إسلام ويب

تفسير سورة الكهف [45-49]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد تعرض القرآن الكريم لبيان حقيقة الدنيا في أكثر من آية بأبلغ عبارة وأعظم نذارة، مستعملاً في ذلك ضرب الأمثال والوصف المباشر وغيرهما، ليبين للعباد أن ما يلهيهم فيها من زينة الأموال والأولاد لا يعد وأن يكون من متاع الدنيا المحتقرة، وأن ما ينبغي عليهم الاشتغال به هو الباقيات الصالحات التي يجدون ثوابها عند ربهم يوم تسير الجبال وتنصب الموازين وتتطاير الصحف، ليجد كل امرئ ما عمله مسطراً في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا ...)

    قال الله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا * الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا [الكهف:45-46].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يقول تعالى: واضرب -يا محمد- للناس مثل الحياة الدنيا -في زوالها وفنائها وانقضائها- كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض -أي: ما فيها من الحب- فشب وحسن وعلاه الزهر والنور والنضرة.

    ثم بعد هذا كله ( فَأَصْبَحَ هَشِيمًا ) ، يابساً ( تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ )، أي: تفرقه وتطرحه ذات اليمين وذات الشمال ( وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا )، أي: هو قادر على هذه الحال وهذه الحال، وكثيراً ما يضرب الله مثل الحياة الدنيا بهذا المثل، كما قال تعالى في سورة يونس إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ [يونس:24]، الآية، وقال في الزمر : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ [الزمر:21] الآية، وقال في سورة الحديد: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ [الحديد:20] الآية، وفي الحديث الصحيح (الدنيا خضرة حلوة)، وقوله: الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف:46] كقوله: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ [آل عمران:14] ].

    هذه الآية ضرب الله تعالى فيها مثل الحياة الدنيا، فالله تعالى كثيراً ما يضرب الأمثال في كتابه، وكذلك الرسول عليه الصلاة والسلام يضرب الأمثال في سنته، وذلك لأن المثل يقرب المعقول فيكون كالمحسوس، وكان كثيراٌ من السلف يبكي الواحد منهم إذا لم يعلم المثل، لقول الله تعالى: وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43]، فالمثل ينتقل بالإنسان من الشيء المعقول إلى الشيء المحسوس الموجود، والله تعالى ضرب مثل الحياة الدنيا بماء مطر أنزله من السماء على الأرض، فأنبتت الأرض ( فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ ) وصار أخضر، ثم سرعان ما يبس وذبل، وكذلك الدنيا، فهي سريعة الزوال.

    والإنسان في هذه الدنيا في شبابه وفي صحته سرعان ما ينتهي ويصل إلى الأجل، والدنيا كلها سريعة الانقضاء، قال عليه الصلاة والسلام (مالي وللدنيا، إنما أنا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها)، فهذه هي الدنيا، فالإنسان كالمتنزه الذي يذهب للنزهة مدة ثم ينصرف، فكذلك الدنيا يمكث الإنسان فيها ما شاء الله ثم يرحل.

    بيان معنى الباقيات الصالحات

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: ( الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا )، كقوله: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ [آل عمران:14] الآية، وقال تعالى : إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [التغابن:15].

    أي: الإقبال عليه والتفرغ لعبادته خير لكم من اشتغالكم بهم والجمع لهم والشفقة المفرطة عليهم، ولهذا قال: وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا [الكهف:46].

    قال ابن عباس رضي الله عنهما، وسعيد بن جبير ، وغير واحد من السلف: الباقيات الصالحات: الصلوات الخمس، وقال عطاء بن أبي رباح ، وسعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وهكذا سئل أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه عن الباقيات الصالحات: ما هي ؟ فقال: هي لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، رواه الإمام أحمد ].

    الصواب أن (الباقيات الصالحات) عام لجميع الأعمال الصالحة، والصلوات الخمس من الباقيات الصالحات، والزكاة، والصوم، والحج، والتسبيح والتهليل، وقراءة القرآن، لكن عادة السلف أنهم يفسرون الشيء ببعض معناه، فالصلوات الخمس بعض من الأعمال الصالحات، و(سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) من الباقيات الصالحات، وكذلك جميع الأعمال الصالحة كلها من الباقيات الصالحات.

    والأعمال الصالحة هي التي تنفع الإنسان، فهي الباقية، حيث يبقى ثوابها، وثوابها الجنة، والمال والبنون زينة الحياة، والدنيا زائلة، فالمال منته والبنون كذلك، فزينة الحياة الدنيا منتهية والأعمال الصالحة يبقى ثوابها.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أبو عبد الله المقري ، حدثنا حيوة ، حدثنا أبو عقيل أنه سمع الحارث مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه يقول: جلس عثمان يوماً وجلسنا معه، فجاءه المؤذن، فدعا بماء في إناء -أظنه سيكون فيه مد- فتوضأ، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وضوئي هذا ثم قال: (من توضأ وضوئي هذا ثم قام فصلى صلاة الظهر غفر له ما كان بينها وبين الصبح، ثم صلى العصر غفر له ما بينها وبين الظهر، ثم صلى المغرب غفر له ما بينها وبين العصر، ثم صلى العشاء غفر له ما بينها وبين المغرب، ثم لعله يبيت يتمرغ ليلته، ثم إن قام فتوضأ وصلى صلاة الصبح غفر له ما بينها وبين صلاة العشاء، وهي الحسنات يذهبن السيئات) ].

