إسلام ويب

تفسير سورة طه [36-40]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • سأل موسى ربه أن يشد أزره بأخيه هارون، وأن يشرح صدره ويحلل عقدة من لسانه حتى يبلغ دعوة ربه، فاستجاب الله له وذكره بالنعم التي أنعم بها عليه منذ ولادته إلى أن خرج من مصر هارباً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال قد أوتيت سؤلك يا موسى ...)

    قال الله تعالى: [ قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى * وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى * إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي * إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا [طه:36-40].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ هذه إجابة من الله لرسوله موسى عليه السلام فيما سأل من ربه عز وجل وتذكير له بنعمه السالفة عليه فيما كان من أمر أمه حين كانت ترضعه وتحذر عليه من فرعون وملئه أن يقتلوه؛ لأنه كان قد ولد في السنة التي يقتلون فيها الغلمان، فاتخذت له تابوتاً فكانت ترضعه ثم تضعه فيه وترسله في البحر وهو النيل وتمسكه إلى منزلها بحبل، فذهبت مرة لتربط الحبل فانفلت منها وذهب به البحر، فحصل لها من الغم والهم ما ذكره الله عنها في قوله: وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا [القصص:10] فذهب به البحر إلى دار فرعون ].

    قوله تعالى: وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا [القصص:10] يعني: لولا أن الله ربط على قلبها لذهب عقلها، فقد جبل الله الأم على الحب لولدها، فكيف تستطيع الصبر؟! فأرادت أن ترده لكن الله تعالى ربط على قلبها، وتولى الله هذا الغلام بعنايته لما أراد به من الكرامة، وإطلاعه لما أراد به سبحانه من إظهار الدلائل للناس على أن الله على كل شيء قدير، ومن المعجزات على يدي موسى عليه الصلاة والسلام، وله الحكمة البالغة: أن الله تولاه بعنايته، فهو الذي خلق البحر وخلق أم موسى وخلق موسى وخلق فرعون، وهو الذي حفظه، فسار هذا التابوت حتى وصل إلى دار فرعون، وكان فرعون يقول: وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [الزخرف:51] يعني: بيته الذي تجري من تحته النيل.

    وكان فرعون قد رأى رؤيا فعبرت له أنه سيزول ملكه على يد رجل من بني إسرائيل، فكان الأقباط يمتهنون بني إسرائيل لأنهم عمال عندهم، والعمال لا قيمة لهم عند الأقباط ولا وزن، فلما قتلهم قيل ستنتهي اليد العاملة من كثرة القتل، فجعل يقتلهم سنة ويتركهم سنة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص:8] أي: قدراً مقدوراً من الله حيث كانوا هم يقتلون الغلمان من بني إسرائيل حذراً من وجود موسى، فحكم الله وله السلطان العظيم والقدرة التامة أن لا يربى إلا على فراش فرعون ويغذى بطعامه وشرابه مع محبته وزوجته له ].

    وهذه حكمة بالغة، فهو يقتل الغلمان خوفاً منه، ومع ذلك يتربى هذا الغلام الذي سيكون زوال ملكه على يديه في بيته، وفي حجر امرأته ويأكل من طعامه وشرابه، وصار كأنه ابن من أبناء الملوك، وهذا من حكم الله العظيمة، كما قال تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولهذا قال تعالى: يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي [طه:39] أي: عند عدوك جعلته يحبك. قال سلمة بن كهيل : وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي [طه:39] قال: حببتك إلى عبادي. وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:39] . قال أبو عمران الجوني : تربى بعين الله ].

    قوله: بعين الله، أي برعايته وعنايته سبحانه وتعالى، فهو الذي تولى عنايته. وهذه من العبر العظيمة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال قتادة : تغذى على عيني. وقال معمر بن المثنى : وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:39] بحيث أرى. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : يعني أجعله في بيت الملك ينعم ويترف وغذاؤه عندهم غذاء الملك، فتلك الصنعة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله ...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا [طه:40] وذلك أنه لما استقر عند آل فرعون عرضوا عليه المراضع فأباها. قال الله تعالى: وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ [القصص:12] ].

    قوله تعالى: وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ [القصص:12] هذا التحريم تحريم قدري، والتحريم ينقسم إلى قسمين: تحريم شرعي، كقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ [المائدة:3] فهذا تحريم شرعي، والثاني: تحريم قدري، وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ [القصص:12] يعني منعناه قدراً وكوناً لما استقر في بيت فرعون، وألقى الله المحبة في قلب امرأة فرعون، وقالت: قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ [القصص:9] وليس لهم أولاد، فأرادوا أن يرضعوه فلم يقبل المراضع أبداً، فكلما أتوا بمرضعة رفضها وتركها، وهذا معنى قوله: وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ [القصص:12] ، فجعلت أخته تطوف تتحسس وتتجسس وهم يبحثون عن مرضعة، فقالت أخته: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ [القصص:12] ، فدلتهم على أمه؛ فلما جاءوا به إلى أمه وأعطته ثديها التقم الثدي ففرحوا بذلك وصاروا يعطونها أجرة وهي أمة ويأخذونه منها، وصارت أم موسى ترضع ابنها وتأخذ أجرتها كما جاء في الحديث؛ وهذا معنى قوله: وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ [القصص:12] أي: تحريم قدري.

    والظاهر: أن زوجة فرعون هي التي أحبت موسى في الأول، ولذلك قالت: قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ [القصص:9] ثم قذف الله محبته في قلب فرعون وإلا لما أبقاه في بيته.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فجاءت أخته وقالت: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ [القصص:12] ].

    يعني: يربونه لكم ويرضعونه ويقومون بشئونه؛ فيكفوكم المئونة من جهة الإرضاع والإطعام والعناية والتنظيف ويردونه عليكم، وهذا يسر أمه ويزول ما في أمه من اللوعة على ابنها، فهذا من عناية الله ولطفه بموسى وبأمه.

    ولا تؤخذ صفة العين من هذه الآية، وهي قوله تعالى: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:39] فالمراد بها: على عنايتي، لكن صفة العين تؤخذ من حديث جابر : (إن الدجال أعور العين اليمنى وإن ربكم ليس بأعور). فقد أخذ العلماء من هذا إثبات العين لله وأن لله عينان كريمتان، أما قوله: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:39]. وقوله: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر:14] فمعناه: على مرأى منا وعناية، فإثبات العين إنما يؤخذ من حديث جابر.

    وهذا مثل قوله تعالى: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا [يس:71] فليس فيه إثبات اليدين؛ لأن الأيدي جمعت وأضيفت بالجمع وعلمنا ذلك، والعين هنا أفردت، وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:39] . فالله تعالى له عينان، إنما يأتي هذا إذا أضيفت إلى الرب سبحانه وتعالى: (إن ربكم ليس بأعور) مثل اليد، في قوله تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:64] لكن يؤخذ منه إثبات جنس العين، أما إثبات العينين فإنما يؤخذ من حديث جابر . وقوله تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ [الملك:1] فيه إثبات اليد لله، لكن إثبات اليدين يؤخذ من قوله تعالى: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75] لأنها مثنى ومضافة إلى الرب سبحانه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ تعني: هل أدلكم على من ترضعه لكم بالأجرة، فذهبت به وهم معها إلى أمه، فعرضت عليه ثديها فقبله، ففرحوا بذلك فرحاً شديداً واستأجروها على إرضاعه، فنالها بسببه سعادة ورفعة وراحة في الدنيا وفي الآخرة أعظم وأجزل ].

    وأيقنت بما ألهمها الله في أن الله سيتم أمره، وزال القلق والخوف والهم الذي أصابها، كما قال الله: وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص:7] .

