اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة طه [36-40] للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي


تفسير سورة طه [36-40] - (للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي)
سأل موسى ربه أن يشد أزره بأخيه هارون، وأن يشرح صدره ويحلل عقدة من لسانه حتى يبلغ دعوة ربه، فاستجاب الله له وذكره بالنعم التي أنعم بها عليه منذ ولادته إلى أن خرج من مصر هارباً.
تفسير قوله تعالى: (قال قد أوتيت سؤلك يا موسى ...)
قال الله تعالى: [ قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى * وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى * إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي * إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا [طه:36-40]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ هذه إجابة من الله لرسوله موسى عليه السلام فيما سأل من ربه عز وجل وتذكير له بنعمه السالفة عليه فيما كان من أمر أمه حين كانت ترضعه وتحذر عليه من فرعون وملئه أن يقتلوه؛ لأنه كان قد ولد في السنة التي يقتلون فيها الغلمان، فاتخذت له تابوتاً فكانت ترضعه ثم تضعه فيه وترسله في البحر وهو النيل وتمسكه إلى منزلها بحبل، فذهبت مرة لتربط الحبل فانفلت منها وذهب به البحر، فحصل لها من الغم والهم ما ذكره الله عنها في قوله: وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا [القصص:10] فذهب به البحر إلى دار فرعون ].قوله تعالى: وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا [القصص:10] يعني: لولا أن الله ربط على قلبها لذهب عقلها، فقد جبل الله الأم على الحب لولدها، فكيف تستطيع الصبر؟! فأرادت أن ترده لكن الله تعالى ربط على قلبها، وتولى الله هذا الغلام بعنايته لما أراد به من الكرامة، وإطلاعه لما أراد به سبحانه من إظهار الدلائل للناس على أن الله على كل شيء قدير، ومن المعجزات على يدي موسى عليه الصلاة والسلام، وله الحكمة البالغة: أن الله تولاه بعنايته، فهو الذي خلق البحر وخلق أم موسى وخلق موسى وخلق فرعون، وهو الذي حفظه، فسار هذا التابوت حتى وصل إلى دار فرعون، وكان فرعون يقول: وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [الزخرف:51] يعني: بيته الذي تجري من تحته النيل. وكان فرعون قد رأى رؤيا فعبرت له أنه سيزول ملكه على يد رجل من بني إسرائيل، فكان الأقباط يمتهنون بني إسرائيل لأنهم عمال عندهم، والعمال لا قيمة لهم عند الأقباط ولا وزن، فلما قتلهم قيل ستنتهي اليد العاملة من كثرة القتل، فجعل يقتلهم سنة ويتركهم سنة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص:8] أي: قدراً مقدوراً من الله حيث كانوا هم يقتلون الغلمان من بني إسرائيل حذراً من وجود موسى، فحكم الله وله السلطان العظيم والقدرة التامة أن لا يربى إلا على فراش فرعون ويغذى بطعامه وشرابه مع محبته وزوجته له ].وهذه حكمة بالغة، فهو يقتل الغلمان خوفاً منه، ومع ذلك يتربى هذا الغلام الذي سيكون زوال ملكه على يديه في بيته، وفي حجر امرأته ويأكل من طعامه وشرابه، وصار كأنه ابن من أبناء الملوك، وهذا من حكم الله العظيمة، كما قال تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82].قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولهذا قال تعالى: يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي [طه:39] أي: عند عدوك جعلته يحبك. قال سلمة بن كهيل : وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي [طه:39] قال: حببتك إلى عبادي. وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:39] . قال أبو عمران الجوني : تربى بعين الله ].قوله: بعين الله، أي برعايته وعنايته سبحانه وتعالى، فهو الذي تولى عنايته. وهذه من العبر العظيمة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال قتادة : تغذى على عيني. وقال معمر بن المثنى : وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:39] بحيث أرى. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : يعني أجعله في بيت الملك ينعم ويترف وغذاؤه عندهم غذاء الملك، فتلك الصنعة.