    فالصلوات تكفر السيئات، فهذا صلى الظهر فكفر الله خطاياه إلى صلاة العصر، أما الكبائر التي توعد عليها بالنار أو اللعنة أو الغضب -كالسرقة، والزنا، وشرب الخمر، وعقوق الوالدين، وقطيعة الرحم، وشهادة الزور، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وجحد حقوق الناس، والغيبة والنميمة -فلابد لها من توبة، ولا يكفي في تكفيرها صلاة الفرائض، لكن من صلى الفرائض كفر الله عنه الصغائر، كما قال الله عز وجل: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء:31] أي: الصغائر، وقال عليه الصلاة والسلام: (الصلاة الخمس، والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر)، فإذا اجتنب الإنسان الكبائر كفر الله بالصلوات وبالزكاة وبالصوم الصغائر، أما إذا لم يجتنب الكبائر عوقب على الصغائر والكبائر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قالوا هذه الحسنات، فما الباقيات الصالحات يا عثمان ؟ قال: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. تفرد به ].

    أي: تفرد به الإمام أحمد عن الكتب الستة، والمراد أن من الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وليست كلها، بل هي منها، والصلوات الخمس منها، وكذلك جميع الأعمال الصالحة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وروى مالك عن عمارة بن عبد الله بن صياد عن سعيد بن المسيب قال: الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    وقال محمد بن عجلان عن عمارة قال: سألني سعيد بن المسيب عن الباقيات الصالحات فقلت : الصلاة والصيام، فقال: لم تصب، فقلت: الزكاة والحج، فقال: لم تصب، ولكنهن الكلمات الخمس: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله ].

    هذا مقطوع على سعيد ، وفيه: وقال محمد بن عجلان عن عمارة ، ولم يذكر السند، والصواب أنها الأعمال الصالحة كلها من الباقيات الصالحات، كالصلاة والزكاة والصوم والحج والتسبيح والتهليل.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال ابن جريج: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خيثم عن نافع عن سرجس أنه أخبره أنه سأل ابن عمر عن الباقيات الصالحات، قال: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال ابن جريج : وقال عطاء بن أبي رباح مثل ذلك.

    وقال مجاهد : الباقيات الصالحات : سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن الحسن وقتادة في قوله : ( وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ )، قال: لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله، وسبحان الله هن الباقيات الصالحات. قال ابن جرير : وجدت في كتابي عن الحسن بن الصباح البزار عن أبي نصر التمار عن عبد العزيز بن مسلم عن محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر هن الباقيات الصالحات)، قال: وحدثني يونس ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرنا عمرو بن الحارث أن دراجاً أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (استكثروا من الباقيات الصالحات، قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: الملة، قيل: وما هي يا رسول الله ؟ قال: التكبير، والتهليل، والتسبيح، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله)، وهكذا رواه أحمد من حديث دراج به.

    قال وهب : أخبرني أبو صخر أن عبد الله بن عبد الرحمن مولى سالم بن عبد الله حدثه قال: أرسلني سالم إلى محمد بن كعب القرظي في حاجة فقال: قل له: القني عند زاوية القبر، فإن لي إليك حاجة، قال: فالتقيا فسلم أحدهما على الآخر، ثم قال سالم : ما تعد الباقيات الصالحات ؟ فقال: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فقال له سالم : متى جعلت فيها (لا حول ولا قوة إلا بالله)؟ قال: ما زلت أجعلها، قال: فراجعه مرتين أو ثلاثا فلم ينزع، قال: فأبيت ؟ قال سالم : أجل، فأبيت؛ فإن أبا أيوب الأنصاري حدثني أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: (عُرِج بي إلى السماء فرأيت إبراهيم عليه السلام فقال: يا جبريل! من هذا الذي معك ؟ فقال: محمد، فرحب بي وسهل، ثم قال: مر أمتك فلتكثر من غراس الجنة، فإن تربتها طيبة، وأرضها واسعة، فقلت: وما غراس الجنة؟ فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله).

    وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن يزيد عن العوام ، حدثني رجل من الأنصار من آل النعمان بن بشير قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في المسجد بعد صلاة العشاء، فرفع بصره إلى السماء ثم خفض حتى ظننا أنه قد حدث في السماء شيء، ثم قال: (أما إنه سيكون بعدي أمراء يكذبون ويظلمون، فمن صدقهم بكذبهم ومالأهم على ظلمهم فليس مني ولست منه، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يمالئهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه، ألا وإن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر هن الباقيات الصالحات).

    وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا أبان ، حدثنا يحيى بن أبي كثير عن زيد عن أبي سلام عن مولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بخٍ بخٍ لخمس ما أثقلهن في الميزان: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، والولد الصالح يتوفى فيحتسبه والده! وقال: بخ بخ لخمس من لقي الله مستيقناً بهن دخل الجنة: يؤمن بالله، واليوم الآخر، وبالجنة، وبالنار، وبالبعث بعد الموت، وبالحساب! ).

    وقال الإمام أحمد : حدثنا روح ، حدثنا الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: كان شداد بن أوس رضي الله عنه في سفر، فنزل منزلاً فقال لغلامه: ائتنا بالشفرة نعبث بها. فأنكر عليه فقال: ما تكلمت بكلمة منذ أسلمت إلا وأنا أخطمها وأزمها غير كلمتي هذه، فلا تحفظوها علي، واحفظوا ما أقول لكم ].

    يعني: ما أتكلم بكلمة إلا ولها مكانة، وليس هناك كلام إلا وله موقع، إلا هذه الكلمة، وقوله: (أخطمها وأزمها) الخطام والزمام يكون للناقة، أي: لا يتكلم بالكلام إلا موزوناً، إلا هذه الكلمة.

    قال:[ فلا تحفظوها علي، واحفظوا ما أقول لكم: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (إذا كنز الناس الذهب والفضة فاكنزوا أنتم هؤلاء الكلمات: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وأسألك حسن عبادتك، وأسألك قلباً سليماً، وأسألك لساناً صادقاً، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب)، ثم رواه -أيضاً- النسائي من وجه آخر عن شداد بنحوه.

    وقال الطبراني : حدثنا عبد الله بن ناجية ، حدثنا محمد بن سعد العوفي ، حدثني أبي، حدثنا عمر بن الحسين عن يونس بن نفيع الجدلي عن سعد بن جنادة رضي الله عنه قال: كنت في أول من أتى النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الطائف، فخرجت من أعلى الطائف من السراة غدوة، فأتيت منى عند العصر، فتصاعدت في الجبل ثم هبطت، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأسلمت، وعلمني قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، وإِذَا زُلْزِلَتِ [الزلزلة:1]، وعلمني هؤلاء الكلمات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وقال: هن الباقيات الصالحات، وبهذا الإسناد: (من قام من الليل فتوضأ ومضمض فاه ثم قال: سبحان الله مائة مرة، والحمد لله مائة مرة، والله أكبر مائة مرة، ولا إله إلا الله مائة مرة؛ غفرت ذنوبه، إلا الدماء، فإنها لا تبطل).

    وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله : ( وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ )، قال: هي ذكر الله: قول لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، وتبارك الله، ولاحول ولاقوة إلا بالله، وأستغفر الله، وصلى الله على رسول الله، والصيام، والصلاة، والحج، والصدقة، والعتق، والجهاد، والصلة، وجميع أعمال الحسنات، وهن الباقيات الصالحات التي تبقى لأهلها في الجنة ما دامت السموات والأرض ].

    وهذا هو الصواب، وهو أن الصلاة والزكاة والصوم والحج والصدقة وكل الأعمال الصالحات هي الباقيات الصالحات يبقى ثوابها في الجنة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال العوفي عن ابن عباس : هي الكلام الطيب، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : هي الأعمال الصالحة كلها. واختاره ابن جرير رحمه الله ].

    وهذا هو الصواب، فهي الأعمال الصالحة كلها، وما تقدم هو من بعض الأعمال الصالحة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة ...)

    قال الله تعالى: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا * وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:47-49].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يخبر تعالى عن أهوال يوم القيامة وما يكون فيه من الأمور العظام، كما قال تعالى: يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا [الطور:9-10] أي: تذهب من أماكنها وتزول، كما قال تعالى : وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ [النمل:88]، وقال تعالى : وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ [القارعة:5]، وقال : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا [طه:105-107].

    يذكر تعالى بأنه تذهب الجبال وتتساوى المهاد، وتبقى الأرض قاعاً صفصفا -أي: سطحاً مستوياً- لا عوج فيه ولا أمتا، أي: لا وادي ولا جبل، ولهذا قال تعالى: ( وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً )، أي: بادية ظاهرة ليس فيها معلم لأحد، ولا مكان يواري أحدا، بل الخلق كلهم ضاحون لربهم لا تخفى عليه منهم خافية، قال مجاهد ، وقتادة ( وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً )، لا حجر فيها ولا غيابة ].

    قال قتادة: لا بناء ولا شجر ].