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولهذا جاء في الحديث: (مثل الصانع الذي يحتسب في صنعته الخير كمثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها) ].

    يعني: أن الصانع الذي يحتسب في صنعته الخير يأخذ الأجرة على صنعته كالحداد والنجار مثلاً، فهو يأخذ أجرة على صنعته وله أجر عند الله في أن نفع الأمة بهذه الصنعة، فكذلك أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها، فاكتسبت من جهة ابنها، مع أنها سترضعه حتى ولو دفعت هي أجراً على إرضاعه، فكذلك الصانع الذي يحتسب في صنعته الخير، فهو يأخذ أجرة على هذه الصنعة ويحتسب بها معيشته ولأهله ويأجره الله على حسابه وأجره ونيته.

    وروى أبو داود في المراسيل من طريق جبير بن نفير نحوه ولفظه: (مثل الذين يغزون من أمتي ويأخذون الجعل ويتقوون على عدوهم به مثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها) .

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال تعالى هاهنا: فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ [طه:40] أي: عليك. وَقَتَلْتَ نَفْسًا [طه:40] يعني: القبطي، فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ [طه:40] وهو ما حصل له بسبب عزم آل فرعون على قتله؛ ففر منهم هارباً حتى ورد ماء مدين، وقال له ذلك الرجل الصالح: لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [القصص:25] ].

    أي: أنه ذهب وابتعد عن مملكة فرعون فليس له سلطان على هذا المكان.

    والذي قال له هذا هو رجل صالح، وما يذكره بعض الناس من أنه شعيب النبي فليس بصحيح؛ لأن شعيب متقدم، وهو في زمن قوم لوط، ولهذا قال الله تعالى: وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ [هود:89] وقوم لوط في زمن إبراهيم، وبين إبراهيم وموسى دهور من الزمن، فهو رجل صالح وإن كان اسمه شعيباً فهو تشابه في الأسماء لا غير.

    حديث الفتون

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقوله: [ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا [طه:40]: قال الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي رحمه الله في كتاب التفسير من سننه: قوله: وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا [طه:40] حدثنا عبد الله محمد حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا أصبغ بن زيد حدثنا القاسم بن أبي أيوب أخبرني سعيد بن جبير قال: سألت عبد الله بن عباس عن قول الله عز وجل لموسى عليه السلام: وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا [طه:40] فسألته عن الفتون ما هو؟ فقال: استأنف النهار يا ابن جبير ! فإن لها حديثاً طويلاً، فلما أصبحت غدوت إلى ابن عباس لأنتجز منه ما وعدني من حديث الفتون، فقال: تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم عليه السلام أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكاً، فقال بعضهم: إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك لا يشكون فيه، وكانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب، فلما هلك قالوا: ليس هكذا كان وعد إبراهيم، فقال فرعون: فكيف ترون؟ فائتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالاً معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون مولوداً ذكراً إلا ذبحوه، ففعلوا ذلك، فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم والصغار يذبحون، قالوا: ليوشكن أن تفنوا بني إسرائيل فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة التي يكفونكم ].

    يعني: أن العمال من بني إسرائيل قد كانوا ممتهنين، فهم الذين يخدمون ويعملون، فإذا كان الكبار يموتون بآجالهم والصغار يذبحون فمن يشتغل ومن يعمل؟ فلا يبقى إلا النساء، والنساء لا يستطعن أن يعملن كثيراً من الأعمال؛ لأن النساء ضعيفات، فلذلك اتفقوا على أن يترك الصغار سنة ويذبحوا سنة، فولد هارون في السنة التي يترك فيها الغلمان، وولد موسى في السنة التي يذبح فيها الغلمان.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فاقتلوا عاماً كل مولود ذكر فيقل أبناؤهم، ودعوا عاماً فلا تقتلوا منهم أحداً فيشب الصغار مكان من يموت من الكبار فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون منهم فتخافوا مكاثرتهم إياكم، ولم يفنوا بمن تقتلون وتحتاجون إليهم، فأجمعوا أمرهم على ذلك ].

    أي: أنهم وجدوا أن هذا حل رصين، فيقتلون في عام ويبقون عام؛ لأنهم إذا قتلوا في عام لم يكثروا كثرة يخاف منها، وتبقى منهم بقية يقومون بالخدمة والعمل.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان فولدته علانية آمنة ].

    أي: آمنة مطمئنة؛ لأن الغلمان لا يذبحون في هذا العام، وهارون أخو موسى لأمه وأبيه، وأما قوله: يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي [طه:94] فهو من باب الاستعطاف، فهو يستعطفه بنسبته إلى أمه وإلا فهو أخوه لأبيه وأمه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فلما كان من قابل حملت بموسى عليه السلام، فوقع في قلبها الهم والحزن، وذلك من الفتون يا ابن جبير ! ما دخل عليه وهو في بطن أمه مما يراد به، فأوحى الله إليها ألا تخافي ولا تحزني؛ إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ].

    هذا الوحي إلهام، كما في قوله تعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ [القصص:7] أي: ألهمها الله ذلك، فالوحي يطلق على الإلهام، وكقوله تعالى: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا [النحل:68] يعني: وحي إلهام، وقد استدل ابن حزم رحمه الله بهذا على أن أم موسى نبية، قال: إن الله أوحى إليها، وكذلك أيضاً مريم أم عيسى قال: إنها نبية، لأن الملائكة كلمتها، كما قال تعالى: يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي [آل عمران:43]، وكذلك سارة امرأة إبراهيم قال: إنها نبية! وهذا من أوهامه وأخطائه رحمه الله، والصواب الذي عليه جمهور العلماء أنه ليس في الأنبياء نبية، وإنما هذا وحي إلهام، قال الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى [يوسف:109] فالنبوة خاصة بالرجال وليس في النساء نبية، ولأن الله تعالى قال في شأن أفضلهن وهي أم عيسى مريم في مقام الامتنان: وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ [المائدة:75] يعني: بلغت درجة الصديقين ولكنها لم تبلغ درجة النبوة، فلو كان هناك أعلى من هذا لذكره الله في مقام الامتنان، وهذا هو الصواب بنص الآية: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا [يوسف:109].

    وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (إن يكن في أمتي محدثون -يعني: ملهمون- فإن منهم عمر)، فظاهر الحديث أن هناك محدثين ومنهم عمر رضي الله عنه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فأمرها إذا ولدت أن تجعله في تابوت ثم تلقيه في اليم، فلما ولدت فعلت ذلك، فلما توارى عنها ابنها أتاها الشيطان فقالت في نفسها: ما فعلتُ بابني؟! لو ذبح عندي فواريته وكفنته كان أحب إلي من أن ألقيه إلى دواب البحر وحيتانه، فانتهى الماء به حتى أوفى عند فرضة مستقى جواري امرأة فرعون، فلما رأينه أخذنه فأردن أن يفتحن التابوت، فقال بعضهن: إن في هذا مالاً، وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدناه فيه، فحملنه كهيئته لم يخرجن منه شيئاً حتى دفعنه إليها، فلما فتحته رأت فيه غلاماً فألقى الله عليه منها محبة لم يلق منها على أحد قط، وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً من ذكر كل شيء إلا من ذكر موسى، فلما سمع الذباحون بأمره أقبلوا بشفارهم إلى امرأة فرعون ليذبحوه وذلك من الفتون يا ابن جبير ! فقالت لهم: أقروه فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل ].

