إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد حطيبة
  4. سلسلة فتح المجيد شرح كتاب التوحيد
  5. شرح كتاب فتح المجيد - من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما

شرح كتاب فتح المجيد - من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهماللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • التبرك هو طلب البركة، وقد يكون مشروعاً وقد يكون ممنوعاً، فمن المشروع التبرك بالنبي صلى الله عليه وسلم وبآثاره، ومنه طلب الدعاء من الصالحين؛ لأن السنة قد وردت بذلك. ومن الممنوع التبرك بآثار الصالحين، أو بقبورهم، وبالأشجار والأحجار وغيرها، وكثير من علماء وأئمة السلف لم يكفروا كثيراً من أهل البدع ممن اعتقد بأن التبرك بهذه الأشياء ينفع أو يضر مع أنهم قد يقعون في الكفر، فعذروهم لجهلهم، أو لأنهم متأولون فيما يعتقدونه ويفعلونه.

    1.   

    التبرك المشروع والتبرك الممنوع

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال المصنف رحمه الله في كتاب التوحيد: [ باب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما.

    وقول الله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى [النجم:19-20].

    وعن أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر إنها السنن. قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الأعراف:138] لتركبن سنن من كان قبلكم) رواه الترمذي وصححه.

    هذا هو الباب التاسع في كتاب التوحيد، وفيه من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما.

    والتبرك هو: طلب البركة، وتفعل تفاعلاً: طلب شيئاً من آخر، فهنا التبرك: التفاعل الطلب، وهو أن يطلب البركة من غيره.

    والتبرك إما أن يكون بما جاء من كتاب الله سبحانه، ومن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فتطلب البركة باتباعك لكتاب الله، واتباعك لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، وحبك لذلك، وبركة عظيمة أن تقرأ القرآن وتعمل به، وتقرأ سنة النبي صلى الله عليه وسلم وتعمل بها.

    أو تتبرك بآثار من آثار النبي صلوات الله وسلامه عليه، فقد ثبت أن الصحابة كانوا يتبركون بآثاره صلوات الله وسلامه عليه، فإذا طلب الإنسان البركة من غير ذلك، فقد طلب الشيء ممن لا يقدر على تحقيقه، ولا يجوز لإنسان عاقل أن يفعله، فإذا ذهب إنسان إلى شجرة أو حجر واعتقد أن في هذه الشجرة بركة، أو أن في هذا الحجر بركة، وطلب منه شيئاً، فليعلم أن هذه الحجرة أو الشجرة لا تملك لنفسها شيئاً حتى تملكه لغيرها.

    ولما كان اتباع القرآن عبادة لله سبحانه وتعالى قال لنا: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [الأعراف:96].

    وأصل البركة آتية من السماء ومن الأرض بأمر الله سبحانه وتعالى، فلا تأتي البركة إلا عن طريق أسباب شرعية، كالإيمان والتقوى، فالله يأمرنا بالإيمان، ويأمرنا بالتقوى حتى تأتينا البركة من السماء ومن الأرض.

    وتكون البركة باتباع النبي صلوات الله وسلامه عليه، وبطاعته صلى الله عليه وسلم تفتح البركة من السماء والأرض، وقد جعل الله عز وجل في النبي صلى الله عليه وسلم خصائص عظيمة منها: أنه صلوات الله وسلامه عليه فيه بركة من الله سبحانه، فيدعو بالشيء فيتحقق بفضل الله عز وجل، ويتفل على شيء فيتحول بفضل الله عز وجل إلى شيء مبارك، فالله جعل البركة في ريقه وفي دعواته صلى الله عليه وسلم وفي رقيته عليه الصلاة والسلام وفيما يلبسه ويلامس بدنه صلى الله عليه وسلم، أما ثوب غير النبي صلى الله عليه وسلم فهو كغيره من الأثواب، لا نفع من ورائه إلا أن يلبسه النبي صلى الله عليه وسلم فيكون فيه من أثر النبي صلى الله عليه وسلم، فيجوز لنا أن نتبرك بذلك، فالصحابي يجد النبي صلى الله عليه وسلم يلبس ثوباً فيطلبه منه، ويقول: ما طلبته إلا ليكون كفناً لي؛ لأن الثوب مسه جسد النبي الطاهر صلوات الله وسلامه عليه فرجا البركة من ذلك. ولما كان الصحابة حول النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الحديبية تنخم فسقطت نخامته في يد أحدهم فأخذها ليمسح بها وجهه ويديه تبركاً بأثر النبي صلوات الله وسلامه عليه، وسكت النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك إقراراً له. ولكن لا يجوز أن يفعل هذا من غير النبي صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: تطلب البركة مما جاء من عند رب العالمين سبحانه وتعالى من كتاب وسنة، كذلك من آثار النبي صلى الله عليه وسلم فقد ثبت أن الصحابة فعلوا ذلك.

    ولا يجوز لإنسان أن يطلب البركة من غير النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن يقصد بذلك الدعاء كأن يطلب من فلان أن يدعو له مثلاً، فدعاؤه بركة، فيرجو الفضل من الله عز وجل ببركة دعاء هذا، فهذا فعله الصحابة رضوان الله عليهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك لما كانوا يستسقون فيطلبون من بعضهم أن يدعو الله عز وجل، وقد فعل ذلك عمر رضي الله عنه حين أمر العباس بن عبد المطلب أن يدعو لهم، وهذا توسل إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء.

    فطلب البركة أو الوسيلة بالسبب المشروع جائز، وبالسبب غير المشروع لا يجوز. فمن الأشياء الممنوعة أن تطلب البركة من حجر، أو من شجر، وهذا فعل المشركين الذين كفرهم الله عز وجل، وأخبر أنه لن يقبل أعمالهم ولن يغفر لهم فقال: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].

    تحريف مشركي العرب لأسماء الله سبحانه وتعالى

    قال الله عز وجل: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى [النجم:19-20].

    فقوله: (أَفَرَأَيْتُمُ) بمعنى: أخبروني عن هؤلاء: (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى)، أي: القسمة بهذه الطريقة غير مرضية عندكم أنتم كبشر.

