إسلام ويب

تفسير سورة الكهف [71-82]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • صحب موسى عليه السلام الخضر قاصداً أن يعلمه مما علمه الله تعالى، وقد امتلأ موسى عليه السلام استنكاراً واستغراباً من تصرفات الخضر المخالفة في ظاهرها لشرعته، فلما بلغ معه حد الفراق بالشرط بين له حقائق أفعاله، وأنها صادرة عن وحي من الله تعالى وليست تصرفاً إلهامياً، فكشف عن نبوته، وتبين لموسى عليه السلام أن الله تعالى قد أطلع الخضر على علم من الغيب، ولله الحكمة البالغة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها ...)

    قال الله تعالى: فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا [الكهف:71-73].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يقول تعالى مخبراً عن موسى وصاحبه -وهو الخضر - أنهما انطلقا لما توافقا واصطحبا، واشترط عليه ألا يسأله عن شيء أنكره حتى يكون هو الذي يبتدئه من تلقاء نفسه بشرحه وبيانه، فركبا في السفينة.

    وقد تقدم في الحديث كيف ركبا في السفينة، وأنهم عرفوا الخضر ، فحملوهما بغير نول -يعني بغير أجرة- تكرمة للخضر ، فلما استقلت بهم السفينة في البحر ولججت -أي: دخلت اللجة- قام الخضر فخرقها واستخرج لوحاً من ألواحها ثم رقعها، فلم يملك موسى عليه السلام نفسه أن قال منكراً عليه: أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا [الكهف:71]، وهذه اللام لام العاقبة لا لام التعليل، كما قال الشاعر:

    لدوا للموت وابنوا للخراب ].

    يعني: أنتم تلدون للموت، فهل الموت علة في الولادة؟ لا، بل المراد العاقبة، يعني: لدوا والعاقبة الموت، وكذلك قوله: أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا ، فهل الخضر خرقها لأجل أن يغرق أهلها؟! لا، بل مراد موسى: أن تكون العاقبة الغرق، وإن كان الخضر لا يريد الغرق، ومثل قوله تعالى في موسى حينما أخذه فرعون في سورة القصص: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص:8]، فلماذا التقط فرعون موسى؟! لقد التقطه ليكون قرة عين له لا عدواً له، فهذه اللام تسمى لام العاقبة، يعني: التقطه آل فرعون والعاقبة أنه كان عدواً لهم وحزناً، وإلا فقد التقطه لأجل أن يكون له كما قالت امراته: قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا [القصص:9]، لكن العاقبة أن كان عدواً وحزناً، فهذه تسمى لام العاقبة.

    وكذلك قوله: (وابنوا للخراب)، فالناس لا يبنون للخراب، لكن العاقبة الخراب، فالدنيا ما لها قرار، وإلا فإن الناس يبنون للبقاء، وهل يبني الإنسان بيته للخراب أم يبنيه ليبقى؟!

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا قال مجاهد: منكراً، وقال قتادة : عجباً. فعندها قال له الخضر مذكراً بما تقدم من الشرط: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا يعني: وهذا الصنيع فعلته قصداً، وهو من الأمور التي اشترطت معك ألا تنكر علي فيها؛ لأنك لم تحط بها خبراً، ولها دخل هو مصلحة ولم تعلمه أنت (قال) أي: موسى: قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ، أي: لا تضيق علي وتشدد علي. ولهذا تقدم في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كانت الأولى من موسى نسياناً) ].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فانطلقا حتى إذا لقيا غلاماً فقتله ...)

    قال الله تعالى: فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا [الكهف:74-76].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يقول تعالى: (فَانطَلَقَا) أي: بعد ذلك، (حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ) وقد تقدم أنه كان يلعب مع الغلمان في قرية من القرى، وأنه عمد إليه من بينهم -وكان أحسنهم وأجملهم وأوضأهم فقتله- وروي أنه احتز رأسه، وقيل: رضخه بحجر، وفي رواية: اقتلعه بيده، والله أعلم ].

    أي أنه قتله، وفي بعض الروايات أنه اقتلعه بيده وألقاه كما ترمى الكرة، وفي بعضها أنه رضخه وفي بعضها أنه احتز رأسه بالسكين، فالمهم أنه قتله.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فلما شاهد موسى عليه السلام هذا أنكره أشد من الأول، وبادر فقال: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً ، أي: صغيرة لم تعمل الحنث، ولا حملت إثماً بعد فقتلته؟ ].

    الحنث: الإثم، يعني: لم يبلغ أن يحمل الإثم، وإذا لم يبلغ فليس عليه حنث، ولهذا يقول العلماء: عمد الصبي والمجنون خطأ، فالصبي والمجنون إذا فعلا شيئاً يعتبر خطأً، كما لو قتل الإنسان خطأً، فلا يؤاخذ به الإنسان، ومثله عمد الصبي والمجنون؛ لأن الصبي لا فعل له، فلو تعمد الصبي وفعل شيئاً يكون حكمه حكم الخطأ، وكذلك المجنون، وهذا ما بلغ الحنث، ولا يمكن أن يؤاخذ.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ بِغَيْرِ نَفْسٍ أي: بغير مستند لقتله: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا ، أي: ظاهر النكارة ].

