصال السند، وعدالة الرواة وجرحهم.

    والغاية هي: معرفة المعاني والأحكام المستنبطة من ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم.

    قوله: [ وقال العلامة الشيخ زكريا بن محمد الأنصاري في فتح الباقي شرح ألفية العراقي: الحديث ويرادفه الخبر على الصحيح: ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: أو إلى صحابي أو إلى من دونه قولاً أو فعلاً أو تقريراً أو صفة، ويعبر عن هذا بعلم الحديث رواية، ويحد بأنه علم يشتمل على نقل ذلك.

    وموضوعه: ذات النبي صلى الله عليه وسلم من حيث إنه نبي.

    وغايته: الفوز بسعادة الدارين.

    وأما علم الحديث دراية، وهو المراد عند الإطلاق كما في النظم، يعني: قول الناظم من الرجز:

    فهذه المقاصد المهمة توضح من علم الحديث رسمه

    فهو علم يعرف به حال الراوي والمروي من حيث القبول والرد.

    وموضوعه: الراوي والمروي من حيث ذلك.

    وغايته: معرفة ما يقبل وما يرد من ذلك.

    ومسائله: ما يذكر في كتبه من المقاصد. انتهى.

    وقال العلامة عز الدين بن جماعة : علم الحديث: علم بقوانين يعرف بها أحوال السند والمتن، وقد نظمه الجلال السيوطي فقال:

    علم الحديث ذو قوانين تحد يدرى به أحوال متن وسند

    فذانك الموضوع والمقصود أن يعرف المقبول والمردود ].

    حد المحدث والحافظ والمسند

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فائدة في حد المحدث والحافظ والمسند.

    قال السيوطي في التدريب: اعلم أن أدنى درجات الثلاثة (من المحدث والحافظ والمسند) والمسند - بكسر النون - وهو من يروي الحديث بإسناده، سواء كان عنده علم به، أو ليس له إلا مجرد رواية، وأما المحدث فهو أرفع منه.

    قال الرافعي وغيره: إذا أوصى للعلماء لم يدخل الذين يسمعون الحديث، ولا علم لهم بطرقه، ولا بأسماء الرواة والمتون؛ لأن السماع المجرد ليس بعلم.

    وقال التاج بن يونس في شرح التعجيز: إذا أوصى المحدث تناول من علم طرق إثبات الحديث وعدالة رجاله؛ لأن من اقتصر على السماع فقط ليس بعالم، وكذا قال السبكي في شرح المنهاج.

    وقال القاضي عبد الوهاب : ذكر عيسى بن أبان عن مالك أنه قال: لا يؤخذ العلم عن أربعة، ويؤخذ عمن سواهم: لا يؤخذ عن مبتدع يدعو إلى بدعة، ولا عن سفيه يعلن بالسفه، ولا عمن يكذب في أحاديث الناس وإن كان يصدق في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عمن لا يعرف هذا الشأن.

    قال القاضي: فقوله: ولا عمن لا يعرف هذا الشأن. مراده: إذا لم يكن ممن يعرف الرجال من الرواة، ولا يعرف هل زيد في الحديث شيء أو نقص؟

    وقال الزركشي : أما الفقهاء فاسم المحدث عندهم لا يطلق إلا على من حفظ سند الحديث، وعلم عدالة رجاله وجرحها دون المقتصر على السماع.

    وقال الشيخ تقي الدين السبكي: أنه سأل الحافظ جمال الدين المزني عن حد الحفظ الذي إذا انتهى إليه الرجل جاز أن يطلق عليه الحافظ، قال: يرجع إلى أهل العرف. فقلت: وأين أهل العرف قليل جداً؟ قال: أقل ما يكون أن يكون الرجال الذين يعرفهم ويعرف تراجمهم وأحوالهم وبلدانهم أكثر من الذين لا يعرفهم؛ ليكون الحكم للغالب. فقلت له: هذا عزيز في هذا الزمان، أدركت أنت أحداً كذلك؟ فقال: ما رأينا مثل الشيخ شرف الدين الدمياطي .

    ثم قال: وابن دقيق العيد كان له في هذا مشاركة جيدة، ولكن أين السهى من الثرى؟ فقلت: كان يصل إلى هذا الحد. قال: ما هو إلا كان يشارك مشاركة جيدة في هذا، أعني: في الأسانيد، وكان في المتون أكثر؛ لأجل الفقه والأصول.