    وفي قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى [النجم:19] قراءات، وهذه قراءة الجمهور، وقراءة رويس عن يعقوب : (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَّ وَالْعُزَّى)، بتشديد التاء كأنه اسم فاعل، ولكل قراءة تفسير، فالقراءة الأولى بالتخفيف وهي قراءة جمهور القراء، فمعناها: أنهم حرفوا أسماء الله سبحانه وتعالى، وادعوا له الإناث، وهذه هي القسمة التي وصفها الله عز وجل بأنها قسمة ضيزى، فقال: تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى [النجم:22]، أي: قسمة فاسدة وجائرة كاذبة، وقسمة ظالمة لا يرضاها الإنسان لنفسه، فضلاً عن أن يرضاها لله سبحانه وتعالى، وهي قولهم: هؤلاء الذكور لنا، وهؤلاء الإناث لله سبحانه. تعالى الله عما يقولون علواً كبير، فهؤلاء المشركون ألحدوا في أسمائه سبحانه وتعالى، فحرفوا اسم الله وقالوا: اللات.

    والأصل هو الله، إلا أنهم جعلوا هذا الاسم أنثى فقالوا: (اللَّاتَ)، وسموا بها صنماً من أصنامهم، وكذلك (العزى)، شجرة من الأشجار، قالوا: إنها بدل العزيز، وكذلك مناة الثالثة الأخرى.

    فحرفوا أسماء الله سبحانه وتعالى وأطلقوها على أصنام لهم، يقولون: إن اللات صنم كانت لثقيف كما سيأتي. و(العزى) كان لقريش، وبني كنانة، و(مناة) لبني هلال، وقيل: كانت لهذيل وخزاعة.

    يقول الأعمش : سموا (اللَّاتَ)، من الإله، والعزى من العزيز، قال الطبري : وكانوا قد اشتقوا اسمها من اسم الله تعالى فقالوا: اللات مؤنثة منه.

    وقالوا: الأصنام بنات الله، وأخذوا لأنفسهم الذكور، ودفنوا بناتهم في التراب لأنهن يجلبن لهم العار بزعمهم، فرفضوا البنات وجعلوها لله عز وجل، فجعلوا الأصنام على أسماء الإناث، وقالوا: الملائكة بنات الله، والأصنام بنات لله سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً.

    يقول: وقالوا كذلك: (العزى) من العزيز، يقول ابن كثير: اللات كانت صخرة بيضاء منقوشة في بيت في الطائف مغطاة بأستار ولها سدنة، وحولها فناء عظيم معظم عند أهل الطائف، فأهل ثقيف ومن تبعهم يفتخرون بها على غيرهم من العرب.

    وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم المغيرة بن شعبة فهدم هذا البيت وحرقه بالنار، فأهل الكفر كانوا يعبدون أصناماً، وهذه الأصنام أو الأوثان كانت على هيئة جسد، أو على هيئة شجر، أو على هيئة بيوت أو صخر عظيم، وأصل هذه الصخرة كما يقول ابن عباس رضي الله عنهما: كانت عند رجل يلت بها السويق للحجيج، فلما مات عكفوا على قبره، وهذا ذكره الإمام البخاري ، وقال ابن عباس : كان يبيع السويق والسمن عند صخرة، ويسلؤه عليها، فلما مات ذلك الرجل عبدت ثقيف الصخرة إعظاماً لصاحب السويق.

    وهناك روايات أخرى لهذه القصة وهي أن الرجل كان يصنع طعاماً للحجيج ليكرمهم فكانوا يحبونه، فلما توفي هذا الرجل عبدوا الصخرة التي كان يصنع عندها السويق، وهذا يدل على خفة عقولهم، فكيف يعبدون صخرة كان يعجن عليها الطعام؟!

    وفي رواية عن ابن عباس رضي الله عنه: كان الرجل يلت السويق على الحجر فلا يشرب منه أحد إلا سمن فعبدوه، والسويق هو دقيق الشعير، أو دقيق السلت، وهو نوع من أنواع الحبوب بين الشعير وبين القمح، فكان يصنع لهم السويق ويعجنه بلبن، وبعد ذلك يغلبه، ثم يعطيه للحجيج، فكانوا إذا أكلوا منه يسمنون، فزعموا أن له فضلاً وعبدوا هذا المكان الذي كان يجلس فيه الرجل من دون الله سبحانه وتعالى فهذه هي اللات.

    إذاً: (اللَّاتَّ) بتشديد التاء، وهو الرجل الذي كان يلت السويق.

    واللَّات بتخفيف التاء هي الصخرة التي كانت تعبد من دون الله، فعبدوا الصخرة وعبدوا الرجل من دون الله سبحانه.

    أما وَالْعُزَّى فيقول ابن جرير الطبري : كانت شجرة عليها بناءٌ وأستار بين مكة والطائف في موضع اسمه نخلة يمر به الحجيج، وكانت قريش يعظمونها ويعبدونها من دون الله، ولذلك قال أبو سفيان للمسلمين في يوم أحد: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة: (ألا تجيبونه؟ فقالوا: بماذا نجيبه؟ فقال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم).

    فالعزى لا تنفع ولا تضر ولكن الله سبحانه وتعالى هو ولينا وهو الذي ينصرنا، وليس لكم نصير من دون الله سبحانه وتعالى.

    وجاء في الحديث الذي رواه النسائي، وابن مردويه من حديث أبي الطفيل: (لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة وكانت بها العزى، وكانت على ثلاث سمرات، -والسمر شجر الشوك- فقطع السمرات وهدم البيت الذي كان عليها، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: أرجع فإنك لم تصنع شيئاً، فرجع خالد رضي الله عنه فلما أبصرته السدنة أمعنوا في الجبل وهم يقولون: يا عزى! يا عزى!) يدعون العزى من دون الله سبحانه، والسادن يطلق على خادم المعبد، فهؤلاء السدنة أمام هذه الشجرة أو هذا البيت. قال: (فأتاها خالد بن الوليد رضي الله عنه فإذا هي امرأة عريانة ناشرة شعرها تحفن التراب على رأسها فعلاها بالسيف فقتلها، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تلك العزى)، يعني: كأن هذه المرأة كانت كاهنة، فتجلس بداخل هذا البيت، فيأتون إليها وينادونها فتجيبهم فيظنون أن هناك إلهاً في هذا البيت، ويسألونها فتصدق في أشياء -كما ذكرنا قبل ذلك أن الشياطين يلقون عليها ما يأتون به من خبر السماء، ويزيدون في الخبر الصادق مائة كذبة فتكذب هي بهذه الأخبار وربما تصدق- فتكون فتنة للعباد.

    والحديث رواه الطبراني وفيه يحيى بن المنذر اختلفوا في توثيقه وتضعيفه.

