إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد حطيبة
  4. سلسلة فتح المجيد شرح كتاب التوحيد
  5. شرح كتاب فتح المجيد - الخوف من الشرك وباب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله

شرح كتاب فتح المجيد - الخوف من الشرك وباب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا اللهللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حذر الله تعالى عباده من الشرك وبين أنه لا يغفره دون سواه من سائر الذنوب غير المكفرة؛ لأجل ذلك خاف منه الأنبياء عليهم السلام، فهذا إمام الحنيفية إبراهيم عليه السلام يدعو ربه أن يباعد بينه وبين الشرك، ودعاه كذلك أن يجنب أبناءه وذريته منه، وهكذا خاف منه نبينا عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم على أمته، كما خوفهم من الشرك الأصغر، وبين أن من اتخذ لله نداً دخل النار. فهذا خوف الأنبياء المعصومين فكيف بمن دونهم، فهو أولى بالخوف والحذر.

    1.   

    ذكر الأدلة الواردة في الخوف من الشرك من الكتاب والسنة

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب الخوف من الشرك، وقول الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، وقال الخليل عليه الصلاة والسلام: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ [إبراهيم:35]، وفي الحديث (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر فسئل عنه فقال: الرياء)، وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار)، رواه البخاري .

    ولـمسلم عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار

    هذا الباب الرابع من كتاب التوحيد وفيه الخوف من الشرك.

    وكل إنسان مسلم يخاف على نفسه من أن يشرك بالله سبحانه وتعالى، لأن الله يقول: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48] فالشرك أعظم جريمة يقع فيها الإنسان في حق الله سبحانه؛ ولذلك لا يغفره الله تعالى.

    أما ما دونه من الذنوب ولو كان من الكبائر فالله عز وجل يغفرها قال تعالى: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، فلما ذكر هنا الشرك -الذي هو أكبر الكبائر- ذكر أن غيره من الذنوب يغفرها الله سبحانه وتعالى.

    وإذا تاب العبد فيقيناً أن يغفر الله له ذنوبه وكبائره، أما إذا لم يتب فهو تحت المشيئة إن شاء الله تاب عليه، وإن شاء عذبه.

    وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم تسمية الشرك وبعض الكبائر بالموبقات المهلكات فقال: (اتقوا السبع الموبقات المهلكات، قيل: وما هن يا رسول الله! قال: الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات).

    فهذه كبائر عظيمة وأعظمها الشرك بالله تبارك وتعالى.

    يقول ابن القيم رحمه الله: إن الله تعالى أخبر أنه لا يغفر لمن لم يتب من الشرك، أما ما دونه من الذنوب؛ فيغفرها الله وذلك يوجب للعبد شدة الخوف من الشرك الذي هذا شأنه؛ لأنه أقبح القبيح، وأظلم الظلم أن يظلم الإنسان نفسه بالشرك بالله سبحانه تبارك وتعالى؛ لأن فيه تنقيص من رب العالمين سبحانه، وصرف خالص حق الله عز وجل لغيره. وفيه العدل فيعدل بربه غيره قال سبحانه: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:1]، يعني: يجعلون معه من يعادله، حاشا لله سبحانه وتعالى.

    ذلك لأن الشرك ناقض للمقصود بالخلق والأمر، فالله عز وجل وحده التفرد بالخلق، وله وحده الأمر قال تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف:54] فكما أنه تفرد بخلق المخلوقات جميعها كذلك تفرد بالأمر والتشريع؛ فهو الذي يأمر وهو الذي ينهى سبحانه وتعالى.

    يقول ابن القيم رحمه الله: (لأنه مناقض للمقصود بالخلق والأمر، مناف له من كل وجه، وذلك غاية المعاندة لرب العالمين، والاستكبار عن طاعة الله سبحانه، والذل له والانقياد لأوامره الذي لا صلاح للعالم إلا به.

    فمتى قال ذلك خربت الديار وقامت القيامة).

    فاستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله)، فإذا صار الكفار فقط على وجه الأرض خربت الدنيا، ومن ذلك أيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق يتهارجون تهارج الحمر)، ومعنى يتهارجون قيل: يتقاتلون، وقيل: يقع بعضهم على بعض في الزنا واللواط ويقتل بعضهم بعضاً، فهذا هو الهرج.

    1.   

    ذكر الأحاديث الواردة في الطائفة المنصورة وبعض علامات الساعة

    جاءت أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في الطائفة المنصورة، منها: قوله: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك).

    وقال في حديث آخر: (لا تزال طائفة قائمة بأمر الله حتى يأتي أمر الله).

    ولا تناقض بين هذه الأحاديث وكلها صحيحة.

    وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم فيقول أميرهم: تعال صل لنا فيقول: لا إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة)، فذكر هنا أن نزول المسيح عيسى بن مريم إحدى علامات الساعة الكبرى، وذلك حين يخرج المسيح الدجال على الناس، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (ثم ينزل المسيح عيسى بن مريم، ويقتل المسيح الدجال، فإذا قتله عم العدل في الدنيا؛ فلا يقبل الجزية، ويكسر الصليب ويقتل الخنزير، ولا يكون في الأرض إلا قول لا إله إلا الله).

    ويكون هذا في فترة المسيح عليه الصلاة والسلام ثم يمكث المسيح سنوات، ثم يقبضه الله سبحانه وتعالى، فإذا مات المسيح عليه الصلاة والسلام رجع الناس مرة ثانية إلى الفساد، وإلى العبث وإلى الشرك بالله سبحانه وتعالى.

    فإذا استمر الأمر على ذلك حصل الهرج ونزع منهم القرآن، ونزع منهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يكون فيهم إلا القلة من المؤمنين، فيرسل الله عز وجل ريحاً تقبض هؤلاء المؤمنين، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يبعث ريحاً من اليمن ألين من الحرير فلا تدع أحداً في قلبه مثقال حبة أو مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته).

    فجملة الأحاديث تبين أنه لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق ظاهرين: إما بالسيف والسنان وبالجهاد في سبيل الله عز وجل، أو بالحجة والبيان؛ حتى يأتي أمر الله، فيرسل ريحاً طيبة تقبض هؤلاء المؤمنين فلا يكون في الأرض من يعرف الله تبارك وتعالى؛ فيرجعون مرة ثانية إلى عبادة الأوثان.

    ولذلك جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة) وهو وثن من الأوثان في قبيلة دوس كانوا يعبدونه في الجاهلية، ومعنى ذلك أن عبادة الأوثان سترجع مرة أخرى.

    فإذا ملأ الفساد الأرض كان ذلك علامة للساعة، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم (أن علامات الساعة الكبرى كسلك انقطع فانتثرت منه خرزاته)، ويعني ذلك توالي ظهور العلامات الكبرى والتي منها: طلوع الشمس من مغربها، وخروج المسيح الدجال، ونزول المسيح عيسى بن مريم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، والخسوفات الثلاثة: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، والدخان، وخروج الدابة التي تكلم الناس) فتظهر هذه العلامات متتابعة ثم تكون الساعة بعد ذلك.

    1.   

    الرد على الخوارج والمعتزلة في قولهم بخلود صاحب الكبيرة في النار

    في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48] رد على الخوارج الذين يكفرون مرتكب الكبيرة.

    وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم التحذير من السبع الموبقات المهلكات وأولها الشرك بالله. فمنطوق الآية أن الشرك كفر بالله غير مغفور لصاحبه، هذا لمن لم يتب، ولكن من تاب إلى الله فلا يوصف بأنه مشرك، فمعنى الآية: أنه يموت على الشرك قال تعالى: َمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ [البقرة:217].

    قال سبحانه: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، منطوق هذا الجزء من الآية أن غير الشرك من الذنوب يغفره الله سبحانه وتعالى.

    فهذه الآية مع الحديث الذي ذكر فيه الكبائر يفهمان أن الكبائر يغفرها الله.

    ولم يقل في هذه الآية: لمن تاب، فدل على أن من تاب ومن لم يتب كلاهما تحت مشيئة الله سبحانه وتعالى. لكن من تاب إلى الله توبة نصوحاً يغفر الله له يقيناً، قال تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31]، فمن تاب أفلح بنص القرآن.

    وفي الحديث: (التوبة تجب ما قبلها)، وبقي من لم يتب من الذنوب كبائرها وصغائرها فالآية في منطقوها أن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء. إذاً: هنا قد يغفر الكبائر لبعض الناس ولا يعذبهم، وقد يعذبهم ثم يتغمدهم برحمته ويدخلهم الجنة، فهم تحت المشيئة، قال وَيَغْفِرُ مَا دُونَ لِمَنْ يَشَاءُ [المائدة:18].

    ففي هذه الآية رد على الخوارج المكفرين بالذنوب، وعلى المعتزلة القائلين بأن أصحاب الكبائر يخلدون في النار.

    قال المعتزلة: الناس صنفان: كافر في النار، ومسلم في الجنة، أما صاحب الكبيرة فهو بين هذا وهذا، ويوم القيامة يكون في النار، فوافقوا الخوارج على أن صاحب الكبيرة في النار.

    ولكن أهل السنة يقولون: هو في خطر المشيئة إن شاء الله غفر له، وإن شاء عذبه.

    1.   

