إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد حطيبة
  4. شرح الترغيب و الترهيب للمنذرى
  5. شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في السماحة في البيع والشراء وحسن التقاضي والقضاء

شرح الترغيب والترهيب - الترغيب في السماحة في البيع والشراء وحسن التقاضي والقضاءللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن دين الإسلام هو دين السماحة في جميع تفاصيله وتعاملاته، وقد أثنى الشرع الحنيف على من كان سمحاً في البيع والشراء والقضاء؛ لأنها غالباً ما تكون في أمور مالية محببة إلى قلب الإنسان.

    1.   

    الأحاديث الواردة في الترغيب في السماحة في البيع والشراء وحسن القضاء

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الإمام المنذري رحمه الله:

    [ الترغيب في السماحة في البيع والشراء وحسن التقاضي والقضاء.

    روى البخاري وابن ماجة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (رحم الله عبداً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا اقتضى)، وفي رواية للترمذي : (غفر الله لرجل كان قبلكم، كان سهلاً إذا باع، وسهلاً إذا اشترى، سهلاً إذا اقتضى).

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان هيناً ليناً قريباً حرمه الله على النار) رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم .

    وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اسمح يسمح لك) رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح إلا مهدي بن جعفر .

    هذه الأحاديث جاءت عن النبي صلوات الله وسلامه عليه في الترغيب في السماحة في البيع والشراء وحسن التقاضي والقضاء، وهذا كله راجع إلى حسن الخلق، فالإنسان المؤمن يتعامل مع الخَلْق المعاملة التي يحب أن يُتعامل معه بها، فيحسن خلقه ويبتغي بذلك رضوان الله تبارك وتعالى، وأيضاً يبتغي بذلك حب الناس، فإن الإنسان إذا أحبه الله سبحانه جعل محبته في قلوب الخلق، فيدعون لهذا الإنسان الذي فيه السماحة وفيه حسن الخلق وفيه اللين، فهو هين لين مع الناس.

    1.   

    شرح حديث: (رحم الله عبداً سمحاً إذا باع..)

    جاء عن جابر رضي الله عنه ومثله عن عثمان وعن عبد الله بن مسعود ، ولفظ حديث جابر : (رحم الله عبداً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا اقتضى)، والسماحة هي السهولة، فالإنسان عندما يسمح بماله، أي: يعطي ويبذل ماله ويسمح، فيكون سهلاً في عطائه، فقد دعا له النبي صلى الله عليه وسلم أو أخبره وكلا الأمرين حسن فإن دعا فدعوته مستجابة، أو أخبر عن حاله فهذا من المؤكد أن الله سبحانه قد رحمه.

    وصفة هذا العبد السماحة في البيع فهو يبيع بسماحة وبطيب نفس، ويبذل ما عنده، ويعطي ولا يماري ولا يجاري ولا يغش ولا يخدع، وفيه سماحة في بيعه وعطائه فليس عنده تعنت، فإذا وجد المحتاج الذي لا يقدر على دفع المال فإنه يعطيه ويتسامح معه بطيب نفس وبطيب خلق، فرحم الله عبداً سمحاً إذا باع سمحاً إذا اشترى، فيشتري ولا يبخس السلعة قدرها ولا يجادل كثيراً، ولا يخاصم في ذلك، ولا يرفع صوته ولكن فيه سماحة في شرائه، وعلى قدر ما يكون الإنسان كذلك على قدر ما تكون المعاملة بينه وبين الله سبحانه على ذلك.

    فلا تظن أبداً أن إنساناً يكون سمحاً في العطاء وأن الله يضيق عليه في الرزق فهذا مستحيل، ولا يكون أبداً، والجزاء من جنس العمل، فالإنسان الذي يشح ويبخل فهذا يضيق الله تبارك وتعالى عليه، حتى وإن كان رزقه أمام الناس واسعاً لكن تجده خائفاً على المال مستشعراً بالفقر وبأن المال سيضيع منه.

    فصاحب البذل وصاحب السماحة تجد الله سبحانه وتعالى يوسع عليه في الرزق حتى وإن كان رزقه ضيقاً ولكنه يعطيه في قلبه غنى يشعر من خلاله أنه غني.

    فإذا اشترى الشيء دفع فيه ثمن ما يماثله فلا يكثر من الجدال، ولكن ليس المعنى أن يُخدع في الشراء فإنه إذا خدع مرة لن يخدع كل مرة، ولكن المقصد أن يعطي الثمن الذي تستحقه هذه السلع دون بخس ودون زيادة، وعلى الإنسان ألا يتعود على كثرة الجدل وشراسة الخلق مع البائع، وهنا الدِّين يعلمنا اليسر والسهولة والسماحة في البيع والشراء، قال: (سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا اقتضى).

    واقتضى أي: طلب القضاء، فمن حق المؤمن أن يطلب ماله عند الناس ولكن إذا طلب فليكن طلبه بسماحة وبسهولة، فإذا وجد الإنسان الضعيف الفقير يتسامح معه، فإذا كان معه مال دفعه وإلا صر عليه قليلاً، فالصبر على المال أجره عجيب وعظيم.