    وأما (مناة) فكان بالمشلل عند قديد بين مكة والمدينة، وهو الإله الثالث، وكأنه تحريف لأسم من أسماء الله سبحانه: المنان، فسموا هذا الصنم منان، ثم أدخلوا عليه التأنيث.

    وقيل: لكثرة ما يمنى عندها من الدماء، فبدل أن يذبحوا في منى ذبحوا في هذا المكان وسموه بذلك، وكانوا يتبركون به.

    يقول الإمام البخاري رحمه الله في حديث عروة عن عائشة رضي الله عنها: إنها صنم بين مكة والمدينة.

    قال ابن هشام : فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً فهدمها عام الفتح.

    إذاً: الأصنام التي كانوا يعبدونها وهم في الجاهلية إما على هيئة صنم أو على هيئة بيت، أو على هيئة شجرة، فكلها أصنام عبدوها من دون الله سبحانه وتعالى.

    والغرض أن الصنم ليس معناه أنه الشاخص على هيئة الآدمي فقط، بل إن أي شيء يعبده الإنسان من دون الله سبحانه فهو صنم، وهو وثن، وإن كانوا يفرقون أحياناً بينهما فيقال: الصنم: ما كان على هيئة شخص، والوثن: أي شيء يعبد من دون الله سبحانه، أو يعكسون، لكن الغرض أن هذه الأشياء لم تكن بالضرورة على هيئة الأشخاص.

    فكل بيت يعبد من دون الله فهو صنم، وكل حجر يعبد من دون الله فهو صنم، وكل شجرة تعبد من دون الله فهي صنم كذلك، فهؤلاء عبدوا هذه الأشياء من دون الله سبحانه، يقول الله عز وجل مسفهاً لهم: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى [النجم:21].

    أي: أقبلتم لأنفسكم الذكور وتبرأتم من البنات، وتنسبون إلى ربكم وخالقكم سبحانه ما تأنفون أنتم منه، أين عقولكم؟!

    تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى [النجم:22]، أي: قسمة جائرة، وهذه قراءة الجمهور، وقراءة قنبل عن ابن كثير (ضئزى) أي: جائرة.

    قال تعالى: إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ [النجم:23].

    يعني: هذه الأشياء التي زعمتم أنها آلهة ما هي إلا أسماء، وليس لها من حقيقة التسمية شيء، والله سبحانه وتعالى اسم ومسمى واحد، فالله الاسم، والله المسمى المألوه المعبود، وكل أسمائه سبحانه تدل على صفات حقيقة له، أما غيره من المخلوقين فيكون له اسم وقد لا يكون له حض ونصيب من هذا الاسم، فيكون الإنسان اسمه ممدوح مثلاً، ويكون مذموماً عند الناس، وهذا اسم على غير مسمى، كذلك الأوثان التي عبدوها قال الله عز وجل: إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ [النجم:23]، لا تتجاوز ذلك، كأسماء البشر، فيمكن للإنسان كبشر أن ينفع ويضر بإذن الله، ولكن هذه الأشياء لا تنفع نفسها ولا غيرها، قال: إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ [النجم:23]، أي: ليس عليها حجة بأيديكم أنها من عند الله سبحانه.

    إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ [النجم:23]، هي مجرد شهوات باطلة في أنفسهم يريدون بها الفخر لهم ولقبائلهم.

    قال الله تعالى: وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى [النجم:23]، أي: جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم ومعه هذا القرآن العظيم.

    1.   

    شرح حديث: (اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط...)

    يذكر المصنف رحمه الله حديثاً رواه الترمذي عن أبي واقد الليثي وإن كان لم يسق لفظ الترمذي ، ولكنه قريب مما ذكر هنا، وكذلك الشرح ذكر منه لفظ آخر.

    لفظ الترمذي في الحديث -وهو أيضاً عند الإمام أحمد - عن أبي واقد الليثي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة توجه لقتال هوازن والطائف فخرج إلى حنين عليه الصلاة والسلام ومر بشجرة للمشركين يقال لها: ذات أنواط كانوا يعلقون عليها أسلحتهم، وكان معه من جنود الإسلام من أهل المدينة عشرة آلاف مقاتل عليه الصلاة والسلام، وكان معه الطلقاء الذين دخلوا في الإسلام بعد دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة وكانوا ألفي مقاتل، فدخلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ومروا وهم ذاهبون ليجاهدوا معه عليه الصلاة والسلام على شجرة للمشركين تسمى: ذات أنواط.

    والنُوط أو النَوط الشيء الذي يعلق به، يقال: مناط الحكم، يعني: متعلق الحكم، وهذه ذات أنواط، يعني: ذات علائق، تعلق بها السيوف، فلما كان المشركون يذهبون للقتال يمرون على هذه الشجرة ويعلقون بها السيوف يرجون بذلك حصول البركة.

    فاعتقدوا أن الشجرة تنفع وتضر، وهذا كفر بالله وشرك به سبحانه.

    فقال هؤلاء: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط؟ يعني: اصنع لنا شيئاً نتبرك به، وهكذا فالإنسان عندما يكون حديث عهد بالإسلام قد يتكلم بكلام الكفر ويعذر بجهله في ذلك.

    أما الصحابة الأفاضل الذين تربوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فلا يقولون ذلك، إنما يقول ذلك من كان إسلامه حديثاً، وجهل معنى الإسلام.

    فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (سبحان الله! لقد قلتم كما قال قوم موسى: اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف:138]).

    لأن بني إسرائيل لما نجاهم الله سبحانه وتعالى من فرعون وجنوده، وأغرق فرعون أمامهم ونجاهم من البحر سرعان ما كفروا بربهم سبحانه أو طلبوا أشياء هي في حقيقتها شرك بالله، وذلك أنهم قالوا: اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف:138]، وذلك أن معاشرة الكفار تجعل في نفس الإنسان شيئاً من التشبه بهم، فقوم موسى كانوا في مصر، وأهل مصر عباد أوثان، فقد كانوا يعبدون الشمس من دون الله، ويعبدون فرعون، ويصنعون أصناماً للفراعنة ويعبدونها من دون الله.

    فلما خرج بنو إسرائيل من هناك كان موسى يدعوهم ويعلمهم عليه الصلاة والسلام فكأنهم حنوا لما كان عليه قبط مصر من عبادة الأصنام، فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم فقالوا: نريد إلهاً مثلهم، قال تعالى: وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الأعراف:138].