    دعاء إبراهيم الخليل ربه أن يجنبه الشرك

    يقول المؤلف رحمه الله تعالى هنا: (وقال الخليل عليه الصلاة والسلام: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ [إبراهيم:35]) فإذا كان إبراهيم الخليل على نبينا وعليه الصلاة والسلام خاف على نفسه وعلى بنيه من عبادة الأصنام ومن الشرك بالله، وهو معصوم فغيره من باب أولى أن يخاف على نفسه من ذلك.

    فاستجاب الله عز وجل دعاء إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وجعل في ذريته الأنبياء بعده فلم يكن نبي من الأنبياء ولا رسول من الرسل عليهم الصلاة والسلام أتى بعده إلا من ذريته صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم تسليماً كثيراً.

    قال إبراهيم: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [إبراهيم:36] فالأصنام تضل كثيراً من الناس، ويهدي الله عز وجل من يشاء من عباده.

    1.   

    الفرق بين الصنم والوثن

    فرق العلماء بين الصنم والوثن، فقالوا: الصنم ما كان على هيئة صورة سواء كانت صورة إنسان أو صورة حيوان.

    والوثن: ما كان على غير ذلك، كشجرة، أو بيت، ولو على هيئة الكعبة.

    1.   

    أنواع الشرك

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه فقال: الرياء).

    فالشرك يقسمه العلماء باعتبار ما يظهر وما يخفى: إلى شرك ظاهر وشرك خفي، والشرك الظاهر: إما أن يكون شركاً أكبر، وإما أن يكون شركاً أصغر، والشرك الخفي الرياء.

    فقد يقع الإنسان في الشرك الأكبر بأن يجعل لله نداً سبحانه.

    وقد يقع في الشرك الأصغر كأن يقع في الرياء، أو في يسير من الرياء، أو ينسب شيئاً لا يكون إلا لله لغير الله سبحانه وتعالى، كقول القائل: لولا البط في الدار لهاجمنا اللصوص مثلاً، أو لولا نباح الكلب لجاء اللصوص.

    فينسى الله سبحانه وتعالى ويذكر غيره.

    وقد يقسم العلماء الشرك إلى قسمين: شرك أكبر، وشرك أصغر.

    فالشرك الأكبر: اتخاذ الند والعديل له سبحانه.

    والشرك الأصغر: ما كان من أقوال يقولها كما ذكرنا، أو كان من يسير الرياء.

    وسواء جعلنا القسمة ثلاثية: شرك أكبر، وشرك أصغر، والرياء شرك خفيف، أو جعلناها ثنائية وقلنا: شرك أكبر، وشرك أصغر، فالشرك الأصغر يدخل فيه اليسير من الرياء.

    ونص الحديث السابق في مسند الإمام أحمد وعند الطبراني والبيهقي عن محمود بن لبيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء. يقول الله تعالى يوم القيامة إذا جازى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء).

    والحديث صححه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في السلسلة الصحيحة، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الرياء أن يعمل الإنسان العمل الذي يكون لله فينظر فيه إلى الناس فيسمع ويرائي.

    والسمعة ومأخوذة من السمع، والرياء مأخوذ من البصر.

    ففي السمعة يريد أن يسمع الناس عنه، فيشتهر بأنه من أهل الدين والصلاح؛ فيقصد غير الله سبحانه وتعالى، وقد يكون ذلك في العمل كله، أو في بعض العمل، ولا ينجو منه إلا من رحم الله سبحانه.

    والرياء: أن يعمل العمل أمام الناس ويبتغي مدحهم على ذلك.

    فالرياء والسمعة فيهما الشهرة بين الناس؛ ولذلك كان السلف يخافون من الشهرة، وكانوا يطلبون الخمول، ومعنى الخمول: عدم الشهرة، وليس معناه: ترك العمل.

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن أخوف ما أخافه عليكم)، الخطاب فيه موجه للمؤمنين، فإذا كان الشرك الأصغر مخوفاً على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كمال علمهم وقوة إيمانهم فكيف لا يخافه من هو دونهم في العلم والإيمان؟

    والرياء محبط للعمل؛ ولذلك جاء في الحديث القدسي أن الله سبحانه تبارك وتعالى يقول: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) فالذي يشرك بالله سبحانه ويعمل عملاً لله ولغير الله فالله غني عن مثل هذا العمل ولا يقبله، بل يقول: اذهب إلى من كنت تعمل له ليعطيك أجراً.

    وفي صحيح مسلم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم)، فأخبر أن جميع الأنبياء ناصحون لأممهم، والنبي صلى الله عليه وسلم حق عليه أن ينصح هذه الأمة، فعلم الأمة التوحيد، وحذرهم من الشرك بالله سبحانه تبارك وتعالى.