    وكان إنكاره عليه هنا أشد من إنكاره على خرق السفينة، وقال: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا ، وفي الأول قال: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ، فرد عليه الخضر رداً أقوى ليناسب إنكاره، ففي الأول قال الخضر : قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ، وفي قتل الغلام لما شدد عليه في الإنكار رد عليه رداً قوياً فقال: قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ تأكيداً، قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ، فكان الرد مناسباً للإنكار.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ، فأكد -أيضاً- في التذكار بالشرط الأول، فلهذا قال له موسى: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا أي: إن اعترضت عليك بشيء بعد هذه المرة فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا أي: قد أعذرت إلي مرة بعد مرة.

    قال ابن جرير : حدثنا عبد الله بن زياد ، حدثنا حجاج بن محمد ، عن حمزة الزيات عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر أحداً فدعا له بدأ بنفسه، فقال ذات يوم: رحمة الله علينا وعلى موسى، لو لبث مع صاحبه لأبصر العجب، لكنه قال: قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا ) مثقلة ].

    يعني: أن الذي شرط على نفسه هو موسى، فقال: هذه آخر مرة، فإن سألتك بعدها انتهت الصحبة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رحمة الله علينا وعلى موسى، لو لبث مع صاحبه لأبصر العجب)، ويعني: ليته صبر، وليته لم يشترط حتى يقص الله علينا من خبرهما من القصص ما نستفيد منه.

    وضعوا قوسين [مثقلة]، قال في الحاشية: هذه زيادة من (ف) (أ)، يعني أن الطبري زادها.

    ويعني بقوله [مثقلة]: أن نون (لدني) مشددة، وهي قراءة السبعة ما عدا نافعاً ، فإنه قرأها (من لدني) بالتخفيف، والقراءة المشهورة قراءة حفص ، وهي (من لدُنّي) بالتشديد والتثقيل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها ...)

    قال الله تعالى: فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا [الكهف:77-78].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى مخبراً عنهما أنهما انطلقا بعد المرتين الأولين: حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ .

    روى ابن جرير عن ابن سيرين أنها الأيلة ].

    الأيلة قرية في الشام، يعني: بعدما نزلا من السفينة أتيا هذه القرية، فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض، واستطعما أهلها، فكانوا قوماً لئاماً لم يضيفوها، بل ردوهما، فمر الخضر بجدار يريد أن ينقض -أي: يسقط- فأخذ يعمل ليقيمه، فأنكر عليه موسى فقال: كانوا قوماً لئاماً لم يضيفونا، فمنعوا الواجب وهو الضيافة، فكيف تعمل عندهم بدون أجرة؟

    فبين له الخضر وجه الحكمة في هذا، وهو أنه لا يعمل لأجل المال، ولكن تحته كنز لأيتام، والله تعالى أراد أن يبلغا أشدهما ويستخرجا الكنز من تحت الجدار، فلو تركه وسقط لضاع الكنز، ولكنه يريد أن يقيمه حتى يكون الجدار قائماً، فيعرف الكنز تحته، فلو تركه لسقط وانهدم ولضاع الكنز ولم يكن له معلم يعرف به.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وفي الحديث: (حتى إذا أتيا أهل قرية لئاما) أي: بخلاء فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ ، إسناد الإرادة هاهنا إلى الجدار على سبيل الاستعارة، فإن الإرادة في المحدثات بمعنى الميل، والانقضاض هو السقوط ].

    يعني أن إسناد الإرادة إلى الجدار من باب المجاز؛ لأن الجدار ليس له إرادة، فالإرادة إنما تكون للحي، وهذا على القول بأن اللغة فيها مجاز، والصواب الذي عليه المحققون أنه ليس في القرآن مجاز ولا في السنة مجاز ولا في اللغة، وأن هذا القول بالمجاز والاستعارة محدث لم يعرفه العرب في لغتهم، ولا هو معروف في عهد الصحابة، بل ولا في عهد الأئمة الأربعة، وإنما هو محدث، والإرادة في اللغة العربية واسعة، فللإنسان إراد تليق به، والجدار له إرادة تليق به.

    فاللغة العربية واسعة، حيث تطلق اللفظ على هذا وعلى هذا، فتقول: رأيت أسداً يتكلم، والأسد يطلق على الحيوان، ويطلق على الرجل الشجاع، وإذا قلت: (رأيت أسداً) ينصرف المعنى إلى الحيوان المفترس، وإذا أردت غير الحيوان فلابد من أن تأتي بالقرينة، فتقول: رأيت أسداً يتكلم، أي: الرجل الشجاع، فاللغة العربية أساليبها واسعة، ومن هذا الباب قوله تعالى: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف:82] أي: واسأل أهل القرية.

    وأول من قال بالمجاز أهل البدع، كالجهمية والمعتزلة، يريدون به نفي الصفات، وقالوا: إن إثبات صفة الله مجاز، فالاستواء على العرش مجاز، وعلمه مجاز، وقدرته وإرادته مجاز، والمجاز يصح نفيه، فيقال: ليس في القرآن كلام الله وهذا من أبطل الباطل، فالقرآن كله حقيقة ليس فيه مجاز، فالمصحف فيه كلام الله، ولهذا يقول الأشاعرة: المصحف ليس فيه كلام الله، وقالوا: هذا القرآن مجاز عن كلام الله؛ لأن كلام الله تعدى بهذا القرآن، أو يقولون: إن كلام الله معنى قائم بنفسه، والمصحف ليس فيه كلام الله وإذا قالوا: المصحف كلام الله، قالوا: المراد به المجاز؛ لأنه تعدى به كلام الله، وإلا فليس فيه كلام الله، وهذا من أبطل الباطل.