    أي: أنهم جاءوا بشفارهم ليذبحوه بناء على الأوامر الصادرة من فرعون: أن يذبحوا كل غلام في هذه السنة يذبح، فلما جاءوا إليها قالت: إليكم، أقروا هذا فهو واحد لا يزيد في بني إسرائيل ولو كان في السنة التي يذبح فيها الغلمان، قال ابن عباس : وهذا من الفتون، والفتون: ما أصابها من الهم حين حملته في بطنها. والخوف عليه، ثم لا تركته في ذلك التابوت، ثم لما أتي به إلى امرأة فرعون وجاء الذباحون، كل هذا من الفتون الداخل في قوله تعالى: وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا [طه:40].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فقالت لهم: أقروه فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل حتى آتي فرعون فأستوهبه منه، فإن وهبه لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه لم ألمكم، فأتت فرعون فقالت: قرة عين لي ولك، فقال فرعون: يكون لكِ فأما لي فلا حاجة لي فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي يحلف به! لو أقر فرعون أن يكون قرة عين له كما أقرت امرأته لهداه الله كما هداها، ولكن حرمه ذلك)، فأرسلت إلى من حولها إلى كل امرأة لها لبن لتختار له ظئراً ].

    الظئر هي المرضعة غير الأم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فجعل كلما أخذته امرأة منهن لترضعه لم يقبل على ثديها حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت، فأحزنها ذلك، فأمرت به فأخرج إلى السوق ومجمع الناس ترجو أن تجد له ظئراً تأخذه منها فلم يقبل، وأصبحت أم موسى والهاً؛ فقالت لأخته: قصي أثره واطلبيه هل تسمعين له ذكراً؟ وهل هو حي أم قد أكلته الدواب؟ ونسيت ما وعدها الله فيه، فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [القصص:11]، والجنب: أن يسمو بصر الإنسان إلى شيء بعيد وهو إلى جنبه وهو لا يشعر به، فقالت من الفرح حين أعياهم وجود الظئر: أنا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُون، فأخذوها فقالوا: وما يدريكِ ما نصحهم له، هل تعرفينه؟ فشكوا في ذلك، وذلك من الفتون يا ابن جبير ! ].

    يعني: شكوا فيها، هل هي أمه أم لا؟ وهذا من مواضع الفتون.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فقالت: نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في صهر الملك ورجاء منفعة الملك، فتركوها ].

    يعني: محبتهم أن يكونوا نصحاً وظئراً للملك، وعندها زال الشك عنهم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فانطلقت إلى أمها فأخبرتها الخبر، فجاءت أمه، فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها فمصه حتى امتلأ جنباه ريا وانطلق البشراء إلى امرأة فرعون يبشرونها أن قد وجدنا لابنك ظئراً، فأرسلت إليها، فأتت بها وبه فلما رأت ما يصنع بها قالت: امكثي ترضعي ابني هذا فإني لم أحب شيئاً حبه قط. قالت أم موسى: لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع فإن طابت نفسك أن تعطينيه فأذهب به إلى بيتي فيكون معي لا آلوه خيراً فإني غير تاركة بيتي وولدي، وذكرت أم موسى ما كان الله وعدها فيه، فتعاسرت على امرأة فرعون وأيقنت أن الله منجز وعده ].

    يعني: أنها كانت تريد البقاء عند ابنها لولا أنما تذكرت قول الله فتعاسرت وأيقنت بوعد الله قال تعالى: إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص:7] وأن الله لن يضيعه، فسأذهب إلى بيتي ولابد أن يرضحوا لهذا، فرضخت امرأة فرعون لأم موسى.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فرجعت به إلى بيتها من يومها وأنبته الله نباتاً حسناً وحفظه لما قد قضى فيه، فلم يزل بنو إسرائيل وهم في ناحية القرية ممتنعين من السخرة والظلم ما كان فيهم ].

    يعني: خف وزال عنهم الظلم بسبب أن موسى منهم وهو عند فرعون الملك.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى: أزيريني ابني، فدعتها يوماً تزيرها إياه فيه ].

    قوله: أزيريني: من الزيارة، والظاهر أنه بقي مدة تربيته عند أمه لا يذهب إلى امرأة فرعون فيها، ولعله في وقت من أوقات صغره، ثم بعد ذلك أخذته إن صح هذا، فيكون هذا في صغره قبل الفطام ثم بعد ذلك صار في بيت فرعون، وفي هذا قال الله عن فرعون أنه قال لموسى: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ [الشعراء:18] فقد تربى وليداً، لكن الظاهر أنه بقي مدة عند أمه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقالت امرأة فرعون لخزانها وظئورها وقهارمتها: لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني اليوم بهدية وكرامة لأرى ذلك وأنا باعثة أميناً يحصي ما يصنع كل إنسان منكم، فلم تزل الهدايا والكرامة والنحل تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون، فلما دخل عليها بجلته وأكرمته وفرحت به ونحلت أمه لحسن أثرها عليه، ثم قالت: لآتين به فرعون فلينحلنه وليكرمنه، فلما دخلت به عليه جعله في حجره فتناول موسى لحية فرعون فمدها إلى الأرض، فقال الغواة من أعداء الله لفرعون ].

    قوله: فتناول موسى لحية فرعون: يدل على أن فرعون له لحية ومع ذلك لا يحلقها وهو كافر، وكان الكفار لا يحلقون لحاهم، فقد كانوا في الجاهلية يشربون الخمر ولحاهم تقطر خمراً؛ لأنهم يعتبرون اللحية شرفاً وكرامةً ورجولةً وشهامةً، فإذا كان الكفرة لا يحلقون لحاهم، فالمسلم الذي أكرمه الله بالإسلام أولى وأولى أن يكرم لحيته وأن يوفرها وأن لا يحلقها، فهذا فرعون ادعى الربوبية وله لحية، فجاء موسى وأخذ بلحيته وجعل يمد شعرها إلى الأرض.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فقال الغواة من أعداء الله لفرعون: ألا ترى ما وعد الله إبراهيم نبيه إنه زعم أن يرثك ويعلوك ويصرعك، فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه، وذلك من الفتون يا ابن جبير ].

    يعني: هذا الذي سيكون هلاكك على يديه، وهذا من مواضع الفتون وهذا الحديث بطوله يسمى: حديث الفتون، كما قال تعالى: وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا [طه:40]، فهم قالوا: إن الله وعد نبيه إبراهيم أن يكون من ذريته ملك يكون على يديه كذا وكذا، ويكون على يديه زوال ملكك.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وذلك من الفتون يا ابن جبير بعد كل بلاء ابتلي به وأريد به فتوناً فجاءت امرأة فرعون فقالت: ما بدا لك في هذا الغلام الذي وهبته لي؟ فقال: ألا ترينه يزعم أنه يصرعني ويعلوني. فقالت: اجعل بيني وبينك أمراً يعرف الحق به، ائت بجمرتين ولؤلؤتين فقدمهن إليه فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين عرفت أنه يعقل، وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين علمت أن أحداً لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل، فقرب إليه الجمرتين واللؤلؤتين فتناول الجمرتين فانتزعهما منه مخافة أن يحرقا يده، فقالت المرأة: ألا ترى؟ فصرفه الله عنه بعدما كان قد هم به، وكان الله بالغاً فيه أمره، فلما بلغ أشده وكان من الرجال لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا سخرة ].

    قوله: سخره، أي: يضربه ويسخره. وكان بنو إسرائيل مضطهدين من قبل القبط وآل فرعون، كانوا يسخرونهم في الأعمال الشاقة، فلما تربى موسى عليه الصلاة والسلام في بيت فرعون وكان من بني إسرائيل أزال الظلم عن بني إسرائيل، فلم يستطع أحد أن يصل إلى ظلم أحد من بني إسرائيل أو تسخيره وإيذاءه في الأعمال الشاقة، بسبب امتناعهم بموسى عليه الصلاة والسلام.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حتى امتنعوا كل الامتناع، فبينما موسى عليه السلام يمشي في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان أحدهما فرعوني والآخر إسرائيلي ].

