إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. علماء ودعاة
  3. محاضرات مفرغة
  4. أحمد حطيبة
  5. شرح الترغيب و الترهيب للمنذرى
  6. شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في الزهد في الدنيا والترهيب من حبها والتكاثر فيها [3]

شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في الزهد في الدنيا والترهيب من حبها والتكاثر فيها [3]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • دعا النبي صلى الله عليه وسلم على من يطمع في الدنيا بالتعاسة والانتكاس؛ لأنه يكون عبداً لها ولهواه، ودعا لمن يجاهد في سبيل الله متواضعاً لا يعرفه أحد ولا يؤخذ برأيه، أن طوبى له على ذلك، وأشد الأشياء إفساداً لدين المرء الحرص على المال والشرف.

    1.   

    الدنيا فانية ومتاعها زائل

    شرح قوله: (تعس عبد الدينار...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الحافظ المنذري رحمه الله: [ الترغيب في الزهد:

    روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، وإن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع).

    وروى الترمذي عن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه).

    وروى الطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما ذئبان ضاريان جائعان باتا في زريبة غنم أغفلها أهلها يفترسان ويأكلان بأسرع فيها فساداً من حب المال والشرف في دين المرء المسلم).

    هذه أحاديث يذكرها الحافظ المنذري رحمه الله في الزهد في الدنيا، فالإنسان لا يطمع فيها وكلما علم من كتاب الله سبحانه وتعالى شيئاً عن هذه الدنيا زاد زهداً فيها، كقوله سبحانه: وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185]، فالدنيا متاع غرور، وكم يتمتع هذا المغرور بهذه الدنيا؟ فالمغرور يتمتع بشيء يغره، أي: بصحة وعافية وقوة في بدنه ومنصب ورئاسة ومال وجمال ولا تدوم هذه الأشياء.

    فالإنسان مهما تمتع فإنه في النهاية يترك ذلك، فليحرص الإنسان على الدين وليترك الدنيا لأهلها ولا يتكالب عليها ولا يطمع فيها، فإنه لن ينال منها إلا ما قسمه وكتبه الله عز وجل له.

    من الأحاديث التي في هذا الباب: حديث أبي هريرة رواه الإمام البخاري في صحيحه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة).

    والتعس بمعنى: الهلاك والعثار والسقوط، والتعس بمعنى: الشر، وبمعنى: الانحطاط والبعد، فكل هذا دعاء يدعوه النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الإنسان، أي: بعد هذا العبد، وانحط وسقط ووقع ولم يجد من يرفعه، تعس هذا الذي نسي أنه مخلوق لعبادة الرب الواحد سبحانه وتعالى وعبد الدنيا وعبد الدرهم والدينار، (تعس عبد الدينار)؛ لأنه نسي نفسه.

    والإنسان عبد لله سبحانه، قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، عابد لله يعرف ما الذي يريده الله وهو يؤدي حق الله سبحانه كما يريد الله، فهواه تابع لدين رب العالمين سبحانه، هذا هو عبد الله، وغير ذلك يكون عبداً لهواه ولشهوته أي: تابعاً لهواه، حيثما ذهب به الهوى ذهب وراءه، وحيثما أدت به شهوته كان وراءها، فهو متبع للهوى ومتبع للدرهم ومتبع للدينار، صار عبداً لهذه الأشياء، يجري وراءها في حلال وفي حرام، ويريد أن يخطفها ويأخذها، فقال صلى الله عليه وسلم داعياً على من هذا حاله: (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة).

    كأن الإنسان يكون عبداً للمال الكثير، بل قد يكون عبداً للمال الحقير أيضاً، فالمال الكثير معبر عنه بالدينار، والمال الحقير معبر عنه بالدرهم.

    والخميصة: القماش أو الخرقة التي يلبسها الإنسان فيصير عبداً لذلك طامعاً في قطعة وخرقة وقماش فيختلسها ويسرقها، وهواه يدفعه أن يأخذها باختلاس وبخيانة وبطمع وبشره وبانحطاط، فتراه يركض وراء هواه في أي صورة من الصور، ويريد أن يحصل هذه الأشياء، فدعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم.

