إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد حطيبة
  4. محاضرات الحج
  5. شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة و الحج و الزيارة
  6. شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - أعمال يوم النحر [1]

شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - أعمال يوم النحر [1]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في يوم النحر يرمي الحجاج جمرة العقبة، ثم يذبحون الهدي، ثم يحلقون أو يقصرون، ثم يطوفون طواف الإفاضة، هكذا رتبها النبي صلى الله عليه وسلم، فمن أتى بها مرتبة هكذا فقد أصاب السنة، ومن قدم شيئاً على شيء فلا حرج عليه وحجه صحيح.

    1.   

    أعمال يوم الثامن والتاسع

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    وصلنا في الكلام على مناسك الحج إلى مسألة ذكر الله سبحانه عند المشعر الحرام، وذكرنا أن مناسك الحج يبدأ بها الحاج من يوم التروية، فيبدأ بالإحرام للحج إذا كان متمتعاً بالعمرة إلى الحج، أو جاء في هذا اليوم محرماً بالحج، فيتوجه إلى منى في يوم التروية، ويصلي هناك الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويبيت تلك الليلة وهي ليلة عرفة فيصلي الفجر بمنى، ثم يخرج من منى إلى عرفات، وهناك يصلي الظهر والعصر ويشهد خطبة عرفة، ويمكث في عرفات من الزوال حتى غروب الشمس في ذكرٍ لله سبحانه وتعالى، ويكثر من الدعاء والتلبية، ومن الانشغال بعبادة الله سبحانه في هذا اليوم.

    وإذا غربت الشمس يفيض الحجيج من عرفات إلى المزدلفة، فمتى وصل إلى المزدلفة صلى هنالك المغرب والعشاء جمع تأخير، وكان قد صلى الظهر والعصر مع الإمام في عرفات وجمعهما جمع تقديم، وأما المغرب والعشاء فيصليها في المزدلفة جمع تأخير، ثم يبيت هذه الليلة في المزدلفة، والسنة أن يبيت فيها حتى الفجر، ثم بعد أن يصلي الفجر يقف عند المشعر الحرام، ويذكر الله سبحانه وتعالى إلى وقت الإسفار.

    ويجوز للضعفاء من النساء ومن معهم أن يخرجوا في هذه الليلة بعد منتصف الليل، فهم قد أمضوا نصف الليل الأول في الطريق وفي المزدلفة، وبعد نصف الليل بفترة يخرجون إلى منى، والأفضل أن يبيت الجميع هنالك بحسب ما يتيسر لهم، لكن المهم أن الحاج إذا بات بمزدلفة فلا يخرج منها قبل نصف الليل الثاني، وهنا لا بد أن يكون الخروج بعد منتصف الليل الأول، فإذا تعجل في الانصراف فليكن قد مضى عليه على الأقل نصف الليل الأول، ودخل في النصف الثاني من الليل، ثم بعد ذلك ينصرف إلى منى.

    الوقوف عند المشعر الحرام ووقته

    وسنة النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيت في المزدلفة إلى الفجر، ويصلي الفجر في أول وقتها، ثم يقف عند المشعر الحرام، وقد وقف النبي صلى الله عليه وسلم على جبل قزح وذكر الله سبحانه وتعالى.

    فإذا صلوا الصبح توجهوا إلى المشعر الحرام عند جبل اسمه (قزح)، وهو جبل صغير معروف في آخر المزدلفة، فيتوجه إليه حتى يصعد عليه إن أمكنه وإلا وقف عنده أو تحته، ويقف مستقبل الكعبة، فيدعو ويحمد الله ويكبره ويهلله ويوحده، ويكثر من التلبية.

    وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم الفجر في المزدلفة في أول وقتها؛ لأنه سيخرج قبل الشروق من المزدلفة متوجهاً إلى منى، فيجد وقتاً للدعاء بين صلاة الفجر وبين الإسفار، وحتى يخرج صلى الله عليه وسلم متوجهاً إلى منى مخالفاً لما كان عليه المشركون، إذ كانوا يخرجون إلى منى بعد طلوع الشمس، فخالفهم وخرج قبل طلوع الشمس عليه الصلاة والسلام.

    ووقوف الرسول عند المشعر الحرام حيث أمكنه ينطبق عليه في حديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (نحرت هاهنا ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم، ووقفت هاهنا وعرفة كلها موقف، ووقفت هاهنا وجمع كلها موقف).

    والغرض: بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا وقف في مكان فلا يشترط أن كل الحجاج يقفون في المكان نفسه، فإنه لا يكفيهم ذلك الموضع، وقد وقف النبي صلى الله عليه وسلم أسفل جبل الرحمة، وقال لنا: (عرفة كلها موقف)، أي: في أي موقف من عرفة وقفت فيه أجزأك.

    كذلك وقف النبي صلى الله عليه وسلم في جمع على جبل قزح، وقال: (وجمع كلها موقف) .

    وجمع: هي المزدلفة، والمراد: وقفت على قزح وجميع المزدلفة موقف، لكن أفضلها قزح، كما أن عرفات كلها موقف، وأفضلها موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ومن السنة أن يبقوا واقفين على قزح للذكر والدعاء إلى أن يسفر الصبح جداً، أي: إلى أن يتحول لون السماء من لون السواد إلى اللون الأزرق، ويصبح كل إنسان يرى من بجواره، فقبل أن تطلع الشمس وقبيل طلوع الشمس ينصرفون إلى منى.

