إسلام ويب

تفسير سورة البقرة [6-7]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لا ذنب أعظم من الكفر بالله تعالى؛ إذ به يتعرض العبد لرد الحق والإعراض عنه والصد عن سبيله؛ وبذا يجلب على نفسه طبع الله تعالى وختمه على قلبه، فلا ينتفع بهدى، ولا يكف عن ردى، ويورد نفسه كل مهلك، فليحذر العبد من تعاطي أسباب طبع الله على قلبه ولو بما هو دون الكفر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم...)

    قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [البقرة:6].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أي: غطوا الحق وستروه، وقد كتب الله تعالى عليهم ذلك، سواء عليهم إنذارك وعدمه، فإنهم لا يؤمنون بما جئتهم به، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ [يونس:96-97].

    وقال تعالى في حق المعاندين من أهل الكتاب: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ.. [البقرة:145] الآية.

    أي: إن من كتب الله عليه الشقاوة فلا مسعد له، ومن أضله فلا هادي له، فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ [فاطر:8]، وبلغهم الرسالة، فمن استجاب لك فله الحظ الأوفر، ومن تولى فلا تحزن عليهم ولا يهمنك ذلك، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ [الرعد:40]، إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [هود:12].

    وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [البقرة:6] قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة في الذكر الأول، ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاوة في الذكر الأول) ].

    المراد بالذكر الأول: اللوح المحفوظ، والمعنى: أن الكفار ستروا الحق وغطوه وهو توحيد الله عز وجل، فلم يوحدوا الله، ولم يعبدوه، بل عبدوا معه غيره، وهذا الحق هو أعظم الشروط، فحق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وأن يوحدوه، وأن يخلصوا له العبادة، فهؤلاء الكفار غطوا الحق وستروه، وهذا أصل الكفر، فالكفر معناه: الستر، ومنه سمي الزارع كافراً؛ لأنه يستر الحب ويبذر في الأرض، كما قال سبحانه وتعالى في سورة الفتح: يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح:29] فالكفر في اللغة: الستر، والكافر جاحد للحق، جاحد لتوحيد الله عز وجل.

    والله تعالى هنا يسلي نبيه، ولهذا يقول: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [البقرة:6] إذ من كتب الله عليه الشقاوة فلا خير فيه، وكان عليه الصلاة والسلام يحرص أشد الحرص على هدايتهم، حتى إنه كان يضر بنفسه ويكاد يهلك نفسه، قال سبحانه: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [الكهف:6]، وقال سبحانه: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ [فاطر:8]، وقال سبحانه: إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ [الشورى:48]، فالرسول عليه الصلاة والسلام عليه البلاغ، وكذلك جميع الرسل عليهم البلاغ، وكذلك الدعاة والمرشدون والمصلحون عليهم البلاغ، أي: التبليغ والإنذار، وبيدهم هداية الدلالة والإرشاد.

    أما التوفيق والإلهام، وكون المرء يقبل الحق ويرضى به ويختاره فهذا إلى الله عز وجل، كما قال سبحانه وتعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56].

    وفي هذه الآية دلالة على أن الكفار لا ينتفعون بالإنذار والمواعظ، وهذا هو وصفهم: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [البقرة:6].

    فينبغي للمسلم أن يحذر من صفات الكفار والمنافقين، وأن يتأثر بالمواعظ فينتفع بها ويستفيد منها حتى لا يتشبه بالكفرة، فالكفار لا ينتفعون بالمواعظ، والمؤمنون ينتفعون بالموعظة، قال سبحانه: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات:55]، وقال سبحانه: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [النور:51].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة -أو سعيد بن جبير - عن ابن عباس رضي الله عنهما: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [البقرة:6] أي: بما أنزل إليك، وإن قالوا: إنا قد آمنا بما جاءنا قبلك؟ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [البقرة:6] أي: إنهم قد كفروا بما عندهم من ذكرك، وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق، وقد كفروا بما جاءك، وبما عندهم مما جاءهم به غيرك، فكيف يسمعون منك إنذارًا وتحذيرًا وقد كفروا بما عندهم من علمك؟!

    وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: نزلت هاتان الآيتان في قادة الأحزاب، وهم الذين قال الله فيهم: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا [إبراهيم:28-29]، والمعنى الذي ذكرناه أولاً، وهو المروي عن ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة أظهر، ويفسر ببقية الآيات التي في معناها. والله أعلم. ].

    ورواية علي بن أبي طلحة منقطعة؛ لأن علي بن أبي طلحة لم يدرك ابن عباس ، وهذا الحديث في قادة الأحزاب، والأحزاب المراد بهم: الكفار الذين تحزبوا على النبي صلى الله عليه وسلم وتجمعوا وتألبوا عليه عليه الصلاة والسلام وحاصروا المدينة، وسميت هذه الغزوة غزوة الأحزاب لأن الكفار تحزبوا على النبي صلى الله عليه وسلم وتجمعوا وأتوا وحاصروا المدينة، ولكن الله أبطل كيدهم، وسلط عليهم ريحاً وجنوداً لا يراها المؤمنون، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا [الأحزاب:9].

    وما نقله المؤلف عن ابن إسحاق بسنده إلى ابن عباس أن المراد: قد كفروا بما عندهم من ذكرك معناه أن الآية في أهل الكتاب السابقين، والصواب أن الآية عامة تشمل مشركي العرب وكفار أهل الكتاب.

    والأصل أن يؤخذ بعموم اللفظ، ولا يخصص إلا بدليل، فالآية شاملة للكفرة جميعاً من مشركي العرب، ومن أهل الكتاب ومن غيرهم، وهذا وصفهم، وهو وصف منطبق عليهم، أي أنهم لا ينتفعون بالمواعظ، وكذلك وصفهم بأن الله ختم على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد ذكر ابن أبي حاتم هاهنا حديثاً فقال: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري ، حدثنا أبي، حدثنا ابن لهيعة ، حدثني عبيد الله بن المغيرة ، عن أبي الهيثم ، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: (قيل: يا رسول الله! إنا نقرأ من القرآن فنرجوا، ونقرأ فنكاد أن نيأس، فقال: ألا أخبركم؟ ثم قال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [البقرة:6] هؤلاء أهل النار، قالوا: لسنا منهم يا رسول الله؟ قال: أجل) ].

    وهذا الحديث في إسناده ابن لهيعة ، وهو ضعيف وإن صرح بالتحديث، لاحتراق كتبه في آخر حياته، إلا أن المعنى صحيح لا شك في أن هؤلاء هم أهل النار، والصحابة ليسوا منهم، والمسلمون -كذلك- ليسوا منهم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله تعالى: لا يُؤْمِنُونَ [البقرة:6] محله من الإعراب أنه جملة مؤكدة للتي قبلها سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ [البقرة:6] ].

    أي: مؤكدة لـ (كفروا) في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ؛ لأن الكفار لا يؤمنون، ونفى عنهم الإيمان كله، ففي الجملة الأولى أثبت لهم الكفر، وفي الجملة الثانية نفى عنهم الإيمان تأكيداً.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أي: هم كفار في كلا الحالين، فلهذا أكد ذلك بقوله تعالى: لا يُؤْمِنُونَ ].

    أي: في حالة الإنذار وحالة عدم الإنذار، فهم في كلتا الحالتين كفار، نسأل الله العافية.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويحتمل أن يكون لا يُؤْمِنُونَ خبراً؛ لأن تقديره: إن الذين كفروا لا يؤمنون، ويكون قوله تعالى: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ [البقرة:6] جملة معترضة. والله أعلم. ].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم...)

    قال الله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [البقرة:7].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال السدي : خَتَمَ اللَّهُ [البقرة:7] أي: طبع الله، وقال قتادة في هذه الآية: استحوذ عليهم الشيطان إذ أطاعوه، فختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة، فهم لا يبصرون هدى ولا يسمعون ولا يفقهون ولا يعقلون.

