إسلام ويب

شرح كتاب فتح المجيد - معنى التوحيدللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن قوام الدين هو توحيد رب العالمين، والبراءة من الشرك به سبحانه، وكل رسل الله عليهم السلام جاءوا بالدعوة إلى التوحيد أولاً والتحذير من الشرك والتنديد ثانياً، وليس هذا إلا لأن دخول الجنة منوط بتحقيق التوحيد، والنجاة من النار كلياً أو جزئياً منوط بالتطهر من الشرك.

    1.   

    أهمية التوحيد

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    سنبدأ من الليلة بإذن الله في شرح كتاب فتح المجيد شرح كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب التميمي الحنبلي من علماء القرن الثاني عشر الهجري، وكتابه في التوحيد عبارة عن متن أكثره من كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم في أعظم أمور الدين وهو أمر التوحيد. وقد شرح هذا الكتاب حفيد المصنف وهو سليمان بن عبد الله في كتاب سماه: تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، واختصر هذا الكتاب الشيخ: عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في فتح المجيد.

    فالتوحيد من المسائل العظيمة التي أنزل الله عز وجل كتبه وأرسل رسله لإقراره ولتعليم الخلق كيف يعبدون الله سبحانه، وكيف يوحدونه وحده لا شريك له.

    وقوام الدين توحيد رب العالمين، ومنع الشرك بالله سبحانه وتعالى، وتوحيد الله يعرف بما أنزل الله سبحانه وبتعليم رسل الله عليهم الصلاة والسلام، وما خلق الله الخلق إلا من أجله، قال الله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ [الذاريات:56-57]، فالله خلق الخلق لعبادته وتوحيده سبحانه وتعالى، فأمر التوحيد ينبغي على كل إنسان مؤمن أن يتعلمه جيداً وأن يستقر في قلبه توحيد رب العالمين سبحانه، توحيد الإلهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وأن يعرف ذلك من كتاب الله عز وجل ومن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأيضاً يعرف أنواع الشرك حتى يجتنبها ولا يقع فيها.

    فهذا الكتاب يعلمنا أمر التوحيد وبدأه المصنف رحمه الله بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم.. ثم حمد الله وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، وسنمضي في الكتاب بحسب شرح الشارح ونختصر فيه ونذكر بعضاً من الأمور.

    1.   

    شرح البسملة

    قال: بسم الله الرحمن الرحيم، أي: ابتدأ كتابه بالبسملة، والبسملة كما نعرف هي: بسم الله الرحمن الرحيم، ويسميها علماء البيان نحت، يعني: تحويل الجملة إلى كلمة، مثلما تقول: الحوقلة وهي قول لا حول ولا قوة إلا بالله، أو الحولقة على الأصح فيها، والحمدلة.. والتهليل.. فهذا نحت من أصل جملة.

    وذكر هنا أنه بدأ بالبسملة اقتداءً بالكتاب العزيز، وهذا صحيح فكل سورة في كتاب الله عز وجل من أول القرآن إلى آخره -إلا سورة براءة- في أولها بسم الله الرحمن الرحيم.

    قال: وعملاً بحديث: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع) هذا حديث ضعيف جداً.

    ولـأبي داود وابن ماجة : (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله أو بالحمد فهو أقطع) وهو حديث ضعيف.

    قوله باسم: الباء متعلقة بشيء محذوف كأنه يقول: أبدأ كلامي باسم الله سبحانه، فكأن مقصده ابتدئ في تصنيفي وفي تأليفي ذاكراً الله سبحانه مستعيناً بالله سبحانه، فقال: هذه متعلقة بمحذوف، واختار كثير من المتأخرين كونه فعلاً خاصاً متأخراً، وكأنه يقول: باسم الله ابتدائي قال: وباء باسم الله قالوا: للمصاحبة، يعني: أستصحب اسم الله سبحانه فيما سأكتبه وأذكره أو أستعين باسم الله تبارك وتعالى في ذلك، مسمياً الله سبحانه وتعالى وذاكراً اسمه (الله)، وأصل كلمة الله الإله، وهذا ما اختاره الكسائي والفراء من علماء اللغة قالوا: أصله الإله وحذفت الهمزة وأدغمت اللام في اللام؛ قال: واختلفوا هل هذا الاسم العظيم المبارك (الله) جامد أو مشتق من شيء آخر، فنحن لما نقول مثلاً: (الرحيم) فهو مشتق من رحمة الله رب العالمين سبحانه، و(الرءوف) مشتق من الرأفة، وعلى هذا فهل اسم (الله) مشتق أم جامد؟ فمن العلماء من يقول: هو لفظ مرتجل جامد وقيل: هو مشتق: قال ابن القيم والصحيح أنه مشتق وأن أصله الإله كما هو قول سيبويه وجمهور أصحابه إلا من شذ، وهو الجامع لمعاني الأسماء الحسنى والصفات العلى.