    ولو تركوا هذا الوقوف فاتتهم الفضيلة، ولكن هذا الوقوف ليس من واجبات الحج، وليس من أركان الحج، فلا إثم عليهم في الترك، ولكن خالفوا هدي النبي صلى الله عليه وسلم إذا تركوا هذا الوقوف.

    1.   

    الدفع إلى منى ووقته

    إذا أسفر الفجر فالسنة أن يدفعوا من المشعر الحرام متوجهين إلى منى، ويكون ذلك قبل طلوع الشمس، ولهم أن يدفعوا بعد طلوع الشمس، فلو أنهم فعلوا ذلك فلا إثم عليهم ولكن يكره؛ لأن أهل الجاهلية كانوا يصنعون ذلك.

    يقول عمرو بن ميمون : شهدت عمر رضي الله عنه بجمع يصلي الصبح، ثم وقف فقال: إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس ويقولون: أشرق ثبير، وإن النبي صلى الله عليه وسلم خالفهم فأفاض قبل أن تطلع الشمس.

    وجبل ثبير هو جبل في المزدلفة على يسار الذاهب إلى منى، وكان الكفار ينتظرون طلوع الشمس على هذا الجبل، ويقولون: (أشرق ثبير كيما نغير)، فينصرفون، وكأن الإغارة بمعنى: الإسراع في العَدوْ، أو الإغارة بمعنى: النهب والمعنى: ينهبون لحوم الأضاحي واللحوم المنحورة في هذه الأيام، فكأنهم يتعجلون لأكل اللحم أو للتوجه إلى منى، فالنبي صلى الله عليه وسلم خالفهم في ذلك، وأفاض قبل طلوع الشمس صلوات الله وسلامه عليه.

    ويندفع الحاج إلى منى وعليه السكينة والوقار، فإن وجد فرجة أسرع، ويكون شعاره في دفعه التلبية والذكر خصوصاً في أماكن المشاعر، ويرفع صوته بذكر الله سبحانه والتلبية والتكبير لله سبحانه وتعالى.

    وليجتنب الإيذاء والمزاحمة، وليمش وعليه السكينة؛ لما روى الفضل بن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للناس عشية عرفة وغداة جمع حين دفعوا: عليكم بالسكينة).

    وقد كانت عادة النبي صلى الله عليه وسلم أن يسير العنق، وفي ذلك يقول أسامة رضي الله عنه: (كان يسير العنق)، أي: يمشي بلطف وسكينة، قال: (فإذا وجد فجوة أو فرجة نص)، أي: أسرع، وهذا بحسب المكان، فإذا كان المكان واسعاً فيسرع، وإذا كان المكان ضيقاً فيمشي بلطف وتمهل عليه الصلاة والسلام.

    قال: (فإذا بلغ وادي محسر فحرك قليلاً)، ووادي محسر هو الوادي الذي حسر فيه الفيل وأصحابه وأهلكهم الله عز وجل هنالك، ولذا فإن السنة في أماكن العذاب أن يسرع الإنسان فيها.

    ويستحب في هذا المكان أن يحرك الحاج الدابة قدر رمية حجر، بمعنى: لو أمسكنا بحجر وخذفنا به فوصل إلى مكان، فتكون المسافة من مكان الرمي إلى مكان وصول الحجر هي مسافة بقدر رمية حجر.

    ووادي محسر ليس من مزدلفة ولا من منى، بل هو واد بين الاثنين، ويستحب الإسراع فيه كما ذكرنا.

    1.   

    رمي جمرة العقبة في منى يوم النحر

    وفي حديث جابر الذي في صحيح مسلم : (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بطن محسر فحرك قليلاً، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى)؛ لأنه في هذا اليوم سيرمي الجمرة الكبرى.

    والجمرات ثلاث: الصغرى، والوسطى، والكبرى، فهو سيسلك هنا الطريق التي يأتي منها على الجمرة الكبرى، فيرمي الجمرة الكبرى فقط في هذا اليوم وهو يوم النحر.

    فيرميها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها، وتكون الحصى مثل حصى الخذف، ويأخذ حجر الرمي من بطن الوادي وبعدها ينصرف إلى المنحر.

    إذاً: النبي صلى الله عليه وسلم خرج من المزدلفة متوجهاً إلى منى، ووصل إلى الجمرة الكبرى، ورمى هذه الجمرة في هذا اليوم فقط بسبع حصيات من بطن الوادي.

    ولذا فقد روى الترمذي عن علي رضي الله عنه قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم لما انتهى إلى وادي محسر قرع ناقته فخبت حتى جاوز الوادي).

    ثم يخرج من وادي محسر سائراً إلى منىً؛ لحديث جابر : (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بطن محسر فحرك قليلاً ثم سلك الطريق التي تخرج إلى الجمرة الكبرى).

    فمن وادي المحسر سيصل إلى منى ويرمي الجمرة الكبرى. يقول جابر فيما رواه مسلم : (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي على راحلته يوم النحر وهو يقول: لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه).

    فالنبي صلى الله عليه وسلم علمهم ماذا يفعلون فقال: (خذوا عني مناسككم)، فكما يفعل صلى الله عليه وسلم يفعلون، وهو بدأ برمي جمرة العقبة، وهذا الرمي واجب من واجبات الحج.

    وقد ذكرنا قبل ذلك أركان الإحرام وهي: عقد النية أو عزمها، والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة.