    أي: إنكم تجهلون ربكم سبحانه وتعالى، وتقعون في الشرك بأقوالكم من حيث لا تدرون.

    وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (إنكم قلتم كما قال بنو إسرائيل لموسى).

    ثم قال صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده! لتركبن سنة من كان قبلكم)، هذا اللفظ للترمذي ، والحديث رواه أيضاً الإمام أحمد بألفاظ أخرى قريبة من هذا اللفظ، وشارح كتاب التوحيد يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الله أكبر)، وهذه إحدى روايات الإمام أحمد والسُنن جمع، والسَنن مفرد، (قلتم: والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الأعراف:138])، وفي رواية قالوا: ونحن حدثاء عهد بكفر، فكأنه عذرهم صلى الله عليه وسلم، وإلا لقال لهم: قولوا: لا إله إلا الله مرة أخرى؛ حتى ترجعوا إلى الإسلام، ولكن كأنه عذرهم لما هم فيه من جهل.

    فوائد من حديث: (اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط...)

    من فوائد هذا الحديث ما ذكره الشارح حيث قال: في هذا الحديث الخوف من الشرك، وأن الإنسان قد يستحسن شيئاً يظن أنه يقربه إلى الله، وهو أبعد ما يباعده من رحمته.

    إن الإنسان إذا لم يتعلم دين الله سبحانه وتعالى فلعل عقله يدعوه إلى الشرك بالله فيقع فيه من حيث لا يدري، فهؤلاء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا حديثي عهد بكفر، ومع ذلك طلبوا منه أن يجعل لهم ذات أنواط، وهي شجرة يعلقون بها سيوفهم ويتبركون بها، فرفض النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرهم أنهم وقعوا فيما وقع فيه بنو إسرائيل حين قالوا: اجْعَل لَنَا إِلَهًا [الأعراف:138]. ومن الشرك والكفر بالله سبحانه أن يعتقد الإنسان ذلك، والنبي صلى الله عليه وسلم عذرهم واكتفى بأن بين لهم صلوات الله وسلامه عليه أنه شرك.

    يقول ابن أبي شامة: ومن هذا القسم ما قد عم البلاء به من تزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد، وإسراج مواضع مخصوصة في كل بلد، يحكي لهم حاكم أنه رأى في منامه بها أحداً ممن شهر بالصلاح والولاية، فيفعلون ذلك ويحافظون عليه مع تضييعهم لفرائض الله تعالى وسننه، ويظنون أنهم متقربون بذلك.

    وهكذا فعباد القبور في كل مكان يعبدونها من دون الله سبحانه، ويرجون منها البركة، ولو كان أصحاب هذه القبور أحياءً لطلبوا من الله عز وجل النفع، وطلبوا منه كشف الضر، فكيف يترك هؤلاء ربهم ويذهبون إلى قبر لا يملك صاحبه لنفسه شيئاً، فضلاً عن أن يملكه لغيره.

    فالاعتقاد أن القبر ينفع أو يضر مع الله سبحانه من الكفر بالله، ومن الشرك الأكبر الذي يخرج صاحبه من الملة، فلا يجوز لأحد أن يتوسل بقبر أو يطلب من القبر شيئاً، أو يتبرك به. ولكن الكثير من الناس يجهل هذا الشيء.

    ويذهب إلى مكان فيه رجل صالح، ويزعم أنه يصلي لله، ولا يطلب من هذا الصالح شيئاً ولكنه يذهب إلى هذا المكان رجاء البركة من الله بأن يأتي مصاحباً لهذا الرجل الصالح، فهذا من الشرك الأصغر.

    ففرق بين أن يعتقد أن هذا ينفع ويضر، وهذا من الشرك الأكبر، وبين أنه يعتقد أن الذي ينفعه أو يضره هو الله، ولكنه يرجو بركة هذا المكان، فهذا ليس من الشرك الأكبر الذي يخرج صاحبه من الملة، وإنما هو من الشرك الأصغر.

    قال ابن القيم : ما أسرع أهل الشرك لاتخاذ الأوثان من دون الله سبحانه، يقولون: إن هذا الحجر وهذه الشجرة، وهذه العين تقبل النذر، يعني: تقبل العبادة. فيذهب البعض فيتعبد عندها ويطلب منها ما لا يطلب إلا من الله سبحانه وتعالى، ولذلك دعا النبي صلى الله عليه وسلم ربه فقال: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد).

    واستجاب الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم وسخر من يقومون بحفظ قبره من أن يأتي أحد ويرفع يديه ويدعوه من دون الله. وقال صلى الله عليه وسلم: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، وحذرهم مما صنع هؤلاء.

    يقول الشارح هنا: وفي هذه الجملة من الفوائد: أن ما يفعله من يعتقد في الأشجار والقبور والأحجار من التبرك بها، والعكوف عندها، والذبح لها هو الشرك، ولا يغتر بالعوام والطغام، ولا يستبعد كون هذا الشرك بالله تعالى يقع في هذه الأمة.

    فإذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد)، فمن الممكن أن يقع الشرك في هذه الأمة. وإن كان الله استجاب له فيما يتعلق بقبره صلى الله عليه وسلم إلا أن كثيراً من قبور الصالحين صارت أوثاناً تعبد من دون الله سبحانه وتعالى.

    ومن فوائد هذا الحديث: أن الاعتبار في الأحكام بالمعاني لا بالأسماء، لهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم ما طلبوه منه كطلب بني إسرائيل، فهم يريدون شجرة يعلقون بها السيوف، وهذا تشبه بالمشركين، فالمشركون كانوا يتبركون بها حتى تنزل عليهم البركة، وينتصرون في الحرب، وهذا من الشرك بالله سبحانه؛ لأنهم اعتقدوا أن الشجرة تنفع أو تضر أو تعطي أو تمنع.

    وفي هذا الحديث أيضاً: علم من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم، وذلك في قوله: (لتركبن سنن من كان قبلكم).

    أي: ستقلدونهم فيها، فتعبدون غير الله سبحانه، وقد وقع في هذه الأمة الكثير من ذلك، فكثير من الناس يذهبون فيطوفون بقبر البدوي ، ويدعونه من دون الله سبحانه، وينذرون لـأبي العباس ، وللبدوي وللحسين ولغيرهم، والنذر لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى، وصدق النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول: (لتركبن سنن من كان قبلكم، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه وراءهم، قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: فمن)، أي: أنكم تتبعونهم في شركهم وكفرهم وبدعهم وعوائدهم.

