إسلام ويب

تفسير سورة الفاتحة [6]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اختلف العلماء هل اسم (الله) مشتق أو جامد، والراجح أنه مشتق، وهو مأخوذ من التأله، وهو التعبد والتنسك.

    1.   

    أسماء الله لا حصر لها

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ الله علم على الرب تبارك وتعالى، يقال: إنه الاسم الأعظم؛ لأنه يوصف بجميع الصفات، كما قال تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الحشر:22-24] فأجرى الأسماء الباقية كلها صفات له كما قال تعالى: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180]، وقال تعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الإسراء:110]. وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة)، وجاء تعدادها في رواية الترمذي وابن ماجة ].

    تعداد: بفتح التاء؛ لأن المصادر كلها بالفتح، كتكرار وترداد، ومن الخطأ كسر التاء هنا إلا في مصدرين: تبيان وتلقاء، بكسر التاء، وما عدا ذلك يكون بالفتح.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وبين الروايتين اختلاف زيادة ونقصان ].

    الاسم الكريم: الله، علم على الرب سبحانه وتعالى لا يطلق إلا عليه سبحانه وتعالى، وهو أعرف المعارف، وجميع الصفات والأسماء ترجع إليه، و(الله) من التأله والتعبد، أي: هو المألوه المعبود الذي تألهه القلوب وتخضع له وتذل له، ولا حياة لها ولا نور ولا سعادة إلا بالتأله والتعبد لله عز وجل وإخلاص العبادة له سبحانه وتعالى ففي القلوب فقر ذاتي لا يسده إلا التجاؤها إلى الله وتألهها وتعبدها وإخلاصها له، وهذا الفقر في قلوب جميع الخلائق ولا يسده ولا يزيل الشدة والكرب والمشقة والتعب إلا رجوعها إلى الله وتألهها وتعبدها وخضوعها له، والإله بمعنى: المألوه المعبود الذي تألهه القلوب وتخضع له وتذل له سبحانه وتعالى، واسم (الله) مشتق على الصحيح، فهو اسم وصفة، فهو اسم على معنى الرب وهو مشتمل على صفة الألوهية، وأسماء الله كثيرة لا حصر لها، وأما حديث: (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة)، فهي أسماء موصوفة بهذه الصفة، والمعنى: أن لله تسعة وتسعين اسماً موصوفة بأن من أحصاها دخل الجنة، وله أسماء أخرى غير موصوفة بهذا الوصف، كما تقول: عندي مائة فرس أعددتها للجهاد في سبيل الله، أي: وعندي مئات أخرى ما أعددتها للجهاد، بل أعددتها للعمل مثلاً، ويدل على هذا حديث ابن مسعود : (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك)، إذاً: هناك أسماء استأثر الله بها في علم الغيب عنده، فليست أسماؤه محصورة بهذا العدد، وإنما هذه الأسماء التسعة والتسعون موصوفة بأن من أحصاها دخل الجنة، والإحصاء معناه حفظها والعمل بها وسؤال الله بها، والتوسل إليه سبحانه وتعالى بها، وهذه الأسماء التسعة والتسعون ليست معروفة، وإنما أحصاها الله سبحانه وتعالى حتى يتعرفها العباد ويطلبونها من نصوص الكتاب والسنة، كما أخفيت ساعة الجمعة، وكما أخفيت ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان حتى يجتهد العباد في طلبها ومعرفتها، وكذلك هذه الأسماء أخفيت فليست معروفة، وأما الحديث الذي فيه تعدادها فهو ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو مدرج من بعض الرواة، كما قال بهذا أهل العلم.

    وإحصاؤها يشمل حفظها والعمل بها، والتخلق بما يمكن التخلق بها، والتوسل إلى الله بها.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد ذكر الرازي في تفسيره عن بعضهم أن لله خمسة آلاف اسم، ألف في الكتاب والسنة الصحيحة، وألف في التوراة، وألف في الإنجيل، وألف في الزبور، وألف في اللوح المحفوظ ].

    وهذا ليس عليه دليل، بل الصواب أنها ليست محصورة ولا يعلم عددها إلا هو سبحانه وتعالى كما سبق في الحديث: (أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك) فهناك أسماء استأثر الله بها في علم الغيب عنده، فكيف يقال: إنها محصورة بخمسة آلاف اسم!

    اسم الله لا يسمى به غيره

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وهو اسم لم يسم به غيره تبارك وتعالى، ولهذا لا يعرف في كلام العرب له اشتقاق من فعل يفعل ].

    اسم الله علم على الرب سبحانه وتعالى، ولا يسمى به إلا هو سبحانه وتعالى، وكذلك الرحمن.

    أسماء الله قسمان: القسم الأول: أسماء لا يسمى بها إلا هو، وأعظمها: الله والرحمن والخلاق والرزاق ومالك الملك النافع الضار، المعطي المانع، فهذه لا يسمى: بها إلا هو.