    وقال الشيخ فتح الدين بن سيد الناس : وأما المحدث في عصرنا: فهو من اشتغل بالحديث رواية ودراية، وجمع رواة، واطلع على كثير من الرواة والروايات في عصره، وتميز في ذلك حتى عرف فيه حظه، واشتهر فيه ضبطه، فإن توسع في ذلك حتى عرف شيوخه وشيخ شيوخه طبقة بعد طبقة، بحيث يكون ما يعرفه من كل طبقة أكثر مما يجهله منها، فهذا هو الحافظ.

    وأما ما يحكى عن بعض المتقدمين من قولهم: كنا لا نعد صاحب حديث من لم يكتب عشرين ألف حديث في الإملاء فذلك بحسب أزمنتهم. انتهى.

    وسأل شيخ الإسلام أبو الفضل بن حجر شيخه أبا الفضل العراقي فقال: ما يقول سيدي في الحد الذي إذا بلغه الطالب في هذا الزمان استحق أن يسمى حافظاً، وهل يتسامح بنقص بعض الأوصاف التي ذكرها المزني وأبو الفتح في ذلك؛ لنقص زمانه أم لا؟

    فأجاب: الاجتهاد في ذلك يختلف باختلاف غلبة الظن، في وقت ببلوغ بعضهم للحفظ وغلبته في وقت آخر، وباختلاف من يكون كثير المخالطة للذي يصفه بذلك، وكلام المزني فيه ضيق، بحيث لم يسم ممن رآه بهذا الوصف إلا الدمياطي ، وأما كلام أبي الفتح فهو أسهل، بأن ينشط بعد معرفة شيوخه إلى شيوخ شيوخه وما فوق.

    ولا شك أن جماعة من الحفاظ المتقدمين كان شيوخهم التابعين، أو أتباع التابعين، وشيوخ شيوخهم الصحابة أو التابعين، فكان الأمر في هذا الزمان أسهل باعتبار تأخر الزمان، فإن اكتفي بكون الحافظ يعرف شيوخه وشيوخ شيوخه، أو طبقة أخرى، فهو سهل لمن جعله فيه ذلك دون غيره من حفظ المتون والأسانيد، ومعرفة أنواع علوم الحديث كلها، ومعرفة الصحيح من السقيم، والمعمول به من غيره، واختلاف العلماء واستنباط الأحكام، فهو أمر ممكن بخلاف ما ذكر من جميع ما ذكر، فإنه يحتاج إلى فراغ وطول عمر وانتفاء الموانع.

    وقد روي عن الزهري أنه قال: لا يولد الحافظ إلا في كل أربعين سنة. فإن صح كان المراد: رتبة الكمال في الحفظ والإتقان، وإن وجد في زمانه من يوصف بالحفظ، وكم من حافظ وغيره أحفظ منه. انتهى ما في التدريب مختصراً.

    وقيل: الحافظ من أحاط علمه بمائة ألف حديث.

    والحجة: من أحاط علمه بثلاثمائة ألف حديث.

    والحاكم: من أحاط علمه بجميع الأحاديث المروية متناً وإسناداً وجرحاً وتعديلاً وتاريخاً.

    وذكر القاري في شرح شرح النخبة عن العلامة الجزري أن الراوي: هو الناقل للحديث بالإسناد.

    والمحدث: من تحمل الحديث رواية واعتنى به دراية.

    والحافظ: من روى ما يصل إليه ووعى ما يحتاج إليه ].

    فضل علم الحديث وأهله

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ الفصل الثاني: في فضيلة علم الحديث وأهله.

    اعلم أن أنف العلوم الشرعية ومفتاحها ومشكاة الأدلة السمعية ومصباحها، وعمدة المناهج اليقينية ورأسها، ومبنى شرائع الإسلام وأساسها، ومستند الروايات الفقهية كلها، ومأخذ الفنون الدينية دقها وجلها، وأسوة جملة الأحكام وأسها، وقاعدة جميع العقائد وإسطقفها، وسماء العبادات وقطب مدارها، ومركز المعاملات ومحط جارها وقارها؛ هو علم الحديث الشريف ].

    قوله: (هو علم الحديث) خبر إن، أي: اعلم أن كذا هو علم الحديث، فالجملة تكون خبراً.