    والختم والقفل والران أمور معنوية، وهي حواجز تمنع وصول الخير إليها -نسأل الله السلامة والعافية- عقوبة لهم على صدودهم وإعراضهم عن الحق، وهذا عدل من الله سبحانه وتعالى، قال سبحانه: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [النحل:118]، وقال سبحانه: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ [الزخرف:76]، فلما جاءهم الحق فعرفوه، واتضح لهم فأعرضوا عنه وصدوا عنه؛ عاقبهم الله بزيغ القلب، نسأل الله السلامة والعافية، قال تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف:5]، وقال سبحانه: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام:110].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال ابن جريج : قال مجاهد : خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ قال: الطبع، ثبتت الذنوب على القلب تحف به من نواحيه حتى تلتقي عليه، فالتقاؤها عليه الطبع، والطبع: الختم، قال ابن جريج : الختم: على القلب والسمع ].

    قوله: [ثبتت الذنوب ...] الظاهر والصحيح أنه [نبئت أن الذنوب على القلب ...]، فالظاهر: أنها مأخوذة عن ابن جريج (نبئت).

    والمعنى أنها تدور عليه وتحف به من جميع الجوانب، وتكون دائرة كالختم المستدير، نسأل الله السلامة والعافية.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال ابن جريج : وحدثني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهداً يقول: الران أيسر من الطبع، والطبع أيسر من الإقفال، والإقفال أشد من ذلك كله ].

    هناك طبع وران، وكذلك رين، وهو الغطاء اليسير، وكذلك غين، وهو غطاء خفيف يكون مع الغفلة، كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله وأتوب إليه في المجلس أكثر من مائة مرة).

    فالغين غطاء يسير يكون بسبب الغفلة على القلب، فهنا: غين وران وطبع وقفل وختم، وكل هذه حواجز وموانع بعضها أشد من بعض، فهي حواجز معنوية تمنع عن الخير، وأشدها القفل الذي يقفل على القلوب، قال تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24] وكذلك الأكنة، قال تعالى: وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ [فصلت:5].

    وقال سبحانه: بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ [المطففين:14] من الران، جاء في الحديث أن الذنوب تجثم على الإنسان حتى تكون كالران على القلب، نسأل الله السلامة والعافية.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال الأعمش : أرانا مجاهد بيده فقال: كانوا يرون أن القلب في مثل هذه -يعني: الكف- فإذا أذنب العبد ذنباً ضم منه، وقال بإصبعه الخنصر هكذا، فإذا أذنب ضم، وقال بإصبع أخرى، فإذا أذنب ضم، وقال بإصبع أخرى هكذا، حتى ضم أصابعه كلها، ثم قال: يطبع عليه بطابع ].

    وجاء في الحديث الآخر: (أن العبد إذا أذنب ذنباً نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع صقل قلبه، وإن زاد زادت حتى يعلق بها قلبه، فذلك الران الذي ذكر الله في كتابه).

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال مجاهد : كانوا يرون أن ذلك الرين، ورواه ابن جرير عن أبي كريب عن وكيع عن الأعمش عن مجاهد بنحوه].

    الرد على المعتزلة في تفسير الختم والطبع

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال ابن جرير : وقال بعضهم: إنما معنى قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ [البقرة:7].

    إخبار من الله عن تكبرهم وإعراضهم عن الاستماع لما دعوا إليه من الحق، كما يقال: إن فلاناً أصم عن هذا الكلام: إذا امتنع من سماعه ورفع نفسه عن تفهمه تكبرًا.

    قال: وهذا لا يصح؛ لأن الله تعالى قد أخبر أنه هو الذي ختم على قلوبهم وأسماعهم.

    قلت: وقد أطنب الزمخشري في تقرير ما رده ابن جرير هاهنا وتأول الآية من خمسة أوجه، وكلها ضعيفة جدًا، وما جرأه على ذلك إلا اعتزاله؛ لأن الختم على قلوبهم ومنعها من وصول الحق إليها قبيح عنده يتعالى الله عنه في اعتقاده ].