    وذكر في الحديث الذي أخرجه أبو يعلى وابن المنذر عن حذيفة عن أبي بكر رضي الله عنهما قال: (الشرك أخفى من دبيب النمل، قال أبو بكر : يا رسول الله وهل الشرك إلا ما عبد من دون الله أو ما دعي مع الله؟ قال: ثكلتك أمك، الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل)، والحديث إسناده ضعيف عند أبي يعلى ، ولكن صح هذا المعنى من حديث رواه الحاكم الترمذي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الشرك في أمتي أخفى من دبيب النمل على الصفا)، والصفا: الحجر الأملس.

    فالشرك أخفى من دبيب النمل على الصفا، فلو أن نملة دبت على خشب لا تسمع له صوتاً؛ فإذا دبت على الحجر الأملس فلا تسمع لها صوتاً من باب أولى.

    قال المصنف رحمه الله: (وفي الحديث أن تقول: أعطاني الله وفلان، والند: أن يقول الإنسان: لولا فلان قتلني فلان) لكن هذا ليس مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم إنما المعنى: أن هذا داخل في الشرك، فبدلاً من أن ينسب الفضل لله عز وجل يقول: لولا فلان، والصحيح أن يقول: لولا الله سبحانه وتعالى ثم فلان. فإذا أردت أن تذكر فضلاً لأحد فابدأ بصاحب الفضل الحقيقي وهو الله ذو الفضل العظيم، ولا تجعل فلاناً عدلاً لله سبحانه، فتقول: لولا الله وفلان. وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يقال عنه ذلك فغيره من باب أولى كما سيأتي.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار. والند: الشريك والمثيل والنظير، ومعنى الحديث: يجعل أحداً مع الله، ولم يكن أحد من أهل الجاهلية يسوي بين الله عز وجل وبين خلقه في أفعال الله سبحانه؛ فإذا سئل أحدهم من خلق كذا؟ قال: الله. إنما تسويته في العبادة، فيعبد غير الله ويقول: يقربني إلى الله.

    إذاً: جعلوا لله عز وجل أنداداً في تقربهم إلى الله عز وجل بالعبادة.

    فإذا قال إنسان: أنا معترف بأن الله يخلق، ويرزق، ويعطي، ويمنع ويضر فأنا لست مشركاً، قلنا: إن أهل الجاهلية كانوا مقرين بذلك، ولكن الإنسان يدخل في الشرك عندما يوجه عبادته إلى غير الله سبحانه وتعالى أو يتلفظ بألفاظ يسوي فيها بين الله عز وجل وبين مخلوقاته.

    يقول ابن القيم رحمه الله: (الند: الشبيه، يقال: فلان ند فلان ونديده أي: مثله وشبهه)

    وقوله: (من مات وهو يدعو لله نداً) أي: يجعل لله نداً في العبادة يدعوه ويسأله ويستغيثه، كأن يقول: يا فلان، يا سيدي فلان، فيطلب من غير الله ما لا يطلب إلا من الله سبحانه.

    إذا وقع في المصيبة استغاث بغير الله سبحانه وتعالى.

    غير الله وليس من شرط اتخاذ الند في العبادة أن يصلي لغير الله، ولم نر أحداً من هؤلاء يصلي لغير الله، لكنه إذا دعا دعا غير الله، وإذا نذر، قال: هذا لسيدي فلان. وقد قال الله سبحانه: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ [الأنعام:162-163]، فهذه العبادات لا يتوجه بها إلا لرب العالمين سبحانه، والمقصود بالنسك: ما يتقرب به لله عز وجل في الحج والعمرة. وقوله: (محياي) عموم بعد خصوص، والممات لا يكون إلا لله رب العالمين سبحانه.

    قال العلامة ابن القيم رحمه الله:

    والشرك فاحذره فشرك ظاهر ذا القسم ليس بقابل الغفران

    وهو اتخاذ الند للرحمن أياً كان لله من حجر ومن إنسان

    يدعوه أو يرجوه ثم يخافه ويحبه كمحبة الديان

    وهذا فيه كسر للتفعيلة، والصواب ما أثبتناه.

    1.   

    أقسام اتخاذ الند لله تعالى

    واعلم أن اتخاذ الند على قسمين:

    الأول: أن يجعل لله شريكاً في أنواع العبادة أو في بعضها، وهو شرك أكبر، كأن يستغيث ويقول: يا فلان! وينسى الله عز وجل.

    فالاستغاثة لا تكون إلا بالله إلا أن يستغيث بحي قادر على إغاثته؛ فلا مانع كأن يقع شخص في البئر ويقول: يا فلان أدركني، فهذا ليس شركاً بالله سبحانه.

    الثاني: ما كان من نوع الشرك الأصغر، كقول الرجل: ما شاء الله وشئت، ولولا الله وأنت، وكيسير الرياء -وهذه ليست كل الأنواع- فقد جاء في الحديث أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (ما شاء الله وشئت)، أي: الذي يشاؤه الله يريده ولكن الرجل أخطأ في التعبير وقد لا يقصد هذا المعنى؛ ولذلك لم يكفر.

    فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أجعلتني لله نداً)، يعني: أَحْسِن التعبير فقد أخطأت في كلامك.

    فلا يليق أن تذكر الاثنين مع بعض. وهذا الحديث حسنه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة، ورواه ابن ماجة بلفظ آخر قال الألباني فيه: حسن صحيح.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا حلف أحدكم فلا يقل: ما شاء الله وشئت ولكن ليقل: ما شاء الله ثم شئت).

    إذاً: لك أن تقول: ما شاء الله فقط، أو تقول: ما شاء الله ثم شاء فلان.

    إذاً: الذي يطلب أولاً هو الله سبحانه وتعالى ثم النبي صلى الله عليه وسلم يطلب ما طلبه الله سبحانه، ويأمر بما أوحى الله عز وجل إليه؛ فيكون الأمر راجعاً لله وحده كما قال: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف:54].

    وفي هذا الحديث بيان أن دعوة غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك جلي، كطلب الشفاعة من الأموات، كأن يذهب شخص إلى قبر الميت، ويطلب منه أن يشفع له عند الله مثلاً، أو يطلب له أن ييسر له أمراً ما.

    فالشفاعة ملك لله تعالى وبيده، وليس بيد غيره منها شيء.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ولـمسلم عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار)، فـ(شيئاً) نكرة في سياق الإثبات تطلق على أقل الأشياء.

    إذاً: من لقي الله سبحانه تبارك وتعالى وهو يشرك به أقل شيء دخل النار فكيف بأكبر شيء؟!

    و(شيئاً) في الجملة الأولى نكرة في سياق النفي فتعم كلَّ شرك، فمن لقي الله ليس لديه أي شرك دخل الجنة.

    فكل من كان وثنياً، أو كتابياً، أو زعم أنه على الإسلام وهو يعبد غير الله، ويتقرب إلى غير الله بأعمال لا تكون إلا لله سبحانه دخل تحت هذا الحديث.

    يقول الإمام النووي : (أما دخول المشرك النار فهو على عمومه فيدخلها ويخلد فيها، ولا فرق فيه بين الكتابي -اليهودي والنصراني- وبين عبدة الأوثان وسائر الكفرة، ولا فرق عند أهل الحق بين الكافر عناداً وغيره).

    والكافر عناداً واستكباراً هو الذي رد الحق ولم يتعلم الإسلام، وجاء الإسلام وهو يعلم أنه يوجد إسلام، لكنه لم يسأل عنه، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال فيه: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا كان حقاً على الله أن يدخله النار) فيعلم من ذلك أن كل من سمع بالإسلام، ولم يؤمن به لا يقبل منه دين غيره، وهو من أهل النار.

    يقول هنا الإمام النووي أيضاً: (ولا بين من خالف ملة الإسلام وبين من انتسب إليها ثم حكم بكفره) فمخالف ملة الإسلام هو من لم يدخل فيها، والمنتسب إليها من قال: أنا مسلم، ثم ادعى مذهباً من مذاهب الإلحاد والكفر، كالقول بالحلول مثلاً بمعنى: أن الله يحل في المخلوقات.

    أو من يفعل أفعال الكفر، كالاستهانة بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، أو الاستهانة بكتاب الله عز وجل ونحو ذلك، فهذا وإن انتسب إلى الإسلام إلا أنه كفر بفعل أو بقول، فخرج من هذا الدين.

    قال الإمام النووي: (وأما دخول من مات غير مشرك الجنة فهو مقطوع له به) يعني: الذي مات ولو كان وقع في كبيرة من الكبائر، ولكن على تفصيل: فالذي يموت وقد تاب إلى الله؛ فالله يتوب على من تاب.

    والذي يموت ولم يتب إلى الله عز وجل فهذا في خطر المشيئة، إن شاء الله غفر له، وإن شاء أدخله النار وعذبه.

    وهذا مثل ما قلنا قبل في الأحاديث التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة) قيدت بقوله في الحديث الآخر: (أصابه قبل ذلك ما أصابه).

    إذاً: المؤمن الذي يقول: لا إله إلا الله ولا يشرك بالله قد يكون من أهل المعاصي فيعذبه الله ما شاء في نار جهنم، ولكن يوماً من الأيام ينفعه إسلامه وتنفعه كلمة التوحيد.

    يقول غير الإمام النووي : اقتصر على نفي الشرك لاستدعائه التوحيد بالاقتضاء واستدعائه إثبات الرسالة باللزوم، إذ من كذب رسل الله فقد كذب الله، ومن كذب الله فهو مشرك، وهو كقولك: من توضأ صحت صلاته، أي: مع سائر الشروط.