    وذكر من حاله: (إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط) يعني: كأنه يتبع الناس على أموالهم، إذا الناس أعطوه المال فرح ورضي بذلك، وإذا لم يعطوه ذلك يذم الناس ويتسخط؛ لأنهم لم يعطوه.

    ترك دينه وراءه ظهرياً واتبع هواه واتبع مطامعه فتعس هذا الإنسان، قال النبي صلى الله عليه وسلم : (تعس وانتكس)، دعا عليه بالتعاسة والانتكاس، انتكس الإنسان يعني: سقط على وجهه، وانتكس المريض بمعنى: أنه لما قارب شفاؤه وصحته إذا به ينقلب عليه المرض فيصير أشد مما كان.

    فدعا النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الإنسان الشره الذي يطمع في الكثير وفي القليل، ورضاه للدنيا فقط، فلا يرضى للدين ولا يرضى لله سبحانه وتعالى، ولا يسأل عن دينه، إنما سؤاله عن الدنيا ورضاه وسخطه في الدنيا.

    قال: (تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش)، دعاء عليه يعني: لو دخلت في رجله شوكة لا يجد من ينقشها له، نقشها بمعنى: أزالها بالمنقاش الذي تستخرج به الشوكة، كالإبرة ونحوه، فالشوكة إذا دخلت في رجل هذا الإنسان لا يلقى الذي ينقشها له، دعاءً من النبي صلى الله عليه وسلم عليه.

    شرح قوله: (طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه...)

    ثم دعا لعكس هذا الإنسان: (طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه).

    وجاء في الحديث أن طوبى شجرة من أشجار الجنة تخرج فيها ثياب أهل الجنة، فكأنه يدعو لهذا الإنسان أن ينال الحظ الوافر في الآخرة، وأن يكون من أهل الجنة ومن أهل هذه الشجرة.

    قال: (طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل الله)، يعني: عبداً مجاهداً فقيراً ومع ذلك ليس له طمع في الدنيا ولا يطمع في الدرهم ولا في الدينار ولا الخميصة، ولكن طمعه في دين الله وفي رضا الله.

    قال صلى الله عليه وسلم في وصف هذا الإنسان: (أشعث رأسه)، يعني: ليس عنده وقت يمشط فيه شعره.

    قال: (مغبرة قدماه)، مجاهد في سبيل الله، يمشي حافياً، فيعلق الغبار والتراب بقدميه من كثرة المشي.

    قال: (إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة) فهو عبد متواضع فقير لا أحد يعرفه وليس له قيمة كبيرة لكي يوضع في مكان مرموق، فهذا الفقير يجعلونه حارساً، وهو راض بهذا الشيء لرضا الله عز وجل به، أو يجعلونه في الساقة في آخر الجيش أو في غير ذلك فلا يهتم لمكانه ولا يريد أن يراه الناس إنما يريد أن يعرفه الله سبحانه وتعالى.

    قال: (إن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفع)، يعني: حاله أنه فقير مسكين ضعيف لو أنه استأذن لا أحد يأذن له، ليس له فضل عند الناس، وليس له عند الناس وجاهة لكي يستأذن فيدخل، وإذا شفع لإنسان عند إنسان ليس له عنده منزلة فلا يرضى منه ولا يقبل منه، هذا الإنسان دعا له النبي صلى الله عليه وسلم: طوبى لهذا العبد.

    من أحب الدنيا أضر بآخرته ومن أحب آخرته أضر بدنياه

    ومن الأحاديث التي جاءت عنه صلى الله عليه وسلم: حديث رواه الإمام أحمد عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى).

    الدنيا والآخرة ضرتان، ترضي واحدة وتغضب الأخرى، وليس من الممكن أن ترضي الثنتين أبداً، فمن أحب دنياه أضر بآخرته؛ لأنه يحب الدنيا فيبدأ في الطمع ويجمع لهذه الدنيا ويترك أمر الآخرة فأضرب آخرته.

    والعكس بالعكس: الذي ينتبه لأمر الآخرة لابد أن تضيع عليه أشياء من الدنيا، والدنيا تدعو صاحبها إلى أن شريفاً مفتخراً، والآخرة تدعو صاحبها إلى أن يكون متواضعاً بين الناس، فيه ضعة وفقر وحب لأهل الزهد وبعد عن أهل الدنيا.