    هذه هو اعتقادهم؛ لأن المعتزلة يرون أن الله تعالى ما أضل الكافر ولا هدى المؤمن، وإنما المؤمن هو الذي يهدي نفسه والكافر هو الذي يضل نفسه، هكذا يعتقد المعتزلة، ويؤولون قوله تعالى: يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [النحل:93] بأن معنى (يهدي): يسميه مهتدياً، و(يضل): يسميه ضالاً، وقالوا: ليس لله نعمة دينية خص بها المؤمن، ولم يضل الكافر، بل هذا اختار الهداية بنفسه وهذا اختار الضلالة بنفسه. وهذا مبني على مذهبهم في وجوب الأصلح على الله، فلهذا رد ابن جرير هذا القول، والزمخشري أثبته من خمسة وجوه حتى يقرر مذهبه؛ لأنه يتناسب مع اعتزاله، ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يحذر من التفاسير المحشوة بالبدع مثل تفسير الزمخشري وغيره، فإنه يجر الإنسان إلى معتقده وهو لا يشعر، ولهذا قال البوصيري : استخرجت من الكشاف اعتزالاً بالمناقيش. يعني: يؤخذ بالمنقاش الشيء الخفي، ومن ذلك أنه قال في قوله عز وجل: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185] قال: أي فوز أعظم من الجنة؟! وسكت، ومقصوده من هذا إنكار رؤية الله في الآخرة، وإنكار رؤية المؤمنين لربهم، فقال: ليس هناك شيء أعظم من الجنة، ومقصوده إنكار الرؤية، لكن لا يعلم بهذا إلا الخواص، ولا يعلم بهذا إلا من عنده بصيرة، أما غيره فيفهمه على أنه صحيح، وأي فوز أعظم من الجنة؟!

    فعلى طالب العلم أن يحذر، ولا ينبغي للمبتدئين أن يقرءوا كتب الزمخشري وغيره، لكن طالب العلم الذي عنده بصيرة يستفيد منه من جهة البلاغة ومن جهة المعاني.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقد أطنب الزمخشري في تقرير ما رده ابن جرير هاهنا، وتأول الآية من خمسة أوجه، وكلها ضعيفة جداً، وما جرأه على ذلك إلا اعتزاله؛ لأن الختم على قلوبهم ومنعها من وصول الحق إليها قبيح عنده يتعالى الله عنه في اعتقاده، ولو فهم قوله تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف:5]، وقوله: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام:110] وما أشبه ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى إنما ختم على قلوبهم وحال بينهم وبين الهدى جزاء وفاقاً على تماديهم في الباطل وتركهم الحق، وهذا عدل منه تعالى حسن وليس بقبيح، فلو أحاط علماً بهذا لما قال ما قال، والله أعلم ].

    قال تعالى: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [النحل:118] فهم الذين تركوا الحق وأعرضوا عنه وصدوا عنه، ولم يقبلوه بعد وضوحه، لا عن جهل، قال سبحانه: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [فصلت:17] فقوله تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ [فصلت:17] يعني: بينا لهم طريق الخير وطريق الشر، فاستحبوا العمى على الهدى ولم يقبلوا الحق.

    وصف الله تعالى نفسه بالختم والطبع على قلوب الكافرين

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال القرطبي : وأجمعت الأمة على أن الله عز وجل قد وصف نفسه بالختم والطبع على قلوب الكافرين مجازاة لكفرهم، كما قال: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ [النساء:155] وذكر حديث تقليب القلوب: (ويا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك)، وذكر حديث حذيفة الذي في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفاء، فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مرباداً كالكوز مجخياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراًً..) الحديث.

    قال ابن جرير : والحق عندي في ذلك ما صح بنظيره الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما حدثنا به محمد بن بشار ، حدثنا صفوان بن عيسى ، حدثنا ابن عجلان ، عن القعقاع ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن المؤمن إذا أذنب ذنباً كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستعتب صقل قلبه، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي قال الله تعالى: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14]).