    فالمقصود أن المجاز يصح نفيه، والحقائق لا يصح نفيها.

    والصواب أن الجدار له إرادة تليق به، فقد جعل الله له إرادة، وسماها الله إرادة: يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ كما قال تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء:44]، أي: كل موجود من الكائنات إلا العدم -فالعدم لا يسمى شيئاً- يسبح، فكيف يسبح؟ الله أعلم، وكيف يريد؟ الله أعلم.

    ومن هذا الباب حنين الجذع وتسبيح الحصى والطعام، وقوله صلى الله عليه وسلم عن جبل أحد: (جبل يحبنا ونحبه)، فجعل الله فيه صفات، وقوله: وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [البقرة:74] أي: الحجارة، فيهبط الجبل من خشيته وهو جبل أصم، والنبي صلى الله عليه وسلم خاطب أُحداً لما تحرك وهو عليه والصديق وعمر وعثمان أيضاً فقال: (أثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان).

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: فَأَقَامَهُ أي: ورده إلى حالة الاستقامة. وقد تقدم في الحديث أنه رده بيديه ودعمه حتى رد ميله، وهذا خارق ].

    يعني: خارق من خوارق العادات، وهو أنه لم يتعب في إصلاحه، فرده بيده ودعمه فاستقام.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فعند ذلك قال موسى له: لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ، أي: لأجل أنهم لم يضيفونا كان ينبغي ألا تعمل لهم مجاناً.

    قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ أي: لأنك شرطت عند قتل الغلام أنك إن سألتني عن شيء بعدها فلا تصاحبني، فهو فراق بيني وبينك، سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ أي: بتفسير مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ].

    والتأويل يطلق على التفسير، ويطلق على الحقيقة التي يئول إليها الكلام، والمراد هنا التفسير، مثل قول ابن جرير : (القول في تأويل قول الله تعالى) يعني التفسير، ويطلق التأويل على العاقبة، مثل قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران:7]، أي العاقبة التي يئول إليها الكلام، مثل تأويل حقائق الآخرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر ...)

    قال الله تعالى: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا [الكهف:79].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ هذا تفسير ما أشكل أمره على موسى عليه السلام، وما كان أنكر ظاهره، وقد أظهر الله الخضر -عليه السلام- على حكمة باطنه ].

    يعني: على حكمة الشيء، والباطن: الشيء الخفي، أطلع الله الخضر على الحكمة الخفية، وموسى لا يعلم إلا الظاهر، والخضر أعطي علم الباطن، ولهذا قال بعضهم: إن الخضر ألهمه الله العلم اللدني الباطني، ويحتج الصوفية بأنهم يعلمون مثل ما يعلم الخضر ، والخضر الصواب في نشأته أنه نبي يوحى إليه، وأعطاه الله حكمة باطن هذه الأشياء.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فقال: إن السفينة إنما خرقتها لأعيبها؛ لأنهم كانوا يمرون بها على ملك من الظلمة، يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالحة، أي: جيدة غَصْبًا ، فأردت أن أعيبها لأرده عنها لعيبها، فينتفع بها أصحابها المساكين الذين لم يكن لهم شيء ينتفعون به غيرها، وقد قيل: إنهم أيتام ].

    وهذا يدل على أن المسكين يكون عنده شيء من المال ويسمى مسكيناً، فهؤلاء مساكين يملكون سفينة، والمسكين عند العلماء هو: الفقير الذي لا يجد تمام الكفاية لمدة سنة من نفقة وكسوة وسكنى، فيعطى ما يتمم كفايته، كأن يكون عنده ما يكفيه لنصف السنة أو ثلثي السنة أو ثلاثة أرباع السنة، فيعطى من مال الزكاة ما يكفيه لمدة سنة كسوة وسكنى وطعاماً له ولعائلته، والفقير أشد حاجة منه، فالفقير هو المعدم الذي لا يجد شيئاً أو يجد أقل من نصف الكفاية، أما المسكين فيجد نصف الكفاية، إلا أنه لا يجد تمام الكفاية، ولذلك بدأ الله بالفقراء في قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ [التوبة:60]، وإذا أطلق المسكين وحده دخل فيه الفقير، وإذا أطلق الفقير وحده دخل فيه المسكين، وإذا اجتمعا فسر الفقير بأنه المعدم الذي لا يجد شيئاً أو يجد أقل من النصف، والمسكين الذي يجد نصف الكفاية ولا يجد تمام الكفاية، وفي الحديث: (ليس المسكين بالطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، إنما المسكين الذي لا يجد غنىً يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس) يعني: هذا أشد مسكنة، فالمسكين هو الذي يأتي ويدق الأبواب ويمد يده، فيعطيه هذا لقمة وهذا أكلة، وهذا ريالاً، وأشد منه المسكين الذي يستحي، فلا يقوم فيسأل الناس، ولا يفطن له فيتصدق عليه؛ لأن عليه علامة غنى، قال تعالى: يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ [البقرة:273]، فهذا هو الذي ينبغي البحث عنه، فهو ليس عنده شيء، وقد يموت في بيته ولا يعلم عنه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد روى ابن جريج عن وهب بن سليمان عن شعيب الجبائي أن اسم ذلك الملك هدد بن بدد ].