    فالذي يضر دنياه ينتفع في آخرته.

    قال صلى الله عليه وسلم : (فآثروا ما يبقى على ما يفنى) أي: فضلوا الدار الآخرة، وإذا تعارضت الدنيا مع الآخرة ففضلوا الآخرة.

    شرح حديث: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم...)

    من الأحاديث العظيمة التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث رواه الترمذي عن كعب بن مالك ، ورواه الطبراني عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه).

    نفهم من هذا المثل الذي يذكره صلى الله عليه وسلم أن حظيرة فيها أغنام، هذه الحظيرة غفل عنها صاحبها فدخلها ذئبان، والذئب من أشد الحيوانات ضراوة وعداوة وإفساداً، فلو كان ذئباً واحداً لأفسد فساد عظيماً، فكيف بذئبين يشجع أحدهما الآخر؟ وكيف بحظيرة مفتوحة أهملها أصحابها وجاء الذئبان وهما جائعان ضاريان، والذئب إذا كان جائعاً وسلط على حظيرة غنم يهجم على الغنمة ويأكل من بطنها، ويهجم على الثانية ويأكل من بطنها، فلا يترك غنمة واحدة إلا نهش بطنها، وكأنه يريد أن يأكل الجميع، فلا تكفيه واحدة، هذا ذئب واحد، فكيف لو كانا ذئبين؟ فالذئب بشرهه وطمعه يفسد كل هذه الأغنام، ويأكل من الجميع ما يأكل.

    فالذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم من التشبيه أن حظيرة غنم دخل فيها ذئبان جائعان أفسدا إفساداً عظيماً وأهل الحظيرة غافلون عنها، فالحظيرة هي دين الإنسان، والذئبان هما حرص الإنسان على ماله، وحرصه على شرفه، فالإنسان الذي يحرص على المال يبدأ في جمع المال بأي صورة من الصور، والإنسان فيه نهم يشبه نهم الذئب حين يأكل الغنم، ففيه طمع وفيه شره وفيه حرص على المال وحرص على السيادة والرفعة.

    فالإنسان قد يضحي بماله في سبيل سيادته ورفعته، والحرص على المال وعلى الجاه يفسد على الإنسان دينه أشد من إفساد هذين الذئبين في هذه الحظيرة التي فيها الأغنام، فقال صلى الله عليه وسلم: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه)، يعني: يحرص على المال وعلى الشرف فيفسد دينه بحرصه ذلك.

    لذلك يقول العلماء: أما المال فإفساده أنه نوع من القدرة يحرك داعية الشهوة ويجر إلى التنعم في المباحات فيصير التنعم مألوفاً، يعني: معه مال فيألف كل شيء مباح، إذا غاب عنه هذا الشيء المباح يبدأ يغضب؛ لأنه فقد شيئاً من النعمة، وربما يشتد أنس الإنسان بهذا المال فيعجز عن كسب الحلال، ويبدأ يبحث عن الحرام فيقتحم في الشبهات وفي الحرام ويتلهى عن ذكر الله فيضيع دينه، ويكفي به إفساداً أن المال يلزم الجاه، والجاه لا يلزم المال.

    فالإنسان يجمع المال لكي يكون ذا قدر كبير بين الناس، فكيف يكون جاه الإنسان الذي يحرص عليه؟ إذا كان في سبيل المال يضيع دينه فكيف إذا كان في سبيل الجاه؟ فذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن المال والجاه يضيعان دين الإنسان، فهنا يخوض الإنسان في المراءاة في سبيل الجاه وفي النفاق وفي المداهنة وفي سائر الأخلاق الذميمة لكي يقال عنه رجل كبير ورجل بين الناس رئيس، فهذا من إفساد طلب الشرف وطلب المال لدين المرء.

    وإذا كان الهم عند المرء هماً واحداً كفاك الله عز وجل جل ما أهمك، وإذا اجتمعت بك الهموم في طلب المال وفي طلب الشرف وفي طلب المناصب ضاع الدين وضاعت الدنيا.

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.