إسلام ويب

تفسير سورة مريم [16-23]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اصطفى الله تعالى مريم عليها السلام لعبادته، ثم جعلها تحمل بعيسى عليه السلام من غير أب آية منه سبحانه وبرهاناً على قدرته، وبين سبحانه أنها الزكية الطاهرة المبرأة من الفحشاء والمنكر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واذكر في الكتاب مريم...)

    قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: [ قال الله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا [مريم:16].

    لما ذكر تعالى قصة زكريا عليه السلام وأنه أوجد منه في حال كبره وعقم زوجته ولداً زكياً طاهراً مباركاً عطف بذكر قصة مريم في إيجاده ولدها عيسى عليهما السلام ].

    وهذا فيه بيان مناسبة ذكر هذه القصة بعد قصة زكريا، فالقصة الأولى جاء فيها أن الله تعالى رزق زكريا ولداً في غير وقت أوانه؛ وذلك أنه بلغ من الكبر عتياً وامرأته عاقر عقيم، والقصة الثانية جاء فيها ذكر مريم وأن الله رزقها ولداً من دون أب فالله تعالى على كل شيء قدير إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82]، قال سبحانه: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران:59].

    أقسام خلق الله لآدم وذريته

    وبهذا تتم القصة الرباعية فإن الله سبحانه وتعالى قسم بني آدم وذريته إلى أربعة أقسام:

    القسم الأول: أن يوجد مخلوقاً بلا ذكر ولا أنثى وهو آدم عليه الصلاة والسلام فقد خلقه الله بلا ذكر وأنثى وخلقه من تراب.

    القسم الثاني: أن يوجد مخلوقاً من ذكر بلا أنثى وهي حواء فقد خلقت من ضلع آدم.

    القسم الثالث: أن يوجد مخلوقاً من أنثى بلا ذكر وهو عيسى عليه الصلاة والسلام فقد خلقه الله من مريم بلا أب.

    والقسم الرابع: سائر الناس من ذكر وأنثى، وتمت بذلك القسمة الرباعية.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ منها من غير أب، فإن بين القصتين مناسبة ومشابهة، ولهذا ذكرهما في آل عمران وهاهنا وفي سورة الأنبياء ].

    في سورة آل عمران ذكر مريم أولاً ثم ذكر قصة زكريا، وفي سورة مريم قدم قصة زكريا على قصة مريم ، وكذلك ذكرهما في سورة الأنبياء متجاورين بعد زكريا: وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ [الأنبياء:89]، ثم قال بعدها: وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا [الأنبياء:91].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وفي سورة الأنبياء يقرن بين القصتين لتقارب ما بينهما في المعنى؛ ليدل عباده على قدرته وعظمة سلطانه، وأنه على ما يشاء قادر، فقال: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ [مريم:16]، وهي مريم بنت عمران من سلالة داود عليه السلام، وكانت من بيت طاهر طيب في بني إسرائيل، وقد ذكر الله تعالى قصة ولادة أمها لها في آل عمران، وأنها نذرتها محررة أي: تخدم مسجد بيت المقدس، وكانوا يتقربون بذلك ].

    كما قال الله عنها أنها قالت: رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا [آل عمران:35]، يعني: في خدمة بيت المقدس وكانت تظن أنه ذكر، فلما وضعتها أنثى: قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى [آل عمران:36]، يعني: والأنثى ليست كالذكر فهي قاصرة، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى [آل عمران:36].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا [آل عمران:37]، ونشأت في بني إسرائيل نشأة عظيمة ].

    لكن لا يوجد في شريعتنا إنسان ينذر ولده خادماً لمسجد؛ لأن معنى ذلك أنه يكون حبيس المسجد ويمتنع عن الأعمال الأخرى.

    وإذا أراد أن يخدم فلا بأس، لكن بدون نذر، وقد جاء في الحديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم عرضت عليه أجور أمته منها القذاة يخرجها الرجل من المسجد)، لكن كونه ينذر فلا يتعدى المسجد، فهذا لا يجوز.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ونشأت في بني إسرائيل نشأة عظيمة فكانت إحدى العابدات الناسكات المشهورات بالعبادة العظيمة والتبتل والدءوب ].