    فلو أن لك عندي مالاً ووعدتني بأن تدفع لي وترجع مالي يوم كذا بعد شهر مثلاً، فجئت بعد شهر أطالبه بالدين الذي لديه فإن أعطاني كان من الأجر كأني تصدقت بنصف مالي، جزاء أني دينت الرجل، فإذا سلفت إنساناً ألف جنيه مثلاً ودفع لك المال في وقته فأخذت الألف فكأنك تصدقت بخمسمائة جنيه جزاء دينك للمستدين.

    ولو فرضنا أنه جاء السداد المتفق عليه، ولا يوجد معه مال يعطيك، فصبرت عليه فلم تأخذ مالك، ولو أن تاجراً يحسبها سيجد أن المال لو استثمره وكان ألف جنيه مثلاً فسيكون له من الربح مقدار مائة جنيه مثلاً، ولكن الله يعطيك جزاء صبرك على دين الرجل أكثر من ذلك بكثير، فيكتب لك في ميزان حسناتك كأنك تصدقت في كل يوم صبرت عليه بمثل هذا الربح، فلو صبرت عليه عشرين يوماً لكان لك من الأجر أجر صدقة ألفين جنيه.

    وهذا الذي يصبر عشرين يوماً فكيف بمن ينتظر سنة أو سنتين لا شك أنه سيحصل على أجر كبير، وقد صح الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، وهذا الذي يجعل الإنسان المؤمن في راحة إذا لم يحصل على ماله المستدان، فإذا دفع لك بعد عشرين سنة المال فقد كسبت هذا الأجر كله من الله سبحانه، وليس معنى ذلك أن الإنسان إذا ما طله آخر ليس من حقه أن يرفع عليه دعوى في المحكمة ويحاكمه، بل هذا من حقه، ولكن ينظر هذا الإنسان هل هو معسر أم موسر؟ فإذا كان موسراً ومماطلاً فيستحق أن يعاقب.

    فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مطل الغني ظلم يحل عرضه وعقوبته) والمطل من المماطلة، وهذا مثل كثير من التجار تراه يستلف من هذا ويستلف من هذا ومعه مال، ولكنه يريد أن يوفر ماله في التجارة ويريد أن يزيد رأس ماله من مال الناس، ولكنه يؤخر أموال الناس، وكل ذلك من أجل أن ويحصل على أرباح ويكسب منها، فإذا أخذ إنسان منك ديناً ولديه القدرة على سداده فمن حقك أن تقاضيه، وهذا مستحق بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مطل الغني ظلم يحل عرضه وعقوبته) ويحل عرضه يعني يقال عنه: إنه ظالم وأنه يأكل أموال الناس، ويحل عقوبته أي: بأن يقاضيه عند الحاكم، ويستحق العقوبة، ولو أنه صبر فإن ربنا يقول: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [الشورى:43] .

    أما المعسر من الأولى أن تصبر عليه وتؤجر من الله سبحانه لعل الله سبحانه يرزقك خيراً من ذلك ويرزقه فيرد عليك مالك.

    وفي رواية لهذا الحديث عن عثمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أدخل الله عز وجل رجلاً كان سهلاً مشترياً وبائعاً وقاضياً ومقتضياً الجنة) فرحمه الله سبحانه وجزاه الله الجنة على ذلك؛ لأن فيه يسر وسهولة ولين، إذا اشترى السلعة أو باعها تجده سهلاً، وسهل إذا كان قاضياً، أي: يقضي بالحق، وأمين في الأمانات والودائع وحقوق للناس، فإذا جاء وقتها ذهب بها إلى أصحابها إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء:58]، قال: ومقتضياً يعني مطالباً بحقه.

    1.   

    شرح حديث ابن مسعود: (ألا أخبركم بمن يحرم على النار)

    عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ألا أخبركم بمن يحرم على النار؟) عندما نسمع هذا الكلام من النبي صلى الله عليه وسلم تتطلع النفس إلى معرفة هذا الشيء، يقول عليه الصلاة والسلام: (تحرم النار على كل قريب هين سهل) يعني: تستطيع أن تتكلم مع هذا الإنسان بسهولة، وعندما تعتذر له يقبل منك الاعتذار دون أدنى صعوبة، فيكون قريباً من القلب قريباً من الناس. (إنما تحرم النار على كل هين لين قريب سهل)، وهذه كلها مترادفات، وكأنه يقول: المؤمن يكون على هذه الصفة الجميلة فيكون هيناً، والهين هو الإنسان السهل البسيط، في معاملته والذي لا يصعب الأمور ولا يعقدها فهو سهل في المعاملة، ولين في المعاملة، أي: ليس عنيفاً ولا صعباً ولا صخاباً، بل هو إنسان قريب سهل التناول.