    وقد يكون لفظهما (لا خمر فيها ولا غيابة)، والخمر: الشيء الذي يغطي، ومنه الخمر، سمي خمراً لأنه يغطي العقل، ومنه خمار المرأة، سمي خماراً لأنه يسترها ويستر وجهها، أي: ليس هناك شيء يغطي شيئاً، فكل الناس موقوفون لله عز وجل حفاة عراة لا يسترهم شيء ولا يغطيهم شيء، فقوله: (لا حجر) له معنى، لكن (لا خمراً) قد تكون أقرب.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: ( وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا )، أي: وجمعناهم الأولين منهم والآخرين فلم نترك منهم أحداً لا صغيراً ولا كبيراً، كما قال : قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [الواقعة:49-50]، وقال : َذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ [هود:103]، وقوله: وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا [الكهف:48]، يحتمل أن يكون المراد أن جميع الخلائق يقومون بين يدي الله صفاً واحداً، كما قال تعالى : يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا [النبأ:38]، ويحتمل أنهم يقومون صفوفاً صفوفا، كما قال : وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر:22].

    وقوله: ( لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ )، هذا تقريع للمنكرين للمعاد وتوبيخ لهم على رءوس الأشهاد، ولهذا قال تعالى مخاطباً لهم : ( بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا )، أي: ما كان ظنكم أن هذا واقع بكم، ولا أن هذا كائن.

    وقوله : ( وَوُضِعَ الْكِتَابُ ) ، أي: كتاب الأعمال الذي فيه الجليل، والحقير، والفتيل والقطمير، والصغير والكبير ( فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ )، أي: من أعمالهم السيئة وأفعالهم القبيحة ( وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا )، أي: يا حسرتنا وويلنا ].

    ذكر أهوال البعث والنشور والحساب والجزاء

    فهذا اليوم -وهو يوم القيامة- يوم عظيم، يوم تسير فيه الجبال، ويبعث الناس من قبورهم، وينفخ في الصور بعد أن ينزل الله مطراً تنبت منه أجساد الناس، وينشئون تنشئة غير هذه التنشئة، فالذوات يعيدها الله، ويركب الإنسان من عجب الذنب، وهو العصعص آخر فقرة في العمود الفقري، وهو لا يبلى، قال عليه الصلاة والسلام (كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب، منه خلق ابن آدم ومنه يركب)، فيبقى العصعص لا تأكله الأرض، ومع هذا تأكل الأرض الأجساد ثم يعيدها الله؛ لأن الله عليم بذلك وقادر، كما قال سبحانه وتعالى: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:78-79].

    فهو سبحانه وتعالى يقرر إثبات الإعادة بكمال علمه وكمال قدرته، وهو عالم بالذرات التي استحالت، وهو قادر على إعادتها، وله الحكمة البالغة، فيعيد الناس ويبعثهم ليجازي كلاً بعمله، فإن خيراً فخيراً وإن شراً فشراً، فيأمر الله إسرافيل فينفخ في الصور النفخة الأولى، فيصعق الناس فيموتون إلا من شاء الله، ثم ينزل الله مطراً تنبت منه أجساد الناس، وينشئ نفس التنشئة، وتبدل الصفات والذوات، فإذا اكتمل خلقهم أمر الله إسرافيل فنفخ في الصور النفخة الثانية، فعادت الأرواح إلى أجسادها؛ لأن الأرواح باقية لا تموت، والمؤمن إذا مات كانت روحه في الجنة ولها صلة بالجسد، والكافر إذا مات وكانت روحه في النار ولها صلة بالجسد، والجسد يبلى، وأجساد الأنبياء لا تبلى، فقد حرم الله على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، فإذا نفخ في الصور النفخة الثانية عادت الأرواح إلى أجسادها، وقام الناس من قبورهم، فينفضون التراب عن رءوسهم واقفين بين يدي الله حفاة لا نعال لهم عراة لا ثياب عليهم، غرلاً غير مختونين، فالجلدة التي قطعت من أعلى الذكر تعود إليه، فيعود الناس على هذه الحال شاخصة أبصارهم إلى السماء، قال تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ [إبراهيم:42].

    وقد قالت عائشة: لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخبرها بحشر الناس عراة: وسوأتاه! والرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض! فقال لـعائشة: (الأمر أشد من ذلك)، أي: أهم من ذلك، فكل شخص بصره إلى السماء تهمه نفسه، ولا أحد يلوي على أحد، كما قال تعالى: فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:33-37].