    ولكن السعي بين الصفا والمروة فيه خلاف: هل هو ركن من الأركان، أو هو واجب من الواجبات؟ وأما رمي الجمرات فهو واجب من الواجبات، فيجبر هذا الواجب بدم، فإذا ترك رمي الجمرات كلها فعليه دم، وإذا ترك بعضها فعليه جزء من الدم.

    عدد حصى الرمي والسنة فيها

    وأما حصى الرمي فيجوز أن يأخذ من المزدلفة سبع حصيات لرمي جمرة العقبة يوم النحر، ويجوز من أي موضع ومن أي مكان يتيسر له، فإن تيسر له جمعه من المزدلفة جمع، وإن تيسر له جمعه من منى جمع، ويجوز من أي مكان يأخذ هذا الحصى ويرمي به كما سيأتي.

    والسنة أن تكون الحصى صغاراً بقدر حبة الفول لا أكبر ولا أصغر، ويكره أن تكون الحصى أكبر من ذلك.

    يقول الإمام النووي رحمه الله: إن رمي هذه الجمرات يكون بحصى قدر حصاة الخذف أصغر من الأنملة طولاً وعرضاً. وذلك بقدر حبة الفول أو أصغر منها، هذا هو المستحب فيها.

    وأخذ الحصى -كما قلنا-: يكون من أي موضع، ولكن ذكر الإمام النووي أنه يكره من أربعة مواضع -يكره ولا يحرم- فيكره أن يأخذ من حصيات المسجد، ويكره أن يأخذ من الحل وهو في الحرم، وكذلك يكره أن يأخذ من موضع فيه نجاسة فينجس نفسه ويلوثها، ويكره أيضاً أن يأخذ من الجمار التي رماها هو أو غيره، والراجح أن هذا لا يحرم، ولكن لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أنهم كانوا يرمون الجمرات ثم يأخذون من الحصى المجموعة ويخذفونها مرة ثانية، بل يأتي بها من الخارج أو من مكان بعيد.

    فهذه تكره ولا تحرم، ولو أنه فعل ذلك ورمى فرميه صحيح.

    روى النسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة وهو على راحلته -والغداة: وقت الصباح- هات القط لي)، فهذا الأمر لـعبد الله بن عباس رضي الله عنه، قال: (فلقطت له حصيات هن حصى الخذف، فلما وضعتهن في يده. قال: بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين).

    وهذه الحصى هي كالتي يلعب بها الأطفال، ولا يرمي بحصيات كبار بحيث لا يجرح الناس بعضهم بعضاً.

    وقت رمي جمرة العقبة

    والمستحب ألا يرمي إلا بعد طلوع الشمس؛ وذلك لما روى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم ضعفة أهله وقال: لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس)، وقد قدمنا في الحديث السابق الخلاف في ذلك، وعليه فالمستحب أن يرمي الجمرات بعد طلوع الشمس.

    ولو أنه رمى قبل طلوع الشمس ما بين الفجر وبين طلوع الشمس فذلك عند الأئمة الأربعة جائز ولا شيء عليه.

    ولو أنه رمى بالليل فعند الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد أن هذا مجزئ طالما أنه بعد النصف الثاني.

    وعند أبي حنيفة أنه لو رمى بالليل فإنه يعيد حتى يرميها بعد طلوع الفجر، أو بعد طلوع الشمس.

    وأما عند الأئمة الثلاثة فإنه يجزئ أن يرميها بالليل طالما أنه مضى عليه نصف الليل الأول، وكان هذا الرمي في النصف الثاني من الليل.

    صفة الرمي

    والمستحب أن يرمي من بطن الوادي وأن يكبر مع كل حصاة، وكلمة (الوادي) المراد بها: المكان الذي بين الجبلين، أو المكان المتسع المنفسح الذي يقال: هذا فيه مسيل الوادي، أو مسيل الماء الذي فيه.

    وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه (أنه رمى جمرة العقبة فاستبطن الوادي)، واستبطن الشيء بمعنى: دخل في بطنه، والمعنى: أنه لم يكن في مكان بعيد من الوادي، أو على حرفه، بل من داخله قريباً من الجمرات، فاستبطن الوادي بمعنى: دخل في بطنه.

    (حتى إذا حاذى الشجرة اعترضها، أي: جعلها أمامه بالعرض، فرمى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ثم قال: من هاهنا والذي لا إله غيره قام الذي أنزلت عليه سورة البقرة صلى الله عليه وسلم).

    وفي رواية أخرى: (أن عبد الرحمن بن يزيد حج مع ابن مسعود رضي الله عنه، فرآه يرمي الجمرة الكبرى بسبع حصيات، فجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ثم قال: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة)، فالجمرة الكبرى أقرب إلى مكة.

    وأما عند رمي الجمرتين الأولى والثانية في الأيام الآتية فسيكون مستقبلاً للقبلة وهو يرميها، لكن لو رمى جمرة العقبة فستكون القبلة عن يساره ومنى عن يمينه، فمنى سيكون بجوارها وليس مستقبلاً لها من أمامها؛ إذ لو أنه استقبلها من أمامها فسيكون ظهره لمكة، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم جعل يساره لمكة وجعل يمينه لمنى، وجاء من جانبها ورماها بسبع حصيات، ومن أي موضع رمى أجزأ طالما أنه رمى إلى داخلها.

    قال: (لما أتى عبد الله جمرة العقبة استبطن الوادي واستقبل القبلة، وجعل يرمي الجمرة على حاجبه الأيمن، ثم رمى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ثم قال: والله الذي لا إله إلا هو من هاهنا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة صلى الله عليه وسلم).