    هذا الحديث من هذا الوجه قد رواه الترمذي والنسائي عن قتيبة عن الليث بن سعد وابن ماجه عن هشام بن عمار عن حاتم بن إسماعيل والوليد بن مسلم، ثلاثتهم عن محمد بن عجلان به، وقال الترمذي : حسن صحيح ].

    هذا الحديث مروي عن قتيبة عن الليث ؛ لأن قتيبة يروي عن الليث بن سعد .

    قال في الخلاصة: قتيبة بن سعيد الثقفي مولاهم أبو رجاء البغلي -بمعجمة- أحد أئمة الحديث عن مالك والليث وسعيد بن جعفر، وعنه البخاري مسلم وأبو داود والترمذي ..

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم قال ابن جرير : فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا أغلقتها أتاها حينئذ الختم من قبل الله تعالى والطبع، فلا يكون للإيمان إليها مسلك ولا للكفر عنها مخلص ].

    أي: تكون ممنوعة من وصول الحق إليها، فلا ينفذ إليها الحق ولا يخرج منها الباطل، الكفر لا يخرج، والإيمان لا يدخل، نعوذ بالله، ونسأل الله السلامة والعافية.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فذلك هو الختم والطبع الذي ذكر في قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ [البقرة:7] نظير الختم والطبع على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظروف، التي لا يوصل إلى ما فيها إلا بفض ذلك عنها ثم حلها، فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وصف الله أنه ختم على قلوبهم وعلى سمعهم إلا بعد فض خاتمه وحل رباطه عنها ].

    ومعلوم أن الختم المعنوي مثل الختم الحسي، كما أن الشيء المختوم عليه حساً والظروف المختوم عليها لا يصل إليها شيء حتى يفض الخاتم، فكذلك الختم المعنوي، وهذا الختم إنما يزول إذا وفق الله العبد بالإيمان والعمل الصالح ومن عليه.

    بيان موضع الوقف التام من الآية الكريمة

    قوله: [ واعلم أن الوقف التام على قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ [البقرة:7] وقوله: وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ [البقرة:7] جملة تامة، فإن الطبع يكون على القلب وعلى السمع، والغشاوة -وهي الغطاء- يكون على البصر، كما قال السدي في تفسيره عن أبي مالك عن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ [البقرة:7] يقول: فلا يعقلون ولا يسمعون، يقول: وجعل على أبصارهم غشاوة، يقول: على أعينهم فلا يبصرون ].

    فالغشاوة على الأبصار والختم على القلوب والأسماع، ولهذا قال تعالى: ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ثم قال: وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ [البقرة:7]، ولكي يتضح المعنى ينبغي للقارئ أن تكون مواقفه على المواقف التي يتم بها المعنى.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال ابن جرير : حدثني محمد بن سعد ، حدثنا أبي، حدثني عمي الحسين بن الحسن ، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس رضي الله عنهما: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ) والغشاوة على أبصارهم.

    قال: وحدثنا القاسم ، حدثنا الحسين -يعني ابن داود، وهو سنيد - حدثني حجاج -وهو ابن محمد الأعور - حدثني ابن جريج قال: الختم على القلب والسمع، والغشاوة على البصر، قال الله تعالى: فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ [الشورى:24]، وقال: وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً [الجاثية:23].

    قال ابن جرير : ومن نصب غشاوة من قوله تعالى: وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ [البقرة:7] يحتمل أنه نصبها بإضمار فعل تقديره: وجعل على أبصارهم غشاوة، ويحتمل أن يكون نصبها على الإتباع على محل: وَعَلَى سَمْعِهِمْ [البقرة:7] كقوله تعالى: وَحُورٌ عِينٌ [الواقعة:22]، وقول الشاعر:

    علفتها تبناً وماء بادراً حتى غدت همَّالةً عيناها.

    وقال الآخر:

    ورأيت زوجك في الوغى متقلداً سيفاً ورمحاً

    تقديره: وسقيتها ماء بارداً، ومعتقلاً رمحاً ].

    نسأل الله للجميع العلم النافع والعمل الصالح.