 

تفسير قوله تعالى: (إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله ...)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا [طه:40] وذلك أنه لما استقر عند آل فرعون عرضوا عليه المراضع فأباها. قال الله تعالى: وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ [القصص:12] ].قوله تعالى: وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ [القصص:12] هذا التحريم تحريم قدري، والتحريم ينقسم إلى قسمين: تحريم شرعي، كقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ [المائدة:3] فهذا تحريم شرعي، والثاني: تحريم قدري، وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ [القصص:12] يعني منعناه قدراً وكوناً لما استقر في بيت فرعون، وألقى الله المحبة في قلب امرأة فرعون، وقالت: قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ [القصص:9] وليس لهم أولاد، فأرادوا أن يرضعوه فلم يقبل المراضع أبداً، فكلما أتوا بمرضعة رفضها وتركها، وهذا معنى قوله: وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ [القصص:12] ، فجعلت أخته تطوف تتحسس وتتجسس وهم يبحثون عن مرضعة، فقالت أخته: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ [القصص:12] ، فدلتهم على أمه؛ فلما جاءوا به إلى أمه وأعطته ثديها التقم الثدي ففرحوا بذلك وصاروا يعطونها أجرة وهي أمة ويأخذونه منها، وصارت أم موسى ترضع ابنها وتأخذ أجرتها كما جاء في الحديث؛ وهذا معنى قوله: وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ [القصص:12] أي: تحريم قدري. والظاهر: أن زوجة فرعون هي التي أحبت موسى في الأول، ولذلك قالت: قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ [القصص:9] ثم قذف الله محبته في قلب فرعون وإلا لما أبقاه في بيته. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فجاءت أخته وقالت: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ [القصص:12] ].يعني: يربونه لكم ويرضعونه ويقومون بشئونه؛ فيكفوكم المئونة من جهة الإرضاع والإطعام والعناية والتنظيف ويردونه عليكم، وهذا يسر أمه ويزول ما في أمه من اللوعة على ابنها، فهذا من عناية الله ولطفه بموسى وبأمه. ولا تؤخذ صفة العين من هذه الآية، وهي قوله تعالى: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:39] فالمراد بها: على عنايتي، لكن صفة العين تؤخذ من حديث جابر : (إن الدجال أعور العين اليمنى وإن ربكم ليس بأعور). فقد أخذ العلماء من هذا إثبات العين لله وأن لله عينان كريمتان، أما قوله: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:39]. وقوله: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر:14] فمعناه: على مرأى منا وعناية، فإثبات العين إنما يؤخذ من حديث جابر. وهذا مثل قوله تعالى: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا [يس:71] فليس فيه إثبات اليدين؛ لأن الأيدي جمعت وأضيفت بالجمع وعلمنا ذلك، والعين هنا أفردت، وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:39] . فالله تعالى له عينان، إنما يأتي هذا إذا أضيفت إلى الرب سبحانه وتعالى: (إن ربكم ليس بأعور) مثل اليد، في قوله تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:64] لكن يؤخذ منه إثبات جنس العين، أما إثبات العينين فإنما يؤخذ من حديث جابر . وقوله تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ [الملك:1] فيه إثبات اليد لله، لكن إثبات اليدين يؤخذ من قوله تعالى: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75] لأنها مثنى ومضافة إلى الرب سبحانه.قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ تعني: هل أدلكم على من ترضعه لكم بالأجرة، فذهبت به وهم معها إلى أمه، فعرضت عليه ثديها فقبله، ففرحوا بذلك فرحاً شديداً واستأجروها على إرضاعه، فنالها بسببه سعادة ورفعة وراحة في الدنيا وفي الآخرة أعظم وأجزل ].وأيقنت بما ألهمها الله في أن الله سيتم أمره، وزال القلق والخوف والهم الذي أصابها، كما قال الله: وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص:7] .قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولهذا جاء في الحديث: (مثل الصانع الذي يحتسب في صنعته الخير كمثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها) ].يعني: أن الصانع الذي يحتسب في صنعته الخير يأخذ الأجرة على صنعته كالحداد والنجار مثلاً، فهو يأخذ أجرة على صنعته وله أجر عند الله في أن نفع الأمة بهذه الصنعة، فكذلك أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها، فاكتسبت من جهة ابنها، مع أنها سترضعه حتى ولو دفعت هي أجراً على إرضاعه، فكذلك الصانع الذي يحتسب في صنعته الخير، فهو يأخذ أجرة على هذه الصنعة ويحتسب بها معيشته ولأهله ويأجره الله على حسابه وأجره ونيته.وروى أبو داود في المراسيل من طريق جبير بن نفير نحوه ولفظه: (مثل الذين يغزون من أمتي ويأخذون الجعل ويتقوون على عدوهم به مثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها) .قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال تعالى هاهنا: فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ [طه:40] أي: عليك. وَقَتَلْتَ نَفْسًا [طه:40] يعني: القبطي، فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ [طه:40] وهو ما حصل له بسبب عزم آل فرعون على قتله؛ ففر منهم هارباً حتى ورد ماء مدين، وقال له ذلك الرجل الصالح: لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [القصص:25] ]. أي: أنه ذهب وابتعد عن مملكة فرعون فليس له سلطان على هذا المكان. والذي قال له هذا هو رجل صالح، وما يذكره بعض الناس من أنه شعيب النبي فليس بصحيح؛ لأن شعيب متقدم، وهو في زمن قوم لوط، ولهذا قال الله تعالى: وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ [هود:89] وقوم لوط في زمن إبراهيم، وبين إبراهيم وموسى دهور من الزمن، فهو رجل صالح وإن كان اسمه شعيباً فهو تشابه في الأسماء لا غير.