    وفي الحديث النهي عن التشبه بأهل الجاهلية، وأهل الكتاب فيما كانوا يفعلون، إلا ما دل الدليل على أنه من شريعة محمد صلى الله عليه وسلم.

    حكم التبرك بآثار الصالحين

    يقول الشارح هنا: إن ما ادعاه بعض المتأخرين من أنه يجوز التبرك بآثار الصالحين فممنوع. ولكن التبرك بالنبي صلى الله عليه وسلم وبآثاره فهذا وارد، والصحابة تبركوا بشعر النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو بنفسه أمر أبا طلحة أن يقسم شعره بين المسلمين، فأخذ أبو طلحة نصفه وقسم النصف الباقي بين الناس، فكانوا يتبركون بأثره عليه الصلاة والسلام.. من ريقه الطاهر.. من ثيابه التي يلبسها.. من أثر وضوئه عليه الصلاة والسلام، وذكرنا في الحديث السابق كيف أن أناساً أتوه من مكان بعيد وعندهم بيت يعبدون فيه غير الله سبحانه فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يطهروه وأن يغسلوه بالماء، فطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم ماء من وضوئه عليه الصلاة والسلام يتبركون به، فأعطاهم صلى الله عليه وسلم، فذكروا له أن المار يتبخر في أثناء الطريق، قال: (أمدوه فإنه لا يزيد إلا طيباً)، أي: زيدوا عليه من ماء الطريق، فبركة الماء الذي استخدمه النبي صلى الله عليه وسلم وما زاد إلا طيباً، وفعلاً أخذوا هذا الماء وغسلوا الكنيسة أو المكان الذي كان يعبد فيه غير الله عز وجل، وعبدوا الله سبحانه وتعالى فيه.

    وقد دلت الشريعة على جواز التبرك بآثاره صلى الله عليه وسلم، أما التبرك بآثار غير النبي صلى الله عليه وسلم فلا يجوز؛ لأنه قياس مع الفارق، فلا أحد يساويه صلى الله عليه وسلم والصحابة الذين يتبركون به صلى الله عليه وسلم وبآثاره لم يكونوا يتبركون بأثر أحد بعده، ولو جاز ذلك لفعلوه، لكنهم لم يفعلوا ذلك، وإنما اكتفوا بما كان عندهم عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يقل أحد منهم: تبرك بأثر أبي بكر وهو أفضل الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا بأثر عمر ، ولا بأثر عثمان ، ولا علي رضي الله تبارك وتعالى عنهم. فلم يقل أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ذلك.

    و لو كان من الخير أن يتبرك بغير النبي صلى الله عليه وسلم لفعله الصحابة أو بعضهم ولكن ذلك لم يحدث، قال الله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التوبة:100] وعلى ذلك فالعلماء الذين قالوا بجواز التبرك بآثار الصالحين إذا كان التبرك بدعوات الصالحين، كأن يدعو الصالح بالبركة، مع اعتقادهم أن الذي يبارك هو الله سبحانه وتعالى فهذا جائز، أما بأثر الصالح نفسه فهذا الأصل فيه المنع حتى يثبت الدليل؛ لأنه وسيلة وذريعة إلى الوقوع في الشرك بالله سبحانه.

    قد يأتي أناس ويظنون أن هذا رجل صالح، وأن أكله طيب يذكر فيه اسم الله سبحانه، فيأكلون من هذا الطعام فهذا لا بأس به، ولكن لعله يفتح على الناس بعد ذلك باباً من أبواب الشرك، فيظن أن هذا الطعام يجلب الخير أو يمنع الضر مثلاً.

    والتبرك بآثار الصالحين مسألة من مسائل الخلاف، وليست من مسائل الاتفاق، والخلاف فيها فيه نظر، إن كثيراً من العلماء قالوا: إذا جاز التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم فليكن تبركاً بآثار غيره، ولكن باب سد الذريعة من الأبواب العظيمة في الشريعة، فلو انفتح باب التبرك بالصالحين سيفتح على الناس الشرك، لذلك يكتفى بالتبرك بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فقط.

    طلب المسلمين من النبي أن يجعل لهم ذات أنواط هل هو شرك أكبر أو أصغر؟

    يقول الشيخ ابن عبد الوهاب في المسألة الحادية عشرة: إن الشرك فيه أكبر وأصغر، والشرك الأكبر يخرج صاحبه من الملة، والشرك الأصغر لا يخرج صاحبه من الملة، كأن يحلف أحدهم بالله سبحانه وتعالى ثم يقع على لسانه الحلف بغير الله، ولا يقصد تعظيماً له مع الله سبحانه، فهذا لا نقول له: خرجت من الملة، ولكن نقول له تأديباً: قل لا إله إلا الله، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم من قال ذلك أن يقول: لا إله إلا الله.

    والشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله كأنه أخذ من الحديث الذي فيه أنهم كانوا حدثاء عهد بجاهلية، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: اجعل لنا ذات أنواط، فقال: هذا شرك أصغر وليس من الشرك الأكبر. أما الشيخ: حامد الفقيه في تعليقه على الجملة فقال: ليس ما طلبوه من الشرك الأصغر، ولو كان منه لما جعله النبي صلى الله عليه وسلم نظير ما فعله بنو إسرائيل، وأقسم على ذلك، بل هو من الشرك الأكبر، كما أن ما طلبه بنو إسرائيل من الشرك الأكبر.

    والشيخ محمد بن عبد الوهاب يقول: إن هذا من الشرك الأصغر، وليس من الشرك الأكبر.

    فالصحابة طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم شجرة يعلقون بها السيوف كما كان المشركون يعلقونها يرجون البركة، ويرجون النصر من الشجرة، فكأن المسلمين أرادوا ذلك فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (الله أكبر إنها السنن! قلتم كما قالت بنو إسرائيل لموسى عليه الصلاة والسلام: اجْعَل لَنَا إِلَهًا [الأعراف:138])، فشبه ما قالوه بما قالته بنو إسرائيل، وقد يكون التشبيه كلياً، وهو أن هذا كهذا، فيكون قولهم من الشرك الأكبر، أو يكون جزئياً والمعنى: تشابهتم معهم في أنهم طلبوا شيئاً لا يجوز لهم طلبه، فكان هذا شركاً أصغر فيكون في حق بني إسرائيل شرك أكبر وفي حق هؤلاء شرك أصغر.

    لذلك ذهب الشيخ ابن عبد الوهاب إلى أنهم شابهوا بني إسرائيل في جزئية.