    القسم الثاني: أسماء يسمى بها غيره، مثل: العزيز، قال تعالى قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ [يوسف:51]، والملك، قال تعالى: وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ [يوسف:50]، فيجوز للمخلوق أن يسمى بالملك والحي والسميع والبصير، وهي من أسماء الله، لكن أسماء الله تليق به وأسماء المخلوق تليق به، فأسماء الله كاملة مشتملة على صفات الكمال.

    اختلاف النحاة في جمود لفظ الجلالة واشتقاقه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فذهب من ذهب من النحاة إلى أنه اسم جامد لا اشتقاق له، وقد نقله القرطبي عن جماعة من العلماء منهم الشافعي والخطابي وإمام الحرمين والغزالي وغيرهم، وروى عن الخليل وسيبويه أن الألف واللام فيه لازمة.

    قال الخطابي : ألا ترى أنك تقول: يا الله ولا تقول يا الرحمن، فلولا أنها من أصل الكلمة لما جاز إدخال حرف النداء على الألف واللام.

    وقيل: إنه مشتق ].

    والصواب أنه مشتق، وكل أسماء الله مشتقة وليست جامدة، فهي مشتملة على معاني وصفات، فالله مشتمل على صفة الإلوهية، والرحمن مشتمل على صفة الرحمة، والعليم مشتمل على صفة العلم، والقدير مشتمل على صفة القدرة، والسميع مشتمل على صفة السمع، والبصير مشتمل على صفة البصر، والحي مشتمل على صفة الحياة، وهكذا فكل أسماء الله مشتق منها صفات، بخلاف الصفة فلا يشتق منها اسم لله، وإنما الاسم يشتمل على الصفة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقيل: إنه مشتق، واستدلوا عليه بقول رؤبة بن العجاج :

    لله در الغانيات المده سبحن واسترجعن من تألهي ].

    أي: من تعبد، وهذا البيت له قصة: وهو أن رجلاً كان له صبوة وله سفه مع النساء الغانيات، ثم تاب ورجع، فجئن إليه وقد تاب ووجدنه يسبح ويستغفر، فتعجبن من تسبيحه:

    لله در الغانيات المده سبحن واسترجعن من تألهي

    لله در: كلمة يؤتى بها للمدح، والمده أي: المدح، وتمده: تمدح، والمدَّه: أي: الممدوحات.

    والشاهد قوله: من تأله: وهو أن اسم الله مشتق من التأله.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فقد صرح الشاعر بلفظ المصدر وهو التأله من أله يأله إلاهة وتألهاً، كما روي عن ابن عباس أنه قرأ وَيَذَرَكَ وإلاهتك [الأعراف:127] قال: عبادتك، أي: أنه كان يعبد ولا يعبد ].

    وهنا في قصة فرعون يقول الله تعالى: وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَإلاِهَتَكَ [الأعراف:127] أي: وعبادتك؛ لأنه معبود، فقد كانوا يعبدونه، فقال له الملأ: كيف تترك موسى ومن معه يتركونك ويتركون عبادتك، هذا على قراءة - ابن عباس -، وقراءة حفص : وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ [الأعراف:127]، فيكون فرعون له معبود يعبده، وآلهة من دون الله، فهو مشرك، والمعنى: كيف تترك موسى يتركك ويترك معبودك، ولا منافاة بين المعنيين، ففرعون معبود يعبده قومه، وله آلهة يعبدها من دون الله.

    وقول الله تعالى: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24] الظاهر منه أنهم كانوا يعبدونه ولا ينفي أن يكون له معبود أيضاً وآلهة يعبدها، فيمكن الجمع بين الطرفين.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وكذا قال مجاهد وغيره، وقد استدل بعضهم على كونه مشتقاً بقوله تعالى: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ [الأنعام:3]، كما قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ [الزخرف:84] ].

    أي: المعبود في السماء والأرض هو الله.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ونقل سيبويه عن الخليل أن أصله: إلاه، مثل فعال، فأدخلت الألف واللام بدلاً من الهمزة، كما قال سيبويه : مثل الناس أصله أناس، وقيل: أصل الكلمة: لاه، فدخلت الألف واللام للتعظيم، وهذا اختيار سيبويه ، قال الشاعر:

    لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب عني ولا أنت دياني فتخزوني

    قال القرطبي : بالخاء المعجمة، أي: فتسوسني ].

    أي أن: أصلها لاه، ودخلت الألف واللام وأدغمت اللام في اللام وفخمتا فصارت الله.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال الكسائي والفراء : أصله: الإله حذفوا الهمزة وأدغموا اللام الأولى في الثانية، كما قال: لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي [الكهف:38] أي: لكن أنا، وقد قرأها كذلك الحسن ].