    فلا أحد يلوي على أحد، والإنسان إذا دهش وأصابه فزع شديد تجده لا يحس بما هو أمامه، وتجده يلقى بعض الناس ولا يحس، فيقول بعض الناس: لقيته فلا هو سلم علي ولا رد السلام. لأنه مندهش، وهذا بسبب شدة الفرح أو شدة الحزن، فكيف بأهوال يوم القيامة؟! فلا أحد يلوي على أحد ولا أحد ينظر إلى أحد، والمقام ليس بمقام نظر، بل هو مقام شدة وهول، فكل تهمه نفسه، وكل يريد أن يتخلص، ويقف الناس على هذه الحال بين يدي الله عز وجل في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، وتدنو الشمس من الرءوس ويزاد في حرارتها، فيصيبهم العرق على حسب الأعمال، ويموج الناس بعضهم في بعض، ويفزع بعضهم إلى بعض يسألون الشفاعة، فيأتون إلى آدم يسألونه الشفاعة فيعتذر ويقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم؟! فيعتذر بأنه أكل من الشجرة، ويأمرهم بأن يذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحاً فيقولون: أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، وصفك الله بأنك عبد شكور اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟! فيعتذر ويقول: إنه دعا على أهل الأرض دعوة أغرقتهم، ويقول لهم: اذهبوا إلى إبراهيم؛ فإنه خليل الرحمن، فيأتون إبراهيم، ويقولون: يا إبراهيم! أنت خليل الرحمن، اشفع لنا إلى ربك. فيعتذر ويقول: كذبت بلساني ثلاث كذبات. وهي قوله في زوجته: هي أختي، وهي أخته في الإسلام، ولما وضع الفأس على الصنم الكبير قال: هو هذا الذي كسر أصنامكم، والثالثة حين نظر في النجوم وقال: إني سقيم فيعتذر إبراهيم ويرشدهم إلى موسى عليهما السلام، فيقول: اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى فيقولون: أنت كليم الله، فيعتذر ويقول: إن ربي غضب غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفساً لم أؤمر بقتلها -يعني: قتله القبطي قبل النبوة- ولكن اذهبوا إلى عيسى، فيعتذر عيسى فيقول: اذهبوا إلى محمد؛ فإنه خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام، فيأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: أنا لها أنا لها، فيذهب فيسجد تحت العرش فيفتح الله عليه بمحامد لا يحسنها في دار الدنيا، فيأتيه الإذن من الرب، ويقول الرب عز وجل: يا محمد! ارفع رأسك وسل تعطه، واشفع تشفع. فهذا هو الإذن ولابد من الإذن، حتى في حق نبينا صلى الله عليه وسلم أشرف الخلق، فمن ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه، فلا أحد يشفع إلا بإذنه سبحانه، بخلاف الملوك والرؤساء والأمراء في الدنيا، فكل يدخل عليه ويشفع عنده من دون إذنه، أما الله فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا يشفع إلا فيمن رضيه الله، وهم أهل التوحيد ممن زاد الله في قوله وعقله، فيشفع الله نبيه صلى الله عليه وسلم فيقضي بين العباد، ويحاسبهم سبحانه وتعالى ويفرغ من حسابهم في منتصف النهار، ويقيل أهل الجنة في الجنة قيلولة، قال الله تعالى: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا [الفرقان:24]، وتتطاير الصحف، فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله، وتنصب الموازين لزنة الأعمال، وينصب الصراط على متن جهنم، ويمشي الناس عليه، فمن جاوزه فإلى الجنة، ومن سقط فإلى النار نسأل الله السلامة والعافية.

    وفي الجنة لأهلها أرائك، وفرق بين الحجلة والأريكة، فالحجلة: هي القبة ليس فيها سرير، وإذا كان فيها سرير في وقتها سميت أريكة، وتسمى (بشخانة) باللغة الفارسية.

    وفي الحديث: (أَلا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أَرِيكَتِه فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله...) والأَرِيكة: السرير في الحَجَلة من دونه سِتْر، ولا يسمَّى منفرداً أَريكةً، وقيل: هو كُلّ ما اتُّكِئَ عليه من سرير أَو فِراش أَو مِنَصَّةٍ.

    والظاهر أن الأريكة هي السرير في وسط الحجلة، فأهل الجنة على سرر وفي قبب من ذهب ومن فضة ومن زمرد تسمى بشخانة، وهي كلمة فارسية اشتهرت في زمن الحافظ ابن كثير ، وزمن الحافظ ابن القيم ، فكانت تسمى في زمانهم (بشخانة)، والبشخانة باللغة الفارسية هي الأريكة، ذكرها ابن القيم في صفة الجنة في الكافية الشافية، فقال: تسمى (بشخانة) في اللغة الفارسية.

    وفي يوم القيامة تسير الجبال، كما قال الله وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ [الكهف:47]، هذه الجبال الثقيلة تكون كالعهن المنفوش، وكالصوف المتناثر في الهواء من شدة الهول، وتبدل الأرض غير الأرض كما يبدل الأديم، ويزال ما عليها من بناء وغيره، وتكون قاعاً صفصفاً مستوية لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا [طه:107]، فتكون الأرض بارزة والناس بارزين ضاحين، والشمس فوق رءوسهم يزاد في حرارتها، إلا الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم سبعة، ففي الحديث: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)، فهؤلاء السبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، والباقون في الشمس، فيصيبهم العرق على حسب الأعمال، فمنهم من يصيبه العرق إلى ركبتيه، وإلى حقويه، وإلى حلقه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، ومنهم من يذهب عرقه مسافات في الأرض على حسب الأعمال، والأرض تكون بارزة، ويحشرهم الله، قال تعالى: وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا [الكهف:47]، وعرضوا على الله صفاً كل واحد منهم ينتظر ما يحصل له، وهو يعرف أن الله تعالى يقول: (إني خلقتكم وأنصت لكم منذ خلقتكم، فأنصتوا لي) ويوبخ الكفرة الذين ينكرون البعث، فيقول تعالى: لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا [الكهف:48]، أي: إن كنتم تنكرون البعث وتظنون أنه لا يحصل هذا الموعد. ثم يوضع الكتاب الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ولا الفتيل والقطمير.