    هذا من أخبار بني إسرائيل، والله أعلم بأسمائهم، ولو كان في اسمه مصلحة لسماه الله لنا.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد تقدم -أيضاً- في رواية البخاري ، وهو مذكور في التوراة في ذرية العيص بن إسحاق ، وهو من الملوك المنصوص عليهم في التوراة، والله أعلم ].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين ...)

    قال الله تعالى: وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا [الكهف:80-81].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قد تقدم أن هذا الغلام كان اسمه جيسور ، وفي هذا الحديث عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافراً) رواه ابن جرير من حديث ابن إسحاق عن سعيد عن ابن عباس به، ولهذا قال: فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا أي: يحملهما حبه على متابعته على الكفر.

    قال قتادة : قد فرح به أبواه حين ولد، وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي كان فيه هلاكهما، فليرض امرؤ بقضاء الله؛ فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب ].

    لا شك في ذلك، ففي الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له)، فالمؤمن كل أمره له خير في السراء والضراء، فهو في السراء شاكر وفي الضراء صابر، والشاكر مثاب والصابر مثاب، والمؤمن يتقلب بين السراء وبين الضراء وبين التوبة من الذنب، وهذا عنوان السعادة، فعنوان السعادة الشكر عند السراء والصبر عند الضراء والتوبة عند الذنب، والإنسان يتقلب بين هذه الأحوال الثلاثة، فهو إما في نعمة، فلابد لها من الشكر، وإما في مصيبة، فلابد لها من الصبر، وإما في ذنب، فلابد له من توبة.

    فإذا كان وقع في الذنب تاب وبادر بالتوبة ولم يصر على المعصية، وهذه علامة المستقيم، قال الله تعالى في وصف المتقين: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ [آل عمران:135]، وليس من شأن المؤمن أنه لا يخطئ، فالمؤمن يقع في الذنب، وليس بمعصوم، لكن لا يصر على المعصية، قال تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران:135-136]، فالمؤمن إما في ذنب فيحتاج إلى التوبة، وإما في مصيبة فيحتاج إلى صبر، وإما في نعمة فيحتاج إلى شكر، فإذا كان المسلم يصبر عند الضراء، ولا يجزع ولا يتسخط، ولا يتكلم بلسانه ما يغضب الله، ولا يعمل بجوارحه ما يغضب الله، كشق الثوب ولطم الخد ونتف الشعر، بل يصبر ويقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ويشكر عند النعمة، ويتوب عند المعصية والذنب، فهذه علامة السعادة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وصح في الحديث: (لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيراً له)، وقال تعالى: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:216].

    وقوله تعالى: فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ، أي: ولداً أزكى من هذا وهما أرحم به منه، قاله ابن جريج .

    وقال قتادة : أبر بوالديه.

    وقد تقدم أنهما بدلا جارية، وقيل: لما قتله الخضر كانت أمه حاملاً بغلام مسلم، قاله ابن جريج ].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة ...)

    قال الله تعالى: وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا [الكهف:82].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ في هذه الآيةِ دليل على إطلاق القرية على المدينة؛ لأنه قال أولاً: حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ ، وقال هاهنا: فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ ، كما قال تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ [محمد:13] ].

    وهي مكة، فمكة تسمى قرية وهي مدينة، فالمدينة تسمى قرية، والقرية تسمى مدينة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف:31] يعني: مكة والطائف، ومعنى الآية أن هذا الجدار إنما أصلحته لأنه كان لغلامين يتيمين في المدينة وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا [الكهف:82].

    قال عكرمة وقتادة وغير واحد: كان تحته مال مدفون لهما. وهذا ظاهر السياق من الآية، وهو اختيار ابن جرير رحمه الله.

    وقال العوفي عن ابن عباس : كان تحته كنز علم، وكذا قال سعيد بن جبير ، وقال مجاهد : صحف فيها علم، وقد ورد في حديث مرفوع ما يقوي ذلك.

    قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده المشهور:

    حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري ، حدثنا بشر بن المنذر ، حدثنا الحارث بن عبد الله اليحصبي ، عن عياش بن عباس الغساني عن أبي حجيرة عن أبي ذر رفعه قال: (إن الكنز الذي ذكر الله في كتابه لوح من ذهب مصمت مكتوب فيه: عجبت لمن أيقن بالقدر لم نصب؟ وعجبت لمن ذكر النار لم ضحك؟ وعجبت لمن ذكر الموت لم غفل؟) لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وبشر بن المنذر هذا يقال له: قاضي المصيصة، قال الحافظ أبو جعفر العقيلي : في حديثه وهم ].