    وفي حديث جابر : (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى الجمرة التي عند الشجرة -أي: يوم النحر- فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها، والحصى مثل حصى الخذف، فرمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر).

    وعندما يرمي جمرة العقبة الكبرى فلا يقف للدعاء عندها في اليوم الأول من أيام التشريق واليوم الثاني واليوم الثالث، لكن عندما يرمي الجمرة الأولى والثانية فسيقف عندها للدعاء، ويستحب أن يكبر مع رمي كل حصاة.

    ويستحب أن يرفع يده؛ لأن هذا رمي وليس وضعاً، فيرفع يده ويكون كهيئة الرامي.

    ويسن أن يكون الرمي بيده اليمنى، فلو رمى بيده اليسرى أجزأ؛ لحصول الرمي، ولكنه خلاف السنة.

    انتهاء التلبية عند الرمي

    ويقطع التلبية مع أول حصاة يرمي بها الجمرات، فقد كان الرسول يلبي إلى الوقت الذي هو ذاهب فيه لرمي الجمرات ولا يزال يلبي، فإذا بدأ يرمي فيكبر الله عز وجل ويقطع التلبية عند ذلك.

    ففي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن أسامة رضي الله عنه كان ردف النبي صلى الله عليه وسلم من عرفة إلى المزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، قال: فكلاهما قال: لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يلبي حتى رمى جمرة العقبة)، والمفهوم أنه قطع التلبية بعدما رمى عليه الصلاة والسلام؛ لأن التلبية للإحرام، فإذا رمى فقد شرع في التحلل، فتنتهي التلبية ويبدأ في التكبير.

    ولا يجوز الرمي للجمار إلا بالحصى والأحجار، فإن رمى بغير الأحجار من طين يابس أو خزف لم يجزئ؛ لأنه لا يقع عليه اسم الحجر، فإن رمى بحجر كبير أجزأه؛ لأنه يقع عليه اسم الحجر، ويكره له ذلك.

    ولا يجزئ أخذ قطعة حديد لرمي الجمرات بها؛ لأن رمي النبي صلى الله عليه وسلم كان بالحصى وقال: (بمثل هذا فارموا)، فلابد من الرمي بمثل ما رمى به النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    أعمال يوم النحر

    الأعمال المشروعة للحاج بعد وصوله منى أربعة أعمال: رمي جمرة العقبة، وذبح الهدي، وحلق الشعر، وطواف الإفاضة، فهذه الأربعة الأعمال التي يفعلها في هذا اليوم.

    وقد ذكرها هنا على الترتيب، وأما الذبح فإن أكثر الحجاج اليوم لا يذبحون بأيديهم، بل يشترون، وهذا جائز، وهو من التوسعة في هذا المكان، فلضيق المكان وكثرة الحجيج يصعب على كل واحد أن يذبح في مكانه، وإن كان هذا ممكناً في الماضي لكل أحد أن يذبح، ويضع الذبائح في مكانها، والذي يأخذ منها شيئاً يأخذ ما يشاء، وقد لا ينتفع بالشيء الآخر، وأما الآن فالأمر أسهل، فإن الحاج يدفع ثمن الشيكات، والبنك يأخذ الثمن ويشتري الأنعام ويذبحها وينظفها، ويوزع على المحتاجين من أهل مكة، ويعطيها المحتاجين من المسلمين، فيكون الأمر كأنه وكل غيره في الذبح عنه.

    إن الحاج سيرمي جمرة العقبة، وبعد ذلك يذبح إذا تيسر، والآن دفع شيكاً فيصير لا ذبح عليه؛ لأن وكيله يذبح عنه، ثم يحلق شعره، وهذا من السنة، ويجوز له أن يقصر، ثم يطوف طواف الإفاضة وهو طواف الركن.

    عدم وجوب ترتيب أعمال يوم النحر

    وترتيب هذه الأربعة الأفعال من السنة، فيبدأ برمي جمرة العقبة، فلو خالف وبدأ بحلق شعره، أو بدأ بطواف الإفاضة، أو بدأ بالذبح، فهذا الترتيب سنة وليس فرضاً، فلا يلزمه شيء بالمخالفة في الترتيب.

    ولو طاف قبل أن يرمي، أو ذبح في وقت الذبح قبل أن يرمي جاز ولا فدية عليه، ولكن فاته الأفضل.

    ولو حلق قبل الرمي والطواف لم يلزمه الدم؛ لأن الحلق نسك.

    والسنة أن يرمي بعد ارتفاع الشمس قدر رمح، أي: في وقت صلاة الضحى، ثم يذبح ثم يحلق، ثم يذهب إلى مكة ليطوف طواف الإفاضة، ويكون الطواف بالبيت في وقت الضحى.

    ولا حد لنهاية وقت الطواف والحلق، فلو لم يطف في اليوم الأول فإنه سيطوف في اليوم الثاني، أو في اليوم الثالث، بل لو أنه تعسر عليه ومرض ونقل إلى مستشفى ومكث فيه مدة، فإن الطواف ما زال يلزمه، فلا حد لوقت الطواف، وكذلك الحلق، فلو أنه نسي الحلق حتى رجع إلى بلده فتذكر أنه لم يحلق فيلزمه أن يحلق، فيمتد وقتهما ما دام حياً، وإن مضى عليه سنون متطاولة، وكذلك السعي.

    حكم الرمي ووقته

    رمي جمرة العقبة واجب وليس ركناً، فلو تركه حتى فات وقته صح حجه ولزمه دم.