    يقول ابن القيم موضحاً معنى الاشتقاق: إنما أرادوا أنه دال على صفة له تعالى، يعني: هو مشتق يدل على صفة لرب العالمين سبحانه وتعالى وهي صفة الإلهية - تقول: إلهية أو ألوهية كسائر أسمائه الحسنى أسمائه الحسنى، مثل: (العليم) مشتق من العلم، و(القدير) من القدرة، و(السميع) من السمع، و(البصير) من البصر، فهذه الأسماء مشتقة من مصادرها بلا ريب- هذا كلام ابن القيم رحمه الله- يقول: وهي قديمة ونحن لا نعني بالاشتقاق إلا أنها ملاقية لمصادرها في اللفظ والمعنى.

    يقول الطبري : الله أصله الإله، وذكر ما ذكرناه قبل ذلك، قال: وهو الذي يألهه كل شيء، أي: يعبده كل شيء، وقال: قال ابن عباس : الله ذو الألوهية والعبودية على خلقه فهو الإله، قال: فإن قال لنا قائل: وما دل على أن الألوهية هي العبادة، وأن الإله هو المعبود؟

    قلنا: قال رؤبة بن العجاج :

    لله در الغانيات المدهِ سبحن واسترجعن من تألهِ

    والتأله بمعنى العبادة قال: سبحن واسترجعن من تأله أي: من تعبد وطلب الله بعمل.

    قال: ولا شك أن التأله التفعل من أله يأله، وهذا أصلها في اللغة والفعل فيها أله يأله بالفتح فيهما، إذاً: أله أي: عبد، وقيل: بل من ألِهَ، كأنه مثل ولِهَ: بمعنى تحير، يعني أن الله سبحانه وتعالى يُتحير فيه فإذا أعمل الإنسان عقله لينظر ويشاهد جلال الله سبحانه وتعالى ويتفكر في ذاته فإنه يتحير، وإنما عليه أن يتفكر في مخلوقات الله التي تدل عليه سبحانه وتعالى.

    ولذلك قالوا:

    الله مشتق وقيل مرتجل وهو أعرف المعرفات جل

    أله أي عبد أو من الأله وهو اعماد الخلق أو من الوله

    أو المحجب عن العيان من لاهت العروس في البنيان

    يقول ابن القيم رحمه الله: لهذا الاسم الشريف عشر خصائص لفظية، وساق هذه الخصائص اللفظية، ثم قال: وأما خصائص هذا الاسم المعنوية، قال أعلم الخلق وهو النبي صلى الله عليه وسلم: (لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)، يعني: مهما حاول أن يحصي صفات الله التي يمدح عليها فلن يستطيع أن يحصي هذه الصفات لا النبي صلى الله عليه وسلم ولا غيره من الخلق وكيف نحصي خصائص اسم لمسماه كل كمال على الإطلاق وكل مدح وكل ثناء وكل مجد وكل جلال وكل عز وكل جمال وكل خير وإحسان وجود وفضل وبر، فما ذكر هذا الاسم في قليل إلا كثره، ولا خوف إلا أزاله،

    ولا هم ولا غم إلا فرجه، ولا ضيق إلا وسعه، ولا تعلق به ضعيف إلا أفاده القوة، ولا ذليل إلا أناله العز ولا فقير إلا أصاره غنياً ولا مستوحش إلا آنسه ولا مغلوب إلا أيده ونصره، ولا مضطر إلا كشف ضره، ولا شريد إلا آواه... إلى آخر كلام ابن القيم رحمة الله عليه وهو كلام جيد.