    الأقرب أن الكنز المال، والحديث هذا لا يثبت؛ لأن فيه ضعفاً، فالأقرب أن الكنز المال، ويحتمل أنه كنز العلم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد روي في هذا آثار عن السلف، وقال ابن جرير في تفسيره:

    حدثني يعقوب ، حدثنا الحسن بن حبيب بن ندبة ، حدثنا سلمة عن نعيم العنبري -وكان من جلساء الحسن - قال: سمعت الحسن -يعني البصري -يقول في قوله: وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا ، قال: لوح من ذهب مكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن؟ وعجبت لمن يوقن بالموت كيف يفرح؟ وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها؟ لا إله إلا الله، محمد رسول الله ].

    هذا مقطوع على الحسن البصري ، والحسن البصري تابعي، والأقرب أنه من أخبار بني إسرائيل؛ لأن هذا لا يعلم إلا من جهة المعصوم صلى الله عليه وسلم، ولو ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم لقلنا به، فلوح مختوم فيه هذا الكلام يحتاج إلى دليل، لكن هذا من أخبار بني إسرائيل والله أعلم، وهذا لا يصدق ولا يكذب، لكن الله تعالى أخبرنا أن تحته كنز لهما، أما هذا اللوح المكتوب فيه هذه الكلمات فالله أعلم.

    ومن الرواة الذين رووا ذلك الحسن بن حبيب بن نَدَبة -بفتح النون والدال والموحدة- التميمي أبو سعيد البصري الكوسجي ، روى عن هشام بن عروة وأبي حمزة ، وعنه الخلال وابن المثنى وعلي بن حسين الدرهمي ، وثقه النسائي ، قال مطين : توفي سنة سبع وعشرين ومائة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى نقلاً عن ابن جرير : [ حدثني يونس ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني عبد الله بن عياش ، عن عمر مولى غُفْرَة قال: إن الكنز الذي قال الله في السورة التي يذكر فيها الكهف: وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا قال: كان لوحًا من ذهب مصمت مكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، عجبت لمن عرف النار ثم ضحك! عجبت لمن أيقن بالقدر ثم نصب! عجبت لمن أيقن بالموت ثم أمن! أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ].

    قوله: [عجبت لمن أيقن بالنار كيف نصب؟] يعني: تعب، أي: كيف يتعب وهو يعلم أن الله قدر كل شيء، وهذه كلمات وعظ، وفيها الشهادة بالوحدانية، لكن هذا الكلام موقوف على السابقة، عمر مولى غفرة ، وكل هذه الأخبار من أخبار بني إسرائيل.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وحدثني أحمد بن حازم الغفاري ، حدثتنا هنادة بنت مالك الشيبانية قالت: سمعت صاحبي حماد بن الوليد الثقفي يقول: سمعت جعفر بن محمد يقول في قول الله تعالى: وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا ، قال: سطران ونصف لم يتم الثالث: عجبت للموقن بالرزق كيف يتعب؟ ].

    يعني: من أيقن أن الله تعالى يرزق، وأن الله تعالى تكفل بالرزق، كيف يتعب وينصب والله تعالى تكفل بالرزق؟ فالموقن لا يتعب.

    قال: [ وعجبت للموقن بالحساب كيف يغفُل؟ وعجبت للموقن بالموت كيف يفرح؟ وقد قال تعالى: وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ، قالت: وذكر أنهما حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر منهما صلاح، وكان بينهما وبين الأب الذي حفظا به سبعة آباء، وكان نساجاً.

    وهذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة، وورد به الحديث المتقدم -وإن صح- لا ينافي قول عكرمة أنه كان مالاً؛ لأنهم ذكروا أنه كان لوحاً من ذهب وفيه مال جزيل، أكثر ما زادوا أنه كان مودعاً فيه علم، وهو حكم ومواعظ، والله أعلم ].

    كأن كلام الحافظ: (والحديث إن صح) بدون واو، أي: سياق الكلام يقتضي هذا، فكأن الحافظ شك في صحته، ولا يصح الحديث، لكن لو صح الحديث مع هذه الآثار، فإنه لا ينافي أن يكون كنزاً، أو لوح كنز مكتوباً فيه هذه الحكم، فإن لم يصح فالله أعلم بهذه الكلمات، إلا أنه كنز، والله أعلم بكيفية الكنز، فهل هو لوح أو غير لوح؟ لكن الحديث إن صح مع هذه الآثار يحمل على أنه لوح من ذهب مكتوب فيه هذه الحكم، لكن الحديث لا يصح بهذا السند، وكأن الحافظ رأى أن تلك الآثار متابعة له، لكنها آثار مقطوعة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فيه دليل على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته، وتشمل بركة عبادته لهم في الدنيا والآخرة، بشفاعته فيهم ورفع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة، لتقر عينه بهم، كما جاء في القرآن ووردت السنة به ].

    وذلك كما في قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الطور:21].

    قال المؤلف رحمه الله: [ قال سعيد بن جبير عن ابن عباس : حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر لهما صلاح ].

    قال تعالى: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) فحفظ المال بصلاح أبيهما، وأما هما فلم يكن لهما صلاح، أو كانا يتيمين لم يبلغا بعد، فحفظا وحفظ مالهما بصلاح أبيهما، قال تعالى: وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا ، والرجل الصالح تحفظ ذريته بسببه، ويشفع لهم في الآخرة ويرفعون إلى درجته، وإن كانت منزلتهم أقل، لكي تقر عينه بهم، كما قال الله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الطور:21]، فذريته تلحقه وترفع إلى درجة أعلى، من غير أن ينقص من ثوابه شيء، ولهذا قال: (وَمَا أَلَتْنَاهُمْ) يعني: ما نقصناهم من ثوابهم من شيء.

