إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد حطيبة
  4. شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان 1426ه
  5. شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - رخص الفطر لأصحاب الأعذار ومسائل في رؤية الهلال

شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - رخص الفطر لأصحاب الأعذار ومسائل في رؤية الهلالللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تحري هلال شهر رمضان وغيره من الأشهر المرتبطة بعبادات معينة من الأمور التي ندب إليها الشرع لضبط دخول الشهر وخروجه، وسائر هذه الشهور يلزم لإثبات دخولها وخروجها وجود شاهدي عدل إلا ما يكون به إثبات دخول رمضان فيكفي فيه شاهد عدل واحد، كما بين ذلك النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    1.   

    جواز الفطر لمن سافر أثناء يوم في رمضان بدأه بالصيام

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    ذكرنا في الحديث السابق أعذاراً ذكرها الله سبحانه تبارك تعالى في كتابه وذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في سنته فيمن يباح له أن يفطر في نهار رمضان، قال الله سبحانه: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184]، وذكرنا أن دلالة الاقتضاء هنا تعطي معنى أن من كان منكم مريضاً فأفطر في نهار رمضان فعليه عدة من أيام أخر، ومن كان منكم مسافراً فأفطر في نهار رمضان فعليه أن يصوم مكانها عدة من أيام أخر.

    وذكرنا أن المرض هو أي مرض يشق على الإنسان معه الصوم، فإذا كان المرض يسيراً لا يشق معه الصوم ولا يعتبره الكثيرون من الناس شيئاً من المرض كالجرح في اليد، أو خلع الضرس فهذا ليس من المرض الذي من أجله يفطر الإنسان، لكن إذا أصبح يشق عليه، ويحتاج إلى تداوي، أو أنه يرهقه ويتعبه في صيامه، فيكون هذا مرضاً معه يترخص بأن يفطر في نهار رمضان، وعليه عدة من أيام أخر.

    وإذا كان مسافراً والراجح أن السفر هو ما سمي سفراً عرفاً، فله أن يفطر فيه، ونقول: إن أقل ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في مسافة سافرها وقصر فيها الصلاة أنه سافر ثلاثة فراسخ أو ثلاثة أميال شك الراوي في العدد، والثلاثة الأميال تساوي ستة كيلو تقريباً، وثلاثة فراسخ تساوي حوالي ستة عشر كيلو تقريباً، فعلى ذلك الاحتياط فيها أن تكون أقل مسافة هي ثلاثة فراسخ.

    ويشترط أن يكون بين آخر العمران في بلده وبين البلدة التي يذهب إليها على الأقل مثل هذا القدر الذي هو ثلاثة فراسخ، فيجوز له أن يقصر من الصلاة، بل يستحب له ذلك، ويجوز له أن يفطر في السفر، وقد ذكرنا أن الراجح أن يعمل الأيسر عليه فالنبي صلى الله عليه وسلم صام في السفر وأفطر في السفر صلى الله عليه وسلم، وكذلك الصحابة كانوا يسافرون فمنهم الصائم ومنهم المفطر فلا يعيب بعضهم على بعض، فيجوز للإنسان المسافر أن يتم صومه، ويجوز له أنه يفطر فما كان أيسر عليه فعله.

    إذا سافر أثناء يوم من رمضان فله الفطر فيه إذا ركب وخلف بلدته وراءه، وهنا بعض العلم يقول: قال الله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]، وكثير من العلماء يقولون: إنه إذا أصبح صائماً فهذا شاهد ولزمه الصوم، فلو أنه سافر يلزمه أن يتم صيام اليوم، لكن الراجح في ذلك أنه حتى ولو أصبح صائماً فكما يجوز له إذا مرض أن يفطر فيجوز له إذا سافر أن يفطر أيضاً ويجوز أن يمسك، والدليل ما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم -اسم مكان- فصام الناس، فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام وإنما ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثم شربه فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام فقال: أولئك العصاة، أولئك العصاة)؛ لأنهم كانوا مثبطي عدوهم بعد ذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم أفطر بعد العصر وهذا دليل على أن الإنسان قد يكون صائماً في أول اليوم ثم مع مشقة السفر يفطر في آخر اليوم، وهذا جائز له.

    فإذا سافر الصائم يجوز له بعد أن يدخل في حكم المسافر أن يترخص بالإفطار وله أن يتم صومه.

    الخلاف في جواز إفطار المسافر قبل سفره

    روى أبو داود وأحمد عن عبيد بن جبر قال: (كنت مع أبي بصرة الغفاري صاحب النبي صلى الله عليه وسلم في سفينة من الفسطاط في رمضان)، يذكر أنه كان مع أبي بصرة الغفاري وخرج من الفسطاط في سفينة.

    (فرفع) يعني: شراع السفينة. (ثم قرب غداه) أي: قدموا له الأكل ليأكل. (فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة) يعني: ركب السفينة ومضت بهم ولكنهم لم يزالوا يروا بيوتاً من ورائهم، فأصبحوا مسافرين فأفطر أبو بصرة رضي الله عنه.

    قال: (فقلت: ألست ترى البيوت؟!) أي: ألا ترى البيوت أمامك؟

    قال أبو بصرة : (أترغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم)، فأكل.

    وفي رواية أخرى: (ركبت مع أبي بصرة من الفسطاط إلى الإسكندرية في سفينة) ، من الفسطاط في القاهرة حتى يصل إلى الإسكندرية، فالمسافة مسافة قصر ولكنه أفطر بعد أن ركب السفينة مباشرة، بمجرد أن ركب السفينة بدأ بالإفطار بعدما تحركت السفينة.

    وروى الترمذي عن محمد بن كعب أنه قال: أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفراً، وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكله، فقلت له: سنة، قال: سنة؟ ثم ركب.

    وقصة أنس بن مالك رضي الله عنه توضح أن محمد بن كعب ذهب إليه وقد جهز نفسه للسفر، وقد كان في بيته أو قابله خارج المدينة، فكلا الأمرين محتمل، يُحتمل أنه كان في بيته وجهز له ركوبته وقبل أن يركب أفطر ثم انطلق، وهو متأكد أنه مسافر فانطلق، فيستدل به البعض أنه يجوز له أن يفطر في بيته ثم يخرج.

    والراجح: ليس له أن يفطر حتى وإن فعل أنس رضي الله تبارك وتعالى عنه ذلك؛ لأن العلماء قالوا: فعل أنس يحتمل التأويل، فيحتمل أن محمد بن كعب قابله وهو في بيته، ويحتمل أنه قابله وهو خارج المدينة، ولذلك يجوز عند جماهير العلماء أنه إذا ركب وخرج من المدينة وخلفها وراءه حتى لو أنه يرى بيوت المدينة وهو خارجها أن يفطر؛ لأنه عزم على السفر وتأكد أنه في سفر، فعلى ذلك فعل أنس بن مالك رضي الله عنه، فيحتمل أنه خرج من المدينة وقابله محمد بن كعب هنالك، ويحتمل أنه كان في المدينة أو كان في بيته، فالحديث محتمل، يقول: أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفراً وقد رحلت له راحلته أي: جهزتها، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكله، فقلت له: سنة؟! قال: سنة، ثم ركب.

    وأيضاً الاحتمال وارد في قوله: قلت له: سنة؟! كأنه يقول: سنة إذا كان يوم من رمضان وأنت شاهد الشهر وأردت الخروج فخرجت فلك أن تفطر، هل هذه سنة؟! فقال: سنة، ويحتمل: سنة أنك تأكل قبل أن تخرج؟! فيقول: إنها سنة، فلما كانت دلالة الحال يتطرقها الاحتمال فيبعد بها الاستدلال.

    وقد قلنا: إن كثيراً من العلماء يستدلون بالآية: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]، أنه إذا كنت مقيماً في البلد وأصبحت صائماً ثم خرجت مسافراً ليس لك أن تفطر، فكأن أنساً هنا يقول: لا، سنة أن أفطر، وجاء بهذه السنة من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وهو في سفره لفتح مكة عليه الصلاة والسلام، فقد أصبح صائماً وأفطر بعد العصر عليه الصلاة والسلام.

    إذاً: السنة إذا سافرت وأنت صائم لك أن تفطر وهذا ما يحتمله هذا الحديث.

    يقول الترمذي: ذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث وقالوا: للمسافر أن يفطر في بيته قبل أن يخرج وليس له أن يقصر الصلاة حتى يخرج من جدار المدينة أو القرية، وهو قول إسحاق بن راهويه.

