إسلام ويب

شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - الطواف صفته وشروطه وسننهللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للطواف بالبيت شروط وواجبات وسنن وردت في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فلابد على من يريد قصد البيت الحرام لأداء الحج أو العمرة أن يتعلمها حتى يقع طوافه موافقاً لما جاء في الشرع المطهر، ومن ثم يصح حجه وعمرته.

    1.   

    شروط وواجبات وسنن الطواف

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    الطواف الصحيح هو الطواف الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الطواف له شروط وواجبات وسنن.

    فالشروط والواجبات خمسة:

    أحدها: الطهارة من الحدث، ومن النجس في الثوب والبدن والمكان الذي يطؤه في مشيه، فالطواف بالبيت صلاة، فكما تصلي وثيابك طاهرة كذلك في الطواف بالبيت تكون الثياب والبدن طاهرة أيضاً.

    الثاني: كون الطواف داخل المسجد، أي: تطوف وأنت في صحن المسجد، تطوف وأنت في المسجد نفسه سواء في الدور الأول أو في الثاني أو فوق السطوح، كل هذا جائز، أما الطواف خارج المسجد فلا يصح، فلا بد أن يكون الطواف داخل المسجد.

    الشرط الثالث: إكمال سبعة أشواط.

    الرابع: الترتيب، فيبدأ طوافه بالحجر الأسود، وينتهي بالحجر الأسود، ويجعل أيضاً الحجر الأسود والبيت عن يساره.

    الخامس: أن يكون جميع بدنه خارجاً عن جميع البيت، أي: يكون الطواف على أرض صحن المسجد، فلا يكون فوق شذروان الكعبة، ولا فوق السور الذي بجوار الكعبة، ولا يدخل بين بابي الحجر، فيدخل من باب ويخرج من الآخر، فهذا لا يصح طوافه؛ لأن الطواف لا بد أن يكون من وراء الحجر.

    وأما سنن الطواف فهي:

    السنة الأولى: أن يكون ماشياً.

    السنة الثانية: أن يضطبع، وهذا في الطواف الأول الذي يأتي به، سواء كان طواف العمرة، أو كان في حج وسيكون في طواف القدوم، والاضطباع معناه: كشف المنكب الأيمن.

    السنة الثالثة: الرمل، ويكون في الثلاثة الأشواط الأولى، والأربعة الباقية يمشي فيها.

    السنة الرابعة: استلام الحجر الأسود وتقبيله، ووضع الجبهة عليه، واستلام الركن اليماني باليد اليمنى دون تقبيل.

    هذه من السنن، فإذا تيسر له ذلك فعل، وإذا لم يتيسر له فلا شيء عليه، والاستلام معناه: أن يضع يده عليه إن استطاع، ثم يضع جبهته كهيئة الساجد عليه، ويقبل الحجر الأسود، كل هذا يفعله إن استطاع ودون أن يؤذي أحداً من الناس.

    والركن اليماني السنة فيه الاستلام، فالكعبة لها أربعة أركان: ركنان يمانيان جهة اليمن، وركنان شاميان جهة الشام، فالركن الأول: هو الركن اليماني الذي فيه الحجر الأسود، وهو أول ركن في الطواف، فالبداية تكون من عنده.

    والركن الثاني: هو الركن الشامي، ثم تدور من وراء الحجر وتصل إلى الركن الثالث، وهو الركن الشامي الثاني، ثم تصل بعد ذلك إلى الركن الرابع، وهو الركن اليماني، فهذه الأربعة الأركان التي حول البيت.

    فالركنان الشاميان ليس فيهما استلام ولا تقبيل، والركن الذي فيه الحجر الأسود فإنك تستلم الحجر وتقبله وتسجد عليه، والركن اليماني الآخر السنة فيه المسح فقط، أي: الاستلام باليد من غير تقبيل، وهذا كله من سنن النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    السنة الخامسة: الأذكار المستحبة في الطواف خاصة بين الركنين فيقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

    السنة السادسة: الموالاة بين الأشواط، أي: أن تطوف الطواف الأول، والطواف الثاني بعده، والثالث بعده.. وهكذا، ولا تطوف ثم تجلس لترتاح فترة، ثم ترجع مرة ثانية، فإن السنة: أن يكون الطواف متتالياً بعضه بعد بعض ما استطعت إلى ذلك سبيلاً.

    السنة السابعة: الصلاة بعد الطواف ركعتين خلف مقام إبراهيم.

    السنة الثامنة: أن يكون في طوافه خاشعاً، خاضعاً، متذللاً، خاضع القلب، ملازم الأدب بظاهره وباطنه، وفي حركته ونظره، وهيئته، يستشعر أنه في بيت الله سبحانه، فيكون جم الأدب في هذا المكان، في غاية الاحترام لهذا المكان، ويكون متواضعاً لخلق الله سبحانه، فلا يؤذي أحداً حتى لو آذاه الناس في هذا المكان.

    الطهارة شرط لصحة الطواف

    يشترط لصحة الطواف الطهارة من الحدث والنجس في الثوب والبدن والمكان الذي يطؤه في طوافه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أباح فيه الكلام)، إذاً فهذه صلاة مخصوصة، صلاة ليس فيها ركوع ولا سجود، ولكن فيها ذكر الله سبحانه، وليس فيها تسليم، وإنما تطوف تبدأ بالحجر وتنتهي بالحجر، إذاً هي كهيئة الصلاة في كونك لا بد أن تكون على طهارة، ولذلك لا يجوز لامرأة حائض أن تطوف بالبيت، ولا يجوز لإنسان على غير طهارة أن يفعل ذلك، فلا يجوز للجنب، ولا للنفساء، كل هؤلاء لا يجوز لهم الطواف.