    ساق قبل ذلك عن ابن عباس أنه قرأ: (ويذرك وإلهتك) كأن معناها: وعبادتك، يعني: أن قوم فرعون قالوا له: أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وإلهتك. وهذه ليست من القراءات العشر المتواترة، وإنما هي قراءة شاذة غايتها أن يقال: هناك قول لـابن عباس رضي الله عنه: أن الإله بمعنى العبادة، لكن ليست قراءة يقرأ بها القرآن.

    أيضاً ساق حديثاً عن أبي سعيد مرفوعاً: (أن عيسى أسلمته أمه إلى الكتاب ليعلمه فقال له المعلم: اكتب باسم الله، فقال عيسى: أتدري ما الله؟ الله إله الآلهة)، ولا شك في ذلك ولكن الحديث لا يصح.

    قال: بسم الله الرحمن الرحيم.

    والرحمن من صفاته وأسمائه الحسنى سبحانه وتعالى فهو الرحمن الرحيم وبين الاسمين التقاء في المعنى أنه رحيم بعباده سبحانه من الرحمة ورحمن من الرحمة، ولكن يقول العلماء: أن بين الاثنين فرقاً، فالرحمن: دال على صفة رحمة قائمة به سبحانه وتعالى، فهو الرحمن الذي لا يشبهه شيء في رحمته العظيمة سبحانه وتعالى، ولا يتسمى بهذا الاسم أحد غيره ولم يتسم به إلا كذاب كرحمان اليمامة وقد ذكر الله عز وجل اسمه ثم قال: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65] أي: هل تعرف أحداً يتسمى بهذا الاسم؟ فلم يتسم أحد باسم الله، ولا باسم الرحمن.

    فلفظ الجلالة لم يطلق على أحد غيره سبحانه، قد يقولون: هذا إله فلان وهذا إله فلان، أما الله فهو اسمه وحده لا شريك له سبحانه، وقد يحرفون هذا الاسم فيقولون اللات، أما الله فهو اسمه وحده لا شريك له، قد يحرفون العزيز ويقولون: العزى أما العزيز فهو الله سبحانه وتعالى وقد يطلق على غير الله سبحانه وتعالى كوصف، لكن الغرض: أن الرحمن اسم لله سبحانه وتعالى كما أن الله علم عليه وحده لا شريك له، لكن في معنى الرحمن قالوا: إنه رحمان بجميع خلقه فهو خلق ورزق وأعطى سبحانه فهو رحمان بجميع خلقه سبحانه، والرحيم رحمة خاصة تتعلق بالمؤمنين.

    ولذلك ذكر أن الرحيم من صفة للنبي صلى الله عليه وسلم يقول: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب:43] والله عز وجل كذلك رحيم بالمؤمنين، فالرحمن هو رحمان بجميع العباد، وصفة الرحمن من مقتضاها: أن ينزل الكتب من السماء على قوم كانوا كفاراً رحمة بهم ليدخلوا في دينه، فهو رحمن لأنه نزل الكتب وأرسل الرسل ليقيم الحجة على عباده، وهو رحمن لأنه أرسل الرسل لجميع الخلق ليدخلوا في دينه سبحانه وتعالى، والرحيم مختص بالمؤمنين يوم القيامة فيوم القيامة لا يرحم الكافرين ولا يرحم المشركين، فكأن صفة الرحمن للجميع في الدنيا والرحيم في الدنيا وفي الآخرة وتختص بالمؤمنين؛ ولذلك يكون بينهما عموم وخصوص، فالرحمن فيه عموم وخصوص، والرحيم فيه عموم وخصوص، فالرحمن خصوصه أنه لا يتسمى به إلا الله سبحانه وتعالى، أما الرحيم فقد يوصف به غير الله فيقال: فلان رحيم، وعموم الرحمن أن رحمته عامة في الدنيا من إنزال الكتب، وإرسال الرسل، وإعطاء العقول، والرزق، وإعطاء النفع، وغير ذلك من فضل الله سبحانه، وهذه رحمة واسعة بجميع الخلق، فالكافر حين يعمل شيئاً فإن الله يعطيه في الدنيا فيكثر ماله ويعطيه الولد، أما الخصوص الذي في الرحيم فهو أنه يرحم المؤمنين فقط في الدنيا وفي الآخرة.