    ولكن جماهير العلماء لم يقولوا بذلك، وإنما قالوا: طالما أن اسمه مسافر فله أن يقصر وله أن يفطر، وإذا لم يسمَّ مسافراً ليس له أن يقصر أو أن يفطر، أما التفرقة بين القصر والإفطار أن له أن يقصر إذا خرج وليس له أن يقصر وهو موجود، حتى وإن كان ناوياً للسفر، وله أن يفطر وهو في بيته وليس له أن يقصر الصلاة، فهذه تفرقة بين متشابهين، لكن الأحوط في ذلك أنه ليس له أن يقصر ولا أن يفطر إلا إذا خرج من البلد؛ لأنه إذا خرج من البلد الآن صار مسافراً، أما وهو في المدينة فلا يطلق عليه مسافر، فلو تخيلنا إنساناً في بيته وهو في نهار رمضان فأفطر فالعذر للمسافر وأنت لست مسافراً ما زلت في البلد، فقد تخرج لتركب القطار، وبعد أن تصل إلى محطة القطار تجد القطار قد فاتك، فإذاً أنت ما زلت مقيماً وأفطرت فكيف تفطر وأنت لم تتيقن من السفر؟! بخلاف من ركب القطار وتحرك به القطار فيكون الآن قد أيقن أنه مسافر فعلى ذلك له أن يفطر بعدما تحرك وخرج، وليس وهو في البلد فيحتمل أن يخرج ويحتمل ألا يخرج.

    فالجميع اتفقوا على أن المسافر إذا كان في البلد ليس له أن يقصر الصلاة، وهذه أسئلة يسألها البعض ويقول: أنا مسافر، والآن وقت صلاة الظهر وأنا على محطة القطار، وسنركب القطار وسنصل هناك بعد المغرب فهل لي أن أصلي الظهر والعصر جمع تقديم وأنا في هذا المكان؟! فليس له ذلك؛ لأنه مقيم وليس مسافراً، لكن لو خرج في الطريق وخرج به القطار من البلد، وصار يطلق عليه مسافراً، فلو نزل في محطة من المحطات فصلى الظهر والعصر فيجوز له أن يجمع ويقصر، فيقصر الصلاة ويجمع بين الظهر والعصر؛ لأن وصفه الآن مسافر.

    إذاً: الأحوط والأرجح في الدليل أنه ليس له أن يقصر ولا أن يفطر إلا إذا تيقن أنه صار مسافراً، فيكون بذلك خارج البلد.

    قال ابن قدامة في المغني: ولا يباح له الفطر حتى يخلف البيوت وراء ظهره، أي: يجازوها.

    وقال الحسن : يفطر في بيته يوم يريد أن يخرج. ولعله أخذه من قول أنس : سنة.

    يقول ابن قدامة قول الحسن شاذ، وأول فعل أنس بقوله: فأما أنس فيحتمل أنه قد كان برز من البلد خارجاً منه فأتاه محمد بن كعب في منزله، فلما كان فعل أنس يحتمل أنه قد يكون في منزله أو خارج من المنزل خارج البلد وأتاه محمد بن كعب هناك فبعد الاستدلال به، قال: ولنا قول الله عز وجل؛ لأن هذه القاعدة والأصل قول الله عز وجل: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185].

    إذاً: من كان شاهداً مقيماً يلزمه الصيام، والرخصة للمسافر وللمريض وهذا ليس واحداً من الاثنين فلا يوصف بكونه مسافراً إلا بعد خروجه من بلده.

    وإن أصبح صائماً فسافر جاز أن يفطر في اليوم الذي سافر فيه، وهذا هو الراجح من حيث الدليل، لفعل النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان مسافراً وصائماً فأفطر في آخر النهار، ولكن البعض الذي يمنع يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان مسافراً أصلاً من أول النهار، وقد نوى الصيام صلى الله عليه وسلم ولكنه كان مسافراً أياماً وليالي، وهذا اليوم الذي أفطر فيه من هذه الأيام كان بالليل مسافراً وبالنهار ليس مسافراً، وكلامنا ليس في هذا المجال، ولكن كلامنا فيمن أصبح وهو مقيم، فإذاً: على ذلك الآية تقول: فَمَنْ شَهِدَ [البقرة:185] وهذا شهد الشهر، هذا متعارض مع كونه في أول النهار كان شاهداً مقيماً وفي آخر النهار كان مسافراً فيلزمه أن يصومه، وهذا قول البعض.

    يقول ابن قدامة في إباحة فطر اليوم الذي سافر فيه: هذه المسألة تختلف عن المسألة السابقة؛ فالمسألة السابقة كانت على اليوم الذي هو مسافر فيه فهل يفطر من البلد أو بعد أن يخرج من البلد؟ أما هذه المسألة إذا نوى الصيام من الليل وأصبح صائماً، فجاء وقت الظهر فبدا له أن يسافر فهل له أن يفطر؟ فالبعض يمنع، لأنه كان شاهداً حاضراً فلزمه حكم الآية: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]، وليس مسافراً في أول النهار.

    البعض الآخر يقول: له أن يفطر، وهو قول: عمر بن شرحبيل والشاعري وإسحاق بن راهويه وداود بن علي الظاهري وابن المنذر ، وهذه رواية عن أحمد رحمه الله وهو الراجح من حيث الدليل، لحديث أبي بصرة الغفاري أنه ذكر أنه سنة، وأبو بصرة كان في البلد بعدما ركب المركب وتحرك وهو يرى البيوت فأفطر، فلما سئل قال: سنة، فدل على أنه إذا أصبح صائماً وركب وتحرك به المركب أو القطار ونحوه له أن يفطر بعد ذلك؛ لأن أبا بصرة فعل ذلك وقال: سنة.

    وأيضاً أنس على أحد التأويلين فعل ذلك وقال: سنة.

    والدليل العقلي: أنه لو كان مسافراً بالليل واستمر سفره بالنهار يبيح له الفطر في ذلك، فإذا وجد في أثنائه أباحه، كالمرض فالإنسان إذا كان مريضاً بالليل وتوقع أن يصبح بالنهار والمرض ما زال به، فله أن ينوي الإفطار ويكون مفطراً بالليل وبالنهار، فكذلك في أمر المسافر، إذا كان مسافراً بالليل وهو يعلم أنه لن يصل قبل آخر النهار من اليوم التالي فله ألا ينوي الصيام وينوي الإفطار بالليل، ويكون بالنهار أيضاً مفطراً، فوجد العذر بالليل فله أن ينوي بالليل أنه سيفطر في يومه الثاني، لأنه مسافر فيه فإذا وجد هذا العذر بالنهار بالمرض فله أن يفطر، فليقِس عليه ذلك في الصيام.

    إذاً: المريض بالليل إذا نوى أنه سيفطر غداً؛ لأن المرض شديد ولن يعافى منه حتى النهار، فله أن يفطر، فإذا أصبح سليماً ومرض بالنهار فله أيضاً أن يفطر، فالمسافر قياساً عليه إذا كان بالليل مسافراً فنوى أنه غداً سيفطر لأنه في حالة سفر، فله ذلك، فإذا وجد السفر في أثناء النهار الذي صام فيه، فله أن يفطر قياساً على المرض؛ ولأنه أحد الأمرين المنصوص عليهما في إباحة الفطر بهما، فأباحه أثناء النهار كالآخر.

    الرواية الثانية وهي التي عليها جمهور العلماء ومنهم: مكحول والزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري ومالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي والرواية الثانية عن أحمد وقولهم هنا: لا يباح له؛ لأنه شاهد في أول النهار وهو مقيم يلزمه الصيام، وبعد ذلك سافر، فتكون هذه رخصة فكأنهم قالوا: وجد هنا تعارض؛ لأنه في أول النهار كان شاهداً وربنا يقول: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]، فعلى ذلك لا نعارضه بالرخصة الآن، ويلزمه الصوم، لكن القول الأول أجمل وأولى، وقال هؤلاء: الصوم عبادة تختلف بالسفر والحضر فإذا اجتمعا غلب حكم الحضر كالصلاة، أي: إذا اجتمع السفر والحضر ويكون جزء منها في السفر وجزء منها في الحضر، فنغلب الحضر فهنا يلزمه أن يصوم لأنه شاهد.

    لكن القول الأول من ناحية الدليل في القياس على المرض قول قوي وأيضاً فعل أبي بصرة وفعل أنس بن مالك كلاهما قال: سنة.

    يقول ابن قدامة : والأول أصح للخبر؛ ولأن الصوم يفارق الصلاة فإن الصلاة يلزم إتمامها بنيته بخلاف الصوم، ويفطر من عادته السفر إذا كان له بلد يأوي إليه، كالسائق المسافر من بلد إلى بلد، والتاجر الجلاب الذي يجلب الطعام وغيره من السلع، وكالساعي الذي يسافر في مصالح المسلمين، وكذلك الملاّح الذي له مكان في البر يسكنه.

    ومعنى ذلك أن الإنسان الذي يسافر كثيراً، طالما أن له مكاناً يأوي إليه فعندما يكون في المكان الذي يأوي إليه فحكمه حكم المقيم، ومثال ذلك: سواق له سيارة موجود في الإسكندرية، يخرج كل يوم من الإسكندرية إلى القاهرة، فطالما هو الإسكندرية فنقول: أنت مقيم، لكنه خارج للسفر وسوف يرجع في آخر النهار للبلد الذي هو فيه، فنقول: لك أن تفطر ولك أن تصوم، مثلما تقدم في قول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي كان يكري الدواب، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إن شئت فصم وإن شئت فأفطر).