    فإذا كان هذا الذي يطوف بالبيت محدثاً فعليه أن يخرج ويتوضأ ويرجع يطوف بالبيت، وإذا كان هذا الحدث حدثاً أكبر ذكره وهو يطوف، فعليه أن يخرج ويغتسل ويرجع، ثم يستأنف الطواف.

    أما مباشرة النجاسة فهناك نجاسة معفو عنها ونجاسة غير معفو عنها:

    فالنجاسة المعفو عنها مثل: إنسان به سلس بول، أو سلس غائط، فهذا يضع حفاظة أو أي شيء يمنع تلويث المكان، ويطوف على هيئته هذه وهو معذور.

    أما النجاسة غير المعفو عنها: فمثل البول والدم الكثير، أما لو كان قطرة أو شيئاً يسيراً فإنه يعفى عنه، فلو وقع شيء في ثوبه من دم أو بول أو نحو ذلك من غير عذر فلابد أن يبدل ثيابه ويطوف بثياب طاهرة.

    ومما تعم به البلوى في الطواف: ملامسة النساء مع الزحام الشديد، فينبغي على الإنسان أن يتوقى ذلك قدر المستطاع، والنساء يتقين الله سبحانه وتعالى في ذلك، فتجد كثيراً من النساء تريد أن تقبل الحجر الأسود، حتى لو كلفها ذلك أن يقع حجابها من على رأسها، فتنكشف وتختلط بالرجال، وتزدحم بهم زحمة شديدة جداً، فهذا لا ينبغي أن تفعله النساء، وأيضاً الرجال لا ينبغي أن يزاحموا النساء في ذلك، بل على الإنسان أن يجتنب ملامسة النساء إلا مضطراً إلى ذلك.

    ستر العورة شرط لصحة الطواف

    ستر العورة شرط لصحة الطواف، والرجل عورته ما بين السرة إلى الركبة، والمرأة كلها عورة، ولا يجوز لها أن تنتقب أو تلبس القفازين، فلو أن امرأة تطوف بالبيت وزاحمت الرجال فسقط حجابها من على رأسها، وظلت تمشي على هذا الحال وهي تطوف، فإن طوافها غير صحيح، لكن لو حدث منها هذا الشيء فغطت رأسها بسرعة، فطوافها صحيح؛ لأنه يعفى عن اليسير في ذلك.

    وكذلك الرجل، فلو أنه كان يطوف فسقط منه إزاره فلبسه حالاً فلا شيء عليه، ولكن لو رفع إزاره حتى ظهرت عورته فإن طوافه يبطل بذلك.

    جاء في الصحيحين عن أبي هريرة أن أبا بكر رضي الله عنه بعثه في الحجة التي أمره عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حجة الوداع، وهذا كان في سنة تسع، حين كان الأمير على الحج أبا بكر الصديق رضي الله تبارك وتعالى عنه، فأرسل أبا هريرة في رهط يؤذن في الناس يوم النحر: ألا يحج بعد العام هذا مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، أي: لا يجوز أن يطوف بالبيت عريان، فقد كان المشركون يصنعون ذلك، فيطوفون بالبيت وهم عراة، فأرسل إليهم صلى الله عليه وسلم هذا التحذير، وهذا السبب كان هو العلة في أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحج في ذلك العام، مع أنه فرض عليه صلى الله عليه وسلم في سورة آل عمران: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97] وهذه السورة نزلت في عام الوفود، في العام التاسع، ومع ذلك لم يحج النبي صلى الله عليه وسلم لهذا السبب، فما كان له أن يطوف وحوله رجال ونساء من المشركين، وهم عراة، فلم يفعل في ذلك العام، وأخر الحج إلى العام الذي يليه، حتى صار المكان ليس فيه أحد من المشركين، ولا أحد من العراة، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع.

    إذاً: متى انكشف جزء من عورة أحدهما -الرجل أو المرأة- بتفريط بطل ما يأتي بعده من الطواف، فلو طاف ثلاثة أطواف ثم انكشفت عورته بتفريط منه ولم يبال بذلك، فعلى ذلك لا يصح ما يأتي به من طواف بعد ذلك وهو على هذه الحال، إلا أن يستر نفسه في الحال ويكمل ما بقي من طوافه، وإذا انكشفت بلا تفريط وستر في الحال صح طوافه.

    النية في الطواف

    إن كان الطواف في غير حج ولا عمرة لم يصح بغير نية، مثل: إنسان داخل الحرم، وأراد أن يطوف بالبيت في غير حج ولا عمرة، فهذا لابد له من نية الطواف قبل الشروع فيه، وللإنسان هنالك أن يكثر من الطواف بالبيت ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فيطوف بالليل ويطوف بالنهار، فهذا فيه ثواب عظيم جداً، أما الحاج والمعتمر فإن نية الحج أو العمرة تأتي على الأفعال التي يفعلها بعد ذلك، فلو أنه في حجه طاف بالبيت ونسي قبل طوافه النية، أو سعى بين الصفا والمروة ونسي أن يستحضر النية ولكن هو يعلم أنه يسعى، أو ذهب إلى منى، أو إلى عرفات ونسي النية، فالراجح أن نية الحج تأتي على جميع الأعمال، لأن النبي صلى الله عليه وسلم سمع حاجاً يقول: (لبيك عن شبرمة ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أحججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: فحج عن نفسك ثم حج عن شبرمة)، فتغيرت نيته من حج عن غيره إلى حج عن نفسه، وتسري بعد ذلك هذه النية التي في إحرامه إلى ما يفعل من أفعال بعد ذلك إن كان في حج أو عمرة.