    والعموم الذي فيه أنه يتسمى به الله سبحانه وتعالى، ويوصف به غير الله سبحانه وتعالى فيجوز أن يقال: فلان رحيم، والنبي صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين رءوف رحيم صلوات الله وسلامه عليه.

    1.   

    الفرق بين الحمد والشكر

    قال: الحمد لله.

    الله عز وجل يستحق الحمد، ويستحق الشكر وبين الاثنين عموم وخصوص، والحمد: ذكر الله عز وجل بالثناء الجميل. أي: أن تثني عليه سبحانه وتعالى سواء أعطى أو لم يعط فهو يستحق الثناء سبحانه وتعالى والله يستحق الشكر؛ لأنه يعطي.

    إذاً: الشكر على أنه فعل بك الجميل سبحانه وتعالى، والحمد لأنه مستحق لذلك لذاته سبحانه وتعالى.

    والحمد: الثناء بالكلام الجميل باختيار على وجه التعظيم للرب سبحانه، فمورد الحمد تقول: الحمد لله، فتحمد باللسان وتحمد بالقلب، والشكر أعم؛ لأنك تشكر ربك سبحانه بلسانك وبقلبك وبعملك وبذلك يظهر أثر شكرك لله سبحانه وتعالى.

    1.   

    الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

    قال: وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم.

    قال الله في كتابه: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [الأحزاب:56] فالله يصلي سبحانه، أي: يثني على النبي صلى الله عليه وسلم، والله يصلي على المؤمنين. أي: يرحمهم سبحانه ويستجيب دعواتهم، والملائكة تصلي على المؤمنين. أي: تدعو لهم، فهنا يقول: وصلى الله على محمد، أي: يطلب من ربه سبحانه أن يثني على النبي صلى الله عليه وسلم ويرحم ويتفضل سبحانه.

    (وعلى آله) وآل النبي صلى الله عليه وسلم كل مؤمن تقي اتبع النبي صلى الله عليه وسلم وخاصة آل بيته صلوات الله وسلامه عليهم، فالآل عموم من تبع النبي صلى الله عليه وسلم وخصوص آل بيته عليه الصلاة والسلام.

    قال: كتاب التوحيد. وكتاب مصدر كتب يكتب كتاباً وكتابةً وكَتْبة، وأصل المادة من الكتب والكتب الجمع، كأن الكتاب جمع حروف في كلمات فتكونت منها جمل تكون منها هذا التصنيف الذي هو الكتاب ومنها كلمة الكتيبة، وهم الجنود المجتمعون.

    والكتاب: سمي كتاباً لجمعه ما وضع له.

    1.   

    أقسام التوحيد

    التوحيد نوعان:

    توحيد في المعرفة والإثبات: وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات.

    وتوحيد في الطلب والقصد وهو توحيد الإلهية والعبادة.

    وفي الفاتحة: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] الله، الإله المألوه، المعبود، والإله له صفات والرب له صفات ومقتضيات، فكونه رب فهو يخلق ويرزق ويفعل ما لا يقدر عليه غيره سبحانه وتعالى، وكونه إله يقتضي ذلك أن على المخلوقين الذين خلقهم سبحانه أن يعبدوه لأنه يستحق أن يعبد، فهو رب وهو إله سبحانه وتعالى؛ ولذلك لما تقول في كلمة التوحيد: أشهد أن لا إله إلا الله، فلا ينفع فيها أن تقول: أشهد أن لا رب إلا الله؛ لأن الربوبية لم يخالف فيها الكفار إلا من عاند وهو يعلم أنه كذاب مثل النمرود وفرعون، فـالنمرود عاند إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين قال: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ [البقرة:258] فقال النمرود: (أنا أحيي وأميت) قال: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَر َ [البقرة:258] وظهر عند ذلك كذبه، وفرعون قال: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38] فادعى الألوهية، ثم ارتفع قليلاً وقال لهم: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24] وقال: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ [الزخرف:51] أفلا ترون كل ما فعلته أنا ربكم الأعلى، ولما قال ذلك إذا بالله يفضحه ويغرقه في البحر، فلما غرق قال: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس:90] أي: أنا مثلهم، أنا من هؤلاء المسلمين، وهو مع ذلك ليس على عقيدة صحيحة فهو يقول: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس:90] فالذي ادعى الربوبية النمرود وفرعون والله عز وجل شاهد عليهم وكفى بالله شهيداً: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:87]وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [الزخرف:9] فشهد الله عليهم أنهم في قلوبهم يقرون بالربوبية، وأن الذي يخلق ويرزق هو الرب الذي في السماء، وجاء في قصة حصين لما كان كافراً وسأله النبي صلى الله عليه وسلم كم تعبد من إله قال: ستة، قال له: أين هؤلاء؟ قال: خمسة في الأرض وواحد في السماء قال: من الذي ترجوه لنفعك وضرك؟ قال: الذي في السماء. الذي يرجوه للنفع وللضر هو الذي في السماء، وهذه ربوبية، فهم يعبدون من دون الله ما لا آلهة لا تنفع ولا تضر فيعبدون الآلهة من دون الله سبحانه وتعالى، فالغرض أن الله عز وجل هو الرب وكل مخلوق مقر أن الله عز وجل رب وأنه هو الذي يخلق ويرزق سبحانه وتعالى.