    وهذا من الثواب المعجل للمؤمن، فالمؤمن يثاب عاجلاً وآجلاً، فمن الثواب المعجل أن الله تعالى يحفظ ذريته به، ومن الثواب المعجل الثناء الحسن، والرؤيا الصادقة، كما قال الله تعال: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ [يونس:62-64]، فالبشرى في الدنيا فسرت بالثناء الحسن وبالرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال سعيد بن جبير عن ابن عباس : حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر لهما صلاح، وتقدم أنه كان الأب السابع، فالله أعلم ].

    وظاهره أنه أبوهما المباشر، وكونه الأب السابع يحتاج إلى دليل.

    دلائل نبوة الخضر عليه السلام

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا ، هاهنا أسند الإرادة إلى الله تعالى؛ لأن بلوغهما الحلم لا يقدر عليه إلا الله ].

    الحُلْم والحُلُم كما في قوله تعالى: وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ [النور:59] يعني: سن التكليف.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال في الغلام: فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً [الكهف:81]، وقال في السفينة: فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا [الكهف:79]، فالله أعلم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي أي: هذا الذي فعلته في هذه الأحوال الثلاثة إنما هو من رحمة الله بمن ذكرنا من أصحاب السفينة ووالدي الغلام وولدي الرجل الصالح، وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ، أي: لكني أمرت به ووقفت عليه، وفيه دلالة لمن قال بنبوة الخضر عليه السلام ].

    وهذه دلالة واضحة، وهذا هو الصواب؛ لأنه قال: وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي أي: إنما فعله بوحي من الله، والجمهور يرون أنه عبد صالح، والصواب أنه نبي يوحى إليه؛ لما في الآية الكريمة: وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ، إنما فعله بوحي من الله، ولأن هذه الأعمال لا يمكن أن يفعلها الإنسان بالإلهام، وإنما يفعلها بوحي من الله، فالإقدام على قتل الغلام، وخرق السفينة، وكذلك بناء الجدار، وإخبار موسى بأنه ليتيمين في المدينة، وأنهما سيبلغان أشدهما لا يعلم كل هذا إلا الله، ومن يعلم أن هذين اليتيمين سيعيشان ويكبران ويأخذن كنزهما بغير وحي من الله؟! ثم القول بأنه فعل هذه الأشياء بالإلهام هو من كلام الصوفية الذين يقدمون على الأفعال المحرمة ويدعون أن هذا بإلهام، ويحتجون بقصة الخضر .

    والصواب أن الخضر نبي يوحى إليه، كما هو صريح في قوله: رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي .

    وهذا له نظائر؛ لأن الفضل والخير يضاف إلى الله، والشر لا يضاف إلى الله -وإن كان الله خالق الجميع- من باب الأدب، كما قال الله تعالى: مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ [الفلق:2]، قال تعالى عن الجن: وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن:10]، فالشر ما أضافوه إلى الله، بل قالوا: أَشَرٌّ أُرِيدَ ، والخير أضافوه إلى الله فقالوا: أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا وهذا من أدب الجن، وهذا هو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (والشر ليس إليك)، يعني: الشر المحض الذي لا حكمة في إيجاده لا ينسب إلى الله ولا يضاف إلى الله، مع أن الله تعالى خالق كل شيء، لكن الشر لا يضاف إلى الله من باب الأدب، والخير يضاف إليه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وفيه دلالة لمن قال بنبوة الخضر عليه السلام، مع ما تقدم من قوله: فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا .

    وقال آخرون: كان رسولاً، وقيل: بل كان ملكاً، نقله الماوردي في تفسيره، وذهب كثيرون إلى أنه لم يكن نبياً، بل كان ولياً، فالله أعلم ].

    قيل: إنه ولي وعبد صالح، وقيل: إنه كان نبياً، وقيل: إنه كان رسولاً، وقيل: إنه كان ملكاً، فهذه أربعة أقوال، والأكثرون على أنه عبد صالح، وأنه قال هذه الأشياء بإلهام وتعريف من الله، وهذا هو علم اللدني، حيث قال تعالى: وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ، وذهب إلى هذا الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله وكثير من أهل العلم.

    والقول الثاني: أنه نبي، والقول الثالث: أنه رسول، والقول الرابع: أنه ملك، والصواب: أنه نبي يوحى إليه.

    دلائل موت الخضر عليه السلام

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وذكر ابن قتيبة في المعارف أن اسم الخضر بليا بن ملكان بن فالغ بن غابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام, قالوا: وكان يكنى أبا العباس ويلقب بـالخضر، وكان من أبناء الملوك، ذكره النووي في تهذيب الأسماء، وحكى هو وغيره في كونه باقياً إلى الآن ثم إلى يوم القيامة قولين، ومال هو وابن الصلاح إلى بقائه، وذكروا في ذلك حكايات وآثار عن السلف وغيرهم، وجاء ذكره في بعض الأحاديث، ولا يصح شيء من ذلك، وأشهرها أحاديث التعزية، وإسناده ضعيف ].