    1.   

    حكم فطر من كانت السفينة مسكنه وأهل البادية في تنقلاتهم

    يقول ابن قدامة : فأما من كانت السفينة مسكنه ومعه في السفينة امرأته وجميع مصالحه، ولا يزال مسافراً، فهذا لا يقصر ولا يفطر.

    فلو تخيلنا مثل هذا، أن الإنسان عنده سفينة وهذه السفينة بمثابة بيته وهو مقيم بها دائماً يذهب ويأتي وهو فيها فيقول: هذا حكمه أنه مقيم بداخل هذه السفينة طالما أنه لا يخرج منها ومعه أهله ومعه عياله فيها، وهذا الشيء يتخيل فقط، لكنه حقيقة ليس موجوداً.

    وإذا كان الإنسان يسافر من بلد إلى بلد وفرضنا أن له بيتاً في كل بلد يسافر إليه، فعندما يصل إلى مسكنه في المكان الفلاني فحكمه حكم المقيم، لكن أثناء السفر في الطريق فله أن يفطر وله أن يجمع ويقصر، فهو في حكم المسافر وعلى ذلك سيجتمع حكم القصر في الطريق والإتمام في البيت؛ لوجود مكان يأوي إليه وله أهل فيه، لكن الصوم لا يصح فيه هذا الشيء، لأنه أثناء الطريق بالنهار له أن يصوم أو يفطر، وإذا جلس في البلد يوماً كاملاً فيلزمه أن يصوم.

    أما أهل البادية الذين يشتون في مكان ويصيفون في مكان، وهذا معروف عنهم أنهم يشتون في المكان الذي فيه الكلأ والمرعى، ويصيفون في مكان آخر، فيتوجهون إلى المكان الذي فيه الكلأ والعشب لأغنامهم أو لبهيمة الأنعام، فأثناء طريقهم يكونون في حكم المسافر، وإذا وصلوا إلى مكان المشتى أو مكان المصيف يكونون في حكم المقيم.

    إذاً: في مشتاهم أو مصيفهم يتمون الصلاة ويلزمهم الصيام، وخلال المشي في الطريق لهم أن يقصروا ولهم أن يصوموا أو يفطروا.

    فحتى لو كان متنقلاً فعليه أن يصوم؛ لأنه مكانه، ولكن في الطريق من المشتى والعكس له أن يصوم وله أن يفطر.

    1.   

    حكم المسافر إذا قدم من سفره في نهار رمضان

    (إذا أفطر المسافر لزمه القضاء ولا فدية) والمسافر يلزمه القضاء ولا يلزمه الفدية؛ لقوله سبحانه: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184].

    (أما إذا قدم المسافر في أثناء يوم قد ترخص فيه وأفطر أو برأ المريض وهو مفطر) مثلاً: لو أن إنساناً كان مسافراً ورجع من السفر في وقت الضحى، وهو مفطر، أو كان مريضاً وشفاه الله عز وجل في أول النهار وكان مفطراً، فالأولى والأفضل التشبه بالصائمين، لكن لا يلزمه أن يتم يومه، وليس من الممكن أن يجتمع حكمان أنه يجوز له في أول النهار أن يترخص ويفطر، ثم نلزمه وهو مفطر أنه يجب عليه الصيام، والبعض من أهل العلم أوجبوا عليه ذلك، وهو قول أبي حنيفة وقول الأوزاعي والأظهر عند الحنابلة أنه يجب عليه الإمساك.

    أما عند الشافعي فهو مستحب، والأفضل أن يتشبه بالصائمين ويراعي حرمة اليوم، فيستحب له أن يكمل الصيام وهذه رواية عن أحمد ، أنه لا يجب عليه أن يصوم، فكيف يكون في أول اليوم مفطراً بعذر وله رخصة أن يفطر، ثم نقول: يجب عليك أن تصوم بقية اليوم؟! لا يجتمع في اليوم جواز الإفطار مع وجوب الصوم فيه.

    قال مالك: لا يجب ولا يستحب الإمساك. وهو قول قوي في هذه المسألة، وإن كانت المراعاة للصائمين ولحرمة اليوم أن يحتاط فيمسك بقية يومه استحباباً وليس وجوباً.

    ولا يأكلان - أي: المسافر والمريض - عند من لا يعرف عذرهما لخوف التهمة، فالمسافر بعد أن نزل في مكان وهو نازل قد يعرفه البعض فله أن يأكل وقد لا يعرفه البعض، فيراعي ألا يتهمه الناس، فيقال: فلان مفطر وهم لا يعرفون أنه مسافر أو أنه مريض، فالإنسان يحافظ على نفسه ولا يأكل عند من لا يعرف عذره، فإذا أراد أن يأكل فعليه أن يخبر أنه مسافر أو يخبر أنه مريض، والإخبار هنا لينفي عن نفسه التهمة، ولكي لا يقتدي به إنسان فاسق فيقلده عندما يراه، وهو إنسان لا يصوم وهو يخفي على الناس أنه مفطر، وبمجرد أن يلقى هذا المسافر يأكل، فيقلده ويفطر مثله، فالأفضل: ألا يفطر إلا عند من لا يتهمه.

    (وإذا قدم المسافر أو برئ المريض وهما صائمان) فلو أن إنساناً أصبح وهو مريض مرضاً شديداً يشق معه الصوم، فصبر على مرضه وواصل صومه، فجاء وقت الظهر وقد شفاه الله عز وجل، فليس له رخصة أن يفطر.

    وكذلك لو كان إنسان مسافراً، وأصبح صائماً وهو مسافر فوصل إلى البلد المقيم فيه، فليس له رخصة أن يفطر.

    فمن كان صائماً في أول النهار سواء كان مريضاً أو مسافراً الصيام الشرعي الذي تصحبه النية من الليل، فعلى ذلك يلزمه أن يتم صيامه وليس له أن يقول: أنا أترخص؛ لأن حكمه حكم الصحيح وليس المريض، وحكمه الآن مقيم وليس مسافراً.

    ولو قدم المسافر ولم يكن قد نوى من الليل صوماً ولم يأكل في نهاره قبل قدومه، فله أن يفطر؛ لأن صومه غير شرعي، فصيام رمضان لا بد فيه من النية في الليل ومن الأفضل أن يمسك مراعاة لحرمة اليوم.

    حكم صوم المسافر في رمضان عن غير رمضان

    [ ولا يجوز للمسافر ولا للمريض أن يصوم في رمضان عن غيره ] فلا يصح في رمضان الصيام لقضاء نذر أو كفارة، فصوم رمضان يلزمك نية لصيام رمضان الذي أنت فيه، وعندما ينتهي رمضان اقض ما عليك، سواء كان عن قضاء أو نذر أو كفارة أو تطوع، فإن صام أحدهما شيئاً من ذلك لا يصح صومه لا عن رمضان ولا عما نوى له. فالمعنى: أن الإنسان إذا نوى من الليل أنه سيصوم قضاء للأيام التي أفطرها في السنة الماضية، فهو لم ينو صيام اليوم وإنما نوى صيام شيئاً آخر، فلا يصح أن يصوم في هذا اليوم غيره؛ لأن اليوم لا يستوعب إلا شيئاً واحداً، بخلاف وقت الصلاة فهو يستوعب صلوات كثيرة، فإذا جاء وقت صلاة الظهر فصلى فيه صلاة الظهر التي فاتته في اليوم السابق، ثم نوى صلاة الظهر لليوم الذي هو فيه أو ضاعت منه صلاة الصبح، فيصليها الآن في وقت صلاة الظهر، ويصح ذلك؛ لأن الوقت يستوعب صلوات كثيرة لكن وقت الصوم لا يستوعب إلا صوماً واحداً، والصائم يلزمه أمران: النية والإمساك، فهو ممسك ولكن النية ليست نية صحيحة، فقد نوى أن يصوم شيئاًً غير صيام رمضان، فلا تصح هذه النية، وعلى ذلك لا يصح هذا الصوم لا عن اليوم ولا عن الصوم الذي نواه.

    حكم المسافر إذا قدم من سفره فوجد امرأته طهرت من الحيض فجامعها في رمضان

    [ إذا قدم المسافر في أثناء نهار رمضان وهو مفطر فوجد امرأته قد طهرت في أثناء النهار من حيض أو نفاس أو برئت من مرض وهي مفطرة فجامعها فليس عليه كفارة؛ لأنه مفطر بعذر ] أي: كان مسافراً وقدم وهو مفطر، وامرأته كانت حائضاً وطهرت من حيضها، فلا يجب عليه الصوم وهي لا يجب عليها الصوم، فإذا اغتسلت فجامعها فلا شيء عليه ولا عليها إلا القضاء بالأصل؛ لأنه كان مفطراً في أول اليوم وهي كانت مفطرة بعذر.