    ويمتد وقت الرمي إلى الليل، وهذا من التيسير في الشريعة، فلو أن الوقت ضاق على الحجاج بسبب شدة الزحام فقد جعلت الشريعة الأمر واسعاً في هذا اليوم، فيمتد وقت الرمي من وقت الضحى إلى المساء، وكلمة (مساء) جاءت في الحديث الذي عند البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل يوم النحر بمنى فيقول: لا حرج، فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ فقال: لا حرج، اذبح ولا حرج. قال: رميت بعدما أمسيت. قال: لا حرج)، فالسائل سأل النبي صلى الله عليه وسلم أنه رمى بعد أن دخل عليه وقت المساء.

    والمساء يطلق في اللغة على الوقت الذي هو من بعد الظهر حتى المغرب، وقال بعضهم: بل يمتد إلى نصف الليل، فعلى هذا فالأمر واسع في الرمي بحسب ما يتيسر للإنسان، فإن تيسر له في النهار رمى، فإن لم يتيسر رمى في الليل، المهم أنه يرمي بعد الوقت المشروع في يوم العيد، أما وقت الرمي بالنسبة للإنسان المعذور من نساء وغيرهم فعلى قول جمهور أهل العلم: أن الضعفاء من النساء وغيرهم إذا انصرفوا من مزدلفة وأفاضوا إلى منى وقت وصولهم بعد منتصف الليل فلهم أن يرموا بمجرد الوصول، وهذا الأمر فيه سعة؛ لشدة الزحام الموجود في هذه الأيام.

    شروط الرمي وآدابه

    ويشترط في الرمي أن يفعله على وجه يسمى رمياً؛ لأنه مأمور بالرمي، فاشترط فيه ما يقع عليه اسم الرمي، فلو أن إنساناً وصل إلى أمام المرمى وأخذ الحصى ووضعها فهذا ليس رمياً.

    ويشترط في الرمي أن يقع في المرمى نفسه، وأحياناً بعض الناس يكلف نفسه ويرمي في العمود الذي أمامه، والرمي إنما يكون في الجمرة الكبرى، وبعضهم عند رمي الجمرة الصغرى والوسطى يرى عموداً ويشغل نفسه برميه، وهذا ليس بسنة؛ بل السنة أن يرمي في المرمى نفسه وليس في هذا العمود الذي أمامه.

    ولا يشترط بقاء الحجر في المرمى، ولا يكلف نفسه عند رمي الحصى أن ينظر إلى الحصى التي رماها هل وقعت في المرمى أو لا، بل يكفي أنه فعل الذي عليه ولا شيء عليه بعد ذلك، مع أنه يستحيل أن يرى الحصى الآن من شدة الزحام.

    ولو صدمت الحصى المرمية بالأرض خارج الجمرة أو في الطريق، أو عنق بعير، أو ثوب إنسان، ثم ارتدت فوقعت في المرمى أجزأه، وكذلك لو فرضنا أن الحصى وقع في شيء ثم طار منه ونزل إلى المرمى أجزأه أيضاً.

    وهذا مفيد الآن، مع أنه كان في الماضي تقع الحصى في رأس إنسان وتطير وتنزل في المرمى، والآن الذي يرمي من الدور الثاني فيمكن أن تقع في مكان أو تطير إلى مرمى الذي هو فوق، ومنه سترد في مكان آخر وتنزل إلى المرمى.

    ولو رمى حصاة إلى المرمى وشك هل وقعت فيه أم لا، فيعمل على الأصل وهو أنها لم تقع فيه، وكثير من الحجاج يكلف أن يعرف هل وقعت في المرمى أو لا وبينه وبين المرمى خمسون متراً، ويمسك الحصى ويخذفها.

    وفي السنة التي مضت رأيت شخصاً يمسك حصى في يده، وهو مغمض عينيه ويحذف بالحصى وبينه وبين المرمى مكان بعيد يستحيل أن تصل إليه، وهذا خطأ، وللأسف عندما تنبه البعض على هذا الخطأ يقول لك: ربنا غفور رحيم، هذا قد عمل الذي عليه، مع أن هذا خطأ، ولابد أن يقرب من المرمى ويرمي، ويحرص على ألا يؤذي الناس، فربما تأتي في رأس إنسان أمامه، وهذا حرام.

    وكذلك لا يجزئه الرمي عن قوس، ولا الدفع بالرجل؛ لأنه لا ينطبق عليه اسم الرمي.

    والرمي عبادة، فيجب على الذي يفعلها ألا يستهين بالعبادة أو يفعل أفعال المستهزئين، وتلك الأماكن أماكن عبادة، فلا بد للإنسان أن يكون فيها في غاية التواضع وفي غاية الخشوع، ولا يفعل أفعالاً تدل على أنه من المستهزئين.

    وبعضهم يظن أن هذا الأفعال التي يفعلها يرمي بها الشيطان أو أنه يهينه، وهذا من الخطأ، فأنت في الرمي إنما تتبع ملة إبراهيم كما أمرنا ربنا سبحانه وتعالى في رمي الجمرات، وأما أنك ترمي بشيء لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم فهذا خطأ.

    ويشترط أن يرمي الحصيات متفرقات، فلو رمى حصاتين أو سبعاً دفعة فإن وقعن في المرمى في حالة واحدة، أو ترتبن في الوقوع حسبت حصاة واحدة، أي: أن الرمي محسوب بأنك حركت يدك، فإن حركتها بالرمي مرة واحدة فهذه رمية، أو حركتها ورميت بحصى واحدة دفعة فهي رمية، أو رميت بعشرين حصاة دفعة فهي أيضاً واحدة.