    إذاً: التوحيد نوعان: توحيد الربوبية وهو توحيد في المعرفة والإثبات، يعني: معرفة أن الله يخلق ويرزق، وأن الله أسماؤه الحسنى كذا وصفاته العلى كذا، فهذا توحيد علمي خبري، يعني: يقتضي أن تعلم الإله الذي تعبده بأسمائه وصفاته سبحانه وتعالى. وتوحيد طلبي إرادي من الله سبحانه وتعالى وهو توحيد الألوهية، قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] أي: أنا خلقتهم آمراً لهم أن يعبدوني؛ ولذلك أخذ الله عليهم الميثاق قبل أن يأتوا إلى هذه الدنيا وهم في ظهور آبائهم من قبل فقال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [الأعراف:172-173] فالله عز وجل أشهد الخلق على أنفسهم بما أودعه في قلوبهم من فطر أن الله سبحانه هو الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له.

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: التوحيد الذي جاءت به الرسل إنما يتضمن إثبات الإلهية لله وحده بأن يشهد أن لا إله إلا الله، ولا يعبد إلا إياه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يوالي إلا له، ولا يعادي إلا فيه، ولا يعمل إلا لأجله، وذلك يتضمن إثبات ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات.

    إذاً ليس المطلوب أن تعرف أن الله يخلق ويرزق فقط فالكل يعرف ذلك، لكن المطلوب منك أن تقول: لا إله إلا الله، يعني: أنا لن أعبد إلا الله، ولن أتوجه بعبادة إلا إليه وحده لا شريك له، فلذلك إذا قال الكافر: لا رب إلا الله. لم يدخل في الإسلام، بل لابد وأن يقول: لا إله إلا الله. يعني: لن أعبد إلا الإله الواحد سبحانه وتعالى.

    قال: وليس المراد بالتوحيد مجرد توحيد الربوبية وهو: اعتقاد أن الله وحده خلق العالم كما يظن من يظن من أهل الكلام والتصوف ويظن هؤلاء أنهم إذا أثبتوا ذلك بالدليل فقد أثبتوا غاية التوحيد، وإنما التوحيد أن تتوجه إلى الله بالعبادة وهو مقتضى لا إله إلا الله، وقد قال الله سبحانه وتعالى عن الناس: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف:106]، وقال: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56].

    يقول شيخ الإسلام في تعريف العبادة: هي طاعة الله بامتثال ما أمر الله به على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام، يعني: في كل شيء أمر الله عز وجل به تطيع فتفعل المأمور، وفي كل شيء نهى الله عز وجل عنه تطيع فلا تفعل المنهي.

    وهناك تعريف آخر يذكره أيضاً شيخ الإسلام رحمه الله فيقول: العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. كل شيء يحبه من أقوال فهو عبادة، ومن أعمال فهو عبادة سواء نطقت بهذه الأقوال أو أسررت بها وسواء عملت الأعمال بجوارحك أو بقلبك، ولذلك يقول ابن القيم: مدارها على خمس عشرة قاعدة، من كملها كمل مراتب العبودية، يقصد أن العبادة تنقسم إلى أقوال باللسان، وأفعال بالجوارح، وأفعال بالقلب، وكل واحدة من هذه الأقوال والأفعال يدخل تحتها الأحكام التكليفية الخمسة: الواجب، والمستحب والمباح، والمكروه، والمحرم.