    قوله: [ الذي تعرف به جوامع الكلم، وتنفجر منه ينابيع الحكم، وتدور عليه رحى الشرع بالأسر، وهو ملاك كل نهي وأمر، ولولاه لقال من شاء ما شاء، وخبط الناس خبط عشواء، وركبوا متن عمياء، فطوبى لمن جد فيه وحصل منه على تنويه، يملك من العلوم النواصي، ويقرب من أطرافها البعيد القاصي، ومن لم يرفع من دره ولم يخض في بحره ولم يقتطف من زهره، ثم تعرض للكلام في المسائل والأحكام، فقد جار فيما حكم وقال على الله تعالى ما لم يعلم] يعني: حاف في حكمه، والجور: هو الحيف والميل.

    قوله: [ وقال على الله ما لم يعلم، كيف وهو كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، والرسول أشرف الخلق كلهم أجمعين، وقد أوتي جوامع الكلم، وسواطع الحكم من عند رب العالمين، فكلامه أشرف الكلم وأفضلها، وأجمع الحكم وأكملها، وكما قيل:

    كلام الملوك ملك الكلام هو تلو كلام الله العلام، وثاني أدلة الأحكام، فإن علوم القرآن وعقائد الإسلام بأسرها، وأحكام الشريعة المطهرة بتمامها، وقواعد الطريقة الحقة بحذافيرها، وكذا الكشفيات والعقليات بنقيرها وقطميرها، تتوقف على بيانه صلى الله عليه وسلم، فإنها ما لم توزن بهذا القسطاس المستقيم، ولم تضرب على ذلك المعيار القويم، لا يعتمد عليها ولا يصار إليها.

    فهذا العلم المنصوص والبناء المرصوص، بمنزلة الصراف لجواهر العلوم عقليها ونقليها، وكالنقاد لنقود كل فنون أصليها وفرعيها، من وجوه التفاسير والفقهيات ونصوص الأحكام، ومأخذ عقائد الإسلام، وطرق السلوك إلى الله سبحانه وتعالى ذي الجلال والإكرام، فما كان منها كامل العيار في نقل هذا الصراف فهو الحري بالترويج والاشتهار، وما كان زيفاً غير جيد عند ذاك النقاد فهو القمين بالرد والطرد والإنكار، فكل قول يصدقه خبر الرسول صلى الله عليه وسلم فهو الأصلح للقبول، وكل ما لا يساعده الحديث والقرآن فذلك في الحقيقة سفسطة بلا برهان، فهي أي: علوم الأحاديث مصابيح الدجى، ومعالم الهدى، وبمنزلة البدر المنير، من انقاد لها فقد رشد واهتدى، وأوتي الخير الكثير، ومن أعرض عنها وتولى فقد غوي وهوى، وما زاد نفسه إلا التخسير؛ فإنه صلى الله عليه وسلم نهى وأمر، وأنذر وبشر، وضرب الأمثال وذكر، وإنها لمثل القرآن بل هي أكثر، وقد ارتبط بها اتباعه صلى الله عليه وسلم التي هي ملاك سعادة الدارين، والحياة الأبدية بلا مين، كيف وما الحق إلا فيما قاله صلى الله عليه وسلم أو عمل به، أو قرره أو أشار إليه، أو تفكر فيه أو خطر بباله، أو يحس في خلده واستقام عليه.

    فالعلم في الحقيقة هو علم السنة والكتاب والعمل بهما في كل إياب وذهاب، ومنزلته بين العلوم منزلة الشمس بين كواكب السماء، ومزية أهله على غيرهم من العلماء مزية الرجال على النساء، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فيا له من علم سيط بدمه الحق والهدى، ونيط بعنقه الفوز بالدرجات العلى، وقد كان الإمام محمد بن علي بن حسين رضي الله عنه يقول: إن من فقه الرجل بصيرته أو فطنته بالحديث. ولقد صدق، فإنه لو تأمل المتأمل بالنظر العميق والفكر الدقيق لعلم أن لكل علم خاصية، تتحصل بمزاولته للنفس الإنسانية، كيفية من الكيفيات الحسنة أو السيئة، وهذا علم تعطي مزاولته صاحب هذا العلم معنى الصحابية؛ لأنها في الحقيقة: هي الاطلاع على جزئيات أحواله صلى الله عليه وسلم، ومشاهدة أوضاعه في العبادات والعادات كلها، وعند بعد الزمان يتمكن هذا المعنى بمزاولته في مدركة المزاول، ويرتسم في خياله بحيث يصير في حكم المشاهدة والعيان، وإليه أشار القائل بقوله:

    أهل الحديث هم أهل النبي وإن لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا ].