    1.   

    حكم الحامل والمرضع

    [الحامل والمرضع إن خافتا من الصوم على أنفسهما أو على ولدهما أفطرتا وقضتا ولا فدية عليهما كالمريض].

    المرأة الحامل قد تخاف على نفسها وقد تخاف على جنينها، والمرضع قد تخاف على نفسها وقد تخاف على ولدها، فعلى ذلك يجوز لها أنها إذا خافت على نفسها أو على ولدها الإفطار، ويلزمها القضاء عند الجميع، واختلف العلماء في وجوب الفدية من عدم وجوبها، ففي حديث أنس بن مالك الكعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تعالى وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحامل أو المرضع الصيام) حديث حسنه الترمذي ، وقال الألباني : حديث حسن صحيح، وقال الترمذي : العمل على هذا عند أهل العلم، أي: أكثر أهل العلم، وقال بعض أهل العلم: الحامل والمرضع تفطران وتقضيان وتطعمان.

    وراوي الحديث هو أنس بن مالك الكعبي وهذا ليس خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن خادم النبي صلى الله عليه وسلم اسمه أنس بن مالك الأنصاري الخزرجي رضي الله عنه، فلو ذكر أنس بن مالك فقط، فسيكون خادم النبي صلى الله عليه وسلم الخزرجي الأنصاري رضي الله عنه، ولكن لا بد من بيانه لأن الإطلاق ينصرف إلى أنس بن مالك رضي الله عنه الصحابي الأنصاري خادم النبي صلى الله عليه وسلم، فحديث أنس الكعبي : (إن الله تعالى وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحامل أو المرضع الصيام) الحامل: يطلق على المرأة الحامل الخائفة على نفسها أو الخائفة على ولدها، وهذا إطلاق، والتقييد يحتاج لدليل، والتقييد أن الحامل هي التي خافت على نفسها أو خافت على ولدها فيحتاج لدليل، وإذا وجدنا الدليل عملنا به، والمرضع مطلق فأي امرأة مرضع يجوز لها أن تفطر طالما أنها مرضع وأن هذه الرضاعة قد تؤثر عليها أو تؤثر على ولدها، فهذا الحديث فيه أن الله عز وجل وضع عن الحامل والمرضع الصوم.

    يقول الترمذي : قال بعض أهل العلم: الحامل والمرضع تفطران وتقضيان وتطعمان، وهذا قول سفيان الثوري ومالك والشافعي وأحمد. سفيان من أهل الكوفة، ومالك في المدينة، والشافعي في الحجاز مكي، وأحمد رحمه الله، فهؤلاء الأربعة أجمعوا على ذلك، يقول: [ أكثر العلماء يقولون: الحامل والمرضع تفطران وتقضيان وتطعمان.

    وقال بعضهم: الحامل والمرضع تفطران وتطعمان ولا قضاء عليهما، وإن شاءتا قضتا ولا إطعام عليهما وبه يقول إسحاق ]، ولم يذكر قول أبي حنيفة فهو أوجب القضاء فقط وهو الراجح في هذه المسألة.

    قال البخاري في صحيحه: باب قوله تعالى: أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:184].

    وقال الحسن وإبراهيم في المرضع أو الحامل: إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما تفطران ثم تقضيان.

    يذكر البخاري : باب قول الله تعالى:: أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:184]، فمعنى ذلك أن الإنسان الذي يكون مريضاً أو على سفر عليه عدة من أيام آخر.

    (وعلى الذين يطيقونه) أي: كبار السن ونحوه ممن لا يقدرون على الصوم إلا بمشقة شديدة تجهدهم، فعليهم فدية طعام مسكين، ولا صيام عليهم، والمسافر والمريض إذا أفطرا فعليهما الصيام.

    وقال الحسن البصري وإبراهيم النخعي في المرضع والحامل: إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما. فكأنه يميل لهذا القول، أن المرضع سواء خافت على نفسها أو خافت على الجنين، والحامل سواء خافت على نفسها أو خافت على جنينها فإنهما تفطران ثم تقضيان فألحقهما بالمريض والمسافر.

    وروى البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (رخص للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة في ذلك وهما يطيقان الصوم أن يفطرا إن شاءا ويطعما عن كل يوم مسكين، ولا قضاء عليهما، ثم نسخ ذلك بهذه الآية فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185] وثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم والحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا كل يوم مسكين) الحديث رواه الإمام أبو داود ولكن اخترنا رواية البيهقي؛ لأنها طويلة وصحيحة، ورواية أبي داود صحيحة ولكنها مختصرة اختصاراً موهماً، ذكر ذلك الشيخ الألباني رحمه الله وقال: إنها مختصرة اختصاراً مخلاً، وسنرى الفرق بين الروايتين، فرواية البيهقي عن ابن عباس : (رخص للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة في ذلك وهما يطيقان الصوم أن يفطرا إن شاءا ويطعما كل يوم مسكين ولا قضاء عليهما)، وهذا أول ما فرض الصيام، قال تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184]، فإذا كانا يقدران على الصيام لهما أن يصوما ولهما أن يفطرا، وإذا أفطر فإنه يطعم مسكيناً ولا يقضي بعد ذلك ولا شيء عليه. (ثم نسخ ذلك بهذه الآية: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]، وثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم عليهما الإطعام) ، فالصوم يحتاج لمجهود شديد منهما وهما لا يطيقانه فلهما الإفطار وعليهما الفدية وهي إطعام مسكين كل يوم.

    (والحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا كل يوم مسكين) فهو يقول: أن الحبلى والمرضع تلحقان بالشيخ والشيخة إذا خافتا، ولم يقيد الخوف فيكون الخوف على الإطلاق، الخوف على النفس أو الخوف على الصبي أو الجنين.

    (أفطرتا وأطعمتا)، وهذا قول مطلق حتى إذا كانتا قادرتين على الصيام بعد ذلك، وهذا قول ابن عباس ومذهبه رضي الله عنه، وهو يرى أنه إذا أفطرت المرضع أو الحامل فعليها أن تطعم كل يوم مسكيناً، وكذلك ابن عمر قال ذلك، وإن كان الراجح في ذلك أن نفرق بين من أفطرت بسبب الرضاعة أو بسبب الحمل وتقدر على الصيام فبعد ذلك يلزمها؛ لأن حكمها حكم المريض، والمريض يلزمه أن يصوم قضاء، أو أنها لا تقدر لا على الصيام ولا تقدر بعد ذلك على القضاء بسبب الحمل والرضاعة المتكرر، فعلى ذلك تفطر وتطعم ولا شيء عليها أكثر من ذلك كما سيأتي.

    ولفظ الإمام أبي داود عن ابن عباس : (كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكين، والحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما).

    فنلاحظ هنا أنه قال: (كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما)، ولم يذكر أنه بعد ذلك نسخ هذا الشيء، فكأن هذا الأمر باقٍ، بخلاف لفظ البيهقي فقد ذكر وزاد رواية ثم نسخ ذلك في هذه الآية، فمن شهد منكم الشهر فليصمه وثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان، لذلك ذكرنا أن لفظ البيهقي أوضح في هذه المسألة، ولفظ الإمام أبي داود أخصر، والاختصار يوهم أن الحكم القديم معمولٌ به.

    وروى الإمام ابن جرير الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (إذا خافت الحامل على نفسها والمرضع على ولدها في رمضان يفطران ويطعمان مكان كل يوم مسكيناً ولا يقضيان صوماً) أي: ومن يحتج بقول ابن عباس من الأئمة رضوان الله عليهم يقول: ابن عباس قال: تطعمان والآية تقول: إنهما تقضيان، فنجمع بين القضاء مع الإطعام.

    لكن ابن عباس هنا نص على أنهما تفطران وتطعمان مكان كل يوم مسكيناً ولا تقضيان صوماً.

    وفي رواية أخرى عن ابن عباس أنه رأى أم ولد له حاملاً، وأم الولد هي أمة كان يملكها ابن عباس واستولدها فصارت أم ولد له، وجدها حاملاً أو مرضعاً، قال: أنت بمنزلة الذي لا يطيق، فعليك أن تطعمي مكان كل يوم مسكيناً، ولا قضاء عليك، وفي رواية أن هذا إذا خافت على نفسها، ورواه الدارقطني بلفظ: أنت من الذين لا يطيقون الصيام، عليك الجزاء وليس عليك القضاء.

    وفي رواية أخرى عن ابن عباس وابن عمر قالا: الحامل والمرضع تفطر ولا تقضي.

    وعن ابن عمر أن امرأته سألته وهي حبلى، فقال: أفطري وأطعمي عن كل يوم مسكيناً ولا تقضي.