    التبتل والدءوب يعني: الاستمرار، فالدأب هو الاستمرار.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وكانت في كفالة زوج أختها -وقيل خالتها- زكريا نبي بني إسرائيل إذ ذاك وعظيمهم الذي يرجعون إليه في دينهم، ورأى لها زكريا من الكرامات الهائلة ما بهره كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران:37]، فذكر أنه كان يجد عندها ثمر الشتاء في الصيف، وثمر الصيف في الشتاء كما تقدم بيانه في آل عمران، وأراد الله تعالى وله الحكمة والحجة البالغة أن يوجد منها عبده ورسوله عيسى عليه السلام أحد الرسل أولي العزم الخمسة العظام.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فلما أراد الله تعالى -وله الحكمة والحجة البالغة- أن يوجد منها عبده ورسوله عيسى عليه السلام أحد الرسل أولي العزم الخمسة العظام، انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا [مريم:16] أي: اعتزلتهم وتنحت عنهم، وذهبت إلى شرق المسجد المقدس. قال السدي : لحيض أصابها، وقيل لغير ذلك.

    قال أبو كدينة عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس قال: إن أهل الكتاب كتب عليهم الصلاة إلى البيت والحج إليه ].

    هذا ضعيف؛ لأن قابوس بن أبي ظبيان ضعيف.

    قال: [ وما صرفهم عنه إلا قول ربك: انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا [مريم:16] قال: خرجت مريم مكاناً شرقياً، وصلوا قبل مطلع الشمس. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير .

    وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا إسحاق بن شاهين حدثنا خالد بن عبد الله عن داود عن عامر عن ابن عباس قال: إني لأعلم خلق الله لأي شيء اتخذت النصارى المشرق قبلة؛ لقول الله تعالى: فانتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا [مريم:16]، واتخذوا ميلاد عيسى قبلة ].

    قابوس بن أبي ظبيان : بفتح المعجمة وسكون الموحدة بعدها تحتانية، الجنبي: بفتح الجيم وسكون النون بعدها موحدة، الكوفي، فيه لين. من السادسة.

    القول الأول: أنه أصابها الدم، وأنها ابتعدت عنهم. هذا هو الأقرب.

    قال: [ وقال قتادة : مَكَانًا شَرْقِيًّا [مريم:16]: شاسعاً متنحياً.

    وقال محمد بن إسحاق : ذهبت بقلتها لتستقي من الماء.

    وقال نوف البكالي : اتخذت لها منزلاً تتعبد فيه. فالله أعلم.

    وقوله: فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا [مريم:17] أي: استترت منهم وتوارت، فأرسل الله تعالى إليها جبريل عليه السلام، فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا [مريم:17] أي: على صورة إنسان تام كامل، قال مجاهد والضحاك وقتادة وابن جريج ووهب بن منبه والسدي في قوله: فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا [مريم:17] يعني: جبريل عليه السلام ].

    جبريل هو الروح الأمين، (روحنا) يعني: جبريل، وإضافته إلى الله إضافة تشريف، مثل: بيت الله وعبد الله وناقة الله وروح الله، (روحنا) يعني: الروح جبريل، وهو الروح المخلوقة من الأرواح التي خلقها الله، وإضافته إلى الله للتشريف، إضافة مخلوق إلى خالقه.

    قال: [ فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا [مريم:17] يعني: جبريل عليه السلام، وهذا الذي قالوه هو ظاهر القرآن، فإنه تعالى قد قال في الآية الأخرى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ [الشعراء:193-194].

    وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال: إن روح عيسى عليه السلام من جملة الأرواح التي أخذ عليها العهد في زمان آدم، وهو الذي تمثل لها بشراً سويا، أي: روح عيسى، فحملت الذي خاطبها وحل في فيها ].

    الأقرب الأول، وأنه جبريل، وظاهر القرآن.

    قال: [ وهذا في غاية الغرابة والنكارة ].

    صدق رحمه الله، فالأقرب هو القول الأول.

    قال: [ وهذا في غاية الغرابة والنكارة، وكأنه إسرائيلي.

    قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا [مريم:18] أي: لما تبدى لها الملك في صورة بشر وهي في مكان منفرد، وبينها وبين قومها حجاب خافته وظنت أنه يريدها على نفسها فقالت: إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا [مريم:18] أي: إن كنت تخاف الله، أي: إن كنت تخاف الله، تذكيراً له بالله، وهذا هو المشروع في الدفع: أن يكون بالأسهل فالأسهل، فخوفته أولاً بالله عز وجل.

    قال ابن جرير : حدثني أبو كريب حدثنا أبو بكر عن عاصم قال: قال أبو وائل .. وذكر قصة مريم فقال: قد علمت أن التقي ذو نهية ].

    أن التقي ذو نهية: أي: علمت أن التقي عنده شيء ينهاه، عنده مخافة الله تنهاه عن العدوان.

    نُهَية، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُوْلِي النُّهَى [طه:54] النهى: العقل.

    قال: [ قال أبو وائل وذكر قصة مريم فقال: قد علمت أن التقي ذو نهية حين قالت: إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ [مريم:18-19] أي: فقال لها الملك مجيباً لها ومزيلاً لما حصل عندها من الخوف على نفسها ].

    في نسخة (ما حصل).

    قال: [ أي: فقال لها الملك مجيباً لها ومزيلاً لما حصل عندها من الخوف على نفسها: لست مما تظنين، ولكني رسول ربك، أي: بعثني إليك، ويقال: إنها لما ذكرت الرحمن انتفض جبريل فرقاً وعاد إلى هيئته ].

    يعني: وعاد إلى صورته التي خلقها الله عليها.

    قال: [ويقال: إنها لما ذكرت الرحمن انتفض جبريل فرقاً وعاد إلى هيئته، وقال: إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا [مريم:19] هكذا قرأ أبو عمرو بن العلاء أحد مشهوري القراء، وقرأ الآخرون لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا [مريم:19] وكلا القراءتين له وجه حسن ومعنى صحيح ].

    القراءة الأولى: (إنما أنا رسول ربك ليهب لك غلاماً زكياً).

    يعني: ليهب لك الله، و(لأهب) يعني: لأهب لك بأمر الله.

    قال: [ وكلا القراءتين له وجه حسن ومعنى صحيح، وكل تستلزم الأخرى.

    قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا [مريم:20] أي: فتعجبت مريم من هذا وقالت: كيف يكون لي غلام؟ أي: على أي صفة يوجد هذا الغلام مني، ولست بذات زوج، ولا يتصور مني الفجور؟ ولهذا قالت: وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا [مريم:20]، والبغيّ هي الزانية، ولهذا جاء في الحديث النهي عن مهر البغي ].

    قال: [ولهذا جاء في الحديث: (نهى عن مهر البغي).

    قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ [مريم:9] أي: فقال لها الملك مجيباً لها عما سألت: إن الله قد قال: إنه سيوجد منك غلام وإن لم يكن لك بعل، ولا توجد منك فاحشة؛ فإنه على ما يشاء قادر، ولهذا قال: وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ [مريم:21] أي: دلالة وعلامة للناس على قدرة بارئهم وخالقهم الذي نوع في خلقهم، فخلق أباهم آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق بقية الذرية من ذكر وأنثى إلا عيسى فإنه أوجده من أنثى بلا ذكر، فتمت القسمة الرباعية الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه، فلا إله غيره ولا رب سواه.

    وقوله: وَرَحْمَةً مِنَّا [مريم:21] أي: ونجعل هذا الغلام رحمة من الله ونبياً من الأنبياء، يدعو إلى عبادة الله تعالى وتوحيده، كما قال تعالى في الآية الأخرى: إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ [آل عمران:45-46] أي: يدعو إلى عبادة الله ربه في مهده وكهولته ].