    قوله: فرعوني نسبة إلى آل فرعون، وإسرائيلي: نسبة إلى بني إسرائيل، وهي القصة التي قصها الله علينا في سورة القصص، قال تعالى: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ [القصص:15] هذه من شيعته يعني: من بني إسرائيل وهذا من عدوه من آل فرعون من القبط.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فغضب موسى غضباً شديداً؛ لأنه تناوله وهو يعلم منزلته من بني إسرائيل وحفظه لهم لا يعلم الناس إلا إنما ذلك من الرضاع إلا أم موسى ].

    قوله: من الرضاع: يعني من الرضاع من أم موسى، وهي أمه في الأصل من قبل الرضاع له.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ إلا أن يكون الله أطلع موسى من ذلك على ما لم يطلع عليه غيره، فوكز موسى الفرعوني فقتله، وليس يراهما أحد إلا الله عز وجل والإسرائيلي، فقال موسى حين قتل الرجل: هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ [القصص:15]، ثم قال: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [القصص:16] ].

    كان هذا حينما كان شاباً وهو في مصر في بيت فرعون قبل النبوة بمدة، ثم بعد ذلك لما قتل القبطي، وعلم آل فرعون وصاروا يطلبونه، وجاء رجل من أقصى المدينة فنصحه، وقال: اخرج إن الملأ أي: الأشراف من آل فرعون يأتمرون بك ليقتلوك، فخرج فذهب إلى مدين بجانب فلسطين، واتفق مع الرجل الصالح على أن يرعى الغنم ثمان أو عشر سنين، وزوجه إحدى ابنتيه، ثم بعد ذلك أرسله الله إلى فرعون، فقال فرعون له بعد ذلك: وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ [الشعراء:19] يعني: قتل القبطي.

    والأنبياء معصومون من الشرك، ومن الكبائر، لكن هذا قبل النبوة، ومعصومون عن الخطأ فيما يبلغون عن الله.

    فيجاب عن قصة قتل موسى للقبطي أن هذا قبل النبوة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ [القصص:18] الأخبار، فأتي فرعون فقيل له: إن بني إسرائيل قتلوا رجلاً من آل فرعون فخذ لنا بحقنا ولا ترخص لهم، فقال: ابغوني قاتله ومن يشهد عليه؛ فإن الملك وإن كان صغوة مع قومه ].

    قوله: صغوه معناه: ميله.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فإن الملك وإن كان صغوه مع قومه لا يستقيم له أن يقيد بغير بينة، ولا ثبت، فاطلبوا لي علم ذلك آخذ لكم بحقكم فبينما هم يطوفون لا يجدون ثبتاً إذا بموسى من الغد قد رأى ذلك الإسرائيلي يقاتل رجلاً من آل فرعون آخر ].

    أي: مضى يوم وهم لم يعرفوا من قتله، وجاء اليوم الثاني فوجد موسى الإسرائيلي الذي بالأمس يقتتل مع قبطي آخر ويستغيثه، قال الله تعالى: فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ [القصص:19]، فعرفوا أنه هو القاتل.

    ثبتاً: أي: دليلاً أو بينة، وهو بفتح الباء.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فصادف موسى قد ندم على ما كان منه وكره الذي رأى فغضب الإسرائيلي وهو يريد أن يبطش بالفرعوني فقال للإسرائيلي لما فعل بالأمس واليوم إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ [القصص:18]، فنظر الإسرائيلي إلى موسى بعدما قال له ما قال فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس الذي قتل فيه الفرعوني، فخاف أن يكون بعد ما قال له إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ [القصص:18] أن يكون إياه أراد ولم يكن أراده وإنما أراد الفرعوني فخاف الإسرائيلي وقال: يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ [القصص:19] ].

    قوله: لما فعل بالأمس أي: من أجل ما فعل.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وإنما قاله مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله فتتاركا، وانطلق الفرعوني فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر حين يقول: يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ [القصص:19] فأرسل فرعون الذباحين ليقتلوا موسى فأخذ رسل فرعون في الطريق الأعظم يمشون على هينتهم ].

    موسى في اليوم الأول قتل القبطي ولم يعلم القبط من القاتل، وما علم إلا الإسرائيلي، والإسرائيلي من قوم موسى، ولم يخبر أحداً، إلا أنهم عرفوا ورأوا القتيل ولا يدرون حتى مضى يوم، فلما جاء اليوم الثاني وجد الإسرائيلي يقتتل مع رجل آخر، فاستغاث الإسرائيلي بموسى على القبطي وصادف أن موسى ندم على قتله القبطي بالأمس، فلما استغاثه قال موسى: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ [القصص:18]، وصادفه غضباناً فظن الإسرائيلي أنه سيقتله وأنه يريده فخاف منه فقال: أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ [القصص:19] فسمعه القبطي وعلم أنه هو القاتل فأخبر من هو القاتل.

    وموسى عليه السلام كان في هذا الوقت رجلاً كبيراً يذهب إلى فرعون ويذهب إلى أمه ويذهب حيث شاء.

    والمحذور أنه لا يجوز قتله إلا قصاصاً، وهو لم يقتل فكيف يُقتل؟

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ يطلبون موسى وهم لا يخافون أن يفوتهم فجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة فاختصر طريقاً حتى سبقهم إلى موسى فأخبره وذلك من الفتون يا ابن جبير ].

    هذا من مواضع الفتون، والمعنى: أنهم كانوا يمشون في الطريق الأعظم، وهو: الشارع العام المعروف الواسع في البلد، وهم مطمئنون أن يجدوا موسى، لكن هذا الرجل جاء من بعيد، واختصر الطريق، فكان أسرع من هؤلاء، وأخبر موسى فهرب موسى من الطريق الذي يكون فيه هؤلاء القوم الذين يطلبونه، وخرج من ديار مصر كلها وذهب إلى فلسطين وإلى مدين.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فخرج موسى متوجهاً نحو مدين لم يلق بلاء قبل ذلك وليس له بالطريق علم إلا حسن ظنه بربه عز وجل فإنه قال: عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ * وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ [القصص:22-23]، يعني: بذلك حابستين غنمهما فقال لهما: ما خطبكما معتزلتين لا تسقيان مع الناس؟ قالتا: ليس لنا قوة نزاحم القوم.

    إنما ننتظر ونسقي من فضول حياضهم فسقى لهما، فجعل يغترف في الدلو ماء كثيراً حتى كان أول الرعاء فانصرفتا بغنمهما إلى أبيهما، وانصرف موسى عليه السلام فاستظل بشجرة، وقال: رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص:24]، واستنكر أبوهما سرعة صدورهما بغنمهما حفلاً بطاناً ].

    حفلاً: أي قد امتلأت ضروعها لبناً، والشاة الحافل التي في ضرعها لبن، وقوله: بطاناً أي: شباعاً.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فقال: إن لكما اليوم لشأناً فأخبرتاه بما صنع موسى، فأمر إحداهما أن تدعوه، فأتت موسى فدعته، فلما كلمه قال: قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [القصص:25] ليس لفرعون ولا لقومه علينا سلطان، ولسنا في مملكته ].

    أي: لما كلمه، وأخبره، وقص عليه القصص، وما حصل له من فرعون قال: لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [القصص:25]، أي: أنت الآن خرجت من ديار مصر، وليس لفرعون سلطان هنا.