    وعن نافع قال: كانت بنت لـابن عمر تحت رجل من قريش، وكانت حاملاً فأصابها عطش في رمضان، فأمرها ابن عمر أن تفطر وتطعم عن كل يوم مسكيناً.

    فهذه الآثار عن ابن عباس وعن ابن عمر فيها أنه لم يفرق بين إذا خافت على النفس أو خافت على الولد.

    إذاً: الحامل والمرضع تفطران فإذا قدرتا على القضاء يلزمهما ذلك، فليسا بأولى من الإنسان المريض والمسافر، فالمرأة الحامل بعد أن تضع وهي ترضع تقدر على الصيام فيلزمها قضاء رمضان، وكذلك المرأة المرضع إذا كانت في رمضان والصيام يمنع اللبن أن ينزل وستتعب تعباً شديداً بسبب ذلك، جاز لها أن تفطر في نهار رمضان وتقضي بعد ذلك، لكن إذا كان يشق عليها الصيام وأيضاً يشق عليها القضاء بسبب الحمل المتكرر والرضاعة المتكررة فعليها الإطعام ولا يلزمها أكثر من ذلك.

    ولو استؤجرت لإرضاع ولد غيرها فنقول: هذه المرأة المرضع سواء كانت ترضع ولدها أو ترضع غير ولدها، وهذا مشتهر عند العرب في الماضي أن المرأة كانت تلد وبعد ذلك يذهبوا بالولد لبعض الأعراب في البادية؛ لأن جو البادية صحي للطفل الصغير فترضعه امرأة من البادية، فكان يختار الرجل لابنه المرضعة التي تقدر على ذلك وترضعه، وهذه المرضعة ترضع غير ولدها ولها الرخصة أيضاً والعذر بأنها تفطر وتقضي يوماً مكانه إذا كانت تقدر على القضاء أو أنها تفطر وتطعم ولا يلزمها القضاء إذا كانت لا تقدر عليه.

    نقول: المرأة المستأجرة للإرضاع لترضع ولد غيرها يجوز لها الإفطار بل قد يجب عليها الإفطار إن تضرر الرضيع.

    تلخيص مذاهب العلماء في حكم الحامل والمرضع في الصيام والفطر

    لخص الإمام النووي مذاهب العلماء في الحامل والمرضع في كتابه المجموع على أربع مذاهب:

    المذهب الأول: يفطران ويطعمان ولا قضاء عليهما، وهذا ذكرناه عن ابن عمر وعن ابن عباس وأيضاً سعيد بن جبير فيه، وهو أن المرأة الحامل والمرضع التي تخاف على نفسها أو تخاف على الجنين إذا خافتا فأفطرتا فعليهما الإفطار والفدية، فتفدي عن كل يوم بإطعام مسكين، وليس عليها القضاء، وهذا هو القول الأول.

    المذهب الثاني وهو قول الإمام مالك : يفرق بين الحامل والمرضع، فالحامل تفطر وبعد ذلك عليها القضاء، والمرضع تفطر وتقضي وتفدي، فعلى المرضع كلا الأمرين.

    المذهب الثالث: قول مجاهد والشافعي وأحمد يفرقون بين أن تخاف المرأة الحامل أو المرضع على النفس أو تخاف على الولد، فإذا خافت على نفسها عليها أن تفطر ثم بعد ذلك تقضي ولا فدية، وإذا خافت على الجنين أو على الولد، فتفطر وعليها القضاء مع الفدية.

    المذهب الرابع: قول عطاء بن أبي رباح والحسن والزهري والأوزاعي وأصحاب الرأي -يعني: الأحناف-: أنهما يفطران ويقضيان ولا فدية وحكمهما كالمريض وبه قال ابن المنذر، وهو أوجه الأقوال وأقواها، لكون المرأة الحامل أو المرضع مشبهة بالمريض، والمريض يلزمه أن يقضي، فهذه يلزمها القضاء، فإذا تعذر عليها القضاء، لها أن تطعم عن كل يوم مسكيناً ولا يلزمها القضاء، فإذا احتاطت المرأة بذلك وأخذت بقول الشافعي وأحمد ومن قبلهما مجاهد أنها إذا خافت على الجنين أو على الطفل أفطرت ثم قضت وأطعمت فهذا طيب؛ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ [البقرة:184]، فيكون من باب التطوع أما أنه واجب، فالراجح أنه لا يجب إلا الصوم، وإذا تعذر ذلك فتطعم مكانه كل يوم مسكيناً.

    1.   

    وجوب صيام رمضان برؤية الهلال

    لا يجب صوم رمضان إلا برؤية الهلال، فإن غمي عليهم وجب عليهم أن يستكملوا شعبان ثم يصوموا لما روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين) وفي لفظ مسلم : (فإن غمي عليكم فأكملوا العدد).

    إذاً: إذا لم يظهر الهلال نتم شعبان، فإذا كنا في شهر شعبان ولم يظهر رمضان فنكمل شعبان ثلاثين يوماً، ولذلك جاء في رواية أخرى: (لا تقدموا الشهر بيوم ولا بيومين إلا أن يوافق ذلك صوماً كان يصومه أحدكم، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ثم أفطروا)، فالألفاظ: (غم)، (غبي)، (غمي)، كلها بمعنى واحد وهو عدم ظهور الهلال لسبب من الأسباب.

    وجاء في السنن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تصوموا قبل رمضان، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) فلا تصم قبل رمضان احتياطاً.

    والذي ليس متعوداً على أن يصوم في شعبان ولا في غير شعبان ويأتي ليصوم يوم الشك، ويقول: سوف أصوم هذا اليوم فربما يكون من رمضان فهذا لا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا تصم احتياطاً لرمضان ولكن إذا ثبتت الرؤيا فصم، (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته)، وهذا الحديث فيه (فإن حالت دونه غياية -يعني: سحابة- فأكملوا ثلاثين يوماً) يعني: ليس مطلوباً أن نبحث ونفتش وراء السحاب عن الهلال، فإذا ظهر الهلال ثبت الشهر، وإذا لم يظهر الهلال فعلى ذلك (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته).

    وفي رواية للنسائي قال صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وانسكوا لها -أي تعبدوا-، فإن غم عليكم فأكملوا ثلاثين، فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا) فيكون الأصل في الرؤيا أن يشهد شاهدان، وهذا في رؤية هلال رمضان أو في غيره، وسيأتي أنه في رمضان يجوز الشاهد الواحد؛ لفعل ابن عمر وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بشهادته وحده رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    وقوله: (صوموا لرؤيته) هذا يحتمل أن يكون ليلاً أو نهاراً، فإذا كان بالليل فيكون الصوم باليوم الذي يليه، وإذا كان بالنهار فيكون باليوم الذي يليه أيضاً.

    قال جمهور العلماء في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (فإن غم عليكم، فاقدروا له) المعنى: احسبوا أول الشهر والرواية الأخرى توضحها (فأتموا عدة شعبان ثلاثين، واحتاطوا لشهر شعبان من أوله) ؛ لأنك ستبني صيام رمضان عليه إذا لم تر الهلال، فمعنى (اقدروا له) أي: انظروا في أول الشهر واحسبوا تمام الثلاثين لقوله صلى الله عليه وسلم: (فأكملوا العدة ثلاثين).

    وروى أبو داود من حديث عائشة رضي الله عنها: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان)، والمعنى أنه كان يهتم برؤية هلال أول شعبان؛ لأنه سيبني عليه رؤية هلال رمضان أو إكمال شعبان ثلاثين. (فإن غم عليه عد ثلاثين) أي: عد ثلاثين من شعبان ثم صام صلى الله عليه وسلم.

    النهي عن صيام يوم الشك

    روى النسائي عن سماك قال: (دخلت على عكرمة في يوم قد أشكل هل هو من رمضان أو من شعبان وهو يأكل خبزاً وبقلاً ولبناً، فقال لي: هلم).

    سماك يقول: (دخلت على عكرمة) وهو شيخه.

    (في يوم قد أشكل) أي: يوم الشك.

    قال: (وهو يأكل خبزاً وبقلاً ولبناً، فقال لي: هلم) أي: تعال كل. (فقلت: إني صائم) وكأن سماكاً قد احتاط فصام هذا اليوم فلعله يكون رمضان. (فقال: وحلف بالله لتفطرن) أي: فأقسم عليه أن أفطر.

    قال: (قلت: سبحان الله! مرتين، فلما رأيته يحلف لا يستثني) لا يستثني أي: لا يقول: إن شاء الله، أي: لم يقل له: والله! إن شاء الله افطر، ولكن قال: والله لتفطرن، أقسم عليه.

    قال: (تقدمت، فقلت: هات الآن ما عندك) أي: بعدما أكلت سألته: لماذا حلفت علي؟!

    قال: (سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن حاله بينكم وبينه سحابة أو ظلمة فأكملوا عدة شعبان).