    (إنه على ما يشاء قادر)، يعني: مثل قوله تعالى: وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ [الشورى:29]، وهذا يتعلق بقصة عيسى، مثل قوله: وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ إذا يشاء جمعهم، وأما في غير التخيير فيقال: وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأما المعتزلة فإنهم يقولون: (إنه على ما يشاء قدير) ولا يقولون: (هو على كل شيءٍ قدير) وقصدهم من هذا إخراج أفعال العباد، فإن الله لا يقدر عليها، لكن هنا: (على ما يشاء قادر) يعني: فيما يتعلق بقصة عيسى، وأنه قادر على إنشاء خلق بدون أب، وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ يعني: إذا يشاء جمعهم. هذا مقيد، وإلا فإن الإنسان ينبغي أن يقول: (إن الله على كل شيءٍ قدير).

    وفي بعض الكتب يقولون: (إنه على ما يشاء قدير)، وقصدهم من هذا إخراج أفعال العباد.

    قال: [ قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا عبد الرحيم بن إبراهيم دحيم ، حدثنا مروان حدثنا العلاء بن الحارث الكوفي ، عن مجاهد قال: قالت مريم عليها السلام: كنت إذا خلوت حدثني عيسى وكلمني وهو في بطني وإذا كنت مع الناس سبح في بطني وكبر ].

    دحيم مصغرة ولم يقل: مشددة الياء دحيِّم ، هذا معروف.

    قيل: روى عن بني إسرائيل، وإن كان رواه عن ابن عباس ، لكن ما ذكر أنه رواه عن ابن عباس ؛ لأنه لو كان يسبح ويتكلم ما قالت عند الولادة: يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا [مريم:23]، ثم بعد ذلك كلمها بعد الولادة، وقال لها: أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً [مريم:24]، وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ [مريم:25]، عند ذلك صار عندها بعض الأمن.

    قال: [ وقوله: وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا [مريم:21] يحتمل أن هذا من تمام كلام جبريل لـمريم، يخبرها أن هذا أمر مقدر في علم الله تعالى وقدرته ومشيئته، ويَحتَمِل أن يكون من خبر الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه كنى بهذا عن النفخ في فرجها، كما قال تعالى: وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا [التحريم:12]، وقال: وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا [الأنبياء:91].

    قال محمد بن إسحاق : وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا [مريم:21] أي: أن الله قد عزم على هذا فليس منه بد، واختار هذا أيضاً ابن جرير في تفسيره ولم يحك غيره، والله أعلم ].

    معنى الآية: أن الأمر مقدر لا بد منه، وما قضاه الله وقدره فلا بد من نفاذه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فحملته فانتبذت به مكاناً قصياً... وكنت نسياً منسياً)

    قال الله تعالى: فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا * فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا [مريم:22-23].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يقول تعالى مخبراً عن مريم إنها لما قال لها جبريل عن الله تعالى ما قال استسلمت لقضاء الله تعالى، فذكر غير واحد من علماء السلف: أن الملك -وهو جبرائيل عليه السلام- عند ذلك نفخ في جيب درعها، فنزلت النفخة حتى ولجت في الفرج، فحملت بالولد بإذن الله تعالى، فلما حملت به ضاقت ذرعاً به، ولم تدر ماذا تقول للناس، فإنها تعلم أن الناس لا يصدقونها فيما تخبرهم به غير أنها أفشت سرها وذكرت أمرها لأختها امرأة زكريا، وذلك أن زكريا عليه السلام كان قد سأل الله الولد، فأجيب إلى ذلك، فحملت امرأته فدخلت عليها مريم فقامت إليها فاعتنقتها، وقالت: أشعرت يا مريم أني حبلى؟ فقالت لها مريم : وهل علمت أيضاً أني حبلى؟ وذكرت لها شأنها وما كان من خبرها، وكانوا بيت إيمان وتصديق، ثم كانت امرأة زكريا بعد ذلك إذا واجهت مريم تجد الذي في جوفها يسجد للذي في بطن مريم ، أي: يعظمه ويخضع له ].

    الذي في جوفها يحيى، يسجد للذي في بطن مريم وهو عيسى، وكانا ابني خالة، وكلاهما نبي، والله أعلم فهذا الذي ذكر يحتاج إلى دليل.