    يقول القرطبي : أصل العبادة التذلل والخضوع، قال: وسميت وظائف الشرع على المكلفين عبادات لأنهم يلتزمونها ويفعلونها خاضعين متذللين لله سبحانه، وتأمل كلمة العبادة فهي من عبد، ومنها: هذا طريق معبد، يعني: طريق مسهل، فالعبادة كأنك تعبد نفسك لله سبحانه، وتذللها وتسهلها، وإذا أمرك أطعته لا يوجد معارضة ولا يوجد منافسة ولا يوجد محادة، وينهاك عن شيء فتنتهي، فالعبادة كأنك جعلت نفسك سهلة ذليلة مطيعة للرب سبحانه وتعالى.

    قال الحافظ ابن كثير : عبادة الله هي طاعته بفعل المأمور وترك المحذور.

    فهذه تعريفات للعبادة وكلها ترجع إلى معنى واحد وهي: طاعة الله سبحانه على وجه الإذعان له في كل ما يحب ويرضاه سبحانه وتعالى، قال: وهي حقيقة دين الإسلام.

    يقول: ومعنى كلمة الإسلام: الاستسلام لله تعالى المتضمن غاية الانقياد والذل والخضوع، والإسلام هو هذا الدين العظيم الذي ارتضاه الله عز وجل لعباده، قال: وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ [المائدة:3] وقال: هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ [الحج:78] هذه التسمية الجميلة التي لا نرضى عنها بديلاً (أنا مسلم) معناها: أنا مُسَلِّم نفسي لله عز وجل، أنا مستسلم لله، أنا مذعن له، أنا خاضع له، أنا خاشع له، أنا مطيع له؛ فإذا قال: أنا مسلم، ثم عصى ربه، فيكون قد انتقص شيئاً من الذي أمره الله عز وجل به من الطاعة.

    الإسلام هو: استسلام يتضمن غاية الخضوع والخشوع والانقياد والذل لرب العالمين سبحانه.

    وقول الله عز وجل: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلا لآمرهم أن يعبدوني وأدعوهم إلى عبادتي، ولولا أن الله علمهم لما عرفوا ما هي العبادة، ولكن من رحمة رب العالمين أنه علمهم كيف يعبدونه، وكيف يصلون له، وكم يصلون في اليوم والليلة، وكيف ومتى يصومون، وفي أي شهر يصومون، فعلمهم الله سبحانه ولم يتركهم يعبدونه كيف شاءوا.

    قال سبحانه: أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى [القيامة:36] أي: هل يظن أن يترك هملاً لا أحد يسأله؟ كما قال الدهريون: نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [الجاثية:24] أي: إن هم إلا يخرصون ويكذبون، فإن الله عز وجل خلق الخلق لحكمة، وهي أن يعبدوه، ثم يميتهم ليحاسبهم بعد ذلك فمنهم من يكون من أهل الشقاء ومنهم من يكون من أهل السعادة.

    إذاً: خلق الله العباد ليعبدوه ونهاهم عن أن يشركوا به شيئاً وعلى الإنسان أن يتأمل في هذا الحديث الذي رواه الترمذي عن الحارث الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( قال يحيى بن زكريا: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم أن تعملوا بهن: قال أولهن: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وإن مثل من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبداً من خالص ماله بذهب أو ورق فقال هذه داري وهذا عملي فاعمل وأد إلي، فكان يعمل ويؤدي إلى غير سيده، فأيكم يرضى أن يكون عبده كذلك؟) إن الله سبحانه وتعالى أمر يحيى أن يقوم في الناس بهذه الأمثلة وبهذه الكلمات ومنها هذه الجملة التي هي مقصودنا من الحديث: (أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً)، ثم ساق لهم مثلاً من الواقع فقال: لو أن عند أحدكم بيتاً وعملاً واشترى عبداً، وقال للعبد: هذا البيت وهذا المحل، اذهب واعمل هنا، وضع الفلوس هنا، فذهب العبد وعمل وأعطى الفلوس شخصاً آخر، فهل يرضى بذلك؟ وإذا كان لا يرضاه لنفسك فكيف يرضاه لله سبحانه وتعالى؟ والحديث طويل.