    إذاً: إذا لم تروا الهلال فأكملوا عدة شعبان. (ولا تستقبلوا الشهر استقبالاً) أي: لا تقدموا قبل الشهر، وتقولوا: سوف نصوم يوماً قبله احتياطاً، وحين يأتي العيد تقولون: نصوم يوماً احتياطياً فتجعلون رمضان اثنين وثلاثين يوماً أو واحداً وثلاثين يوماً، ولكن لا تحتاط قبله ولا بعده.

    قال: (ولا تصلوا رمضان بيوم من شعبان).

    إذاً: على ذلك الشهر ينفصل عن غيره من الشهور.

    يقول ابن المنذر في كتاب الإشراف: صوم يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال مع الصحو لا يجوز بإجماع الأمة، وقد صح عن أكثر الصحابة والتابعين كراهته.

    وقال الحافظ ابن حجر : هكذا أطلق ولم يفصل بين حاسب وغيره، أي: الذي يعمل بالحساب أو بغير الحساب يكره عليه صيام هذا اليوم طالما أنه لم ير الهلال. فمن فرق بينهم كان محجوجاً بالإجماع قبله. والمقصود أنه ليس هناك فرق بين من يحسب وبين من لا يحسب، والحساب في الماضي كان حساباً ظنياً أما إذا كان الحساب مبنياً على المراصد وعلى تصوير الهلال في ليالي الهلال، وأنه في يوم كذا سوف يكون في مكان كذا، وغداً سيكون في مكان كذا، وإذا كان الاعتماد على هذه الآلات الدقيقة ففي هذه الحالة لن يصلح الهلال أن يكون أمارة لتصديق الشاهد أو لتكذيب الشاهد، فعلى ذلك لا يصح الاعتماد على الرؤية الفلكية أو الحساب الفلكي ولكن الأصل هي الرؤية البصرية فإذا جاء إنسان وقال: رأيت الهلال، والحساب والمراصد تقول: إنه يستحيل أن يرى، فعلى ذلك يقال: هذا الإنسان لم ير، فعلى هذا يصلح الحساب الفلكي من المراصد ونحوها لنفي قول صحة الشاهد، وربما أنه قد يكون رأى شيئاً آخر ولم ينتبه وكان على عينه شيء، وسوف نبين هذا الكلام.

    والحساب موجود في الماضي، فقد كان الناس يحسبون الشهور، وعلى عدد الأيام يوقتون لشهر رمضان، يقول الحافظ ابن حجر : لا يعتمد على مثل هذا الحساب.

    فإذا كان الحساب وصل إلى أمر قطعي وأنه معتمد على مراصد وغيرها فعلى ذلك نقول: الأصل الرؤية كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ولكن هذا الحساب يصلح لتصديق شهادة الشاهد أو ردها.

    قال ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا) يعني: مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين.

    قال ابن حجر : المراد بالحساب المنفي هنا حساب النجوم وتسييرها فلم يكونوا يعرفون من ذلك إلا النزر اليسير، أي أن الصحابة لم يكونوا يعرفون حساب النجوم ولا الحساب الفلكي، فلا يقيد الأمر بشيء لا يعرفونه.

    يقول ابن حجر الهيتمي : وقع تردد فيما لو دل الحساب على كذب الشاهد بالرؤية وأنه مستحيل أن يرى الهلال هذه الليلة، فكيف رآه هذا الإنسان؟!

    يقول ابن حجر الهيتمي الشافعي : والذي يتجه منه أن الحساب إن اتفق أهله على أن مقدماته قطعية وكان المخبرون منهم بذلك عدد التواتر ردت الشهادة وإلا فلا.

    وقت بداية رؤية الهلال

    العلماء يقولون: إن الرؤية تبدأ وقت غروب الشمس وذلك في اليوم التاسع والعشرين من شهر شعبان، حيث يتوجه النظر إلى نقطة غروب الشمس؛ لأن الذي سيبحث عن الهلال لن يبحث عنه في السماء كلها، ولكن عندما تغرب الشمس فإنه سينظر في المكان الذي غربت منه الشمس لكي يرى الهلال هل هو موجود بعد الغروب أو غير موجود.

    وعلماء الفلك يقومون بتحديد مركز وهمي عند نقطة الغروب بمساحة خمس درجات فلكية يميناً وشمالاً، ويحسب ثمان درجات لأعلى وثمان درجات لأسفل، ولا تزيد فترة الرؤيا على نصف ساعة بعد الغروب، فيكون مع التحرز والرصد أصبح يقيناً عندهم أن الرؤية لهذا الهلال الذي هو لليوم الثاني إلا في خلال نصف ساعة بعد غروب الشمس، فإذا لم يظهر الهلال خلال نصف ساعة بعد الغروب يتم استكمال الشهر ثلاثين.

    حالات رؤية الهلال

    تنقسم رؤية الهلال إلى حالات منها: غروب القمر يوم التاسع والعشرين قبل غروب الشمس، فالمقصود أن الشمس تغرب والأرض تغرب، وكما نعلم أن الأرض تدور والقمر يدور حول الأرض، وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا [يس:38]، فالأرض تدور في مدار الشمس فعلى ذلك فإن القمر يدور حول الأرض، وعندما يأتي القمر بين الأرض وبين الشمس ستكون أشعة الشمس على جزء من القمر وهو الذي يراه الإنسان بحسب حركة القمر مع الشمس، فإذا تحرك فوقها فإنه يظهر على شكل حرف نون، وإذا تحرك وانزاح بجوارها فإنه يظهر على شكل حرف راء، فهنا يقولون لنا: إذا كان غروب القمر ليلة تسع وعشرين قبل غروب الشمس ففي هذه الحالة لا يمكن رؤية أي جزء من القمر بعد الغروب وذلك يعني استكمال الشهر، وحساب المراصد يقول: إن القمر سيغرب هذه الليلة فسوف يغرب هذا النهار الساعة الرابعة والنصف، قبل غروب الشمس وإذا كان القمر على ذلك وجاء واحد وقال: أنا رأيت الهلال هذا النهار، نقول له: أنت كاذب فليس هذا من الممكن.

    فهذا مبني على أشياء يقينية عندهم، فالأمر ليس له علاقة بالحساب، وإنما من خلال الدراسة لسنين طويلة وصلوا إلى هذا الشيء مستعينين بالرصد والتصوير والكمبيوتر وغير ذلك بحيث يقول لك متى سيغرب الهلال هذه الليلة، فإذا غرب الهلال قبل الشمس، فعلى ذلك مستحيل أن يرى الهلال ويكون غداً المتمم لشهر شعبان.

    إذاً: الأصل يكون الاعتماد على الرؤية البصرية والمراصد تصدق هذا أو ترد شهادته.

    حالة أخرى: وهي ظهور الهلال بعد غروب شمس يوم التاسع والعشرين بفترة، وهذه مسألة حسابية، فمثلاً يقال: هذه الليلة ستغرب الشمس الساعة السادسة، والقمر من المفروض أن يغرب بعد الشمس بعدة ساعات، فمن المستحيل هنا أن يرى القمر؛ لأنه لا يرى إلا بعد ثمان ساعات من ميلاده.

    فلو جاء إنسان في هذه الليلة وقال: أنا رأيته، فنقول له: يستحيل أن تراه، لأن فترة ولادته كان محجوباً بالشمس فليس من الممكن أن يرى، وعلى هذا فإن المراصد والحساب الفلكي هي أمارة على نفي ما أثبته الشاهد، لكن إذا جاء الشاهد وقال: أنا رأيته، والحساب يثبت أنه فعلاً يمكن أن يرى في هذه الليلة، فعلى ذلك يكون العمل على رؤية الهلال.

    أما مفهوم ولادة القمر أو الهلال فنقول: إن القمر أثناء دورانه حول الأرض يمر بوضعية ينطبق فيها ظاهرياً على الشمس، فإذا كان ينطبق ظاهرياً على الشمس فهذا يوافق المحاق، والمحاق هي الليالي التي لا يرى فيها القمر، فيكون منطبقاً على الشمس ويقع بينها وبين الأرض، فإذا انطبق في وقت الليل أمام الشمس فالشمس تجعله لا يظهر، وفي هذه الحالة يكون المحاق الذي يكون في آخر الشهر، فإذا علا التمر قليلاً عن الشمس، يكون الجزء الأسفل من القمر هو الذي يرى، وشعاع الشمس يسقط عليه فيظهر على شكل حرف نون، وهذا هو الهلال، لكن هذا لا يحدث إلا نادراً وذلك عندما تقع الأرض والقمر على استقامة واحدة والتي هي في حالة كسوف الشمس.

    أما في الحالة العامة فيكون القمر منزاحاً إلى أحد جانبي الشمس، فيكون إما يميناً وإما يساراً فيظهر على شكل حرف الراء، فإذا صار القمر أثناء دورانه على خط أفقي واحد مع الشمس فيكون في المحاق.