    وهذا مذهب الإمام الشافعي رحمه الله، وقال به أبو حنيفة والثوري ، وذهب الإمام أحمد وإسحاق وأبو ثور وابن القاسم المالكي وابن المنذر إلى أنه لا يصح منه عمل إلا بنية، فحتى لو نوى في البداية أن هذا حج له، أو أن هذه عمرة، فلابد له عند الطواف أن ينوي الطواف، وعند السعي ينوي السعي، وهذا الذي ذكرنا أنه ينبغي أن يفعله خروجاً من الخلاف، وإن كان الراجح أنه لو نسي النية في أول الطواف فتكفيه النية التي كانت قبل ذلك.

    الاضطباع والرمل من سنن الطواف

    الاضطباع: مشتق من الضبع، وضبع الإنسان هو عضده، وقيل: هو النصف الأعلى من العضد، إذاً: النصف الأعلى من العضد يسمى ضبع الإنسان، والاضطباع أن يكشف هذا المكان، فقولنا: اضطبع بمعنى: كشف المنكب الأيمن.

    ويقال للاضطباع أيضاً: التوشح، والتأبط؛ لأنه يجعل رداءه تحت إبطه، فيسمى اضطباعاً؛ لأنه كشف ضبع الإنسان، ويسمى تأبطاً؛ لأنه يجعل رداءه تحت إبطه.

    فاضطباع المحرم: هو أن يدخل رداءه تحت إبطه الأيمن، ويرد طرفه على يساره، ويبدي منكبه الأيمن، ويغطي الأيسر.

    والاضطباع مستحب في الطواف، ولا يستحب في غير طواف القدوم في الحج وطواف العمرة، إذاً المعتمر يسن له ذلك، وهذا من السنن وليس من الفروض ولا الواجبات، فإذا نسي فلا شيء عليه، وإذا تعمد ألا يفعله فلا شيء عليه كذلك، ولكن السنة أن يفعل ذلك، فهو مستحب.

    وقد جاءت في ذلك أحاديث منها:

    ما رواه أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من الجعرانة)، وهذا كان سنة ثمان عندما اعتمر صلى الله عليه وسلم في فتح مكة، حيث توجه صلى الله عليه وسلم إلى حنين ثم رجع فاعتمر من الجعرانة، قال: (اعتمروا من الجعرانة فرملوا بالبيت، فجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى).

    أيضاً روى أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وقد وهنتهم حمى يثرب، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم الحمى، ولقوا منها شراً، فأطلع الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم على ما قالوه، فأمرهم أن يرملوا في الأشواط الثلاثة وأن يمشوا بين الركنين)، وكأن هذا كان في عمرة القضاء، وقد كانت سنة سبع، وكان المشركون يراقبون يريدون أن يشمتوا بالمسلمين الذين أتوا يعتمرون، فقد صدوهم في العام الماضي سنة ست في الحديبية، والآن في سنة سبع في عمرة القضاء يريدون أن يتفرجوا عليهم، فقالوا: هؤلاء قوم وهنتهم حمى يثرب، فقد كانت المدينة تسمى بيثرب، وكان كل من قدم إليها يصاب بالحمى، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الله سبحانه أن ينقل هذه الحمى من المدينة إلى مهيعة، فاستجاب له ربه سبحانه.

    فلما قدموا في عمرة القضاء فلا شك أنهم قد تعبوا، فالطريق طويل جداً، وأيام وليالٍ قضوها في الطريق، ولذلك أراد المشركون أن يشتموا بالمسلمين القادمين، فقالوا: إنهم قد وهنتهم حمى يثرب، وسترون كيف سيسقطون حول البيت، ولن يستطيعوا الطواف، فأخبر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بما قالوه، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة وأن يمشوا بين الركنين، فهنا النبي صلى الله عليه وسلم رأى الكفار جالسين فوق الجبل يشاهدون المسلمين، والمكان المخفي عنهم من الكعبة هو الذي بين الركنين، فأمر المسلمين أن يمشوا بين الركنين ثم يرملوا من الحجر إلى الركن اليماني، والرمل هو: المشي السريع كهيئة الذي يجري، ففعل الصحابة ذلك، فلما رأوهم رملوا قالوا: هؤلاء الذين ذكرتم أن الحمى وهنتهم، هم أجلد منا، ولقد قدموا من هذا السفر كله، ويطوفون حول البيت بهذه الكيفية، فهم أجلد وأقوى منا.

    قال ابن عباس رضي الله عنهما: (ولم يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا إبقاء عليهم)، فلو أمرهم أن يرملوا الأشواط السبعة كلها لوقعوا من التعب ولشمت بهم المشركون، ولكن أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا ثلاثة أشواط فقط.

    وهذا الأمر كان لعلة، ثم فعله النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لغير علة لما فتحت مكة، ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في حجة الوداع فرمل واضطبع صلوات الله وسلامه عليه، فدل على أنه كان السبب هذه العلة، واستمر الأمر على أنه سنة بعد ذلك، سواء وجدت العلة أم لم توجد.