    قال: [ ثم كانت امرأة زكريا بعد ذلك إذا واجهت مريم تجد الذي في جوفها يسجد للذي في بطن مريم ، أي: يعظمه ويخضع له؛ فإن السجود كان في ملتهم عند السلام مشروعاً، كما سجد ليوسف أبواه وإخوته، وكما أمر الله الملائكة أن تسجد لآدم عليه السلام ].

    سجود إخوة يوسف سجود تحية وإكرام، وكان جائزاً في شريعتهم، لا سجود عبادة، وسجود الملائكة لآدم كان بأمر الله، فالملائكة أمرهم الله بذلك فهم يسجدون عبادة لله، وفيه تشريف لآدم عليه السلام، وهو عبادة لله بامتثال أمره.

    قال: [ ولكن حرم في ملتنا هذه تكميلاً لتعظيم جلال الرب تعالى ].

    ولما جاء معاذ رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسجد له، وأنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إنه رأى الروم يسجدون لعظمائهم، وأنت أولى بذلك، فبين له النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا لا يجوز، والمعروف أن معاذاً لم يذهب إلى الشام إلا بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال: [ قال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين قال: قرئ على الحارث بن مسكين وأنا أسمع أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم قال: قال مالك رحمه الله: بلغني أن عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا عليهما السلام ابنا خالة، وكان حملهما جميعاً معاً، فبلغني أن أم يحيى قالت لـمريم : إني أرى أن ما في بطني يسجد لما في بطنك، قال مالك : أرى ذلك لتفضيل عيسى عليه السلام؛ لأن الله جعله يحيي الموتى، ويبرىء الأكمه والأبرص ].

    قوله: (بلغني) معناه أن رواية مالك منقطعة.

    قال: [ ثم اختلف المفسرون في مدة حمل عيسى عليه السلام، فالمشهور عن الجمهور أنها حملت به تسعة أشهر، وقال عكرمة: ثمانية أشهر، قال: ولهذا لا يعيش ولد الثمانية أشهر، وقال ابن جريج: أخبرني المغيرة بن عتبة بن عبد الله الثقفي سمع ابن عباس وسئل عن حمل مريم ، قال: لم يكن إلا أن حملت فوضعت، وهذا غريب، وكأنه مأخوذ من ظاهر قوله تعالى: فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا * فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ [مريم:22-23]، فالفاء وإن كانت للتعقيب، لكن تعقيب كل شيء بحسبه، كقوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا [المؤمنون:12-14] فهذه الفاء للتعقيب بحسبها.

    وقد ثبت في الصحيحين: أن بين كل صفتين أربعين يوماً وقال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً [الحج:63]، فالمشهور الظاهر -والله على كل شيء قدير-: أنها حملت به كما تحمل النساء بأولادهن، ولهذا لما ظهرت مخايل الحمل بها، وكان معها في المسجد رجل صالح من قراباتها يخدم معها البيت المقدس يقال له: يوسف النجار ، فلما رأى ثقل بطنها وكبره أنكر ذلك من أمرها، ثم صرفه ما يعلم من براءتها ونزاهتها ودينها وعبادتها، ثم تأمل ما هي فيه فجعل أمرها يجوس في فكره لا يستطيع صرفه عن نفسه، فحمل نفسه على أن عرَّض لها في القول، فقال: يا مريم ! إني سائلك عن أمر فلا تعجلي علي. قالت: وما هو؟ قال: هل يكون قط شجر من غير حب، وهل يكون زرع من غير بذر، وهل يكون ولد من غير أب؟ فقالت: نعم، وفهمت ما أشار إليه. أما قولك: هل يكون شجر من غير حب، وزرع من غير بذر؟ فإن الله قد خلق الشجر والزرع أول ما خلقهما من غير حب ولا بذر، وهل يكون ولد من غير أب؟ فإن الله تعالى قد خلق آدم من غير أب ولا أم، فصدقها وسلم لها حالها.

    ولما استشعرت مريم من قومها اتهامها بالريبة انتبذت منهم مكانا قصياً، أي: قاصياً منهم بعيداً عنهم لئلا تراهم ولا يروها ].