    [ بيد أن العين البشرية لا تستطيع رؤية القمر بعد ولادته إذا كان عمره أقل من ثمان ساعات ]، فميلاد القمر معناه انزياح القمر عن الشمس في نظر الرائي، وفي هذه الحالة يكون القمر بين الشمس وبين الأرض، أما إذا انزاح عن الشمس يميناً أو إلى أعلى فهنا يقال: ولد، ووقت ميلاد القمر لا يرى القمر فالشمس تمنعك من رؤيته، وضوء الشمس العادي يمنع من ذلك، فإذا انزاح وبعد عن الشمس فيمكن أن تراه، ففي هذا الوقت يمكنك أن تراه بعد ميلاده بثمان ساعات، والعين البشرية لا تستطيع رؤية القمر بعد ولادته إذا كان عمره أقل من ثمان ساعات؛ وذلك لشدة قربه من الشمس وتأثير ضوئها على وضوحه، ورؤية القمر لا تتم إلا إذا كان عمره قبل الغروب ثمان ساعات أو أكثر.

    اختلاف العلماء في حكم رؤية الهلال في بلد دون بلد آخر

    ظهور الهلال يكون برؤية شاهد أو شاهدين له، فإذا قبل القاضي أو مفتي البلد شهادتهما فعندها يصوم الناس، والآن يعتمدون في رؤية الهلال على المراصد، فعلى ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون) فالصوم يكون مع الجماعة.

    فإذا رؤي الهلال في بلد من البلدان وقرر مفتي البلد بأن هذه الرؤية رؤية صحيحة وألزم الناس بها فالراجح أنه يلزم الجميع أن يصوموا، وإذا كان هذا البلد يأخذ بتقرير المرصد فعلى ذلك يكون صيامنا مع أهل بلدنا، فالذي يلزم المفتي شرعاً أنه إذا تأكد من رؤية الهلال في منطقة يجتمع فيها مجموعة من البلدان في ليل واحد يلزمه أن يأخذ بهذه الرؤية، وأن يأمر الناس بالصيام، فعلى ذلك هذا الأمر أو الحكم متعلق بمن يفتي للناس، أما التأكد من أن الشاهد رأى أم لم ير فهذه ليست من اختصاصنا وليست من اختصاص آحاد الناس، وإنما اختصاص القاضي أو المفتي في هذا المكان، فالذي يلزمنا أننا نصوم مع الناس ونفطر مع الناس لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون) فيكون صيام كل المسلمين معاً وإفطار كل المسلمين معاً أو على الأقل أهل البلد الواحد، وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، والجمهور على أنه إذا ظهر الهلال في بلد يلزم باقي البلدان أن يصوموا طالما أنهم صدقوا رؤية هذا الرائي.

    وذهب الشافعية إلى أنه لا يلزم أهل بلد رؤية بلد أخرى، وإنما يلزمهم رؤية بلدهم فقط، لما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذا المعنى، يقول كريب فيما رواه مسلم : (أن أم الفضل بنت الحارث التي هي أم ابن عباس رضي الله عنهما بعثت كريباً إلى معاوية في الشام قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها، واستهل علي رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة) أي: يوم الخميس المغرب رأوا الهلال وكريب رأى الهلال مع من رآه.

    قال: (ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته، فقلت: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية ، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، فقلت: أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم) فـابن عباس اجتهد في هذه المسألة على ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن لم يذكر ابن عباس ما الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم، والواضح أن ابن عباس كان عمره في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة سنة، وليس من الممكن أن يسمع ما لم يسمعه غيره خاصة في هذا، ولعله أخذ بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته) فقال: هذا ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، فنزله كفتوى منه في هذا الشيء، ولعله قصد أنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأتموا عدة شعبان ثلاثين يوماً) فجعله محمولاً على رؤية أهل البلد، فلذلك قال: نصوم على رؤية المدينة ونفطر على رؤية المدينة ولا يلزمنا ما رآه معاوية ، حتى وإن كان كريب الذي يحدث ابن عباس قد رآه رضي لله عنهما، وقد أخذ بذلك الشافعية وقالوا: إنه يلزمنا رؤية البلد التي نحن فيها.

    يقول ابن تيمية في هذه المسألة: تختلف المطالع باتفاق أهل المعرفة بهذا، فإن اتفقت المطالع لزمه الصوم وإلا فلا، يعني: مطلع الهلال على مجموعة من البلدان بامتداد الأفق قد يتفق وقد لا يتفق، فيمكن أن تراه هذه المجموعة كلها وقد يراه بعضها ولا يراه البعض الآخر، فإذا قلنا: إنه خلال نصف ساعة يظهر الهلال في هذا المكان والأرض تدور خلال هذه الفترة فيكون في هذا الوقت يظهر في المكان الفلاني بعده بقليل، ويظهر في المكان الفلاني بعده بقليل، وبهذا يطلع الهلال على مجموعة من البلاد في هذه الليلة.

    وعلى ذلك نقول: إذا طلع الهلال في بلد هنا الساعة الخامسة والربع، وفي الآخر الساعة الخامسة وستة عشر دقيقة، وفي الآخر الساعة الخامسة وثمانية عشر دقيقة، فنقول: اتفقت المطالع هنا.

    قال: فإذا اتفقت المطالع لزمه الصوم وإلا فلا.

    وهذا قول الشافعية وقول في مذهب أحمد .

    وقال في مجموع الفتاوى: (مسألة رؤية بعض البلاد رؤية لجميعها فيها اضطراب) يعني: أنه إذا ظهر في بلد فإنه يلزم الكرة الأرضية كلها الصيام، قال: هذا فيه اضطراب.

    قال: (فإنه قد حكى ابن عبد البر أن الاختلاف فيما يمكن اتفاق المطالع فيه، فأما ما كان مثل الأندلس وخراسان فلا خلاف أنه لا يعتبر) يعني: إذا رؤي في الليل وفي المكان الآخر ما زال الوقت نهاراً، فلا يلزم الآخرين هذه الرؤية ولن يصوموا معهم في هذا اليوم، هذا كلامه.

    ثم قال: (فالصواب في هذا ما دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: (صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون) فإن شهد شاهد ليلة الثلاثين من شعبان أنه رآه بمكان من الأمكنة قريب أو بعيد وجب الصوم، والاعتبار ببلوغ العلم بالرؤية في وقت يفيد) هذا اختياره، يريد أن يقول: إن كريباً على مسافة كبيرة عن المدينة لما كان بالشام فهذه الرؤية التي رآها لن تفيدهم الآن، لكن الرؤية التي تكون في مكان بحيث تبلغ للبلدان الأخرى ويتفقون في مطلع واحد، فعلى ذلك يلزم أنهم يأخذون بذلك، فالمسألة مختلف فيها على أقوال للعلماء، فالجمهور على أن الرؤية في بلد تتفق في المطلع مع بلد أخرى أو مع بلدان أخرى إذا وثق فيها يلزم الصيام ويلزم الإفطار.

    فقول الشافعية: إن كل بلد إذا رأت الهلال يلزمها أن تصوم، وإذا لم تر الهلال فلا يلزمها الصيام برؤية غيرها إذا كانت بعيدة عنها، فعلى ذلك الراجح فيها: إذا أقر مفتي البلد بالرؤية فنصوم مع الناس ولا يكون البعض صائماً، والبعض مفطراً.

    ويقول في آخر بحثه رحمه الله: فتلخص أنه من بلغه رؤية الهلال في الوقت الذي يؤدى بتلك الرؤية الصوم أو الفطر أو النسك وجب اعتبار ذلك بلا شك، والنصوص وآثار السلف تدل على ذلك، ومن حدد ذلك بمسافة قصر أو إقليم فقوله مخالف للعقل والشرع.

    الآن في البلدان لا يتركون لآحاد الأفراد أن يقول: رأيت الهلال فيلزمنا الصوم، وإنما يقومون بأخذ الإنسان الذي رآه وينظرون هل كلامه صواب أو غير صواب بناء على ما يحسبونه في هذه البلدة، هل يمكن أن يرى الهلال أو غير ممكن.

    نقصان الشهر لا يلزم منه نقصان الأجر سواء في رمضان أو ذي الحجة

    أجر الصائم تام عند الله سواء كان الشهر ثلاثين يوماً أو تسعة وعشرين لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجة) حديث متفق عليه من حديث أبي بكرة رضي الله عنه، فسواء نقص العدد أم لم ينقص العدد يكون الأجر كاملاً.

    قال صلى الله عليه وسلم: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً) سواء كان رمضان ثلاثين يوماً أو تسعة وعشرين يوماً (غفر له ما تقدم من ذنبه).