    وجاء عن ابن عباس أيضاً: (أن النبي صلى الله عليه وسلم اضطبع، فاستلم وكبر، ثم رمل ثلاثة أطواف)، وكانوا إذا بلغوا الركن اليماني وتغيبوا عن قريش مشوا؛ لأن القرشيين لا يرونهم وهم عند الركن اليماني، ثم إذا طلعوا عليهم رملوا، تقول قريش: كأنهم الغزلان، قال ابن عباس : فكانت سنة، أي: صارت هذه سنة بعد ذلك: الرمل والاضطباع.

    واضطباعه صلى الله عليه وسلم كأنه إظهار للقوة، فالإنسان يكشف يده اليمنى عندما يتعاطى صنعة معينة، أو يكشف ذراعي لتعاطي الشيء إظهاراً للقوة على الصنع، فكأنه كذلك يظهر يده اليمنى إظهاراً للقوة في ذلك، وكذلك الرمل هو لإظهار القوة على المشي وعلى العبادة، وأيضاً حتى لا يشمت بهم المشركون، أو يظنوا أنهم يقدرون عليهم.

    وعن يعلى بن أمية رضي الله عنه قال: (طاف النبي صلى الله عليه وسلم ببرد أخضر)، كان النبي صلى الله عليه وسلم مرتدياً رداءه برداً لونه أخضر عليه الصلاة والسلام.

    وجاء عن عمر رضي الله عنه أنه قال: (فيم الرملان اليوم؟ والكشف عن المناكب؟ وقد أطأ الله الإسلام ونفى الكفر وأهله -أطأ الإسلام بمعنى: وطأ له، ومهد له، وأتم الله سبحانه وتعالى ما أراد من هذا الدين العظيم- ثم قال: ومع ذلك لا ندع شيئاً كنا نفعله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم)، إذاً السؤال ليس استفهاماً يستفهم من الناس، وليس إنكاراً لهذا الذي يصنعونه الآن، وإنما الاستفهام حتى يشوق السامع إلى الجواب الصحيح: لماذا نحن نرمل حول البيت؟ ولماذا نحن نبدي المناكب؟ ثم قال لهم: سنة النبي صلى الله عليه وسلم التي فعل فلا نتركها.

    ويسن الاضطباع للذكر صغيراً وكبيراً، في طواف العمرة، وفي طواف القدوم في الحج، سواء سعى بعده أم لا، ويسن معه الرمل، لكن يفترق الرمل والاضطباع في أن الرمل يكون في الثلاثة الأشواط الأولى فقط، وبعد ذلك تمشي كل المسافة من الحجر إلى الحجر مشياً عادياً خلال الأربعة الأشواط الباقية كلها، فالثلاثة الأولى ترمل فيها ما بين الركن الذي فيه الحجر إلى الركن اليماني الذي بعد ذلك، وبعدها بين الركنين تكون ماشياً.

    بينما الاضطباع يكون في جميع الطواف، فإنك لا تستر منكبك الأيمن إلا بعدما تنهي الطواف كله ثم تذهب لتصلي خلف مقام إبراهيم.

    إذاً: الرمل يسن في الثلاثة الأول ثم يمشي في الأربعة الأواخر، ولا يسن الاضطباع في السعي، ولا في ركعتي الطواف، فعندما تطوف بالبيت تضطبع، وتكشف المنكب الأيمن، لكن عندما تصلي لا تفعل ذلك، بل تستر المنكب، وتأخذ الزينة في الصلاة، فتصلي وأنت متزين للصلاة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد، ليس على عاتقيه شيء)، إذاً الثوب لا بد أن يكون على العاتق، فلا يصلي وليس على العاتقين شيء، وهذا الحديث متفق عليه، وعند النسائي بلفظ: (لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء).

    فالاضطباع كما قلنا: يكون في كل طواف قدوم، في السبعة الأشواط، فلو فرضنا أنك نسيت وبعدما طفت أربعة أشواط أو خمسة تذكرت فإنك تأتي به فيما بقي.

    لكن الرمل يكون في الثلاثة الأول، فلو أنه نسي الرمل في الثلاثة الأول فلا يسن ولا يشرع أن يتداركه بعد ذلك؛ لأن وقته وهيئته في الثلاثة الأشواط الأول، أما الأربعة الباقية فالسنة فيها أن تكون ماشياً، فلا تفعل فيها ما هو سنة في الأشواط التي قبلها.

    اشتراط السبعة الأشواط لمن يطوف بالبيت

    شرط الطواف أن يكون سبعة أشواط، كل مرة من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود، ولا بد أن يكون من خلف الحجر، ولا يكون بين بابي الحجر؛ لأن هيئة الكعبة التي أمامك هي ناقصة، فإن الحجر يعتبر تابعاً للكعبة، فلا بد أن يكون الطواف من خلف الكعبة جميعها، بما فيها الجزء الذي في الحطيم.

    روى مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه ثلاثة أطواف).

    وروى مسلم عن جابر قال: (خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً، ثم نفر إلى مقام إبراهيم وقرأ: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125]) إذاً: فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت سبعة أطواف، الثلاثة الأول كان فيها يسعى عليه الصلاة والسلام، أي: يرمل فيها ما عدا ما بين الركنين، فقد كان يمشي، وفي هذا المكان من السنة أنه يدعو: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

    وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: (قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت سبعاً، وصلى خلف المقام ركعتين، ثم خرج إلى الصفا) فالسنة أن يصلي ركعتين خلف المقام.

    فلو بقي من السبعة شيء لزمه أن يأتي به، فلا يصح طوافه إلا أن يأتي بالسبعة الأشواط كاملة، لا يصح فإذا خرج فليرجع حتى يكمل السبعة.