    يقول هنا: وقوله: : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]، وستجد في الآيات في سورة الأعراف وغيرها: لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59] ، وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:65]، وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:73]، فهو يأمرهم بعبادة الله وينهاهم عن الشرك بالله سبحانه، (اعبدوا الله) إثبات التوحيد له سبحانه وأنه المستحق للعبادة، (ما لكم) ليس لكم إله، يعني: لا إله إلا الله، فكأن جميع الرسل أرسلوا بهذه الكلمة: لا إله إلا الله سواء قالوا لقومهم: قولوا لا إله إلا الله أو قالوا: (اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) فجميعها تعني أنه لا إله إلا الله سبحانه وتعالى.

    قبل هذا ذكر لنا حديثاً في الصحيح عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: (يقول الله تعالى لأهون أهل النار عذاباً: لو كانت لك الدنيا وما فيها ومثلها معها، أكنت مفتدياً بها؟) أي: هل كنت ستدفعها لكي تنجو من النار؟ (فيقول: نعم، قال: قد أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم: ألا تشرك -أحسبه قال- ولا أدخلك النار فأبيت إلا الشرك).

    يقول: فقد أراد الله سبحانه وتعالى منهم: التوحيد، فخالفوا في ذلك.

    1.   

    الفرق بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية

    إن بين الإرادة الشرعية الدينية والإرادة الكونية القدرية عموم وخصوص يجتمعان في حق المخلص المطيع وتنفرد الإرادة الكونية القدرية في حق العاصي فافهم ذلك تنجو من جهالات أرباب الكلام. يعني: أن الله عز وجل له إرادتان: إرادة كونية قدرية، وإرادة شرعية طلبية، فالإرادة الكونية القدرية هي التي تتعلق بكن فيكون، فالله عز وجل خلق الخلق منهم كافر ومنهم مؤمن، وهذه إرادة لله عز وجل الكونية القدرية، وهذه الإرادة يستحيل أن يخالف فيها أحد من خلق الله عز وجل.

    النوع الثاني من الإرادات التي هي الطلب، أي: أن الله عز وجل يطلب من عباده فيريد الله عز وجل من عباده أن يعبدوه، ومع ذلك جعل لهم إرادة وجعل لهم اختياراً وكسباً.

    إذاً: هنا الإرادة الكونية القدرية ليس للعبد اختيار فيها، لكن الإرادة الشرعية يجعل للعبد اختياراً فيها يفعل أو لا يفعل فيستشعر العبد أنه مريد وأنه مختار، وأنه قادر على الفعل وعلى الترك، وهنا محل التكليف، ويوم القيامة حين يسأله: لم فعلت كذا؟ لن يقول: يا رب أنت كتبت علي هذا، ولكن العبد يوم القيامة يسأل عن فعله، فيقول: غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ [المؤمنون:106]، يقول العلماء: الإرادة الكونية القدرية تجتمع في المؤمنين والكافرين، من إرادة خلق، وإرادة رزق، وإرادة نفع، وإرادة ضر، وإرادة أن يكون هذا في كذا وهذا في كذا، أما الإرادة الشرعية هي التي تنبني على ما يحبه الله سبحانه وتعالى ويكون في أوامره الشرعية التكليفية، افعل أو لا تفعل وفي الإرادة الكونية القدرية فإن العبد لا يقدر أن يهرب منها أبداً، ولا يعجز الله عز وجل، والإرادة الشرعية جعل الله للعبد الاختيار فيها ويحاسبه على مقتضى اختياره يوم القيامة، إذاً العبد مكلف وإن كان (وما تشاءون إلا أن يشاء الله)، والعبد حين يفعل الفعل يستشعر في نفسه أنه مريد، وأنه مكتسب لهذا الشيء، ويستشعر أنه ليس هناك أحد يجبره، صحيح أننا لن نخرج عن مشيئة الله وقضائه وقدره، لكن هذا مع ذلك نستشعر في أنفسنا كمال الإرادة، أنا أريد أن أفعل أن أتصدق، والإنسان النائم يسمع الأذان ويقول: أصلي أو لا أصلي؟ اختياره فهو مريد لذلك ولم يخرج عن علم الله سبحانه وعن قضائه وقدره، ولكن الله عز وجل يعطيه في نفسه ما يشعره بالاختيار، وفي ذلك يحاسبه الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    تعريف الطاغوت