    وقوله: رب إني لما أنزلت إلى من خير فقير: من الوسيلة بفقره وحاجته إلى الله، أي: أنا فقير لما أنزلت إلي من خير يا الله، أتوسل بفقري وحاجتي إلى الله.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فقالت إحداهما: يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص:26]، فاحتملته الغيرة على أن قال لها: ما يدريك ما قوته؟ وما أمانته؟ فقالت: أما قوته فما رأيت منه في الدلو حين سقى لنا لم أر رجلاً قط أقوى في ذلك السقي منه، وأما الأمانة فإنه نظر إلي حين أقبلت إليه وشخصت له، فلما علم أني امرأة صوب رأسه فلم يرفعه، حتى بلغته رسالتك، ثم قال لي: امشي خلفي وانعتي لي الطريق ].

    قوله: وانعتي أي: صفي لي الطريق، وامشي خلفي.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فلم يفعل هذا إلا وهو أمين فسري عن أبيها وصدقها، وظن به الذي قالت، فقال له: هل لك أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ [القصص:27]، ففعل فكانت على نبي الله موسى ثمان سنين واجبة وكانت سنتان عدة منه ].

    هذا هو المهر، وهو منفعة، ومهر الزوجة في شريعتنا الأصل أنه يكون مالاً، قوله تعالى: أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ [النساء:24] فإن لم يجد مالاً جاز أن يكون المهر منفعة، مثلما فعل موسى ورعى الغنم عشر سنين، فهذا المهر منفعة، وكتعليم آيات من القرآن، مثل: المرأة التي جاءت النبي صلى الله عليه وسلم ووهبت نفسها، فلما لم يكن له بها حاجة قال رجل زوجنيها فقال (أليس لك شيء تصدقها به؟ فالتمس فلم يجد شيئاً، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: التمس ولو خاتماً من حديد)، فذهب فلم يجد، ثم جلس وكان هذا الرجل فقيراً ليس عليه إلا إزار، وليس له رداء، -وكان العرب في الغالب يلبسون الأزر والأردية قطعتين قطعة يشد بها النصف الأسفل، وهذا هو الإزار، وقطعة تكون فوق ظهره، وهو مثل لباس المحرم، وقد يلبسون القمص- فهذا الرجل ليس عنده إلا إزار فقط قطعة يشد بها النصف الأسفل، والباقي مكشوف وليس عنده شيء، وهو فقير يريد أن يتزوج والتمس فلم يجد شيئاً، ولا حتى خاتماً من حديد، فقال: يا رسول الله أعطيها إزاري هذا مهراً لها، فقال عليه الصلاة والسلام: (إزارك هذا إن أعطيتها إياه جلست ولا إزار لك) أي: إزارك هذا يستر عورتك فكيف تعطيها إياه، فسكت الرجل، فلما طال المجلس قام، فلما ولى دعاه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (هل تحفظ شيئاً من القرآن؟ قال: نعم، أحفظ سورة كذا وسورة كذا، فقال عليه الصلاة والسلام: زوجتكها بما معك من القرآن)، رواه البخاري في صحيحه.

    هذا يدل على أنه لا بأس أن يكون المهر منفعة، لكن الأصل أن يكون مالاً، قال الله تعالى: أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ [النساء:24]، فجاز أن يكون منفعة كأن يعلمها آيات من القرآن، أو يعلمها ويحفظها أحاديث شريفة، أو أبياتاً شعرية طيبة مفيدة فيها بيان لبعض أحكام الإسلام، أو فيها دعوة إلى الله وأمر بمعروف ونهي عن المنكر لا بأس، أو يرعى الغنم له مثلما فعل موسى.

    وكما فعل النبي صلى الله عليه وسلم.

    وشريعتنا قد جاءت بهذا، فقد جاء في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم زوج الرجل بتعليم القرآن، قال صلى الله عليه وسلم: (زوجتك بما معك من القرآن).

    وهذا الرجل الصالح كان اسمه شعيباً، وهو اسم موافق لاسم النبي، أما النبي شعيب فبينه وبين موسى دهور؛ لأن شعيباً كان في زمن إبراهيم، قال تعالى: وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ [هود:89]، ليس بعيداً زمناً ولا مكاناً، ولوط في زمن إبراهيم، وإبراهيم بينه وبين موسى دهور، فشعيب النبي قريب من لوط، ولوط في زمن إبراهيم، وإبراهيم بينه وبين موسى دهور، قد يكون ألف سنة أو أكثر، فليس هو شعيب النبي وإنما هو رجل صالح، فإن كان اسمه شعيباً فيكون سمي عليه.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ففعل فكانت على نبي الله موسى ثماني سنين واجبة وكانت سنتان عدة منه ].

    أي: الواجب ثمان سنين فإن زدت سنتين فهذا من عندك عدة، قال تعالى: عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ [القصص:27] جاء في الحديث أن موسى عليه الصلاة والسلام أكمل أطول الأجلين.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فقضى الله عنه عدته فأتمها عشراً، قال سعيد وهو ابن جبير : فلقيني رجل من أهل النصرانية من علمائهم قال: هل تدري أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا، وأنا يومئذ لا أدري فلقيت ابن عباس فذكرت له ذلك فقال: أما علمت أن ثمانياً كانت على نبي الله واجبة لم يكن لنبي الله أن ينقص منها شيئاً

    ويعلم أن الله كان قاضياً عن موسى عدته التي وعده فإنه قضى عشر سنين فلقيت النصراني فأخبرته ذلك فقال: الذي سألته فأخبرك أعلم منك بذلك قلت: أجل وأولى ].

    ابن عباس لا شك أنه أعلم من سعيد بن جبير .

    إرسال الله تعالى موسى إلى فرعون

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فلما سار موسى بأهله كان من أمر النار والعصا ويده ما قص الله عليك في القرآن، فشكا إلى الله تعالى ما يتخوف من آل فرعون في القتيل وعقدة لسانه؛ فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام، وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون يكون له ردءاً، ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه، فآتاه الله سؤله وحل عقدة من لسانه، وأوحى الله إلى هارون، وأمره أن يلقاه فاندفع موسى بعصاه حتى لقي هارون عليهما الصلاة والسلام

    فانطلقا جميعاً إلى فرعون فأقاما على بابه حيناً لا يؤذن لهما، ثم أذن لهما بعد حجاب شديد فقالا: إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ [طه:47] قال: فمن ربكما؟ ].

    قوله: فأخبراه أي: موسى وهارون.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فأخبره بالذي قص الله عليك بالقرآن، قال فما تريدان؟ وذكره القتيل ].

    أي: القتيل الذي قتله موسى، كما قال الله في سورة الشعراء: قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ [الشعراء:18-19]، أي: القتل، وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ [الشعراء:19]، قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ [الشعراء:20].

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فاعتذر بما قد سمعت قال: أريد أن تؤمن بالله وترسل معي بني إسرائيل، فأبى عليه وقال: ائت بآية إن كنت من الصادقين.

    الخطاب لموسى، وهارون معه.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فألقى عصاه فإذا هي حية تسعى عظيمة فاغرة فاها مسرعة إلى فرعون، فلما رآها فرعون قاصدة إليه خافها فاقتحم عن سريره، واستغاث بموسى أن يكفها عنه ففعل، ثم أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء من غير سوء، يعني: من غير برص، ثم ردها فعادت إلى لونها الأول فاستشار الملأ حوله فيما رأى ].

    استشار أي: فرعون، والملأ: أشرافه وكبراؤه ووزراؤه، وخاصته.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فقالوا له: هذان ساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما، ويذهب بطريقتكم المثلى، يعني: ملكهم الذي هم فيه، والعيش، وأبوا على موسى أن يعطوه شيئاً مما طلب، وقالوا له: اجمع السحرة فإنهم بأرضك كثير ].