    الشك في عدد الطواف

    ولو شك في عدد الطواف أو السعي لزمه الأخذ بالأقل، حتى يطمئن أنه أتى بالجميع.

    ولو أخبره عدل أو عدلان بأنه طاف أو سعى ستة، وكان يعتقد أنه أكمل السبعة، لم يلزمه العمل بقولهما، لكن يستحب، وذلك لأن اليقين ما استيقنته أنت في نفسك، ولكن يستحب أن تأتي بما نقص حسب قولهما، لكن إذا كنت غير مستيقن فيلزمك أن ترجع إلى قولهما، وتأتي بالباقي.

    وإذا كنت مستيقناً استحب لك أن تأتي بالباقي كما قلنا؛ وذلك لأنك قد تكون نسيت، وبعدما تخرج تتذكر فترجع.

    أما إذا شك بعد فراغه فلا شيء عليه، كالشك بعد الانتهاء من العبادة؛ لأنه لو فتح باب الشك بعد الانتهاء من العبادة لدخلت الوساوس الكثيرة للإنسان، فلو أنك صليت صلاة العشاء مثلاً، وكنت مستيقناً في نفسك أنك صليتها أربع ركعات، وبعد ساعة أو ساعتين شككت أنك صليتها ثلاثاً فقط، فهذه الوسوسة لا قيمة لها ولا يلتفت إليها إلا أن تستيقن، فإذا استيقنت النقص فحينئذ عليك أن تكمل هذه الصلاة.

    إذاً: الشك إذا وقع في أثناء العبادة من صلاة وطواف وغيرها ففي هذه الحالة يبني على اليقين، أما إذا كان الشك بعد الانتهاء من العبادة فلا يلتفت إليه، إلا أن يستيقن.

    وصف الحجر والشذروان

    الحجر: هو محيط مدور على نصف دائرة، وهو خارج عن جدار البيت في صوب الشام، وقد قلنا: أن الكعبة هيئة مكعبة لها أربعة أركان: ركنان يمانيان جهة اليمن، وركنان شاميان جهة الشام، فالركن اليماني الأول فيه الحجر الأسود، ثم يأتي الركن الشامي، ثم الركن الشامي الثاني أو العراقي، ثم الركن اليماني الثاني.

    إذاً: فالكعبة على هذا الوصف تأخذ هيئة مربعة، لكن أصلها ليس كذلك؛ لأن جزءاً منها خارج هذا البناء -وهو ما بين الركنين الشاميين- وذلك لأن نفقة قريش تقاصرت أن يبنوا البيت على قواعد إبراهيم، فقل بناء البيت، فجعلوا جزءاً من البيت في الخارج، وبنوا الكعبة على أقل من قواعد إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

    ولذلك ينبغي إذا أردت الطواف أن يكون طوافك من وراء هذه الأجزاء التي تركوها، والتي تسمى الحطيم، أي: الجزء المحطوم للكعبة الذي ليس داخلاً في البناء؛ ولذلك بني وراءه هذا السور الدائري الذي نسميه: الحجر، فالحجر كأنه المانع الذي يمنع الداخل، أو أنه المكان المحيط على هذا الجزء الباقي من الكعبة.

    إذاً: تبدأ الطواف من الركن اليماني الذي فيه الحجر الأسود، ثم تصل إلى الركن الشامي وستجد بعده الحجر الذي هو السور المستدير الذي حول هذين الركنين، وحينئذ تطوف من خلف هذا السور، ولا يجوز أن تأتي عند الركن الشامي ثم تدخل من الباب الذي بين الركن الشامي وبين الحجر وتخرج من الباب الثاني وتكمل، ففي هذه الحالة أنت طفت حول البناء ولم تطف حول الكعبة؛ لأن هناك جزءاً من الكعبة طفت بداخله، والمفترض عليك أن تطوف خارج الكعبة.

    إذاً: فالحجر الذي هو البناء المدور الخارج عن البيت في صوب الشام تركته قريش حين بنت البيت فأخرجته عن بناء إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

    والشذروان: عبارة عن مسافة صغيرة تركوها من عرض أساس البيت، فكأن أساس البيت كان سميكاً، فلما بنوا فوقه ضيقوا من عرض البناء وتركوا مسافة صغيرة من الأساس تكفي لأن يقف عليها إنسان، فهذه تسمى: الشذروان، وهي من الكعبة على قول جمهور أهل العلم، فالذي يطوف فوقها كأنه يطوف داخل الكعبة وليس خارجها، فيجب أن يكون الطواف على أرض صحن الكعبة أو الحرم وليس فوق الكعبة، ولا فوق الشذروان.

    والشذروان: قدر ثلثي ذراع، ثلاثون سنتيمتراً تقريباً أو نحوها، وهو جزء من البيت نقصته قريش من أصل الجدار حين بنوا البيت، وأكثر أهل العلم على ذلك، وإن كان شيخ الإسلام ابن تيمية له كلام فيه: أن الشذروان هذا ليس من داخل البيت، وليس من الكعبة، ولكنه بني ليدعم البيت، فكأنه حجر بنوه من أجل أن يشد البيت ويقويه البيت وليس منه، ولكن جمهور أهل العلم على أن الشذروان من الكعبة، فلا ينبغي لأحد أن يطوف لا الطواف كله ولا جزءاً من الطواف فوق هذا المكان، فإن فعل فإن طوافه يكون باطلاً.

    الأحاديث التي جاء فيها وصف الحجر

    روى البخاري عن جرير بن حازم عن يزيد بن رومان عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: (إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: (يا عائشة ! لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألصقته بالأرض، وجعلت لها بابين: باباً شرقياً، وباباً غربياً، فبلغت به أساس إبراهيم).