    يعني: أن العلماء لهم في بقائه قولان: قول بأنه موجود وأنه باق إلى يوم القيامة، وقال آخرون: إنه مات، وهذا هو الصواب؛ لأنه لو كان باقياً لجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به، والله تعالى أخذ الميثاق على كل نبي: لئن بعث محمد وهم أحياء ليتبعنه وينصرنه، وعيسى عليه الصلاة والسلام إذا نزل في آخر الزمان يكون فرداً من أفراد الأمة المحمدية، ويحكم بشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم، فلا يمكن أن يكون الخضر -وهو نبي أو عبد صالح- في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يأتي ليؤمن به ويبايعه، ثم إنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حياته خطب الناس بعد العشاء وقال: (إنه على رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض اليوم أحد)، والمعنى: أن مائة سنة تخرم ذلك القرن، والحديث رواه البخاري في صحيحه.

    يعني: بعد مائة سنة من حديث النبي صلى الله عليه وسلم يموت من هو موجود على الأرض ويأتي جيل جديد، فلو كان الخضر موجوداً على قيد الحياة لشمله هذا الحديث ومات.

    وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله له في مجموع الفتاوى قولان: قول: أنه مات، وهذا هو الصواب، والقول الثاني أنه باق، وأجاب عن هذا بأنه ليس على وجه الأرض، وإنما هو في البحر، ولعله رجع عن هذا القول، ولكنه نقل القولين، وكأن الذي نقله عنه لا يعرف المتقدم من المتأخر، والصواب أنه مات، وليس على قيد الحياة، وبعض الناس يرى أن الخضر وإلياس من المعمرين، وأنهما باقيان إلى يوم القيامة، والصواب أنهما ليسا باقيين، ولو كانا موجودين على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لجاءا وآمنا به.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ورجح آخرون من المحدثين وغيرهم خلاف ذلك، واحتجوا بقوله تعالى: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ [الأنبياء:34]، وبقول النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر: (اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض)، وبأنه لم ينقل أنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا حضر عنده ولا قاتل معه، ولو كان حياً لكان من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ لأنه عليه السلام كان مبعوثاً إلى جميع الثقلين: الجن والإنس، وقد قال: (لو كان موسى وعيسى حيين ما وسعهما إلا اتباعي).

    وأخبر قبل موته بقليل: (أنه لا يبقى ممن هو على وجه الأرض إلى مائة سنة من ليلته تلك عين تطرف)، إلى غير ذلك من الدلائل ].

    أي: لو كان موجوداً لكان من تلك العصابة؛ لأنه يعبد الله في الأرض، ولأنه نبي أو عبد صالح، فقوله: (إن تهلك هذه العصابة) معناه: ليس في الأرض أحد في ذلك الوقت مؤمن إلا غيرهم.

    وقوله: [ (لو كان موسى وعيسى حيين ما وسعهما إلا اتباعي) ] لعل هذا مما أخطأ فيه الكاتب، أو زاده زنديق على التفسير، فإن هذا القول يرده ما تواتر من النصوص على نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان.

    فالصحيح: (ولو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي) منافاة، فموسى لا شك في أنه توفى، وعيسى مرفوع؛ ولو كان موسى حياً لاتبعه، ولو كان عيسى موجوداً على وجه الأرض لاتبعه؛ لكنه مرفوع، وقد أخبر في الأحاديث الصحيحة بأنه ينزل في آخر الزمان ويتبع النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقد ذكره ابن أبي العز في شرح الطحاوية في السياق، وعلق عليه الشيخ ناصر الألباني رحمه الله في تخريج الطحاوية بقوله: (كذا الأصل)، وكأنه يشير إلى الحديث الذي ذكره شيخه ابن كثير في تفسير سورة الكهف بلفظ: (لو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلا اتباعي)، وهو حديث محفوظ دون ذكر عيسى فيه، فإنه منكر عندي، لم أره في شيء من طرقه، وهي مخرجة في إرواء الغليل برقم ألف وخمسمائة وتسعة وثمانين.

    والصحيح أن ذكر عيسى وهم، أو خطأ مطبعي، وقوله: (كانا حيين)، الصحيح: حي.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن آدم ، حدثنا ابن المبارك عن معمر ، عن همام بن منبه عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الخضر قال: (إنما سمي خضراً لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تحته تهتز خضراء) ورواه -أيضاً- عن عبد الرزاق ، وقد ثبت -أيضاً- في صحيح البخاري عن همام عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة، فإذا هي تهتز من خلفه خضراء).

    والمراد بالفروة هاهنا: الحشيش اليابس.

    بيان معنى قوله تعالى: (ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبراً)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ، أي: هذا تفسير ما ضقت به ذرعاً، ولم تصبر حتى أخبرك به ابتداء، ولما أن فسره له وبينه ووضحه وأزال المشكل قال: ما لم (تسطع)، وقبل ذلك كان الإشكال قوياً ثقيلاً فقال: سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ، فقابل الأثقل بالأثقل، والأخف بالأخف، كما قال تعالى: فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ [الكهف:97]، وهو الصعود إلى أعلاه، وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا [الكهف:97]، وهو أشق من ذلك، فقابل كلاً بما يناسبه لفظاً ومعنى والله أعلم ].