    قوله: قالوا خطاب لفرعون، أي: أن الأشراف قالوا لفرعون اجمع السحرة فإنهم يقابلون موسى وعندهم قدرة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حتى تغلب بسحرك سحرهما، فأرسل إلى المدائن فحشر له كل ساحر متعالم، فلما أتوا فرعون قالوا: بما يعمل هذا الساحر؟ قالوا: يعمل بالحيات، قالوا: فلا والله ما أحد في الأرض يعمل بالسحر بالحيات والحبال والعصي الذي نعمل، وما أجرنا إن نحن غلبنا؟ قال لهم: أنتم أقاربي وخاصتي ].

    أي: كما قال الله: وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [الشعراء:42]، أي: مقربون إلي، فوعدهم بأنه سيقربهم، ويعطيهم الهبات وجزيل العطايا.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وأنا صانع إليكم كل شيء أحببتم، فتواعدوا يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى، قال سعيد بن جبير : فحدثني ابن عباس : أن يوم الزينة الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون والسحرة هو يوم عاشوراء ].

    يحشر أي: يجتمع الناس، وأعلن بأنه سيكون اجتماع كبير للسحرة من جميع مدائن مصر مع موسى، ويحضر الناس في يوم ووقت معينين، ويجتمعون وينظرون، ويكون موسى والسحرة أمامهم، وينظر هؤلاء الجمع أيهما الذي يغلب.

    السؤال: هل يوم الزينة الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون والسحرة هو يوم عاشوراء؟

    الجواب: هذا على ما جاء في الحديث قال سعيد بن جبير : حدثني ابن عباس أنه يوم عاشوراء.

    وهذا اليوم محتمل أنه يوم الزينة، وظاهره أنه يوم يتزينون فيه، وأنه يوم عيد لهم، يلبسون فيه الثياب الجميلة، وليس ببعيد أنه يوم العيد.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فلما اجتمعوا في صعيد واحد قال الناس بعضهم لبعض: انطلقوا فلنحضر هذا الأمر لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ [الشعراء:40] ].

    الناس كلهم في هذا الاجتماع يقولون: ننظر السحرة فإنهم سيغلبون، ولا يشكون أن السحرة سيغلَبون؛ لأنه واحد أو اثنين أمام هذا الجمع من السحرة الذين لهم دراية وعناية بالسحر لمدة طويلة، كما قال: يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ [الأعراف:112]، وهم لا يشكون في أن السحرة سينتصرون، ويقولون: انظروا نجتمع فإذا غلبت السحرة اتبعنا السحرة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ يعنون: موسى وهارون استهزاء بهما، فقالوا: يَا مُوسَى [الأعراف:115] لقدرتهم بسحرهم، إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ [الأعراف:115]، فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ [الشعراء:44].

    حلفوا وأقسموا بعزة فرعون؛ لتعظيمهم له، فلما ألقوا الحبال والعصي امتلأ الوادي حبالاً وعصياً، وجعلوا فيها الزئبق، وجعلت تتلوى، وصار الوادي كله حيات وعقارب تتلوى، وأقسموا بعزة فرعون أنهم سيغلبون موسى، وفرعون أعظم شيء عندهم، حتى إن موسى عليه السلام أوجس في نفسه خيفة كما قال الله: لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا [طه:68-69].

    فلما ألقى موسى العصا صارت حية عظيمة، وابتلعت جميع ما في الوادي من الحبال والعصي، فلما رأى السحرة الأمر عرفوا أن هذا ليس من صنع البشر، وأنه لا طاقة لهم به، وأيقنوا أن هذا من عند الله فآمنوا في الحال وسجدوا لله، قال تعالى: قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الأعراف:121-122].

    قال لهم فرعون: إن هذه خطة مدبرة بينكم وبين موسى، ولكن سوف أعذبكم وأقطع أيديكم وأرجلكم من خلاف، قالوا: افعل ما تريد إنا آمنا بربنا، فقد ظهر لنا الحق، قال تعالى: إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [طه:73]، أي: اقض ما أنت قاض، تعذب، أو تقتل، فنحن لا نبالي، فقد ظهر لنا الحق، وظهر لنا أن هذا شيء من عند الله وليس من عند البشر، فافعل ما تريد.

    ولم يكن ما ألقوه حيات حقيقية كما قال الله يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى [طه:66] فهي حيات: حبال وعصي جعلوا فيها الزئبق، وصارت تتلوى، وسحروا أعين الناس واسترهبوهم حتى أصاب الناس رهبة، كما قال تعالى: وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [الأعراف:116]، سحروا أعين الناس، وأصاب الناس رهبة حتى أن موسى وجد في نفسه خيفة، لكن الحق يعلوا ولا يعلى عليه.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فرأى موسى من سحرهم ما أوجس في نفسه خيفة، فأوحى الله إليه أن ألق عصاك، فلما ألقاها صارت ثعباناً عظيمة فاغرة فاها، فجعلت العصي تلتبس بالحبال حتى صارت جرزاً إلى الثعبان تدخل فيه، حتى ما أبقت عصاً ولا حبلاً إلا ابتلعته، فلما عرفت السحرة ذلك قالوا: لو كان هذا سحراً لم يبلغ من سحرنا كل هذا، ولكن هذا أمر من الله عز وجل، آمنا بالله وبما جاء به موسى، ونتوب إلى الله مما كنا عليه ] فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى [طه:70]، فكلهم خروا لله سجداً، وآمنوا في الحال وتابوا، فتوعدهم فرعون وقال: لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ [الأعراف:124]، يقال: إنه قتلهم، فكانوا في أول النهار سحرة كفرة وفي آخر النهار شهداء بررة، وهذا على القول بأنه قتلهم، وسيأتي الكلام فيها على ذلك.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فكسر الله ظهر فرعون في ذلك الموطن وأشياعه، وظهر الحق وبطل ما كانوا يعملون فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ [الأعراف:119]، وامرأة فرعون بارزة متبذلة تدعو الله بالنصر لموسى على فرعون وأشياعه ].

    لأنها مؤمنة رضي الله عنها.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فمن رآها من آل فرعون ظن أنها إنما ابتذلت للشفقة على فرعون وأشياعه، وإنما كان حزنها وهمها لموسى، فلما طال مكث موسى بمواعيد فرعون الكاذبة كلما جاء بآية وعده عندها أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا مضت أخلف موعده، وقال: هل يستطيع ربك أن يصنع غير هذا؟ فأرسل الله على قومه الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات كل ذلك يشكو إلى موسى، ويطلب إليه أن يكفها عنه، ويواثقه على أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا كف ذلك عنه أخلف موعده ونكث عهده حتى أمر الله موسى بالخروج بقومه فخرج بهم ليلاً فلما أصبح فرعون، ورأى أنهم قد مضوا أرسل في المدائن حاشرين، فتبعه بجنود عظيمة كثيرة، وأوحى الله إلى البحر إذا ضربك عبدي موسى بعصاه فانفلق اثنتي عشرة فرقة حتى يجوز موسى ومن معه ].

    أي: لما أخلف فرعون الموعد ولم يرسل معه موسى بني إسرائيل سار بهم موسى، فأرسل فرعون في المدائن وحشر الناس، وتبع موسى مع بني إسرائيل.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ثم التق على من بقي بعد من فرعون وأشياعه، فنسي موسى أن يضرب البحر بالعصا وانتهى إلى البحر، وله قصيف مخافة أن يضربه موسى بعصاه وهو غافل فيصير عاصيا لله، فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ [الشعراء:61]، وتقاربا قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء:61] افعل ما أمرك به ربك فإنه لم يكذب ولم تكذب، قال: وعدني ربي إذا أتيت البحر انفرق اثنتي عشرة فرقة حتى أجاوزه، ثم ذكر بعد ذلك العصا، فضرب البحر بعصاه حين دنا أوائل جند فرعون من أواخر جند موسى، فانفرق البحر كما أمره ربه وكما وعد موسى، فلما أن جاز موسى وأصحابه كلهم البحر، ودخل فرعون وأصحابه التقى عليهم البحر كما أمر، فلما جاوز موسى البحر قال أصحابه: إنا نخاف ألا يكون فرعون غرق ولا نؤمن بهلاكه، فدعا ربه فأخرجه له ببدنه حتى استيقنوا بهلاكه ].