    قوله: اقتصر على نفي الشرك يعني: من مات لا يشرك بالله شيئاً، فكلمة (لا يشرك بالله) تدل دلالة لزوم على أنه موحد لله.

    1.   

    أنواع دلالات النصوص على الأحكام

    عندما نقول: هذا الشيء لازم له كذا، يعني: مترتب عليه، ودلالة الاقتضاء مثل: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) فليس المعنى رفع الخطأ والنسيان؛ لأن هذه الأمور واقعة لا محالة، لكن المراد شيء مضمر فنقدره هنا ونقول: رفع عن أمتي المؤاخذة على الخطأ والنسيان والإكراه، وهذه هي دلالة الاقتضاء وهي من دلالات اللزوم.

    وكذلك في حديث سهو النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة فسأله الأعرابي: (أقصرت الصلاة؟ أم نسيت؟ فقال: كل ذلك لم يكن)، لا بد أن نقدر: لم يكن في ظني أو في وهمي، وإلا كان الكلام مخالف للحقيقة؛ ولذلك سأل النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه (أكما يقول ذو اليدين؟ قالوا: نعم. فرجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة وصلى ركعتين وسجد للسهو).

    قال: (لاستدعائه التوحيد بالاقتضاء، واستدعائه إثبات الرسالة باللزوم)، المعنى: أنه من أجل أن توحد الله سبحانه ومن أجل أن تعبده؛ لا بد أن يبين لك كيف تكون العبادة التي يريدها الله سبحانه، ويلزم من ذلك أن الذي علمك هذه العبادة أن يكون رسولاً لرب العالمين سبحانه.

    إذاً: معنى كلامه (استدعاء إثبات الرسالة باللزوم) أي: اللازم في توحيدك لله سبحانه أنك عرفت كيف توحده عن طريق النبي صلى الله عليه وسلم إذ هو الذي علمك العبادة فكان اللازم بذلك إثبات الرسالة للرسول صلوات الله وسلامه عليه.

    قال: (وهو كقولك: من توضأ صحت صلاته)، أي: لا يمكن أن تصح الصلاة بالوضوء وحده، ولكن معنى ذلك: أنه توضأ وصلى وأتى في الصلاة بالأركان والشروط والهيئات المطلوبة.

    إذاً: هنا اكتفى بذكر شيء عن غيره من الأشياء اللازمة له. وهذه دلالة اللزوم.

    ومن المعلوم أن أنواع دلالة اللفظ ثلاثة: دلالة مطابقة ودلالة تضمن ودلالة التزام.

    فالدلالة بالمطابقة: أن يطابق اللفظ الصورة الموجودة، فإذا قلنا: إنسان؛ عرف أن له وجهاً وجسداً.

    وكذلك إذا قلنا: بيت فلا بد أن توجد أرض وحيطان.

    إذاً: ودلالة التضمن كأن نقول: إن هذا بيت، فالسقف داخل في البيت ضمناً ونقول: البيت يتضمن السقف.

    فإذا أشرت للسقف وقلت: هذا بيت، معناه: أنه من ضمن أجزاء البيت هذا السقف.

    ودلالة الألتزام كأن أقول: هذا سقف، فيلزم من ذلك وجود الحائط؛ لأن السقف لن يُرفع إلا على حائط موجود.

    1.   

    باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله

    بعد أن تعلم المسلم التوحيد يدعو إلى هذا الذي تعلمه، لذلك قال المؤلف رحمه الله: (الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وقول الله تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108])، أي: قل يا محمد للناس هذه سبيلي، أي: طريقي الطريق المستوي الذي فيه أدعو إلى الله على بصيرة. يقول ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى: قل: يا محمد هذه الدعوة التي أدعو إليها، والطريقة التي أنا عليها: من الدعاء إلى توحيد الله، وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأوثان، والانتهاء إلى طاعته، وترك معصيته هذه سبيلي.

    فسبيل الله هي التي فيها طاعة الله، وتوحيده سبحانه، والبعد عن معاصيه، قال الله سبحانه على لسان نبيه: أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ [يوسف:108] أي: إلى هذه السبيل الذي هو الدعوة إلى الله وحده لا شريك له.

    وقوله تعالى: عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف:108]، هنا تحتمل معنيين:

    المعنى الأول: أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ [يوسف:108]، أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف:108] أي: أنا وأتباعي على بصيرة، وهو معنىً صحيح.

    والمعنى الثاني: عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف:108]، فهو داع إلى الله عز وجل، وأتباعه أيضاً يدعون إلى الله سبحانه.

    فكل من دعا إلى الله وإلى توحيده وإلى سلوك سبيله سبحانه فإمامه النبي صلى الله عليه وسلم، وشرطه أن يكون على بصيرة، إذاً: لا يجوز لإنسان ليس على بصيرة أن يدعو إلى الله، والبصيرة: العلم الشرعي وتعلم التوحيد.