    يعني: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، ففي خرقه السفينة لما أنكر عليه إنكاراً أقل قابله بالأقل، حيث قال موسى: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ، فقابله الخضر بقوله: قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ، ولما شدد عليه في الإنكار في المرة الثانية فقال : لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا ، شدد عليه الخضر وأكده فقال: قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ فأتى بزيادة (لك)، وهنا لما كان الإشكال قوياً قال: لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ، فلما فسر له هذه الأشياء التي فعلها، وزال الإشكال قال: مَا لَمْ تَسْطِعْ وحذف التاء للتخفيف، وكذلك في يأجوج ومأجوج، حيث قال تعالى: فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ [الكهف:97] يعني: ما استطاعوا أن يصعدوا إلى أعلى، لأن الصعود إلى أعلى خفيف، وأما النقب والخرق فقال عنه: وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا [الكهف:97]؛ لأن النقب أشد، وهذا يدل على ما قاله بعضهم من أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى.

    ذكر خبر يوشع بن نون بعد لقي الخضر

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فإن قيل: فما بال فتى موسى ذكر في أول القصة ثم لم يذكر بعد ذلك؟

    فالجواب أن المقصود بالسياق إنما هو قصة موسى مع الخضر ، وذكر ما كان بينهما، وفتى موسى معه تبع، وقد صرح في الأحاديث المتقدمة في الصحاح وغيرها أنه يوشع بن نون وهو الذي كان يلي بني إسرائيل بعد موسى عليهما السلام ].

    ويوشع بن نون نبي، وهو الذي فتح بيت المقدس، ودخل بيت المقدس بعد وفاة موسى عليه الصلاة والسلام، فموسى توفي في التيه وسط صحراء سيناء التي بين مصر وفلسطين، والله تعالى عاقب بني إسرائيل بالتيه، وحرم عليهم دخول البلد؛ لأنهم امتنعوا ورفضوا أمر الله لما طلب منهم موسى أن يذهبوا معه وليقاتلوا الجبابرة ويفتحوا بيت المقدس، وأخبرهم بأن الله وعد بالفتح، فرفضوا ذلك وقالوا: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24]، فالله تعالى عاقبهم فقال: فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً [المائدة:26]، وهذا تحريم قدري، إذ إن التحريم ينقسم إلى قسمين: تحريم قدري وتحريم شرعي، فالتحريم الكوني القدري مثل قوله سبحانه وتعالى: فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً [المائدة:26]، ومثل قوله: وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ [القصص:12]، فهذا تحريم قدري، يعني: لا يقبل ثدي امرأة إلا ثدي أمه.

    والنوع الثاني: تحريم شرعي، مثل قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ [المائدة:3]، وقوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ [النساء:23] فهذا تحريم شرعي، والتحريم الأول تحريم قدري، والمعنى أن الله منعهم، فقال: فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً [المائدة:26]، فصاروا كلما مشوا رجعوا إلى مكانهم لا يهتدون إلى البلد أربعين سنة، حتى ماتوا في التيه، ومات معهم موسى عليه الصلاة السلام.

    ثم بعد ذلك ولي الأمر يوشع بن نون فتاه الذي ذهب معه إلى البحر، وصار نبياً، وفتح بهم بيت المقدس، وحبست له الشمس؛ لأنه كاد أن يفتح المدينة قبيل غروب الشمس ليلة السبت، وكان في شريعتهم أن يوم السبت ليس فيه قتال، فنادى يوشع الشمس وقال: أنت مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا، فحبسها الله، فوقفت حتى تم الفتح قبل غروب الشمس، ثم دخل المدينة، ولم تحبس الشمس لأحد إلا ليوشع بن نون.

    وجاء في أحاديث ضعيفة أنها حبست لـعلي ، وثبت أنها من موضوعات الشيعة، وأنها حبست لنبينا صلى الله عليه وسلم، وهذا لم يثبت.

    والصواب أن الشمس ما حبست إلا ليوشع بن نون حتى تم الفتح، وهذا ثابت في الحديث الصحيح.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وهذا يدل على ضعف ما أورده ابن جرير في تفسيره حيث قال : حدثنا ابن حميد حدثنا سلمة حدثني ابن إسحاق عن الحسن بن عمارة عن أبيه عن عكرمة قال: قيل لـابن عباس : لم نسمع لفتى موسى بذكر حديث، وقد كان معه؟ قال ابن عباس فيما يذكر من حديث الفتى قال: شرب الفتى من الماء فخلد، فأخذه العالم فطابق به سفينة ثم أرسله في البحر، فإنها لتموج به إلى يوم القيامة؛ وذلك أنه لم يكن له أن يشرب منه فشرب.

    وإسناده ضعيف، والحسن متروك، وأبوه غير معروف ].

    قلت: المتروك هو المتهم بالكذب، وعلى هذا فيكون الحديث ضعيفاً جداً، فيه عنعنة ابن إسحاق ، فالحديث ضعيف جداً ولا يصلح لأن يتقوى بالمتابعة، ثم لو صح السند لكان شاذاً؛ لأنه مخالف للحديث الصحيح الذي فيه أنه كان نبي بني إسرائيل، وأنه فتح بيت المقدس، فكيف يقال: إنه في سفينة في البحر تموج به إلى يوم القيامة؟! فلو صح السند واستقام مثل الشمس فإنه يكون شاذاً؛ لمخالفته للحديث الصحيح.