    وهذا هو الذي حمل ابن الزبير رضي الله عنهما على هدمه، قال يزيد بن رومان الراوي عن عروة : وشهدت ابن الزبير حين هدمه وبناه وأدخل فيه من الحجر، وقد رأيت أساس إبراهيم حجارة كأسنمة الإبل، وقد ذكرنا إسناد البخاري الأول حتى نعلم أن راوة الأثر الأخير هما من رجال البخاري فلا يقال فيهما شيء.

    إذاً: كأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتمنى أن يهدم الكعبة ويعيد بناءها مرة أخرى من أجل أن يدخل فيها كل ما كان من الحطيم.

    قال: (وألصقته بالأرض) أي: باب الكعبة، كان يتمنى أن يجعله على الأرض بدلاً من الارتفاع الذي هو عليه الآن.

    قال: (وجعلت لها بابين) أي: يجعل للكعبة بابين: باباً من الأمام وباباً من الخلف، حتى لا يحدث زحام عند الدخول والخروج منها لمن أراد أن يصلي فيها، فيكون باب للدخول وباب للخروج.

    قال: (وجعلت لها بابين، باباً شرقيا وباباً غربيا فبلغت به أساس إبراهيم) على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فذلك الذي حمل عبد الله بن الزبير رضي الله عنه ابن أخت السيدة عائشة رضي الله عنها على هدم الكعبة لما سمع هذا الحديث وبناها على ما أراد النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال: (وشهدت ابن الزبير حين هدمه وبناه، وأدخل فيه من الحجر، وقد رأيت أساس إبراهيم حجارة كأسنمة الإبل)، إذاً: يقول: إنه حفر في الأرض حتى وصل إلى أساس إبراهيم، وهي القواعد التي رفع عليها إبراهيم هذا البيت، ووجدوها كهيئة أسنمة الإبل، أي: حجارة مثل سنام الجمل، على هيئة مخروطية.

    قال جرير بن حازم : فقلت له -أي: يزيد بن رومان- أين موضعه؟ قال: أريكه الآن، فدخلت معه الحجر، فأشار إلى مكان، فقال: ههنا، قال جرير : فحزرت من الحجر ستة أذرع أو نحوها.

    إذاً: الجزء الذي من المفروض أن يكون داخلاً في البيت وهو في الحجر الآن هو بمقدار ستة أذرع، والذراع يساوي أربعين سم تقريباً، إذاً الستة الأذرع تساوي تقريباً مترين ونصفاً، إذاً: هذه المسافة من وراء الكعبة صارت من صحن المسجد، وهي في الحقيقة جزء من الكعبة، فكان من المفترض أن تكون داخلة فيها.

    وروى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: (سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الجدر -أي: الحجر أو الحطيم- أمن البيت هو؟ قال: نعم، قلت: فما لهم لم يدخلوه في البيت؟ قال: إن قومك قصرت بهم النفقة، قلت: فما شأن بابه مرتفعاً؟ قال: فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا).

    إذاً: الأمر كان بحسب المزاج والهوى؛ لأنهم أرادوا أن يبنوا الكعبة من المال الحلال، فلما جمعت قريش المال الحلال الذي لديها لم يكف لبناء الكعبة على قواعد إبراهيم، فتقاصرت النفقة، فنقصوا البناء وأخرجوا جزءاً من الكعبة الذي هو الحطيم، أو الحجر، أو الجدر، وجعلوا بابها عالياً لسبب عندهم وهو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا)؛ لأن الباب المنخفض يكون سهل الدخول على عكس الباب المرتفع.

    لكن لماذا لم يغير النبي صلى الله عليه وسلم ذلك؟ لقد أراد ذلك ولكنه لم يفعل عليه الصلاة والسلام، وقال: (لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر بالبيت وأن ألصق بابه بالأرض)، هذه هي العلة في عدم فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وهي أن هؤلاء مازال إسلامهم جديداً، فلو أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك فلن يأمن أن تقول مجموعة من هؤلاء: إن النبي صلى الله عليه وسلم ما فعل هذا إلا من أجل أن يأخذ شرف بناء الكعبة لوحده، فقد كانوا يقتتلون في الجاهلية على من يضع الحجر الأسود في مكانه، ومن الذي يرفع حجراً من أحجار الكعبة، والقبائل تتقاتل على ذلك، فإذا جاء النبي صلى الله عليه وسلم وصنع ذلك فقد يأتي بعض ضعاف العقول الذين ما زال إسلامهم قريباً ويقولون: انظروا! كل هذا الجهاد، وكل الذي فعل ليس إلا من أجل أن يبني الكعبة لوحده عليه الصلاة والسلام، فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم دفع هذه الذريعة لهؤلاء فلم يفعل عليه الصلاة والسلام، وهذا هو الذي نسميه: سد الذرائع، فإن هدم الكعبة سيكون ذريعة في أن يتكلموا فيقعوا في الكفر بكلامهم على النبي صلى الله عليه وسلم، فسد هذه الذريعة ولم يفعل عليه الصلاة والسلام.

    أيضاً جاء في حديث آخر قال عليه الصلاة والسلام: (ولجعلت بابها بالأرض، ولأدخلت فيها من الحجر).

    وفي رواية أخرى قال صلى الله عليه وسلم: (لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لنقضت الكعبة فألصقتها بالأرض وجعلت لها بابين: باباً شرقيا، وباباً غربيا، ورددت فيها ستة أذرع من الحجر، فإن قريشاً اقتصرتها حين بنت الكعبة).