    فيجب في الرمي سبع حصيات في سبع مرات، كل مرة بحصاة واحدة.

    ولا تشترط الموالاة بين الحصيات، ولا الموالاة بين جمرات أيام التشريق، ولكن تستحب الموالاة، فلو رمى أربع حصيات، ثم تعب من الزحام فخرج ليستريح وبعدها رجع وبقي عليه ثلاث، فليرم بها ولا شيء عليه، حتى لو أخر هذه الثلاث من وقت الظهر مثلاً إلى وقت العصر أكمل الباقي ولا تشترط الموالاة.

    وكذلك الموالاة بين الجمرات، فلو أنه في ثاني يوم من أيام العيد رمى الجمرة الصغرى، فتعب ورجع إلى الخيمة ثم جاء لرمي الجمرتين الوسطى والأخرى وقت المغرب أو العصر ورمى الباقي فلا شيء عليه.

    وإذا فرغ من رمي الجمرة يوم النحر لم يقف عندها؛ لأنه في اليوم الثاني والثالث والرابع سيرمي الجمرة الأولى ويقف للدعاء عندها وكذلك الجمرة الثانية.

    وأما الجمرة الثالثة فلا يقف عندها للدعاء، وهي التي يرميها في أول يوم، وهي جمرة العقبة الكبرى.

    نحر الهدي

    بعد أن يكل الحاج الرمي ينحر الهدي إذا كان معه هدي وكان هو الذي سينحر؛ لما روى مسلم : (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى الجمرة التي عند الشجرة -أي: يوم النحر- فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها، والحصى مثل حصى الخذف، فرمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر).

    ويجوز النحر في جميع منى وفي أي موضع من منى؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (منىً كلها منحر).

    فإن لم يكن معه هدي وعليه هدي واجب اشترى من مكانه، ولا يشترط أن يسوق الهدي من بلده إلى مكان النحر، بل يشتري من هنالك إن تيسر، وإذا لم يتيسر فليدفع الثمن إلى البنك في شيك من الشيكات.

    وإن لم يكن عليه هدي واجب فأحب أن يضحي، كأن يكون قام بعمرة في رمضان، وبعد ذلك حج في أيام الحج، فهذا يعتبر مفرداً للحج، وليس عليه هدي واجب، بل يستحب أن يضحي أضحية، فهنا يجوز له أن يفعل، وقد قلنا: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان الواجب عليه في قرانه أن يذبح شاة واحدة، ومع ذلك نحر النبي صلى الله عليه وسلم مائة بدنة تجزئ عن سبعمائة، فهذه المائة بدنة كسبعمائة شاة، فكل بدنة بسبع شياه.

    روى مسلم عن جابر في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثاً وستين بدنة بيده)، أي: بيده الكريمة عليه الصلاة والسلام نحر ثلاثاً وستين بدنة، قال: (ثم أعطى علياً فنحر ما غبر، وأشركه في هديه)، أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم أشرك علياً معه عليه الصلاة والسلام.

    ويستحب للرجل أن يتولى ذبح هديه وأضحيته بنفسه وينوي عند ذبحها، فإن كان منذوراً نوى الذبح عن هديه أو أضحيته المنذورة، وإن كان تطوعاً نوى التقرب، ولو استناب في ذبحه جاز، وهذه الاستنابة أو التوكيل في الذبح قد تكون لإنسان يذبح لك، أو أن توكل البنك في أن يقوم مكانك بذلك.

    وقت ذبح الهدي

    وقت ذبح الهدي هو وقت الأضحية، ووقت الأضحية هو بعد صلاة العيد، وإن كان الحجيج لا يوجد صلاة عيد بالنسبة لهم، ففي هذا الوقت يكونون قد رموا الجمرة، وبعد ذلك يكون النحر.

    ويختص النحر بيوم العيد وأيام التشريق، ويدخل وقته بعد طلوع شمس يوم النحر ومضي صلاة العيد والخطبتين، ويخرج بخروج أيام التشريق، أما الحاج فليس عليه صلاة عيد، ولكن يضبط دخول وقت النحر بمثل هذا القدر.

    وأما إن خرجت أيام التشريق ولم يذبح وعليه نذر أضحية، أو نذر هدي فعليه أن يذبح قضاء؛ لأن هذا نذر واجب.

    وأما إذا كان تطوعاً فالأفضل أن يذبح، سواء كانت الأضحية تطوعاً أو الهدي تطوعاً أيضاً، فيستحب أن يذبح فيطعم الفقراء، ولكن في الأضحية لا تعتبر أضحية.

    مكان النحر

    وذبح الهدي يختص بالحرم ولا يجوز في غيره، والهدي: هو ما يهدى إلى الكعبة، فلا يكون ذلك بأن يذبحها خارج الحرم، بل هذا يختص بالحرم.

    والحرم كله منحر، فحيث نحر منه أجزأه في الحج والعمرة، ولكن السنة في الحج أن ينحر بمنى، ولو نحر بمكة جاز ذلك، وكذلك إن نحر في المزدلفة فهو جائز، ولكن الأفضل أن ينحر في منى.

    الحلق أو التقصير

    إذا فرغ الحاج من الرمي والذبح فليحلق رأسه أو يقصر، والحلق والتقصير ثابتان بالكتاب والسنة، فربنا سبحانه وتعالى يقول: مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ [الفتح:27].