    يعني: أن أهل الحديث لم يصحبوا ذاته، لكن صحبوا أنفاسه وأحواله عليه الصلاة والسلام.

    قوله: [ ويروى عن بعض العلماء أنه قال: أشد البواعث وأقوى الدواعي لي على تحصيل علم الحديث لفظ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فالحاصل أن أهل الحديث -كثر تعالى سوادهم، ورفع عمادهم- لهم نسبة خاصة، ومعرفة مخصوصة بالنبي صلى الله عليه وسلم لا يشاركهم فيها أحد من العالمين فضلاً عن الناس أجمعين؛ لأنهم الذين لا يزال يجري ذكر صفاته العلياء وأحواله الكريمة، وشمائله الشريفة على لسانهم، ولم يبرح تمثال جماله الكريم وخياله وجهه الوسيم، ونور حديثه المستبين يتردد في حلق وسط جنانهم، فعلاقة باطنهم بباطنه العلي متصلة، ونسبة ظاهرهم بظاهره النقي مسلسلة، وقال الله تعالى: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ [الإسراء:71].

    قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: يخبر تبارك وتعالى عن يوم القيامة أنه يحاسب كل أمة بإمامهم وقد اختلفوا في ذلك: فقال مجاهد وقتادة : أي: نبيهم وهذا كقوله تعالى: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ [يونس:47].

    وقال بعض السلف: هذا أكبر شرف لأصحاب الحديث؛ لأن إمامهم النبي صلى الله عليه وسلم. انتهى.

    وقد ورد في فضيلة علم الحديث وأهله أحاديث كثيرة، وأنا أقتصر هاهنا على ذكر خمسة:

    ذكر بعض الأحاديث التي أوردها الترمذي في فضل أهل الحديث

    الحديث الأول: روى الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: (أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة). وقال: هذا حديث حسن غريب.

    قال القاري في المرقاة في شرح المشكاة: ورواه ابن حبان في صحيحه، والأحاديث في هذا الباب كثيرة.

    قال ابن حبان عقب هذا الحديث: في الخبر بيان صحيح على أن أولى الناس برسول صلى الله عليه وسلم في القيامة يكون أصحاب الحديث، إذ ليس في هذه الأمة قوم أكثر صلاة عليه منهم.

    وقال غيره: لأنهم يصلون عليه قولاً وفعلاً. انتهى.

    وقال الخطيب في كتابه شرف أصحاب الحديث: قال لنا أبو نعيم : هذه منقبة شريفة يختص بها رواة الآثار ونقلتها؛ لأنه لا يعرف لعصابة من العلماء من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر مما يعرف لهذه العصابة نسخاً وذكراً.

    وقال أبو اليمن بن عساكر: ليهن أهل الحديث هذه البشرى، فقد أتم الله نعمه عليهم بهذه الفضيلة الكبرى، فإنهم أولى الناس بنبيهم، وأقربهم إن شاء الله تعالى وسيلة يوم القيامة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم يخلدون ذكره في طروسهم، ويجددون الصلاة والتسليم عليه ].

    قوله: (ليهن) أي: هنيئاً لهم.

    وقوله: (طروسهم) يعني: كتبهم الأوراق، وطرس: ما يكتب فيه، يعني: يكتبونه صلى الله عليه وسلم في كتاباتهم.

    قوله: [ ويجددون الصلاة والتسليم عليه في معظم الأوقات، في مجالس مذاكرتهم ودروسهم، فهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية، جعلنا الله منهم وحشرنا في زمرتهم. انتهى ].

    الحديث الثاني: روى الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول: (نضر الله امرأً سمع منا شيئاً فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى له من سامع). وقال: هذا حديث حسن صحيح. وفي الباب أحاديث أخرى.

    قال القاري : خص مبلغ الحديث كما سمعه بهذا الدعاء؛ لأنه سعى في نضارة العلم وتجديد السنة، فجازاه بالدعاء بما يناسب حاله، وهذا يدل على شرف الحديث وفضله ودرجة طلابه، حيث خصهم النبي صلى الله عليه وسلم بدعاء لم يشرك فيه أحداً من الأمة، ولو لم يكن في طلب الحديث وحفظه وتبليغه فائدة سوى أن يستفيد بركة هذه الدعوة المباركة لكفى ذلك فائدة وغنماً، وجل في الدارين حظاً وقسماً. انتهى.