    قال: وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108]، أي: منزهاً الله سبحانه وتعالى، ومعظماً له؛ أن يكون له شريك في ملكه، أو معبود سواه سبحانه وأنا بريء من أهل الشرك.

    مسائل مستفادة من هذا الباب

    يقول المؤلف رحمه الله: (فيه مسائل منها: التنبيه على الإخلاص؛ لأن كثيراً لو دعا إلى الحق فهو يدعو إلى نفسه) وهذا داخل في قوله صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم: (الشرك أخفى على القلوب من دبيب النمل على الصفا).

    فقد يدعو الإنسان إلى الله عز وجل، ولكنه في دعوته يريد الشهرة والذكر، فالجزء الذي دخله الرياء من عمله يبطله وليطلب أجره من غير الله.

    وما من إنسان إلا ويحدث له ذلك قل أو كثر فيستعين بالله سبحانه، ولا يترك الدعوة إلى الله سبحانه، فإذا وجد وسوسة الشيطان: افعل كذا حتى يقال كذا تعوذ بالله عز وجل منه، ولا يترك الدعوة إلى الله أبداً.

    والشيطان يحاول أنه يبعد الإنسان عن ربه، وقد يدخل الإنسان في الصلاة ثم يقول له الشيطان: طول قليلاً حتى ينظر الناس إليك من أجل أن يمدحوا صلاتك، أو حسن صوتك من أجل الناس، فعلى الإنسان أن ينقي نفسه من ذلك، ولا يفعل العكس، ولكن إن أراد فليطل صلاته ابتغاء وجه الله سبحانه ولينفي عن نفسه ما يقول له الشيطان، ولا يصبح لعبة له يلعب به، فيدخل في الصلاة ويبتدئ الشيطان بقوله: طول قليلاً من أجل الناس؛ فيقصر حتى يؤثر في أركان الصلاة فتضيع صلاته وتبطل.

    ولكن ليطل في الصلاة وليحسن نيته ويتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وليحسن صوته في القراءة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن)، فحسن صوتك لا من أجل الناس، لكن امتثالاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم.

    إن الشيطان يأتي في كل عمل من الأعمال يريد قطعها وله ثلاث حالات: إما أن يأتي للإنسان من البداية فيزين له الشهوات وبذلك يترك العبادات، أو يلبس عليه بالشبهات فيتركها، أو لا يقدر على هذه ولا هذه فيأتيه من باب الرياء في عبادته، فعليه أن يتعوذ بالله من الشيطان، ويقف مع نفسه وقفة محاسبة، ويخلص عمله لله سبحانه، والله عز وجل لا يكلف نفساً إلا وسعها.

    وما من إنسان إلا ويوسوس له الشيطان، وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم كيف ندفع هذه الوساوس بأن نتعوذ بالله من الشيطان، وأن يتفل الإنسان عن يساره ثلاثاً كما جاء في الحديث (إذا جاء الشيطان أحدكم يلبس عليه صلاته فليتفل عن يساره ثلاثاً) أي: يفعل ذلك، ولكن لا يترك العمل من أجل الوسوسة.

    فعليك أيها الداعية أن تحسن نيتك وتخلص لله سبحانه وتعالى، ولا تستمع لمن يمدحك؛ فإنه يقصم ظهرك ويقطع رقبتك، وأنت أعلم بنفسك، وكفى بالإنسان نقصاناً أن يعرف نقص نفسه ثم يصدق مدح الناس له، أما الإنسان المخلص فيكون صادقاً، مع أنه عمل هذا العمل لله وهو مقصر فيه، ولكن غاية فعله ابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى.

    وإياك أن تصغي لمن يمدحك؛ فإنه يعينك على المعصية وعلى الرياء لا على طاعة الله سبحانه.

    وكذلك على المسلم ألا يعين غيره على الرياء، كأن يرى شخصاً يصلي فيمدحه أمامه، أو يحضر درساً فيقول للقائم به: ما سمعت مثل هذا الدرس.

    فالذي صلى أو ألقى الدرس أعلم بنفسه وأنه أخطأ فيه كثيراً، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (احثوا في وجوه المداحين التراب)، أي: أفعلوا حتى لا يقصموا ظهوركم، وقال للذي مدح الآخر في وجهه: (قطعت عنق أخيك ..).

    فالإنسان المؤمن أعرف بعيوب نفسه، فإذا تذكر أنه أحسن؛ فليتذكر أنه يسيء، وإذا تذكر أنه في العمل الفلاني أتقنه؛ فليتذكر أنه في غيره لم يتقن.

    فلا يزال على ذلك يتهم نفسه حتى يخلص من الرياء ولا يقع في الشرك بالله سبحانه.