    والشيخ حامد الفقيه يقول: هذا من الشرك الأكبر، وليس كذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكفرهم، بل عذرهم بجهلهم، ثم إن ما فعله بنو إسرائيل صرحوا به وقالوا: اجْعَل لَنَا إِلَهًا [الأعراف:138]، أي: إلهاً من دون الله نعبده، وكأن عقائد الفرعونيين كانت موجودة في قلوبهم، وإن كان موسى قد جاهدهم على التوحيد، ولكنهم سرعان أرادوا أن يرجعوا إلى ما كانوا يرونه من عبادة غير الله سبحانه، فطلبوا عبادة إله من دون الله سبحانه مجسماً يرونه، ومجرد أن ذهب موسى أربعين يوماً صنع لهم السامري عجلاً جسداً -من حلي كانت معهم- له خوار: فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ [طه:88] وعبدوه من دون الله، وهذا هو الكفر الأكبر، فرجع موسى وأخذ برأس أخيه يجره إليه: كيف تركتهم يفعلون ذلك، فأجابه: إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [طه:94].

    كذلك قوله لبني إسرائيل: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الأعراف:138]، كأنهم جهلوا قدر الله سبحانه وتعالى، وجهلوا عبادته وحقه عليهم، فقال: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الأعراف:138]، ولم يكفرهم، فكذلك لم يكفر النبي صلى الله عليه وسلم من كانوا معه ممن قالوا ذلك، وهذا فيه بيان أن الإنسان قد يطلب شيئاً لا يجوز له أن يطلبه، فيقع في الشرك بما طلب، ولكن يعذر بالجهل في ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل لهم: قولوا لا إله إلا الله حتى ترجعوا إلى الإسلام، أو لم يقل: لقد ارتددتم عن الدين فارجعوا إليه مرة أخرى، ولذلك اعتبر الشيخ محمد بن عبد الوهاب هذا من الشرك الأصغر، وفي كتابه كشف الشبهات اعتبرها من الشرك الأكبر، وكأن له قولين في هذه المسألة.

    العذر بالجهل في مسائل الشريعة وضوابطه

    ومما جاء عن الشيخ محمد حامد الفقي في رسالة من رسائله قوله: إذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبر البدوي من العوام لأجل جهلهم وعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يكفر ولم يقاتل؟ وكأنه يرد على من يقول: أنتم تكفرون الناس، فبعض الناس عندما يدعى إلى التوحيد وترك الشرك يقول: أنتم تكفرون الناس، فيرد عليهم ويقول: نحن لم نكفر أولئك مع أن ما يفعلونه كفر، وعذرناهم نكفرهم لأنهم جهال لم يعرفوا حقيقة الأمر.

    وهنا دليل على مسألة العذر بالجهل، فالذي يقع في الشرك بالله سبحانه وهو يعلم أن هذا شرك فهو كافر خارج من دين الإسلام، أما الذي يقع فيه وهو لا يعلم ذلك، وإنما يعتقد أنه محسن وهو في حقيقة أمره مسيء في ذلك، وذلك لبعده عن العلماء وعن الأخبار الشرعية فيعذر بجهله. يقول الله سبحانه وتعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام:19]، فالنبي صلى الله عليه وسلم منذر، قال الله له: إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ [الرعد:7]، أي: ولكل قوم مرسل يهديهم ويدلهم، فإذ لم يصلهم كلام الله عز وجل، ولم يبلغهم ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم فيعذرون في ذلك حتى يبلغهم هذا الدين العظيم.

    يقول الله سبحانه: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15].

    أي: لا نعذب أحداً من الخلق حتى نبعث رسولاً معه رسالة، ولم يقل: حتى نبعث نبياً، بل رسولاً معه رسالة من عند رب العالمين يخبر الناس ويبلغهم، وقال: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44].

    فجاء الذكر من عند رب العالمين على النبي صلى الله عليه وسلم حتى يبين للخلق ما جاء من هذا القرآن العظيم. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لم يتبعني إلا أدخله الله النار).

    ففيه أن الإنسان الذي تبلغه دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لا يشترط أن يبلغه كل شيء فيها، ولكن يسمع بالنبي صلى الله عليه وسلم ويسمع عن الرسالة، ويرفض أن ينظر في هذه الرسالة العظيمة وأن يتبعها، فيكون مآله إلى النار، والعياذ بالله.

    فمن لم يبلغه شيء من هذا الدين يعذر بالجهل، ومن بلغه شيء وجب عليه أن ينظر فيه، فإذا نظر فيه فقد سمع بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولزمه اتباع هذا الدين.

    فإذا رفض ذلك ورده بعد أن سمع بالنبي صلى الله عليه وسلم فسوف يحاسبه الله عز وجل يوم القيامة على أنه رد رسالة النبي صلى الله عليه وسلم.

    ومن الأدلة على العذر بالجهل: ما رواه البخاري ومسلم عن رجل ممن كانوا قبلنا قال لبنيه: إذا أنا مت فحرقوني، ثم ذروني في يوم شديد الريح، فإنه إن يقدر الله عليه ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين.

    فالرجل قال كلمة كفرية، وهي: إنه إن يقدر الله علي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين؛

    لأنه كان رجلاً مسرفاً على نفسه، ومن اعتقد أنه يقدر أن يهرب من الله أو يعجز الله سبحانه وتعالى فإنه يكفر بذلك.

    فلما مات أخذوه وأحرقوه، وفي يوم شديد الريح ذروا نصفه في البر ونصفه الآخر في البحر، فجمعه الله سبحانه وتعالى كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه، فأمر الأرض أن تأتي بأجزائه منها، وأمر البحر أن يأتي بأجزائه منه، فالأرض والبر والبحر كلها جنود من جنود الله سبحانه، فقام الرجل بين يدي الله عز وجل فسأله ربه: (ما حملك على ما صنعت؟ فقال الرجل: خشيتك يا رب)، يعني: خوفي منك جعلني أجهل قدرك، فظن مع شدة خوفه من الله عز وجل أنه يقدر أن يهرب من الحساب بهذا الذي فعله فغفر الله له وعذره بجهله، وكذلك عذر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بجهلهم، بل لما ذهب معاذ رضي الله عنه إلى الشام -وهو سلطان العلماء- وجد أهل الشام يسجدون لأحبارهم ورهبانهم فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسجد له فقال: (ما هذا يا معاذ ؟! قال: وجدتهم يسجـدون لأساقفتهم وأنت أحق بذلك، قال: لا، لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا الذي فعل، فالسجود لغير الله لا يجوز في شريعتنا، وإن كان قد يجوز في الشرائع التي من قبلنا، كما ذكر الله عز وجل أنه أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم، وهذا سجود تحية.