    وقال القاضي أبو بكر بن العربي : قال علماء الحديث: ما من أحد يطلب الحديث إلا كان على وجهه نضرة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها).. الحديث.

    قال: وهذا دعاء من النبي صلى الله عليه وسلم لحملة علمه، ولا بد بفضل الله تعالى من نيل بركته.

    وإلى هذه النضرة أشار أبو العباس الزفي بقوله:

    أهل الحديث عصابة الحق فازوا بدعوة سيد الخلق.

    فوجوههم زهر منضرة لألاؤها كتألق البرق

    يا ليتني معهم فيدركني ما أدركوه بها من السبق

    الحديث الثالث: روى الطبراني في الأوسط عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم ارحم خلفائي. قلنا: يا رسول الله! ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يروون أحاديثي ويعلمونها الناس).

    قال القسطلاني في مقدمة إرشاد الساري بعد ذكر هذا الحديث: ولا ريب أن أداء السنن إلى المسلمين نصيحة لهم من وظائف الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فمن قام بذلك كان خليفة لمن يبلغ عنه، وكما لا يليق بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يهملوا أعاديهم ولا ينصحوهم، كذلك لا يحسن لطالب الحديث وناقل السنن أن يمنحها صديقه ويمنعها عدوه، فعلى العالم بالسنة أن يجعل أكبر همه نشر الحديث، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتبليغ عنه حيث قال: (بلغوا عني ولو آية). الحديث رواه البخاري .

    قال المظهري : أي: بلغوا عني أحاديثي ولو كانت قليلة. قال البيضاوي: قال: ولو آية، ولم يقل ولو حديثاً، لأن الأمر بتبليغ الحديث يفهم منه بطريق الأولوية، فإن الآيات مع انتشارها وكثرة حملتها تكفل الله تعالى بحفظها وصونها عن الضياع والتحريف. انتهى.

    وقال إمام الأئمة مالك رحمه الله تعالى: بلغني أن العلماء يسألون يوم القيامة عن تبليغهم العلم كما تسأله الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

    وقال سفيان الثوري : لا أعلم علماً أفضل من علم الحديث لمن أراد به وجه الله تعالى، إن الناس يحتاجون إليه حتى في طعامهم وشرابهم، فهو أفضل من التطوع بالصلاة والصيام؛ لأنه فرض كفاية. انتهى ].

    أي: أن الناس يحتاجونه في طعامهم وشرابهم، كيف يأكل؟ فيأكل بيده اليمنى، ويقول: باسم الله، ويأكل مما يليه، والشرب يشرب قائماً أو قاعداً، ويشرب بنفس واحد: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يشرب بنفس) وإذا شرب من القدح يشرب ثلاث مرات، وهكذا نحتاج إليه في كل شيء، فهو فرض كفاية، بخلاف نوافل الصوم والصلاة، فهذه نفعها قاصر، ولا أفضل من علم الحديث لمن أراد به وجه الله؛ لأنه يدخل على الناس في كل شيء: في طعامهم وشرابهم، وفي نومهم، ومضاجعهم، ومعاملاتهم مع ربهم، ومع أسرهم، ومع الناس أجمعين.

    الحديث الرابع: روى البيهقي في المدخل عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين). كذا في المشكاة.

    قال القسطلاني بعد ذكره من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه: وهذا الحديث رواه من الصحابة علي وابن عمر وابن عمرو وابن مسعود وابن عباس وجابر بن سمرة ومعاذ ، وأبو هريرة رضي الله عنهم.

    وأورده ابن عدي من طرق كثيرة كلها ضعيفة كما صرح به الدارقطني وأبو نعيم وابن عبد البر، لكن يمكن أن يتقوى بتعدد طرقه ويكون حسناً، كما جزم به ابن كيكلدي العلائي ، وفيه تخصيص حملة السنة بهذه المنقبة العلية، وتعظيم لهذه الأمة المحمدية، وبيان لجلالة قدر المحدثين وعلو مرتبتهم في العالمين؛ لأنهم يحمون مشارع الشريعة، ومتون الروايات من تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين بنقل النصوص المحكمة يرد المتشابه إليها.