    كذلك قال: (من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال، فكأنما صام الدهر) فالسنة ثلاثمائة وستون يوماً، فيكون رمضان ثلاثين ومعها ست من شوال والحسنة بعشر أمثالها، فيكون إجمالي ذلك ثلاثمائة وستين يوماً، ولو كان رمضان تسعاً وعشرين، فلا تحتسب بطريقة الحسنة بعشر أمثالها، بل أجر رمضان كامل والله عز وجل يغفر فيه الذنوب، سواء كان ثلاثين أو تسعاً وعشرين.

    قال: (شهرا عيد لا ينقصان)، فالأول هو شهر رمضان، لكن ما الذي سينقص في الشهر الآخر وهو ذو الحجة؟ أول هذا الشهر أيام العمل الصالح، وسواء كانت رؤية الهلال صحيحة، أو أنهم أخطئوا فيها فكان دخول الهلال قبل أو بعد، فعلى ذلك لا نقول: لو أنهم أخطئوا فينبغي أن نحتاط ونجعل الأيام أحد عشر يوماً، بل هي العشرة الأيام في شهر ذي الحجة سواء كانت الرؤية صواباً أو خطأً فلك الأجر فيها، وأنه ما من أيام عند الله عز وجل أعظم من هذه الأيام العشر، وهي من أول شهر ذي الحجة، والعبادة فيها أفضل عند الله عز وجل من غيرها من الأشهر كما عرفنا في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فعلى ذلك سواء أخطئوا في رؤية الهلال أو أصابوا فيوم عرفة هو اليوم الذي يقف فيه المسلمون على عرفة، ولهم الأجر التام على ذلك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (شهرا عيد لا ينقصان).

    فإن أصبحوا يوم الثلاثين من شعبان وقد أفطروا وهم يظنون أنه من شعبان ثم تبين: أنه من رمضان فإنه يلزمهم قضاء صومه مع الإمساك بقية ذلك.

    حكم النية المترددة لمن لم يتبين له دخول رمضان من ليلته

    إن بات المرء ليلة الثلاثين من شعبان وهو ينوي الصيام إن كان يوم غد من رمضان نفعته نيته إن تبين أنه من رمضان ولم يكن قد أكل وهذا الراجح.

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (تصح النية المترددة) وهذا غاية ما يقدر عليه الإنسان، وهي أيضاً إحدى الروايات عن أحمد رحمه الله.

    والمعنى: لو كانت الليلة ليلة الثلاثين من شعبان وأردت أن تنام ولم تظهر الرؤية ويمكن أن تظهر بعد قليل، فلك أن تنوي أنه إذا كان يوم غد من رمضان فإنك صائم، فهذه النية تجزئ الإنسان، إذا ظهر أنه المتمم لشعبان فلا بد له أن يفطر.

    وفي الصحيحين عن الربيع بنت معوذ قالت: (أرسل النبي صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: من أصبح مفطراً فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائماً فليصم) وهذا دليل على أن صوم عاشوراء كان واجباً في العام الثاني من الهجرة، ثم نسخ وجوبه بعد ذلك لتشريع رمضان في هذا العام، فالنبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن الذي أصبح صائماً على أنه صوم تطوع فليتم، لأنه أخبرهم بالنهار، فقال لهم: الذي أصبح صائماً فليمسك وينوي الآن من النهار أنه صائم، طالما أنه لم يأكل، (من أصبح مفطراً فليمسك بقية يومه)، فعلى ذلك من كان بالليل ولم يدر هل يوم غد هو من رمضان أو هو المتمم لشعبان فله أن ينوي: إذا كان يوم غد من رمضان فإني صائم، ويصح منه الصوم على ذلك.

    وإن رأى الناس الهلال بالنهار فهو لليلة المستقبلة، فقد جاء في حديث شقيق بن سلمة قال: (أتانا كتاب عمر رضي الله عنه ونحن بخانقين -اسم مكان في العراق قريب من بغداد - أن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهاراً فلا تفطروا حتى تمسوا إلا أن يشهد رجلان مسلمان أنهما رأياه بالأمس) المعنى: أنه إذا رؤي الهلال بالنهار فهو لليوم المقبل وليس لليوم الذي هو فيه.

    حكم من سافر إلى بلد واختلف مع أهله في عدة أيام رمضان زيادة أو نقصاً

    لو شرع المرء في الصوم في بلد ثم سافر إلى بلد بعيد لم يروا فيه الهلال حين رآه أهل البلد الأول فاستكمل ثلاثين من حين صام، فالراجح أنه يفطر سراً) يعني: إنسان صام في هذا البلد وبعد ذلك سافر إلى بلد أخرى لم يروا فيه الهلال حين رآه أهل البلد الأول، فهو صام في البلد الأول بناء على رؤية الهلال، وبعد ذلك سافر إلى بلد أخرى ووصل في صيامه لليوم الثلاثين، وأهل هذه البلد الأخرى صاموا بعده بيوم، وسوف يكملون الصيام لعدم رؤية هلال شوال، فالراجح فيه أن هذا قد أكمل ثلاثين يوماً، فلا نقول له: صم واحداً وثلاثين يوماً؛ لأنه صام بناءً على رؤية شرعية في أول الشهر حتى أكمل الثلاثين، فله أن يفطر ولكن سراً ولا يجهر بالإفطار، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقدموا الشهر بيوم ولا بيومين إلا أن يوافق ذلك صوماً كان يصومه أحدكم، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ثم أفطروا) فهذا أكمل ثلاثين فلا يلزمه أكثر من ذلك.

    ولو سافر من بلد لم يروا فيه الهلال فأكملوا شعبان حتى رأوا الهلال فيكون صيامه أقل منهم بيوم، فلو كان عندهم رمضان تسعة وعشرين يوماً فسيكون عنده ثمانية وعشرين يوماً فيلزمه أن يفطر طالما أنهم رأوا الهلال ويقضي يوماً مكانه.

    ولو رأى الهلال في بلد وأصبح معيداً معهم ثم ركب طيارة وسافر إلى بلد آخر وكانوا ما زالوا صائمين فلا شيء عليه؛ لأنه أفطر إفطاراً صحيحاً بناءً على رؤية الهلال، فالآن يكمل إفطاره ولا شيء عليه.

    ثبوت دخول رمضان بشهادة عدل واحد واشتراط الشاهدين فيما سوى ذلك

    تثبت رؤية هلال رمضان بشهادة عدل واحد من المسلمين، فقد جاء في حديث ابن عمر عند أبي داود وهو حديث صحيح: (رأى الناس الهلال فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته، فصامه وأمر الناس بصيامه) فدل ذلك على أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل شهادة الواحد في دخول رمضان، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا) ومن هذين الحديثين نفهم أنه في كل الشهور لا بد من شهادة اثنين إلا في أول رمضان فإنه يكفي شاهد واحد، ولا بد أن يكون عدلاً، أما الكافر أو الفاسق أو المغفل أو كثير الخطأ والذي لا ينتبه للفرق بين شيء وشيء، فهؤلاء لا تقبل شهادتهم، ويشترط العدالة الظاهرة فيمن نقبله في رؤية الهلال ولا نبحث عن باطنه.

    ومن رأى هلال رمضان وحده مثل أهل البادية فيلزمه الصوم؛ لأنه رأى وتيقن، وشهادة الواحد تقبل في إثبات أول رمضان.

    استحباب الدعاء عند رؤية الهلال

    إذا رؤي الهلال فيستحب عند رؤيته الدعاء، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآه يدعو ويقول: (اللهم أهله علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام، ربي وربك الله) وهذا الحديث رواه الترمذي ، ورواه أحمد بنفس اللفظ، ورواه الدارمي بلفظ: (اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، ربي وربك الله)، فهلال رمضان لو أن أحداً رآه وحده له أن يصوم، لكن هلال شوال لو رآه الواحد وحده فلا يفطر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قيد الإفطار بشهادة رجلين، ولذلك جاء في حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أنه خطب الناس في اليوم الذي يشك فيه فقال: ألا إني جالست أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وساءلتهم وإنهم حدثوني: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، وانسكوا له، فإن غم عليكم فأكملوا الثلاثين، فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا).

    فقلنا: في أول رمضان أجاز شهادة الواحد لكن في آخر رمضان لا يثبت خروجه إلا بشهادة الاثنين، وعلى ذلك فلو رآه واحد وحده فلا يصح أن يفطر.

    حكم صيام الأسير الذي لا يتبين له وقت دخول شهر الصوم

    لو أن إنساناً كان أسيراً محبوساً في سجن، فإن اشتبهت الشهور عليه لزمه أن يتحرى ويصوم، لأن المسلم حين يكون في سجون الكفار فالغالب أنهم لا يخبرونه بدخول الليل أو النهار أو الأيام والشهور، فإذا كان الإنسان في هذه الحالة فإنه يتحرى، ويحسب بقدر المستطاع بحيث إنه يصوم رمضان، فإذا تبين له بعد ذلك أنه صام رمضان أو ما بعده أجزأه، وإن تبين أنه صام ما قبله لم يجزئه، والله أعلم.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.