    ولما جاء أبوا يوسف عليه الصلاة والسلام دخلوا عليه وإخوته وخروا له سجداً يحيونه، وذلك كان جائزاً في الشرائع من قبل، أما في شريعتنا فلا يجوز السجود إلا لله سبحانه.

    فلما فعلها معاذ ، وفعلها غيره مع النبي صلى الله عليه وسلم نهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا الذي فعله، وأخبره أنه لا يجوز السجود إلا لله سبحانه، ولم يكفره بهذه الشيء الذي فعله رضي الله تعالى عنه.

    وكذلك الجواري اللاتي كن يغنين فقالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد.

    ومن اعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب فقد وقع في الكفر بالله سبحانه، فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم من الغيب إلا ما يعلمه الله عز وجل عن طريق الوحي، أما هو بذاته فلا يعرف الغيب عليه الصلاة والسلام، وقد أمره ربه سبحانه في القرآن أن يقول: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ [الأنعام:50]، فمن ادعى أنه يعلم الغيب فكأنه يكذب كلام رب العالمين.

    فلما قالت الجارية ذلك نهاها النبي صلى الله عليه وسلم وقال لها: (لا تقولي هذا، لا يعلم الغيب إلا الله، قولوا ببعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان)، أي: لا يأخذكم في الوقوع في مثل هذا الأمر.

    والنبي صلى الله عليه وسلم أنكر على أصحابه بعضاً مما وقعوا فيه بدافع جهل بعضهم، فلما مدح صلى الله عليه وسلم بشيء لا يصح أن يمدح به قال: (لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله)، ومع ذلك لم يكفرهم صلى الله عليه وسلم، ولم يأمرهم بأن يعودوا إلى الإسلام من جديد، وإنما عذرهم في ذلك، فقد يكون القول والاعتقاد من الكفر الأكبر المخرج لصاحبه من الملة، ولكن مع ذلك يعذر صاحبه لكونه يجهل هذا الأمر، ولبعده عن بلاد المسلمين، أو لكون هذا الأمر مما لا يعلمه إلا القليل.

    إن من أنكر آية في كتاب الله عز وجل فقد كفر، ومن أنكر حكماً مجمعاً عليه فقد كفر، ولكن قد يعم الجهل في الناس فلا يعرفون أشياء هي في كتاب الله سبحانه، وعلى العموم من أنكرها فقد كفر، ولكن على الخصوص ينظر في هذا الذي ينكرها، هل يعلم أو لا يعلم.

    ففي عهد عمر رضي الله عنه قال رجل من أهل الشام أناس يحدثونه عن الزنا، فقال: زنيت البارحة، فقيل له: سبحان الله ما تقول؟ قال: زنيت البارحة وأعلموه أن الله عز وجل حرمه، فقال: ما علمته إلا الآن، فرفعوا الأمر إلى عمر رضي الله عنه فأخبرهم أنه إذا كان كما يقول فلا ترجموه.

    ورجل آخر وقع بجارية امرأته ظناً منه أنها تحل له، فرفعوا أمره إلى عمر رضي الله تعالى عنه، فلما علم عمر أن هذا الرجل جاهل عذره بجهله ولم يقم عليه الحد، وإنما عزره وقال: إن عاد فارجموه. وليس معنى ذلك أن يفتح باب العذر بالجهل لكل من ارتكب جريمة أو معصية، ولكن يخوف ويعلم الحكم الشرعي، وأن هذا كفر مخرج من الملة، والواجب التوبة منه.

    وأيضاً لا يجوز لإنسان أن يكفر كل الناس، فلعله يكفر أباه وأمه، فإذا مات أبوه أو ماتت أمه يرث الاثنين، مع أنه إذا كانا كافرين فلا يجوز له أن يرثهما، ثم كيف يكفرهما ثم يدفنهما في مقابر المسلمين، مع أن الكافر لا يدفن في مقابر المسلمين، فالإنسان قد يقع بدعوة تشدد في شيء، ثم يناقض نفسه فيما ينبني عليه هذا الشيء الذي يقوله.

    أقوال العلماء في مسألة العذر بالجهل

    من أقول الأئمة رضوان الله عليهم في هذه المسألة ما قاله الإمام الشافعي رحمه الله: لله تعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه صلى الله عليه وسلم أمته، لا يسع أحد من خلق الله قامت عليه الحجة ردها؛ لأن القرآن نزل بها، وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم القول بها فيما روى عنه العدول.

    أي: أن أسماء الله وصفاته سبحانه وتعالى التي جاءت في القرآن والسنة واجب على المسلمين أن يؤمنوا بها، ولا يجوز لهم أن يردوها، فإن خالف أحد ما جاء في القرآن والسنة من أسماء الله عز وجل وصفاته بعد إقامة الحجة عليه فهو كافر، أما قبل ثبوت الحجة. فمعذور بالجهل قال الشافعي؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالرؤية والفكر، ولا يكفر بالجهل بها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه.

    والغرض من كلام الإمام رحمة الله عليه: أن الإنسان إذا لم يصله الخبر في الأمر فوقع في شيء يكفر به وهو لا يعلم فإنه يعذر بجهله في ذلك.

    يقول الخطابي في كتابه معالم السنن بعد أن ذكر حكم مانعي الزكاة: وأن الصحابة قاتلوهم، سواء من أنكر الزكاة فقاتلوه على أنه مرتد، أو من منعها متأولاً، فقاتلوا الجميع، ولكن لم يكفروا الجميع، وإنما كفروا من منعها إنكاراً لها فهذا مرتد عن دين الله سبحانه أما من تأول فيه فقوتل قتال البغاة.

    يقول رحمه الله: إذا أنكرت طائفة من المسلمين في زماننا فرض الزكاة وامتنعوا عن آدائها هل يكون حكمهم حكم أهل البغي؟ قال: لا، فإن من أنكر فرض الزكاة في هذه الأزمان كان كافراً بإجماع المسلمين.