    لكن ليحذر ترك العمل فذلك ما يريده الشيطان، فهو يريدك أن تترك الصلاة إما ابتداءً أو بإدخال الرياء عليها لتفسدها.

    يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (فيه مسائل -أي: في هذا الباب- منها: التنبيه على الإخلاص)؛ لأن كثيراً لو دعا إلى الحق فهو يدعو إلى نفسه.

    ومنها: أن البصيرة من الفرائض.

    ومنها: أن من دلائل حسن التوحيد: أنه تنزيه لله سبحانه عن المسبة.

    أي: توحد ربك سبحانه وأنت موقن أنه لا شريك له، ولا شبيه، ولا ند له، ولا نظير له. أما غير الله عز وجل ففيه نقصان، والله وحده له الكمال سبحانه وتعالى.

    ومنها: أن من قبح الشرك كونه مسبة لله سبحانه وتعالى. ومنها: إبعاد المسلم عن المشركين لا يصير منهم ولو لم يشرك. يعني: الإنسان يتبرأ من الشرك والمشركين خوفاً على نفسه أن يقع في ذلك.

    يقول ابن القيم رحمه الله: ذكر الله سبحانه وتعالى مراتب الدعوة وجعلها ثلاثة أقسام بحسب حال المدعو يعني: في قول الله سبحانه وتعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125]، قال: إما أن يكون طالباً للحق محباً له، مؤثراً له على غيره، فهذا يدعى بالحكمة.

    يعني: تدعو من يريد أن يتعلم يعرف الحق بالحكمة، ولا يحتاج إلى موعظة وجدل؛ لأنه قابل للنصح.

    قال: وإما أن يكون مشتغلاً بضد الحق لكنه لو عرفه آثره واتبعه، فهذا يحتاج إلى الموعظة بالترغيب والترهيب.

    ومعنى كلامه: أن الإنسان قد يكون مشغولاً بالباطل، أو باللهو، أو بالشبهات، لكن لو عرف الحق فهذا يدعي إلى الله سبحانه بالحكمة وبالموعظة، وضرب الأمثال فإنه يستجيب.

    ثم قال: وإما أن يكون معانداً معارضاً، فهذا يجادل بالتي هي أحسن فإن رجع وإلا انتقل معه إلى الجلاد.

    قال سبحانه: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125]، فإذا كان يوجد جدل حسن فجادل بالذي هو أحسن، ففي الآية أمر الإنسان المؤمن أن يجادل بالأحسن لا أن يجادل بما يؤدي إلى التشاجر والخصام.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: (إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله -وفي رواية إلى أن يوحدوا الله- فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك؛ فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)، متفق عليه.

    أرسل النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن في العام التاسع من هجرته صلى الله عليه وسلم، وظل هناك حتى توفي النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع بعد وفاة النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    أرسله معلماً وحاكماً يحكمهم بشرع الله سبحانه، ويعلمهم الحلال والحرام، إذ كان أعلم هذه الأمة بالحلال والحرام رضي الله تبارك وتعالى عنه وذلك بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه يسبق العلماء يوم القيامة بخطوة.

    ومع علمه رضي الله عنه بالحلال والحرام قال له: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب).

    المعنى: أن هؤلاء ليسوا مثل المشركين الذين في مكة، إنما هم قوم أهل كتاب وعندهم علم، فهم يحتاجون لنوع معين من التعليم ونوع معين من الجدل ليقتنعوا. ثم ذكر له النبي صلى أول ما يبدأ به في دعوتهم.

    فقال: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو قال: إلى أن يوحدوا الله). وتأمل هنا كيف علم النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً -وغيره بالتبع- كيف يدعو الناس، فلا بد أن يكون الداعي على علم بحال المدعو وبما يناسبه، لا أن يبدأ في الجدل معه على جهل بحاله، فقال له: (أنك ستأتي قوماً أهل كتاب)، أي: سيجادلونك بالتوراة، وبما عندهم من علم فجهز ردك عليهم، وفكر في طريقة الجدال معهم، وكيف تقنعهم، فهم أهل كتاب عرفوا رسل الله عليهم الصلاة والسلام، وعرفوا علامات النبي صلوات الله وسلامه عليه، ثم أشركوا بالله سبحانه فعبدوا غيره قال تعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ [التوبة:30].

    فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، فلا تبدأ معهم في إثبات وجود الله تعالى، وأنه الذي خلق السماوات والأرض، فهم يعرفون ذلك بل ابدأ في دعائهم إلى التوحيد؛ لأنهم مشركون.

    إذاً: لا تعلمهم شيئاً يعرفونه فيكون ذلك تحصيل حاصل، ولكن علمهم ما يجهلونه، وما وقعوا فيه من أخطاء.