    ففي رواية جاء ذكر ستة أذرع، وفي أخرى خمسة أذرع، وراوية ثالثة سبعة أذرع، ولذلك فإن الذي يطوف لا بد أن يكون خارجاً عن هذه الأذرع التي أصلها من البيت، فلو دخل أحد بابي الحجر وخرج من الآخر لم يحسب له هذا الطواف، فلا بد أن يكون الطواف من وراء الحجر.

    ويشترط كون الطائف خارجاً عن الشذروان كما ذكرنا، فإن طاف ماشياً عليه ولو خطوة لم تصح هذه الطوفة.

    ومتى فعل في طوافه ما يقتضي بطلانه فإنما يبطل ما يأتي به بعد ذلك، ولا يبطل ما طاف قبل ذلك، فلو أنه طاف أربعة أشواط ثم انكشفت عورته فلم يستر نفسه وظل يطوف على هذه الحال، فإن كل ما طاف بعد انكشاف عورته باطل، إلا أن يستر نفسه، فإذا ستر نفسه فإنه يبني على ما سبق من الأطواف الصحيحة ويكمل الثلاثة الباقية.

    استحباب الطواف ماشياً

    الأفضل أن يطوف ماشياً ولا يركب ولا يحمل إلا لعذر من مرض أو نحوه، فالأجر على قدر مشقة الإنسان، وقد يقول قائل: لماذا طاف النبي صلى الله عليه وسلم بالبيت وهو على بعير؟ فنقول: إن الناس أتوا للنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت من كل مكان يريدون أن يسألوه ويتعلموا، فلذلك ركب على بعير صلى الله عليه وسلم حتى يروه ويجيبهم صلوات الله وسلامه عليه.

    ولو طاف زحفاً مع قدرته على المشي فطوافه صحيح، لكن يكره ذلك، فلو أن إنساناً مريضاً ولكنه يقدر أن يمشي، جلس وطاف بعض الطواف وهو زاحف، فالصواب: أن طوافه صحيح، ولكنه مسيء في ذلك طالما أنه يقدر على المشي، فعليه أن يفعل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم.

    مسائل تتعلق بطواف الحامل والمحمول

    وإن حمل محرم محرماً لعذر وطاف به، ونوى كل واحد منهما عن نفسه، وقع الطواف عنهما عند الأحناف، وعن المحمول وحده عند الجمهور، والأحوط أن يطوف الحامل طوافاً عن نفسه ثم يحمل المعذور ويطوف به، فأما إن كان المحمول صبياً فيجب طوافان.

    صورة في المسألة: إنسان حمل إنساناً آخر وطاف به بالبيت، ذكرنا أن الأحوط أن يطوف به فيكون هذا الطواف عن المحمول، ثم يطوف عن نفسه بعد ذلك.

    وكوننا نقول: الأحوط، فذلك خروجاً من الخلاف فقط؛ لأن الجمهور على ذلك، لكن الراجح من حيث الدليل أنه لو طاف إنسان بالبيت وحمل إنساناً آخر عاقلاً له نية، فهذا نوى، وهذا نوى، فهذه نية منفصلة عن هذه، فالصواب فيها: أن الطواف صحيح عن الاثنين، فكل واحد طوافه بنيته، فالمحمول هنا إنسان عاقل، وله نية في ذلك، فلو أنه طاف فوق جمل أو أي شيء آخر فطوافه صحيح، فلو ركب على إنسان آخر فطوافه أيضاً صحيح، وهكذا الحامل له نية، وله فعل، وهو المشي على رجليه والطواف بالبيت، فكل واحد منهما له نية منفصلة.

    فلذلك الصواب في هذه المسألة والراجح فيها: أنه إذا حمل من يعقل وله نية فطواف كل إنسان عن نفسه، ويكفي طواف واحد للحامل وللمحمول على الراجح من كلام أهل العلم.

    لكن إذا حمل من لا نية له، كأن حمل طفلاً صغيراً لا نية له وطاف به، فهنا الصبي ليس له نية، بل النية نية الحامل، ولن ينوي هو عن هذا المحمول وإنما ينوي عن نفسه، فإذا فعل ذلك فقد جمع نيتين بفعل واحد، وهذا لا يصح، فعلى ذلك عليه أن يطوف عن الصبي ثم يطوف بعد ذلك عن نفسه، أو يعكس بأن يطوف عن نفسه ثم يحمل الصبي ويطوف وينوي عنه.

    صفة الطواف الكاملة

    إذا دخل المسجد فليقصد الحجر الأسود، وهو في الركن الذي يلي باب البيت من جانب المشرق، ويسمى: الركن الأسود، ويقال له وللركن اليماني: الركنان اليمانيان، فأول ما يبدأ به هو استلام الحجر الأسود، فيستحب أن يستقبل الحجر الأسود بوجهه، ويدنو منه، ومن لم يستطع أن يدنو من الحجر الأسود ويستلمه فيستقبله بوجهه من أي مكان هو فيه في محاذاة الخط الأسود، حيث قد وضع خط أسود أمام الحجر الأسود إلى نهاية صحن المسجد، بحيث من يكون واقفاً عليه يعلم أنه يستقبل الحجر الأسود.

    وبالطبع فإن هذا الخط ليس له أي فضيلة، وللأسف فإن بعض الناس من الجهلة يظن فيه ذلك، ويصر أن يصلي ركعتين فوق هذا الخط، وهذا من البدع الكثيرة التي وقع فيها كثير من الناس؛ ولذلك فالإنسان المؤمن ينبغي عليه أن ينصح وهو في هذا المكان، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولا يجادل.