    يقول رحمه الله: الفرق بين هؤلاء وأولئك أنهم إنما عذروا لأسباب وأمور لا يحدث مثلها في هذا الزمن، يعني: أن الذين كانوا في عهد أبي بكر رضي الله عنه لما مات النبي صلى الله عليه وسلم عذروا بأسباب وأمور ليست موجودة الآن، فكانوا يتأولون ويقولون: إن الله يقول: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة:103]، وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم فهو الذي يأخذ من أموالنا، وقد مات صلى الله عليه وسلم، ولا أحد يقوم مقامه. فعلى ذلك عذروا بجهلهم فلم يكفروا، ولكن من يقول ذلك في زماننا فلا يعذر بجهله، فقد استتب الأمر وعلم أن من أركان هذا الدين العظيم: إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فمن أنكر الزكاة لا يقال عنه: إنه متأول كما تأول أولئك، فقد استقر الأمر وبلغ العلم للجميع في أمر الصلاة، وفي أمر الصوم, وفي أمر الزكاة.

    يقول رحمه الله: منها -أي: من الأسباب التي جعلت أولئك يعذرون بجهلهم- أن القوم كانوا جهالاً بأمور الدين وكان عهدهم بالإسلام قريباً، فدخلتهم الشبهة فعذروا، فأما اليوم وقد شاع دين الإسلام واستفاض في المسلمين علم وجوب الزكاة حتى عرفها الخاص والعام واشترك فيها العالم والجاهل فلا يعذر أحد بتأويل يتأوله.

    فمنكر الزكاة الآن لا يقال: إنه معذور، بل هو كافر، وكذلك الصلاة، فمن جحدها وأنكرها بعدما بلغه من كتاب الله سبحانه، ومن حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الأمر بها، فهو كافر كفراً أكبر مخرجاً من الملة.

    يقول رحمه الله: هذا إذا كان العلم منتشراً كالصلوات الخمس، وصوم رمضان، والاغتسال من الجنابة، وتحريم الزنا، وتحريم الخمر، ونكاح المحارم، ونحوها من الأحكام.

    فهذه أشياء عرفها الجميع.. الخاص والعام، وانتشرت في بلام المسلمين، وإنما يعذر بجهلها من ليس في بلاد المسلمين ممن لم تبلغه فرضيتها، كالرجل الذي زنا وهو في الشام ولم يعلم أن الزنا حرام، فعذر بجهله في ذلك.

    يقول رحمه الله: إلا أن يكون رجلاً حديث العهد بالإسلام، ولا يعرف حدود الإسلام فإنه إذا أنكر شيئاً منها جهلاً به لم يكفر، وكان سبيله سبيل أولئك القوم في بقاء اسم الدين عليهم.

    وقد يكون من أمور الدين ما هو مجمع عليه، ولكن لا يعلم ذلك جميع الناس، فلا يكفر من أنكرها.

    يقول رحمه الله: فأما ما كان الإجماع فيه معلوم من طريق علم الخاصة كتحريم الزواج بالمرأة على عمتها وخالتها، فمن أنكره جاهلاً لم يكفر. أي: ليس كل الناس يعرفون عدم جواز أن يتزوج الرجل المرأة وعمتها، أو المرأة وخالتها، وإن كان هذا الحكم مجمعاً عليه، فمن أنكر ذلك جاهلاً فلا يكفر، أما من جحد ذلك بعد معرفته الإجماع في المسألة فإنه يكفر. وكذلك من جهل أن القاتل عمداً لا يرث، وأنكر هذا الحكم فإنه لا يكفر، وإن كان هذا الحكم معروفاً عند العلماء، ولكنه ليس معروفاً عند آحاد الناس.

    وكذلك معرفة أن الجدة ترث السدس، فليس كل الناس يعرف أحكام المواريث، فحتى لو كان مجمعاً عليه وأنكره إنسان لجهله بالإجماع فإنه لا يكفر بذلك.

    وفي هذه المسألة كلام لـابن قدامة رحمه الله في كتابه المغني، يقول فيمن جحد الصلاة: الجاحد لوجوبها إذا كان ممن لا يجهل مثله ذلك، فإن كان ممن لا يعرف الوجوب كحديث الإسلام والناشئ بغير دار الإسلام أو ببادية بعيدة من الأمصار وأهل العلم لم يحكم بكفره.

    فهذا معذور بجهله؛ لأنه وإن سمع بالإسلام إلا أنه لم يعرف الصلاة فأنكرها. ولذلك فإنه سيأتي يوم من الأيام لا يعرف الناس إلا لا إله إلا الله، فلا يعرفون صلاة ولا صوماً إلا هذه الكلمة يعرفها بعض عجائزهم.

    ولما روى حذيفة بن اليمان رضي الله عنه هذا الحديث قال صلة بن زفر : وما تغني عنهم: لا إله إلا الله، فلم يرد عليه، ثم سأله ثانياً وثالثاً فالتفت إليه في الثالثة، وقال: تنقذه من النار.

    فهؤلاء لما كثر شرار الخلق ورفع علم الدين صاروا جهالاً لا يعرفون شيئاً عن الدين، وكما ذكرنا قبل أنه سيأتي يوم من الأيام -نسأل الله عز وجل ألا يدركنا- يرفع فيه العلم، ويرفع فيه القرآن، ويبقى في الأرض شرار الخلق، لا يعرف إلا القليل منهم كلمة لا إله إلا الله، سمعوها من أجدادهم ومن آبائهم.

    ومن كلام أهل العلم في العذر بالجهل ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الرد على البكري يقول: كنت أقول للجهمية من الحلولية الذين يزعمون أن الله يحل في الأشياء -حاشا الله تعالى عن ذلك- وكذلك النفاة الذين ينفون أن يكون الله تعالى فوق عرشه، يقول: أنا لو وافقتكم كنت كافراً؛ لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون؛ لأنكم جهال، فهذا بعض كلام الأئمة في أمر العذر بالجهل.

    والذي ينبغي أن ينتبه له في هذه المسألة أنه لا ينبغي فتح الباب في العذر بالجهل فتحاً كبيراً يجعل العوام يفعلون المعاصي، ويقعون في الكبائر والكفر بالله سبحانه، ويجعلهم يتهاونون بسبب هذه القاعدة.

    ولا يضيق الأمر فيكفر المسلمون، ولكن عند الحاجة لذلك، فالقاضي الذي يحكم في قضايا الكفر قد يحكم بالكفر على أناس ويأتي إلى إنسان بعينه فلا يكفره، وإنما يعذره بجهله.

    وفي قضية من القضايا يقول فيها: من فعل كذا فقد كفر، دون أن يكفر المعين بعينه، فلعله يكون له عذر من الأعذار عند الله سبحانه.

    والله أعلم.