    بيان معنى قوله تعالى: (ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله تعالى: ( وَوُضِعَ الْكِتَابُ ) ، أي: كتاب الأعمال الذي فيه الجليل، والحقير، والفتيل، والقطمير، والصغير، والكبير ( فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ ) ، أي: من أعمالهم السيئة، وأفعالهم القبيحة ( وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا ) ، أي: يا حسرتنا وويلنا على ما فرطنا في أعمارنا ( مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ) ، لا يترك ذنباً صغيراً ولا كبيراً ولا عملاً وإن صغر (إلا أحصاها) أي: ضبطها وحفظها.

    وروى الطبراني بإسناده المتقدم في الآية قبلها إلى سعد بن جنادة قال : (لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة حنين نزلنا قفراً من الأرض ليس فيه شيء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اجمعوا، من وجد عوداً فليأت به، ومن وجد حطباً أو شيئاً فليأت به، قال: فما كان إلا ساعة حتى جعلناه ركاما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أترون هذا ؟ فكذلك تجمع الذنوب على الرجل منكم كما جمعتم هذا فليتق الله رجل، ولا يذنب صغيرة ولا كبيرة فإنها محصاة عليه).

    وهذا الحديث فيه تمثيل الذنوب بالقوم يجتمعون في البرية وليس عندهم شيء ينضجون به طعامهم، فيجمع هذا عوداً وهذا عوداً، فيجمعون كوماً فيؤججونها ناراً فيستفيدون منها وينضجون بها طعامهم.

    وكذلك الذنوب تجتمع على الإنسان حتى تهلكه، فهذه صغيرة وهذه صغيرة وهذه صغيرة يجتمعن حتى يهلك الإنسان، وفي الحديث الآخر: (إياكم ومحقرات الذنوب، وما محقرات الذنوب؟ قال: الصغائر تتجمع على الإنسان حتى تهلكه، فإن مثل ذلك مثل قوم نزلوا منزلاً فحضر صنيعهم -يعني: طعامهم- فلم يبق عندهم ما ينضجون به طعامهم، فأتى هذا ببعرة وهذا بعود وهذا، فجمعوا كوماً فأججوه ناراً وأنضجوا فيه طعامهم، فكذلك الذنوب تجتمع على الإنسان حتى تهلكه).

    فالإنسان لا يُظلَم مقدار ما يكون في شق النواة يوم القيامة، فالله سبحانه وتعالى هو أحكم الحاكمين وأعدل العادلين، فلا يظلم أحداً سبحانه وتعالى.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله تعالى: وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا [الكهف:49]، أي: من خير وشر، كما قال تعالى : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا [آل عمران:30]، الآية، وقال تعالى : يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ [القيامة:13]، وقال تعالى : يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق:9]، أي: تظهر المخبآت والضمائر.

    قال الإمام أحمد : حدثنا أبو الوليد ، حدثنا شعبة عن ثابت عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به)، أخرجاه في الصحيحين، وفي لفظ: (يرفع لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه، يقال: هذه غدرة فلان بن فلان) ].

    قوله: (عند استه) يعني: مقعدته، فكل غادر ينصب له لواء عند استه، والاست: مقعدة الإنسان، يعني: عند دبره ينصب له لواء يوم القيامة، ويقال: هذه غدرة فلان ابن فلان، وهذه فضيحة، نسأل الله العافية.

    غدرة فلان.

    ويجب الحذر من الغدر، أن يغدر الإنسان في العهود وفي الأمانات، فينقض العهد مع غيره ويغدر، فيجب الحذر من الغدر والخيانة في العهود والأمانات، وكذلك البيعة، فإذا أعطى بيعة لولي الأمر ثم غدر وخان فإنه خائن غادر.

    بيان معنى قوله تعالى: (ولا يظلم ربك أحداً)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قوله تعالى: وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49]، أي: فيحكم بين عباده في أعمالهم جميعا، ولا يظلم أحداً من خلقه، بل يعفو ويصفح ويغفر ويرحم ويعذب من يشاء بقدرته وحكمته وعدله، ويملأ النار من الكفار وأصحاب المعاصي، ثم ينجي أصحاب المعاصي ويخلد فيها الكافرين، وهو الحاكم الذي لا يجور ولا يظلم، قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا [النساء:40]، وقال: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا [الأنبياء:47] إلى قوله حَاسِبِينَ [الأنبياء:47]، والآيات في هذا كثيرة ].