    وقال النووي في أول تهذيبه: هذا إخبار منه صلى الله عليه وسلم لصيانة هذا العلم وحفظه وعدالة ناقليه، وأن الله تعالى يوفق له في كل عصر خلفاء من العدول يحملونه وينفون عنه التحريف؛ فلا يضيع، وهذا تصريح بعدالة حامليه في كل عصر، وهكذا وقع ولله الحمد، وهو من أعلام النبوة، ولا يضر كون بعض الفساق يعرف شيئاً من علم الحديث؛ فإن الحديث إنما هو إخبار بأن العدول يحملونه، لا أن غيرهم لا يعرف شيئاً منه.انتهى.

    على أنه قد يقال: ما يعرفه الفساق من العلم ليس بعلم حقيقة؛ لعدم عملهم كما أشار إليه المولى سعد الدين التفتازاني في تقرير قول التلخيص: وقد ينزل العالم منزلة الجاهل. وصرح به الإمام الشافعي في قوله:

    ولا العلم إلا مع التقى ولا العقل إلا مع الأدب

    ولعمري إن هذا الشأن من أقوى أركان الدين، وأوثق عرى اليقين، ولا يرغب في نشره إلا صادق تقي، ولا يزهده إلا كل منافق شقي، قال ابن القطان : ليس في الدنيا مبتدع إلا وهو يبغض أهل الحديث.

    وقال الحاكم : لولا كثرة طائفة المحدثين على حفظ الأسانيد لدرس منار الإسلام، ولتمكن أهل الإلحاد والمبتدعة من وضع الأحاديث وقلب الأسانيد. انتهى.

    الحديث الخامس: أخرج الترمذي في باب ما جاء في أهل الشام من أبواب الفتن.

    عن معاوية بن قرة عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة). قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح.

    وقال: قال محمد بن إسماعيل يعني: البخاري: قال علي بن المديني : هم أصحاب الحديث. انتهى.

    قال الإمام البخاري في صحيحه: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق)وهم أهل العلم. قال الحافظ في الفتح: قوله: وهم أهل العلم. هو من كلام المصنف.

    وأخرج الترمذي حديث الباب ثم قال: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: سمعت علي بن المديني يقول: هم أصحاب الحديث. قال: وذكر -أي البخاري - في كتاب خلق أفعال العباد عقب حديث أبي سعيد رضي الله عنه في قوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة:143] هم الطائفة المذكورة في حديث: (لا تزال طائفة من أمتي..) ثم ساقه.

    قال: وجاء نحوه عن أبي هريرة ومعاوية وجابر وسلمة بن نفيل وقرة بن إياس رضي الله عنهم. انتهى.

    وأخرج الحاكم في علوم الحديث بسند صحيح عن أحمد : إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم؟

    ومن طريق يزيد بن هارون مثله. انتهى ما في الفتح.

    قلت: ولأهل العلم في فضيلة الحديث وأهله أقوال كثيرة منثورة ومنظومة ].

    والخلاصة: أن المؤلف ذكر الأحاديث الخمسة في فضل أهل الحديث:

    فالحديث الأول: أنهم أولى الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم (أولى الناس بي أكثرهم علي صلاة).

    والحديث الثاني: (نضر الله امرءاً سمع مقالتي).

    والحديث الثالث: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله) وإن كان فيه ضعف.

    والحديث الرابع: (أنهم خلفاء من بعدي).

    والحديث الخامس: (إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، لا تزال طائفة من أمتي على الحق).

    فهذه الأحاديث اقتصر عليها لأن فيها فضل أهل الحديث ولا شك، وفي القرآن الكريم قال تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11] وأهل الحديث هم أهل العلم.

    وقوله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28].

    وقوله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9].

    وقوله تعالى: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:114].

    ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر).

    وأما بالنسبة للحديث الثالث: (اللهم ارحم خلفائي، قلنا: يا رسول الله! ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يروون أحاديث ويعلمونها الناس).

    فقد أخرجه الرامهرمزي في المحدث الفاصل، وأبو نعيم في أخبار أصبهان، والخطيب في شرف أصحاب الحديث، والطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد، وقال الهيثمي : وفيه أحمد بن عيسى بن عيسى الهاشمي ، قال الدارقطني: كذاب. فهذا الحديث لا يتقوى بالشواهد؛ لأن فيه راوٍ متهم بالكذب، وعلى كل يغني عنه غيره، فقد حث النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (بلغوا عني ولو آية).