 امتناع بني إسرائيل من دخول الأرض المقدسة، وعقاب الله لهم بالتيه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ثم مضوا حتى أتوا الأرض المقدسة فوجدوا مدينة فيها قوم جبارون خلقهم خلق منكر، وذكروا من ثمارهم أمراً عجيباً من عظمها، فقالوا: يا موسى، إن فيها قوماً جبارين لا طاقة لنا بهم، ولا ندخلها ما داموا فيها، فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ [المائدة:22]قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ .. [المائدة:23] قيل لـيزيد هكذا قرأت؟ قال: نعم من الجبارين آمنا بموسى، وخرجا إليه قالوا: نحن أعلم بقومنا إن كنتم إنما تخافون ما رأيتم من أجسامهم، وعددهم فإنهم لا قلوب لهم، ولا منعة عندهم، فادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ].الآية قرأت: (أن فيها قوماً من الجبارين)، وقراءة حفص: إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ [المائدة:22].قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ويقول أناس: إنهم من قوم موسى فقال الذين يخافون بنو إسرائيل: قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24]، فأغضبوا موسى فدعا عليهم وسماهم فاسقين، ولم يدع عليهم قبل ذلك لما رأى من المعصية وإساءتهم حتى كان يومئذ فاستجاب الله له وسماهم كما سماهم موسى فاسقين، وحرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض ].هذا هو التحريم القدري. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ يصبحون كل يوم فيسيرون ليس لهم قرار ].غضب الله عليهم وعاقبهم لما امتنعوا من دخول الأرض المقدسة، وحرمها عليهم أربعين سنة حتى مات هذا الجيل، ومات موسى في الصحراء بين مصر وبين فلسطين في التيه، عاقبهم الله بالتيه فصاروا لا يهتدون إلى البلد، فيدورون ويرجعون مكانهم حتى هلكوا، ومات موسى معهم في التيه، ونشأ جيل جديد؛ لأن هذا الجيل تربى على الذعر والخوف من فرعون، وجاء جيل جديد، وجاء فتاه يوشع بن نون -فتى موسى- الذي أصبح نبي بعد ذلك، وفتح بيت المقدس بأحفادهم وأبنائهم من الجيل الجديد.أما الجيل الأول فإنهم رفضوا امتنعوا، وقالوا: لا يمكن أن ندخل الأرض المقدسة، حتى قالوا لموسى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا [المائدة:24]، فقال موسى: إن الله وعدني لئن أنتم سبقتم ودخلتم عليهم فإنكم غالبون، لكن رفضوا فحرمها الله عليهم، وعاقبهم بالتيه أربعين سنة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وظلل عليهم الغمام في التيه، وأنزل عليهم المن والسلوى، وجعل لهم ثياباً لا تبلى ولا تتسخ، وجعل بين ظهرانيهم حجراً مربعاً، وأمر موسى فضربه بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً في كل ناحية ثلاثة أعين، وأعلم كل سبط عينهم التي يشربون منها ].حتى لا يحصل نزاع بينهم.قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فلا يرتحلون من مكان إلا وجدوا ذلك الحجر بينهم بالمكان الذي كان فيه بالأمس.رفع ابن عباس رضي الله عنهما هذا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وصدق ذلك عندي أن معاوية سمع ابن عباس رضي الله عنه عنهما يحدث هذا الحديث فأنكر عليه أن يكون الفرعوني الذي أفشى على موسى أمر القتيل الذي قتل، فقال: كيف يفشي عليه ولم يكن علم به ولا ظهر عليه إلا الإسرائيلي الذي حضر ذلك؟ فغضب ابن عباس رضي الله عنهما فأخذ بيد معاوية وانطلق به إلى سعد بن مالك الزهري فقال له: يا أبا إسحاق هل تذكر يوم حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتيل موسى الذي قتل من آل فرعون؟ الإسرائيلي الذي أفشى عليه أم الفرعوني؟ قال: إنما أفشى عليه الفرعوني بما سمع من الإسرائيلي الذي شهد على ذلك وحضره. وهكذا رواه النسائي رحمه الله في السنن الكبرى، وأخرجه أبو جعفر بن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما، كلهم من حديث يزيد بن هارون به، وهو موقوف من كلام ابن عباس وليس فيه مرفوع إلا قليل منه، وكأنه تلقاه ابن عباس رضي الله عنهما مما أبيح نقله من الإسرائيليات عن كعب الأحبار أو غيره والله أعلم، وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول ذلك أيضاً ].وهذا الحديث حديث طويل عظيم، وفي رفعه نظر، وهو موقوف على ابن عباس وقد أخذ أكثره من بني إسرائيل، وبعضه مرفوع، وهذا الحديث يسمى حديث الفتون.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة طه [36-40] للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

http://audio.islamweb.net