    والله سبحانه وتعالى نفى عن نفسه الظلم فقال: وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49]، وقال: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ [النساء:40]، وهو قادر سبحانه وتعالى، ولكنه تنزه سبحانه وتعالى عن الظلم، والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، كأن يُنقص أحداً من ثوابه وحسناته، أو يحمله أوزار غيره، فهذا تنزه عنه سبحانه وتعالى، وأمن عباده منه وهو قادر عليه، ولهذا قال: وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49]، وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ [النساء:40]، وقال تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا [طه:112]، وقال تعالى: لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [غافر:17].

    وفي الحديث القدسي: عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن ربه: ( يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا)، فالظلم مقدور لله، إلا أن الله حرمه على نفسه ولم يحرمه عليه أحد، وليس فوقه أحد، بل هو حرمه على نفسه من نفسه، وتنزه عن الظلم ونفاه عن نفسه، وقالت الجبرية من الجهمية وغيرهم: إن الظلم غير مقدور لله، ففسروا الظلم بأنه الذي لا يدخل تحت القدرة، وقالوا: كل ما يقدر الله عليه فله أن يفعله، ولا يكون ذلك ظلماً، وقالوا: إن الله تعالى له أن يقلب التشريعات والجزاءات، فيجعل العفة حراماً والزنا واجباً، ويبطل حسنات الأبرار والمتقين والأنبياء، ويحملهم أوزار الفجار، ولا يكون هذا ظلماً؛ لأنه له أن يتصرف في خلقه كيف يشاء؛ لأن الظلم هو تصرف المالك في غير ملكه، والله مالك كل شيء، فإن تصرف في ملكه فلا يكون ذلك ظلماً، هكذا يقولون، وهذا من أبطل الباطل، ومعناه أنه ليس هناك معنى للظلم عندهم، والظلم هو الذي لا يدخل تحت قدرة الله كالجمع بين الضدين، والجمع بين الممتنعين، وكالمستحيل الذي لا يمكن وجوده، هذا هو الظلم، وهذا من أبطل الباطل؛ لأنه لو كان الظلم لا يدخل تحت القدرة لما أمن الله عباده، قال: فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا [طه:112].

    فهل يخاف الإنسان الشيء الذي لا يدخل تحت القدرة؟! أي: أيخاف المستحيل؟! لا يمكن هذا، وهذا من أبطل الباطل، والصواب أن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، وهذا هو المعنى اللغوي، كأن يحمل أحداً أوزار غيره، أو يمنعه من ثوابه وحسناته، فقد تنزه الله عن هذا الفعل.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال الإمام أحمد ، حدثنا يزيد ، أخبرنا همام بن يحيى ، عن القاسم بن عبد الواحد المكي ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: بلغني حديث عن رجل سمعه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فاشتريت بعيراً ثم شددت عليه رحلاً فسرت عليه شهراً حتى قدمت عليه الشام، فإذا عبد الله بن أنيس رضي الله عنه، فقلت للبواب: قل له: جابر على الباب: فقال : ابن عبد الله ؟ قلت: نعم، فخرج يطأ ثوبه ].

    حذف حرف الاستفهام للعلم به، فقال ابن عبد الله ؟! يعني: أأنت جابر بن عبد الله ؟! فقال: نعم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فخرج يطأ ثوبه، فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في القصاص فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يحشر الله عز وجل الناس يوم القيامة -أو قال: العباد- عراة غرلاً بهماً، قلت: وما بهماً؟ قال: ليس معهم شيء. ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب) ].

    قوله: (عراة) يعني: لا ثياب عليهم، أي: كما ولدتهم أمهاتهم، ولكنهم شاخصة أبصارهم، فلا أحد يستطيع أن ينظر إلى أحد. فهم عراة لا ثياب عليهم، وحفاة لا نعال لهم، وهم ليس عندهم شيء، ولا يوجد معهم شيء.

    قوله: (ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب)، هذا فيه إثبات الصوت لله عز وجل، وفيه رد على الأشاعرة والكلابية الذين يقولون: كلام الله معنى قائم بنفسه، ليس بحرف ولا صوت، وفي هذا الحديث أن كلام الله حرف وصوت، وأنه يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، وكلام الله بخلاف كلام المخلوق، فكلام المخلوق يسمعه القريب فقط، وأما البعيد فلا يسمعه، وأما كلام الله فيسمعه من بعد كما يسمعه من قرب على حد سواء.

    قال: [ (ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه). ].

    وهذه اللفظة يصلح فيها (أقضيه) (أقصه)، ولكن الثابت في الحديث (أقصه) أي: أقتص له حقه.