    هذا يوسف النجار هو الذي كان اليهود يتهمونها به، ويقولون: إن عيسى هو ابن يوسف النجار، وهذا القول الذي ذكره المؤلف رحمه الله غريب، فرجل وامرأة في مكان واحد وإن كان رجلاً صالحاً يخدم معها ويسألها هذا بعيد، ولو كان رجلاً صالحاً لابد أن يكون بينهما فاصل.

    قال: [ قال محمد بن إسحاق: فلما حملت به وملأت قلتها ورجعت استمسك عنها الدم وأصابها ما يصيب الحامل على الولد من الوصب والتوحم وتغير اللون، حتى فَطر لسانها، فما دخل على أهل بيت ما دخل على آل زكريا، وشاع الحديث في بني إسرائيل، فقالوا: إنما صاحبها يوسف ].

    يعني: يوسف النجار.

    [ فقالوا: إنما صاحبها يوسف، ولم يكن معها في الكنيسة غيره، وتوارت من الناس واتخذت من دونهم حجاباً، فلا يراها أحد ولا تراه.

    وقوله: فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ [مريم:23]، أي: فاضطرها وألجأها الطلق إلى جذع نخلة في المكان الذي تنحت إليه، وقد اختلفوا فيه. فقال السدي : كان شرقي محرابها الذي تصلي فيه من بيت المقدس.

    وقال وهب بن منبه : ذهبت هاربة، فلما كانت بين الشام وبلاد مصر ضربها الطلق ].

    هذا من أخبار بني إسرائيل وهو بعيد.

    قال: [ وفي رواية عن وهب : كان ذلك على ثمانية أميال من بيت المقدس في قرية هناك يقال لها: بيت لحم، قلت: وقد تقدم في أحاديث الإسراء من رواية النسائي عن أنس رضي الله عنه، والبيهقي عن شداد بن أوس رضي الله عنه: أن ذلك ببيت لحم، فالله أعلم، وهذا هو المشهور الذي تلقاه الناس بعضهم عن بعض، ولا يشك فيه النصارى أنه ببيت لحم ].

    ولهذا النصارى تجمعوا في بيت لحم في الألفية لعيدهم؛ لأنه مكان ميلاد عيسى في نظرهم.

    قال: [ ولا يشك فيه النصارى أنه ببيت لحم، وقد تلقاه الناس، وقد ورد به الحديث إن صح.

    وقوله تعالى إخباراً عنها: قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا [مريم:23] فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتنة، فإنها عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد، ولا يصدقونها في خبرها، وبعدما كانت عندهم عابدة ناسكة تصبح عندهم فيما يظنون عاهرة زانية، فقالت: يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا ، أي: قبل هذا الحال، وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا أي: لم أخلق ولم أك شيئاً، قاله ابن عباس .

    وقال السدي : قالت وهي تطلق من الحبل استحياء من الناس: يا ليتني مت قبل هذا الكرب الذي أنا فيه والحزن بولادتي المولود من غير بعل.

    وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا نسي فترك طلبه كَخِرَقِ الحيض إذا ألقيت وطرحت لم تطلب ولم تذكر، وكذلك كل شيء نسي وترك فهو نسي.

    وقال قتادة : وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا أي: شيئاً لا يعرف ولا يذكر ولا يدرى من أنا.

    وقال الربيع بن أنس : وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا هو السقط.

    وقال ابن زيد : لم أكن شيئاً قط، وقد قدمنا الأحاديث الدالة على النهي عن تمني الموت إلا عند الفتنة عند قوله: تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف:101] ].

    تمني الموت منهي عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به)، وفي الحديث الآخر: (فإن كان لابد فاعلاً فليقل: اللهم أحيني إذا كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي)، وفي الحديث الآخر: (لا يتمن أحدكم الموت؛ فإن عمر المؤمن لا يزيده إلا خيراً)، لكن أجاز بعضهم هذا عند الفتن، وبعضهم استدل بقوله تعالى عن يوسف: تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف:101]، لكن هذه الآية ليس فيها دليل لهم؛ لأنه سؤال بالوفاة على الإسلام، لا بمطلق الوفاة، أو بالوفاة الآن.