    وفي الصحيحين عن ابن عمر : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا للمحلقين فقال: اللهم ارحم المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: اللهم ارحم المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: والمقصرين)، ذكرها في الثالثة أو في الرابعة.

    والأفضل أن يحلق جميع الرأس، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم أن يحلق جميع شعره، وإذا قصر كان أيضاً يقصر من جميع شعره عليه الصلاة والسلام، فنحن نفعل كما فعل صلى الله عليه وسلم.

    وإن كان العلماء اختلفوا فقالوا: إن حَلْق جميع الشعر هو السنة، وأما الذي يجزئ في الفرض فقد اختلفوا فيه على أقوال: فـالشافعي عنده أن أقل ما يجزئه في الحلق أن يحلق ثلاث شعرات، وأخذ هذا من الدلالة اللغوية في قوله تعالى: مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ [الفتح:27]، أي: شعر رءوسكم، والشعر جمع والمفرد منه شعرة واحدة، وأقل الجمع ثلاث شعرات، فإذا حلق ثلاث شعرات وسمي حلقاً فيكون هذا هو الواجب، وما كان أكثر من ذلك فيكون سنة، هذا عند الشافعي .

    أما عند مالك ، وأحمد : فالواجب حلق أكثر الرأس.

    وأما عند أبي حنيفة فالواجب حلق ربع الرأس.

    وعند أبي يوسف صاحب أبي حنيفة أن الواجب حلق نصف الرأس.

    ولكن النبي صلى الله عليه وسلم حلق شعره وقال: (لتأخذوا عني مناسككم). وجوز ربنا سبحانه وتعالى لهم التقصير، فلما حلق جميع رأسه عليه الصلاة والسلام ولم يحلق البعض تبين أن المنسك أن يحلق الشعر كله، أو أن يقصر من رأسه كله إذا كان مقصراً.

    إذاً: الأفضل أن يحلق جميع الرأس إن أراد الحلق، أو يقصر من جميعه إن أراد التقصير.

    وقد جاء في صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: (لما رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمرة، ونحر نسكه، وحلق ناول الحالق شقه الأيمن فحلق)، أي: حلق الشق الأيمن كله، قال: (ثم دعا أبا طلحة الأنصاري رضي الله عنه فأعطاه إياه، ثم ناوله الشق الأيسر، فقال: احلق، فحلقه فأعطاه أبا طلحة وقال: اقسمه بين الناس)، والصحابة أخذوا ذلك الشعر تبركاً بشعر النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهو صلى الله عليه وسلم أمر بذلك، فهذا هو فعله وهو أنه حلق شعره كله صلى الله عليه وسلم.

    هل الحلق والتقصير نسك أو تحلل من الإحرام؟

    والحلق والتقصير نسك في الحج والعمرة، وهناك خلاف يسير هل هو نسك أم هو تحلل من الإحرام؟ فذكر النووي أنه لم يقل أحد من العلماء أنه تحلل من الإحرام إلا الشافعي ، فهذا نقل النووي رحمه الله، والظاهر أن قول الإمام أحمد أيضاً أنه تحلل من الإحرام.

    والصواب في هذه المسألة: أن الحلق نسك من المناسك وليس مجرد تحلل من الإحرام.

    وبناءً على ذلك: فلو أنه قدم الحلق قبل رمي الجمرة فلا شيء عليه، إلا أن نقول: إنه تحلل من الإحرام وهنا حلق قبل رمي الجمرة، والتحلل لا يكون إلا برمي الجمرة، فيكون عليه دم؛ لأنه تحلل من الإحرام قبل الأمر الشرعي وهو رمي الجمرة، لكن الصواب في ذلك أن الحلق نسك من المناسك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا للمحلقين.

    ولو كان الحلق مجرد تحلل من الإحرام وليس نسكاً لما دعا النبي صلى الله عليه وسلم لمن حلق، ولما ذكره الله عز وجل في كتابه: مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ [الفتح:27].

    وقد جاء في الحديث: (من لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر، وليحلل، ثم ليهل بالحج)، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم في العمرة عندما كانوا متمتعين أن يطوفوا بالبيت وأن يسعوا بين الصفا والمروة، قال: (وليقصر وليحلق)، فأمر بالتقصير.

    وفي الصحيحين عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أحلوا من إحرامكم بطواف بالبيت وبين الصفا والمروة وقصروا).

    وأمر النبي صلى الله عليه وسلم يدل على الوجوب، فيجب تنفيذ ما أمر به صلى الله عليه وسلم.

    وكذلك الآية: مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ [الفتح:27]، والتحليق لولا أنه من المناسك لقال ربنا سبحانه وتعالى لهم أن اصطادوا، أو البسوا ثيابكم، وإنما قال: مُحَلِّقِينَ [الفتح:27]، وهذا يدل أنه من المناسك أن يكون محلقاً، أو يكون مقصراً، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ترحم على المحلقين ثلاثاً، فدل على أن هذا الفعل عبادة، ولولا أنه عبادة لما دعا النبي صلى الله عليه وسلم لهم، ولأنه أمر أصحابه ففعلوه في جميع حججهم وعمرهم ولم يتركوه، فلو لم يكن من ضمن المناسك لكان على الأقل قد تركه بعضهم.