    كما قال الله: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً [يونس:92]، فمن شدة خوفهم وذعرهم من فرعون لم يصدقوا موته؛ لأنه اشتد ظلمه، وأذاه، وتعذيبه لبني إسرائيل حتى كانت قلوبهم في هلع وخوف وجزع من فرعون، فالله تعالى أنجاه ببدنه فرأوه وعلموا موته.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ثم مروا بعد ذلك على قوم يعكفون على أصنام لهم قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الأعراف:138] ].

    هذا من العجائب، فقد نجاهم الله من عدوهم -وهؤلاء هم الخلاصة- ولما مروا بقوم يعبدون الأصنام قالوا كما قال تعالى: قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الأعراف:138]، أنجاهم الله من عدوهم وأهلك فرعون وجنوده فلما خرجوا سالمين، مروا بقوم يعبدون الأصنام قالوا كما قال تعالى: قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا [الأعراف:138].

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف:139].

    قد رأيتم من العبر وسمعتم ما يكفيكم، ومضى فأنزلهم موسى منزلاً وقال: أطيعوا هارون فإني قد استخلفته عليكم ].

    أي: خليفة له وهو سيذهب إلى ميعاد ربه، وهو الطور، وقد وعده الله ثلاثين يوماً تكريماً يكلمه الله، وجعل هارون خليفة كما قال تعالى: وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ [الأعراف:142]، لكنهم لم يكونوا يهابون هارون واستضعفوه، وعبدوا العجل وهو معهم ولم يبالوا به، وكانوا يخافون موسى ويقدرونه أكثر من هارون، أما هارون فاستضعفوه، وعبدوا العجل وما صبروا، وصنع لهم السامري عجلاً من الذهب له خوار، وقالوا كما قال تعالى: هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ [طه:88]، وعبدوه.

    أما موسى فقد ذهب لتكريم الله، فقد وعده الله ثلاثين ليلة قال تعالى: وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً [الأعراف:142]، وأخبره الله أن بني إسرائيل فتنوا بالعجل، وأنهم عبدوه، فلما جاء موسى ووجدهم يعبدون العجل اشتد غضبه، وهذا فيه دليل على أنه ليس الخبر كالمعاينة، فقد أخبره ربه وهو متيقن بأنهم عبدوا العجل، ولكن لم يعمل شيئاً، فلما رآهم بعينه وشاهدهم اشتد غضبه، وألقى الألواح فتكسرت من شدة الغضب، وفيها كلام الله، وجر هارون بلحيته، وهو وأخوه نبي مثله، وقال: كيف تتركهم يعبدون العجل، فمن شدة الغضب لم يؤاخذه الله تعالى، وهذا دليل على أن الغضبان لا يؤاخذ، ومن شدة الغضب ألقى الألواح حتى تكسرت وفيها كلام الله.

    وجر موسى أخاه هارون بلحيته، وقال: كيف تتركهم يعبدون الأصنام، وقد قلت لك: اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ [الأعراف:142] فقال له هارون مستعطفاً: يَبْنَؤُمَّ [طه:94]، وهو أخوه لأبيه وأمه، لكن قال له: يبنؤم من باب الاستعطاف، لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي [طه:94] ، إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأعراف:150].

    يقول: أنا ما قصرت، ولكن ما استطعت، وقد استضعفوني وكادوا يقتلونني، فعند ذلك قال: قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي [الأعراف:151].

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فإني ذاهب إلى ربي وأجلهم ثلاثين يوماً أن يرجع إليهم فيها، فلما أتى ربه وأراد أن يكلمه ثلاثين يوماً، وقد صامهن ليلهن ونهارهن، وكره أن يكلم ربه وريح فيه ريح فم الصائم، فتناول موسى من نبات الأرض شيئاً فمضغه، فقال له ربه حين أتاه: لم أفطرت وهو أعلم بالذي كان، قال: يا رب، إني كرهت أن أكلمك إلا وفمي طيب الريح، قال: أوما علمت يا موسى، أن ريح فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك، ارجع فصم عشراً ثم ائتني، ففعل موسى عليه السلام ما أمر به ].

    هذا معنى قوله: وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً [الأعراف:142].

    عبادة بني إسرائيل العجل

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فلما رأى قوم موسى أنه لم يرجع إليهم في الأجل ساءهم ذلك، وكان هارون قد خطبهم، وقال: إنكم قد خرجتم من مصر ولقوم فرعون عندكم عوار وودائع ].

    قوله: عوارٍ: جمع عارية، والودائع: جمع وديعة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ولكم فيهم مثل ذلك فإني أرى أنكم تحتسبون ما لكم عندهم، ولا أحل لكم وديعة استودعتموها ولا عارية، ولسنا برادين إليهم شيئاً من ذلك ولا ممسكيه لأنفسنا، فحفر حفيراً وأمر كل قوم عندهم من ذلك من متاع أو حلية أن يقذفوه في ذلك الحفير، ثم أوقد عليه النار فأحرقته فقال: لا يكون لنا ولا لهم، وكان السامري من قوم يعبدون البقر جيران لبني إسرائيل، ولم يكن من بني إسرائيل فاحتمل مع موسى وبني إسرائيل حين احتملوا.

    فقضي له أن رأى أثراً فقبض منه قبضة، فمر بهارون فقال له هارون عليه الصلاة والسلام: يا سامري ، ألا تلقي ما في يدك؟ -وهو قابض عليه لا يراه أحد طول ذلك- فقال: هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر ولا ألقيها لشيء إلا أن تدعو الله إذا ألقيتها أن يجعلها ما أريد، فألقاها ].

    أي: ألقى أثر الفرس الذي عليه جبريل.

    وقوله: قابض أي: على قبضة التراب في يده من أثر الفرس الذي عليه جبريل.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ودعا له هارون فقال: أريد أن يكون عجلاً فاجتمع ما كان في الحفيرة من متاع، أو حلية، أو نحاس، أو حديد، فصار عجلاً أجوف ليس فيه روح وله خوار، قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا والله ما كان له صوت قط، إنما كانت الريح تدخل في دبره وتخرج من فيه، وكان ذلك الصوت من ذلك فتفرق بنو إسرائيل فرقاً، فقالت فرقة: يا سامري ما هذا وأنت أعلم به؟ قال: هذا ربكم ولكن موسى أضل الطريق ].

    كما قال الله تعالى قال: هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ [طه:88].

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فقالت فرقة: لا نكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى فإن كان ربنا لم نكن ضيعناه وعجزنا فيه حين رأيناه ].

    أي: اشتبه عليهم ربهم فما عرفوه، نسأل الله العافية.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فقالت فرقة: لا نكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى، فإن كان ربنا لم نكن ضيعناه وعجزنا فيه حين رأينا، وإن لم يكن ربنا فإنا نتبع قول موسى.

    وقالت فرقة: هذا من عمل الشيطان وليس بربنا، ولا نؤمن به، ولا نصدق، وأشرب فرقة في قلوبهم الصدق بما قال السامري في العجل ].