    قال: [ (ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وله عند رجل من أهل النار حق حتى أقصه منه، حتى اللطمة. قال: قلنا: كيف وإنما نأتي الله عز وجل حفاة عراة غرلاً بهماً؟ قال: بالحسنات والسيئات) ].

    1.   

    الرحلة في طلب العلم

    هذا الحديث فيه دليل على مشروعية الرحلة في طلب العلم، وذلك أن جابر بن عبد الله الصحابي الجليل اشترى بعيراً لهذه المهمة، ورحل مسافة شهر من المدينة إلى الشام في طلب حديث واحد، وهو صحابي، وقد رحل إلى صحابي آخر، فهو يدل على الرحلة في طلب العلم، فالرحلة إلى العلماء لطلب العلم سنة، والبخاري رحمه الله ذكر هذا الحديث معلقاً، وترجم له بقوله: (ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر في طلب حديث واحد) وقال البخاري في صحيحه في موضع آخر: ويذكر عن جابر بن عبد الله أنه رحل إلى عبد الله بن أنيس في طلب حديث واحد، وهو هذا الحديث.

    فلما وصل جابر دق الباب فخرج البواب، فقال له: قل له جابر على الباب، فقال: ابن عبد الله؟! قال: نعم. فلما جاء عبد الله بن أنيس عانقه، فقال: حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في القصاص، فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه.

    فالرحلة في طلب العلم سنة، وانظر إلى المشقة العظيمة التي تحملها جابر ، فهي مشقة مالية وبدنية، فقد اشترى بعيراً لهذه الرحلة، وسافر مسافة شهر لطلب حديث واحد، ونحن الآن عندنا الأحاديث -بحمد الله- مدونة في الكتب والسنن والمسانيد والأجزاء، وحلقات الدروس موجودة، فعلى الإنسان أن يقرأ ويتعلم، ولكن الناس في هذه الأيام منشغلون لا يقرءون، وإذا قرأوا لا يفهمون، وإذا فهموا لا يعملون.

    فينبغي على طالب العلم أن يحرص على طلب العلم ويجد ويجتهد فيه مادام أنه في وقت الإمكان وفي وقت الشباب.

    القصاص يوم القيامة

    قال المؤلف رحمه الله: [ وعن شعبة عن العوام عن مزاحم عن أبي عثمان عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة) ].

    والجماء هي: الدابة التي ليس لها قرن من المعز أو من الضأن، فإذا اعتدت دابة لها قرن على دابة أخرى ليس لها قرن ونطحتها؛ فإنهما تبعثان يوم القيامة، فتقتص الجماء التي ليس لها قرن من القرناء التي نطحتها في الدنيا، وتأخذ حقها منها وتنطحها كما نطحتها في الدنيا، فإذا اقتصت منها قال الله لها: كوني تراباً. فلا جنة ولا نار للحيوانات، ولهذا فإن الكافر إذا رأى أن الدواب يقال لها: (كوني تراباً) يتمنى أن يكون تراباً، كما قال تعالى: إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا [النبأ:40].

    فالجماء التي لا قرن لها تقتص من القرناء التي لها قرن، وهذا من كمال عدل الله سبحانه وتعالى.

    وقول المؤلف: [ وعن شعبة عن العوام عن مزاجم ] الأقرب أنه: مراجم .

    قال المؤلف رحمه الله: [ رواه عبد الله بن الإمام أحمد ، وله شواهد من وجوه أخر، وقد ذكرناها عند قوله تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء:47] ، وعند قوله تعالى: إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [الأنعام:38] ].

    وحديث عبد الله بن أنيس في القصاص في سنده عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو سيء الحفظ، ولكن له شواهد، وذكر ابن القيم أن الجهمية وأهل الكلام طعنوا في الحديث وقالوا: هذا الحديث ضعيف، وفيه عبد الله بن عقيل، وقصدهم بذلك أن ينكروا إثبات الصوت لله، وإنكار كلام الله؛ لأن الحديث فيه: (ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب). فأهل البدع يقولون: إن الله لا يتكلم، وينكرون كلام الله، وينكرون إثبات الصوت له سبحانه وتعالى، فقالوا: إن هذا الحديث ضعيف؛ لأن في سنده عبد الله بن عقيل ، وهو لا يحتج به. وقد رد عليهم ابن القيم في (الصواعق) وقال: إن هذه علة باردة تعلل بها البدع. فقولهم: إن عبد الله بن محمد بن عقيل ضعيف قول مسلم به، ولكن إنما يرد حديثه إذا خالف الثقات، وهو هنا قد وافق الثقات ولم يخالفهم؛ فالصوت ثابت لله في أحاديث كثيرة وفي نصوص كثيرة، ثم إن هذا الحديث له شواهد، وعبد الله بن محمد بن عقيل سيء الحفظ، ولكن لا يرد حديثه إلا إذا خالف الثقات، وهو هنا قد وافقهم، فدل هذا على أنه قد ضبط هذا الحديث، وأنه لم يخطئ.