    (لكن أنا) حذقت الهمزة والتقت النون والنون، فشددتا فصارت لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي [الكهف:38].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال القرطبي : ثم قيل: هو مشتق من وله إذا تحير، والوله ذهاب العقل، يقال: رجل واله، وامرأة ولهى ومولوهة، وماء موله: إذا أرسل في الصحراء، فالله تعالى يحير أولو الألباب والفكر في حقائق صفاته، فعلى هذا يكون أصله ولاه، فأبدلت الواو همزة، كما قالوا في وشاح إشاح، ووسادة إسادة.

    فإشاح مثل: إله.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال الرازي : وقيل: إنه مشتق من ألهت إلى فلان أي: سكنت إليه، فالعقول لا تسكن إلا إلى ذكره، والأرواح لا تفرح إلا بمعرفته؛ لأنه الكامل على الإطلاق دون غيره، قال الله تعالى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ * الَّذِينَ آمَنُوا [الرعد:28-29]، قال: وقيل: من لاه يلوه إذا احتجب، وقيل: اشتقاقه من أله الفصيل: أولع بأمه، والمعنى: أن العباد مألوهون مولعون بالتضرع إليه في كل الأحوال، قال: وقيل: هو مشتق من أله الرجل يأله إذا فزع من أمر نزل به، فألهه أي أجاره، فالمجير لجميع الخلائق من كل المضار هو الله سبحانه، لقوله تعالى: وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ [المؤمنون:88]، وهو المنعم، لقوله تعالى: وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ [النحل:53]، وهو المطعم، لقوله تعالى: وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ [الأنعام:14]، وهو الموجد، لقوله تعالى: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النساء:78]، وقد اختار الرازي : أنه اسم غير مشتق البتة ].

    وهذا قول مرجوح، والصواب أنه مشتق كما سبق.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال: وهو قول الخليل وسيبويه وأكثر الأصوليين والفقهاء ].

    وهذا على زعمه، ولا يسلم له أن هذا قول أكثر الأصوليين والفقهاء.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم أخذ يستدل على ذلك بوجوه منها: أنه لو كان مشتقاً لاشترك في معناه كثيرون، ومنها: أن بقية الأسماء تذكر صفات له، فتقول: الله الرحمن الرحيم الملك القدوس، فدل على أنه ليس بمشتق، قال: فأما قوله تعالى: الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللَّهِ [إبراهيم:1-2] على قراءة الجر فجعل ذلك من باب عطف البيان ].

    وكل هذا لا يدل على أنه ليس بمشتق.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ومنها: قوله تعالى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65]، وفي الاستدلال بهذه على كون هذا الاسم جامداً غير مشتق نظر، والله أعلم ].

    لا شك أن فيه نظراً بيناً، والصواب أنه مشتق.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وحكى الرازي عن بعضهم: أن اسم الله تعالى عبراني لا عربي، ثم ضعفه، وهو حقيق بالتضعيف كما قال ].

    وهذا القول ليس بشيء وجدير بأن يضعف، والصواب أن (الله) اسم عربي وليس عبرانياً، والعبرانية لغة اليهود.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد حكى الرازي هذا القول ثم قال: واعلم أن الخلائق قسمان: واصلون إلى ساحل بحر المعرفة، ومحرومون قد بقوا في ظلمات الحيرة وتيه الجهالة، فكأنهم قد فقدوا عقولهم وأرواحهم، وأما الواجدون فقد وصلوا إلى عرصة النور، وفسحة الكبرياء والجلال ].

    العرصة: هي المكان المتسع في الصحراء، ومنه عرصات القيامة، وهذا كله من كلام وعبارات الصوفية.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فتاهوا في ميادين الصمدية، وبادوا في عرصة الفردانية، فثبت أن الخلائق كلهم والهون في معرفته.

    وروي عن الخليل بن أحمد أنه قال: لأن الخلق يألهون إليه، بفتح اللام وكسرها لغتان، وقيل: إنه مشتق من الارتفاع، فكانت العرب تقول لكل شيء مرتفع: لاها، وكانوا يقولون إذا طلعت الشمس: لاهت، وقيل: إنه مشتق من أله الرجل: إذا تعبد، وتأله: إذا تنسك ].

    وهذا هو الأقرب فهو مشتق من تأله، والتأله: التعبد والتنسك، وتأله: تعبد وتنسك وخضع لله وذل له.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقرأ ابن عباس : وَيَذَرَكَ وإلاهتك [الأعراف:127]، وأصل ذلك الإله فحذفت الهمزة التي هي فاء الكلمة، فالتقت اللام التي هي عينها مع اللام الزائدة في أولها للتعريف، فأدغمت إحداهما في الأخرى فصارتا في اللفظ لاماً واحدة مشددة، وفخمت تعظيماً، فقيل: الله ].