    وقوله: أشرب أي: أشربوا حب العجل.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أعلنوا التكذيب به، فقال لهم هارون عليه الصلاة والسلام: يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي [طه:90]، قالوا: فما بال موسى وعدنا ثلاثين يوماً ثم أخلفنا، هذه أربعون يوماً قد مضت، وقال سفهاؤهم: أخطأ ربه فهو يطلبه يتبعه، فلما كلم الله موسى وقال له ما قال أخبره بما لقي قومه من بعده: فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا [طه:86]، فقال لهم ما سمعتم في القرآن، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، وألقى الألواح من الغضب، ثم إنه عذر أخاه بعذره واستغفر له.

    وانصرف إلى السامري فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ [طه:96]، وفطنت لها، وعميت عليكم، فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي * قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا [طه:96-97].

    ولو كان إلهاً لم يخلص إلى ذلك منه، فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة، واغتبط الذين كان رأيهم فيه مثل رأي هارون، فقالوا لجماعتهم: يا موسى، سل لنا ربك أن يفتح لنا باب توبة نصنعها فيكفر عنا ما عملنا ].

    أي: يكفر عنهم ذنبهم حينما عبدوا العجل، وقولهم: سل لنا ربك؛ لأنه كان وجيهاً عنده، ومع عتوهم فهم معترفون بها.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فاختار موسى قومه سبعين رجلاً لذلك لا يألوا الخير خيار بني إسرائيل، ومن لم يشرك في العجل، فانطلق بهم يسأل لهم التوبة فرجفت بهم الأرض، فاستحيا نبي الله من قومه، ومن وفده حين فعل بهم ما فعل. فقال: رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا [الأعراف:155]، وفيهم من كان الله اطلع منه على ما أشرب قلبه من حب العجل وإيمانه به، فلذلك رجفت بهم الأرض فقال: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ [الأعراف:156-157].

    فقال: يا رب، سألتك التوبة لقومي فقلت: إن رحمتي كتبتها لقوم غير قومي هلا أخرتني حتى تخرجني في أمة ذلك الرجل المرحومة؟ ].

    يقصد: محمداً صلى الله عليه وسلم.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فقال له: إن توبتهم أن يقتل كل رجل منهم من لقي من والد وولد فيقتله بالسيف ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن، وتاب أولئك الذين كان خفي على موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام واطلع الله من ذنوبهم فاعترفوا بها، وفعلوا ما أمروا، وغفر الله للقاتل والمقتول ].

    هذه التوبة قال الله تعالى فيها: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ [البقرة:54]، توبتهم من عبادة العجل أن يقتل أحدهم أباه أو أخاه، فكل واحد يقتل من أمامه، فانجلت هذه الغمة وتاب الله عليهم. نسأل الله السلامة والعافية.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ثم سار بهم موسى عليه الصلاة السلام متوجهاً نحو الأرض المقدسة، وأخذ الألواح بعد ما سكت عنه الغضب، فأمرهم بالذي أمرهم به أن يبلغهم من الوظائف فثقل ذلك عليهم، وأبوا أن يقروا بها فنتق الله عليهم الجبل كأنه ظلة، ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم فأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم مصغون ينظرون إلى الجبل، والكتاب بأيديهم، وهم من وراء الجبل مخافة أن يقع عليهم ].

    كما قال الله: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ [الأعراف:171]نعم.

    امتناع بني إسرائيل من دخول الأرض المقدسة، وعقاب الله لهم بالتيه

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ثم مضوا حتى أتوا الأرض المقدسة فوجدوا مدينة فيها قوم جبارون خلقهم خلق منكر، وذكروا من ثمارهم أمراً عجيباً من عظمها، فقالوا: يا موسى، إن فيها قوماً جبارين لا طاقة لنا بهم، ولا ندخلها ما داموا فيها، فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ [المائدة:22]قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ .. [المائدة:23] قيل لـيزيد هكذا قرأت؟ قال: نعم من الجبارين آمنا بموسى، وخرجا إليه قالوا: نحن أعلم بقومنا إن كنتم إنما تخافون ما رأيتم من أجسامهم، وعددهم فإنهم لا قلوب لهم، ولا منعة عندهم، فادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ].

    الآية قرأت: (أن فيها قوماً من الجبارين)، وقراءة حفص: إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ [المائدة:22].

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ويقول أناس: إنهم من قوم موسى فقال الذين يخافون بنو إسرائيل: قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24]، فأغضبوا موسى فدعا عليهم وسماهم فاسقين، ولم يدع عليهم قبل ذلك لما رأى من المعصية وإساءتهم حتى كان يومئذ فاستجاب الله له وسماهم كما سماهم موسى فاسقين، وحرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض ].

    هذا هو التحريم القدري.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ يصبحون كل يوم فيسيرون ليس لهم قرار ].

    غضب الله عليهم وعاقبهم لما امتنعوا من دخول الأرض المقدسة، وحرمها عليهم أربعين سنة حتى مات هذا الجيل، ومات موسى في الصحراء بين مصر وبين فلسطين في التيه، عاقبهم الله بالتيه فصاروا لا يهتدون إلى البلد، فيدورون ويرجعون مكانهم حتى هلكوا، ومات موسى معهم في التيه، ونشأ جيل جديد؛ لأن هذا الجيل تربى على الذعر والخوف من فرعون، وجاء جيل جديد، وجاء فتاه يوشع بن نون -فتى موسى- الذي أصبح نبي بعد ذلك، وفتح بيت المقدس بأحفادهم وأبنائهم من الجيل الجديد.

    أما الجيل الأول فإنهم رفضوا امتنعوا، وقالوا: لا يمكن أن ندخل الأرض المقدسة، حتى قالوا لموسى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا [المائدة:24]، فقال موسى: إن الله وعدني لئن أنتم سبقتم ودخلتم عليهم فإنكم غالبون، لكن رفضوا فحرمها الله عليهم، وعاقبهم بالتيه أربعين سنة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وظلل عليهم الغمام في التيه، وأنزل عليهم المن والسلوى، وجعل لهم ثياباً لا تبلى ولا تتسخ، وجعل بين ظهرانيهم حجراً مربعاً، وأمر موسى فضربه بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً في كل ناحية ثلاثة أعين، وأعلم كل سبط عينهم التي يشربون منها ].

    حتى لا يحصل نزاع بينهم.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فلا يرتحلون من مكان إلا وجدوا ذلك الحجر بينهم بالمكان الذي كان فيه بالأمس.

    رفع ابن عباس رضي الله عنهما هذا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وصدق ذلك عندي أن معاوية سمع ابن عباس رضي الله عنه عنهما يحدث هذا الحديث فأنكر عليه أن يكون الفرعوني الذي أفشى على موسى أمر القتيل الذي قتل، فقال: كيف يفشي عليه ولم يكن علم به ولا ظهر عليه إلا الإسرائيلي الذي حضر ذلك؟ فغضب ابن عباس رضي الله عنهما فأخذ بيد معاوية وانطلق به إلى سعد بن مالك الزهري فقال له: يا أبا إسحاق هل تذكر يوم حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتيل موسى الذي قتل من آل فرعون؟ الإسرائيلي الذي أفشى عليه أم الفرعوني؟ قال: إنما أفشى عليه الفرعوني بما سمع من الإسرائيلي الذي شهد على ذلك وحضره.

    وهكذا رواه النسائي رحمه الله في السنن الكبرى، وأخرجه أبو جعفر بن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما، كلهم من حديث يزيد بن هارون به، وهو موقوف من كلام ابن عباس وليس فيه مرفوع إلا قليل منه، وكأنه تلقاه ابن عباس رضي الله عنهما مما أبيح نقله من الإسرائيليات عن كعب الأحبار أو غيره والله أعلم، وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول ذلك أيضاً ].

    وهذا الحديث حديث طويل عظيم، وفي رفعه نظر، وهو موقوف على ابن عباس وقد أخذ أكثره من بني إسرائيل، وبعضه مرفوع، وهذا الحديث يسمى حديث الفتون.