    وكل مفردات الحديث مرادفات لمعنى واحد.

    1.   

    شرح حديث: (أتى الله بعبد من عباده آتاه الله مالاً..)

    عن حذيفة رضي الله عنه قال: (أتى الله بعبد من عباده آتاه الله مالاً، فقال له: ماذا عملت في الدنيا؟ -ولا يكتمون الله حديثاً- فقال الرجل: يا رب! آتيتني مالاً فكنت أبايع الناس، وكان من خلقي الجواز -أي: السهولة في التجاوز والتغاضي- فكنت أيسِّر على الموسر، وأُنظِر المعسر) أي: أنه مع كل الناس إنسان طيب، فكان يصبر على الموسر ويتجاوز عن المعسر ويسامحه، ويصبر عليه فترة طويلة. (فقال الله تعالى: أنا أحق بذلك منك، تجاوزوا عن عبدي) هذا الحديث موقوف من قول حذيفة ، وقد رواه غيره كـعقبة بن عامر وأبو مسعود الأنصاري قالوا: هكذا سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: هكذا سمعوا هذا الحديث أن الله سبحانه تجاوز عن هذا العبد يوم القيامة لكونه كان يتعامل مع الناس بتيسير وليس بتعسير.

    ومن أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم السهولة والتيسير، فقد كان أحسن الناس قضاء ولذلك في حديث أبي هريرة في الصحيحين: (أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم يتقاضاه)، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يستدين؛ لكثرة الضيوف الذين ينزلون عليه وكثرة أهل الحاجة، ولا يوجد بيت مال عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى ينفق منه، ولهذا كان يستدين، ويقضي مما آتاه الله عز وجل من رزق، قال عليه الصلاة والسلام: (جعل رزقي تحت ظل رمحي)، فماله صلى الله عليه وسلم من الفيء ومن المغانم، كان يعطي منه لأهله النفقة الواجبة، وينفق على الناس صلوات الله وسلامه عليه، وكان لا يعطي أهل بيته صدقات ولا زكوات؛ لأنهم لا يحل لهم منها شيء، وكان يوزع الغنائم للناس الذين يأتون يطلبون منه، فقل أن يمر عليه وقت إلا ويستلف صلى الله عليه وسلم.

    فجاء رجل قد استلف منه النبي صلى الله عليه وسلم ليتقاضاه ويطلب من النبي صلى الله عليه وسلم فأغلظ على النبي صلى الله عليه وسلم فهمَّ به أصحابه، أي: أن هذا الرجل جاء للنبي صلى الله عليه وسلم يطلبه ما عليه بطريقة سيئة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (اصبر قليلاً حتى يأتي لنا مال، فإذا بالرجل يتطاول على النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: يا محمد! هات ما عليك، فإنكم -يا بني عبد المطلب- قوم مطل -أي: أناس مماطلون- فلما قال ذلك قام الصحابة ليضربوه، فهدّأ الرسول عليه الصلاة والسلام الصحابة أن اصبروا، إن لصاحب الحق مقالاً) صحيح أنه أساء الأدب ولكنه صاحب حق فاصبروا عليه.

    فصبر وأرانا حسن خلقه صلى الله عليه وسلم، بل أعظم من ذلك أنه يعذر مثل هذا الإنسان المتهجم عليه بالكلام القبيح، ويقول: لا بأس إنه صاحب حق وله مقال، وليس من حق هذا ولا غيره أن يقول للنبي صلى الله عليه وسلم ذلك، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين رءوف رحيم، فصبر عليه وأمرهم أن يوافقوه وأن يؤدوا له الذي يريده فأعطوه مُسنَّاً مثل سنه.

    ويطلق على الجمل أو الناقة عندما تبلغ سنة بنت مخاض، أو بنت لبون وهي التي تبلغ من العمر سنتين، أو حقة وهي التي تبلغ ثلاث سنوات، وجذعة عندما تبلغ أربع سنوات وهكذا، فإذا زادت في السن تكون أغلى في السعر.

    فهذا الرجل سلَّف النبي صلى الله عليه وسلم سناً معيناً فقال: (اقضوه مثل سنّه أو أعطوه سنَّاً مثل سنّه، فقالوا: لا نجد إلا أمثل من سنه، أي: الذي عندنا أحسن من الذي أعطاه لنا -وكأنهم نظروا أنه لا يستحق؛ لأنه قليل الأدب، فلا يستحق أن نعطيه أحسن مما أعطى للنبي صلى الله عليه وسلم- فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: أعطوه؛ فإن خيركم أحسنكم قضاء)، فأرانا حسن خلقه صلى الله عليه وسلم مع هذا الإنسان السيئ، وأرانا حلمه مع هذا الإنسان المتهور المتعجل، وأرانا حسن القضاء مع هذا الذي يعسر في طلب الحق الذي له، فأرانا النبي صلى الله عليه وسلم بعمله وخلقه أن الإنسان يتجاوز لعل الله عز وجل أن يتجاوز عنه.

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.