    إذاً: يستقبل الحجر الأسود من دون أن يؤذي أحداً بالمزاحمة، فإذا دنا منه كان خيراً، وإن لم يستطع أن يدنو منه فيشير إليه من المكان الذي هو فيه، وإذا كان قريباً منه استلمه، والاستلام: هو وضع اليدين عليه، ويقول: باسم الله، والله أكبر، ثم يقبله من غير صوت، أي: لا يرفع الصوت بالتقبيل؛ لأن هذا من الاحترام والخشوع في ذلك المكان، ثم إذا استطاع أن يسجد برأسه فوق الحجر فعل ذلك.

    ثم يبتدئ الطواف ويقطع التلبية عند شروعه فيه، وله أن يذكر الله عز وجل بما شاء، بقراءة قرآن، أو تسبيح، أو تحميد، أو دعاء، ولكن ليحذر من رفع الصوت، فكثير من الناس وهو يطوف بالبيت تجده يدعو ممسكاً في يده كتاب أدعية، ويدعو بصوت مرتفع، ويصيح، والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال لأصحابه: (اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنما تدعون سميعاً بصيراً، وهو معكم سبحانه وتعالى)، فهنا لا ترفع صوتك، ولا تشوش على غيرك، فإنك ستجد أناساً يدعون ربهم سبحانه، وآخرين يريدون أن ينتبهوا لما يقولون، ولكن لا يستطيعون بسبب صياح الناس ورفع الأصوات، فلا ينبغي أن تشوش على الناس في هذا المكان، ودع كل واحد يدعو من غير أن تشوش عليه برفع الصوت.

    أيضاً: تجد بعض الناس في أيديهم أدعية، ويقولون: هذا دعاء الشوط الأول، وهذا دعاء الشوط الثاني.. وهكذا، فهذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جعل لكل طواف دعاء، ولكن ادع بما شئت في كل طواف، إنما الثابت عنه صلى الله عليه وسلم أنه بين الركنين كان يقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

    وكما قلنا: يبتدئ الطواف ويقطع التلبية، ويضطبع مع دخوله في الطواف، فإن اضطبع قبله بقليل فلا بأس، فلعله يصعب عليك أن تبتدئ الاضطباع وأنت عند الحجر وذلك بسبب زحمة الناس، فلا تستطيع أن تفعل ذلك، ففي هذه الحالة تفعل ذلك عند دخولك المسجد فهذا جائز، والاضطباع قد عرفنا أنه كشف المنكب الأيمن.

    وعليه فصفة الطواف: أن يستقبل الحجر الأسود، وينوي الطواف لله سبحانه، وهذه النية هنا مستحبة، ثم يمشي إلى جهة يمينه حتى يجاوز الحجر، إذاً يستقبل البيت بوجهه، ولو استقبل البيت بجانبه فطوافه صحيح، ولكنه خالف السنة؛ لأن السنة أن تستقبل البيت، ثم بعد ذلك تجعل شمالك باتجاه البيت.

    ولو أنه في طوافه جعل وجهه للبيت وظل يطوف على هذه الهيئة، فهذا مخطئ في ذلك، وليس هذا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن طوافه صحيح.

    فإذا جاوز الحجر جعل يساره إلى البيت ويمينه إلى الخارج -كما قلنا- وهذه الهيئة كهيئة الإمام مع المأموم، كأن البيت إمام لك، وأنت المأموم.

    فلو فعل هذا من البداية، أي: ترك استقبال الحجر، بمعنى أنه بدأ من عند الحجر وشماله للبيت وبدأ الطواف فوراً، فطوافه صحيح، ولكنه خالف سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وترك الفضيلة في ذلك.

    ثم يمشي هكذا تلقاء وجهه طائفاً حول البيت، شماله للبيت ويمشي للأمام، فيمر على الملتزم، وهو المكان الذي بين الحجر وباب البيت، وسمي الملتزم لأن الناس يلتزمونه للدعاء، أي: يحتضنونه ويلتزمونه التزاماً، تقول: التزمت فلاناً، أي: احتضنته، فكأنهم يلتزمون هذا المكان للدعاء، وفيه فضيلة.

    ثم يمر إلى الركن الثاني بعد الحجر الأسود، ثم يمر وراء الحجر، فهنا يكون قد وصل إلى الركن الشامي، ثم يمشي من وراء السور -الحجر- إلى أن يصل إلى الركن الشامي الآخر، وهو الركن الثالث، ويقال لهذا الركن مع الذي قبله: الركنان الشاميان.

    وقد عرفنا أن الكعبة على هذه الهيئة: فيها الحجر الأسود في الركن اليماني الأول، ثم الركن الشامي، ثم الركن الشامي الثاني، ثم الركن اليماني الثاني.

    فالركن اليماني الذي لا يوجد فيه الحجر الأسود هو الذي يشرع أن تستلمه فقط من غير تقبل، والركن اليماني الذي فيه الحجر الأسود هو الذي يشرع فيه الاستلام والتقبيل والسجود عليه بحسب المستطاع أو الإشارة إليه.

    ثم يدور حول الكعبة حتى ينتهي إلى الركن الرابع المسمى بالركن اليماني، ثم يمر منه إلى الحجر الأسود فيصل إلى الموضع الذي بدأ منه، فيكمل له حينئذ طوفة واحدة، ثم يكمل السبعة على هذه الصفة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2985443881

    عدد مرات الحفظ

    715047066