    قال سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36] الطاغوت صيغة مبالغة، وهي من طغى فهو طاغ، فلما جاوز الحد أصبح طاغوتاً، فهو المجاوز لحده والخارج عنه، قالوا: من جاوز حده جاور ضده، فالذي يتجاوز الحد الذي له ينعكس إلى الضد فالإنسان يترفع قليلاً قليلاً حتى يقول أنه إله، ثم يقول أنه رب، والذي يعبد من دون الله عز وجل يسمى طاغوتاً يقول ابن القيم - الطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله، فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم أعرض عن عبادة الله تعالى إلى عبادة الطاغوت وعن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طاعة الطاغوت.

    إذاً: قوله: أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]، وقوله: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى [البقرة:256] تعني: لا إله إلا الله.

    قال بعض المفسرين في هذه الكلمة: الطاغوت معناه الشيطان، وجاء عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: كهان كانت تنزل عليهم الشياطين، وعمر قال: الطاغوت: الشيطان، فاختلفوا في التفسير اختلاف تنوع فالبعض يذكر من الطواغيت الشيطان؛ لأنه جاوز حده واستكبر على ربه، ولم يسجد لآدم مستكبراً عليه ولم يطع الله سبحانه وتعالى فكان فيه الكبر فطغى، وجاوز حده، وقالوا: الكاهن من الطواغيت لأن الله سبحانه وتعالى يقول: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [لقمان:34] إذاً هذا علم اختص الله عز وجل به، فيقول الكاهن أنا أعرف هذه الأشياء، أنا أعرف أنه سينجب أو لا، أنا أعرف مكان الشيء الذي سُرق، أنا أعرف كذا وتجده يستعين بالشياطين لكي يثبت أنه يعرف ما لا يعرفه أحد من الناس، إذاً: جاوز حده، فمن قال: الكاهن طاغوت يقصد أنه جاوز حده وادعى شيئاً لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، والساحر طاغوت لأنه طغى وجاوز حده وصار كأنه إله عند الناس؛ ولذلك جاء في الحديث أن حده ضربة بالسيف، وإن كان الحديث في إسناده ضعف، والغرض أن الساحر جاوز حده في أنه ادعى أنه يملك النفع والضر، يقول لك: أنا سأعمل لك سحراً، وسأعمل لك كذا وسأعمل لك كذا، وسأفك لك العمل الذي فيك، وسأربط لك فلاناً، وسأوذي لك فلاناً. والذي ينفع ويضر هو الله سبحانه وتعالى، والشياطين يعلمون الناس السحر، قال الله عز وجل: وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ [البقرة:102] فهم يعلمون الناس السحر حتى يقعوا في الكفر بالله سبحانه، ويعتقد الساحر أنه يملك أن ينفع ويضر من دون الله سبحانه، فهو طاغوت.

    كذلك من الطواغيت من يبدل شرع الله سبحانه وتعالى، فالله أنزل الكتب على العباد ليحكموا بها، فإذا بالعبد يجعلها وراءه ظهرياً ويقول: لن نحكم بهذا الذي قاله الله عز وجل، وقد قال الله في كتابه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:60] قالوا: الطاغوت هنا هو الضليل كعب بن الأشرف ، وهو يهودي، فقد ذهب رجل من المنافقين يدعي الإسلام مع رجل من اليهود بينهم خصومة في شيء، واليهودي كان محقاً وكان يقول للمنافق تعال إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحكم بيننا، فاليهودي حين عرف أن الحق له قال: نذهب للنبي لأنه لن يحكم بالهوى عليه الصلاة والسلام فقال المنافق: نذهب إلى كعب بن الأشرف ، لماذا كعب بن الأشرف ؟ لأنه سيأخذ رشوة، وكعب بن الأشرف يهودي يقبل الرشوة، فرفض حكم النبي صلى الله عليه وسلم وذهب إلى كعب بن الأشرف لكي يرشيه ويحكم له كعب بن الأشرف ، فالذي يحكم بغير ما أنزل الله مستحلاً لذلك راضياً بذلك كالمبدل لشرع الله سبحانه وتعالى.

    إذاً الطاغوت: من يغير شرع الله سبحانه وتعالى ويحكم بالهوى وبغير دين الله سبحانه وتعالى مستحلاً لذلك.