    كيف يفعل من لا شعر له

    فإن كان الشخص لا يوجد على رأسه شعر، بأن كان أصلعاً أو محلوقاً، أو اعتمر وحلق شعره، وجاء في يوم العيد ولا شعر في رأسه، فهذا يستحب له أن يمر بالموسى على رأسه كهيئة الحلق ولا يجب عليه ذلك؛ لأنه قربة تتعلق بمحلها، والمحل هنا هو الرأس والقربة تتعلق به، والمحل الآن لا يوجد فيه شعر، فسقطت هذه القربة بفوات المحل، كغسل اليد إذا قطعت، فعندما يتوضأ فالقربة تتعلق بمكان هذه اليد، والغسل لليد يتعلق بالعضو، والعضو هنا غير موجود، فيصبح الإمرار بالماء على مكان العضو سنة، ولو نبت شعره بعد ذلك لم يلزمه حلق ولا تقصير، وهذا بخلاف من كان فيه شعر ونسي يوم العيد فلم يحلق، ومضت عليه أيام التشريق ولم يحلق، فهذا في الوقت الذي يذكر فيه ذلك فيلزمه أن يفعله.

    تقصير المرأة من شعرها

    وأما المرأة فيلزمها التقصير ولا يجوز لها أن تحلق شعرها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس على النساء حلق إنما على النساء تقصير).

    ويستحب للمرأة أن تقصر قدر أنملة، والأنملة طرف الأصبع، فتجمع شعرها في يدها، وتأخذ من آخره مقدار أنملة أو نحو ذلك.

    حكم تقديم بعض أعمال يوم النحر على البعض الآخر

    فإن حلق قبل الرمي فلا حرج، وكذلك إن قدم شيئاً من أعمال يوم النحر على غيره فلا حرج؛ لما في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (سئل النبي صلى الله عليه وسلم عمن حلق قبل أن يذبح ونحوه؟ فقال: لا حرج لا حرج).

    وفي رواية: (قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير. فقال: لا حرج) .

    وفي رواية أخرى: (سئل يوم النحر عن رجل حلق قبل أن يرمي، أو نحر أو ذبح وأشباه هذا في التقديم والتأخير؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا حرج لا حرج) .

    وجاء أيضاً في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو بن العاص : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه، فجاء رجل فقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح. فقال: اذبح ولا حرج. فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي؟ فقال: ارم ولا حرج. فما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج) .

    فكان ذلك اليوم يسمى يوم لا حرج؛ لأنه يوم رخص النبي صلى الله عليه وسلم فيه، ورفع عن الناس بأمر الله سبحانه.

    وفي حديث آخر رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أتاه رجل يوم النحر وهو واقف عند الجمرة)، أي: يوم النحر عند الجمرة الكبرى، (قال: يا رسول الله! إني حلقت قبل أن أرمي)، أي: وكان الأصل أن يرمي أولاً، ولكنه حلق قبل ذلك. فقال: (ارم ولا حرج)، فدل ذلك على أن الحلق نسك، وأنه لو كان تحللاً من الإحرام فيكون قد تحلل من حجه قبل أن يرمي، وهذا لا يجوز له، فكونه يقول له: (ارم ولا حرج)، فهذا فيه دليل على أن أياً من المناسك قدم على الآخر فلا حرج عليه، وفيه دليل أيضاً على أن الحلق والتقصير نسك، قال: (وأتاه آخر فقال: إني ذبحت قبل أن أرمي؟ فقال: ارم ولا حرج. وأتاه آخر فقال: إني أفضت إلى البيت قبل أن أرمي؟ قال: ارم ولا حرج. فما رأيته سئل يومئذ عن شيء إلا قال: افعلوا ولا حرج) .

    فجملة الأحاديث التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها أنهم سألوا عن الحلق قبل الذبح، فقال: (لا حرج)، وسألوا عن الحلق قبل الرمي فقال: (لا حرج)، وسألوا عن النحر قبل الرمي فقال: (لا حرج)، وسألوا عن الإفاضة قبل الرمي، فهذه أربعة أشياء سألوا عنها النبي صلى الله عليه وسلم وأنهم قدموا أشياء على أشياء، وفي كل ذلك يقول: (افعلوا ولا حرج).

    ولا يحصل الحلق إلا بشعر الرأس، فلو أن الإنسان لم يحلق شعر رأسه بل حلق شعر لحيته مثلاً فهذا حرام لا يجوز له، وليس هذا تحللاً من الإحرام، فلا يحصل له تحلل من الإحرام بهذه المعصية التي يفعلها، وإنما يجب عليه أن يفعل نسكاً من المناسك بأن يحلق شعر رأسه.

    وكذلك إذا حلق شعر بدنه أو شعر إبطه أو عانته فهذا ليس داخلاً في التحلل من المناسك، وإن كان يجوز له أن يفعل ذلك بعد أن يحلق شعر رأسه، لكن الحلق المقصود في الحديث والمقصود في الآية هو حلق شعر الرأس.

    والمراد بالحلق والتقصير: إزالة الشعر، فيقوم مقامه النتف، أو إذا عمل طلاءً مزيلاً للشعر، أي: أن الإنسان يحلق بالموسى، أو بوضع كريم على رأسه مزيل للشعر، فيجزئ ذلك ولكن السنة هي الحلق، فإذا أزاله بأي شيء قام مقام الحلق.

    ويستحب أن يبدأ في حلق رأسه بحلق شق رأسه الأيمن من أوله إلى آخره، ثم الأيسر، ويستحب أن يستقبل المحلوق القبلة أثناء الحلق فيكون وجهه للقبلة، والحلاق يبدأ بالشق الأيمن قبل الشق الأيسر.