إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد حطيبة
  4. شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان 1426ه
  5. شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - رخص الفطر لأصحاب الأعذار

شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - رخص الفطر لأصحاب الأعذارللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • فرض الله عز وجل على عباده الصيام كما فرضه على الأمم السابقة، ومن رحمة الله بعباده أنه لم يكلفهم إلا بما يقدرون عليه، فرخص الفطر لأهل الأعذار وهم: الكبير العاجز عن الصيام، والمريض، والمسافر سفراً مباحاً أو سفر طاعة، وأوجب الفطر على الحائض والنفساء، وكل هذا يدل على رحمة الله بعباده، وأنه لم يكلفهم من العمل إلا ما يقدرون عليه.

    1.   

    من أحكام الحائض والنفساء في الصيام

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    ذكرنا في الحديث السابق بعض الأعذار التي يعذر فيها الإنسان في جواز الفطر، كمن يغمي عليه من أول النهار إلى آخر النهار، أو من الفجر إلى غروب الشمس، فلا يكون في هذه الحالة صائم، وإنما عليه أن يقضي مكان ذلك اليوم، أما إذا أغمي عليه في جزء من النهار -وكان قد نوى الصيام في الليل- وفاق باقي النهار، فسواء قل وقت الإغماء أو كثر فالراجح أن صومه يكون صحيحاً.

    من أصحاب الأعذار: الحائض والنفساء، فلهما العذر بسبب الحيض والنفاس، ويجوز لهما الإفطار، بل لا يجوز لهما أن يصوما في وقت الحيض أو النفاس، وهذا بإجماع، فقد أجمع أهل العلم على أن الحائض والنفساء لا يحل لهما الصوم بسبب الحيض أو النفاس، وأنهما يفطران في رمضان أيام الحيض والنفاس، وأنهما إذا صاما لم يجزئهما الصيام.

    وليس معنى لزوم الإفطار أن تأكل وتشرب، ولكن المعنى أنه يحرم عليها أن تنوي الصوم، وإنما تنوي الإفطار.

    إذاً: الحائض أو النفساء إذا لم تأكل شيئاً في النهار فلا شيء عليها إن لم تنو الصيام، لكنها إذا أمسكت بنية التقرب والعبادة والصوم حرم عليها وأثمت على ذلك؛ لأنه وجد فيها المانع الذي يمنع من قبول هذا الصوم، لما روى مسلم عن معاذة رضي الله عنها قالت: سألت عائشة رضي الله عنها فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت عائشة : أحرورية أنت؟ والحرورية: هم الخوارج، ولهم أشياء يتشددون فيها في الدين؛ بسبب جهلهم وشدة التزامهم ببعض العبادات وبصورة معينة، وكثيراً ما يكونون مخطئين في أقوالهم أو في فتواهم، وفي عدم رجوعهم لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الأفاضل، حتى يتعلموا منهم، فكانوا يسيئون ويخطئون ويقعون في أشياء عظيمة وخطيرة، ومع ذلك يدعون أنهم على الحق والصواب!

    فكأن عائشة تقول لـمعاذة : أتريدين أن تصومي وأنت حائض أو نفساء تشبهاً بالحرورية الخوارج؟ فقالت معاذة : لست بحرورية ولكني أسأل، وكأنها تسأل عن دليل ذلك، فقالت عائشة رضي الله عنها: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة، والمعنى أنه كان يصيبهن ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فتكون المرأة حائضاً أو نفساء والنبي صلى الله عليه وسلم يأمرها أن تقضي الصيام، ولا يأمرها بقضاء الصلاة. وكونه يأمرها بالقضاء فالأداء لا يجوز لها، وإلا لما أمرها النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء.

    فالحائض تقضي الصيام، أما الصلاة فلا يجوز لها أن تؤديها أو تقضيها؛ لصعوبة ذلك عليها، فلذلك خفف الله سبحانه عنها في الصلاة، فلا تقضيها وإنما تقضي الصوم.

    والحديث رواه البخاري بلفظ: كنا نحيض مع النبي صلى الله عليه وسلم -يعني في وقته وزمانه- فلا يأمرنا به، أو قالت: فلا نفعله، فالذي لا يأمرهن بقضاء الصلاة، ويأمرهن بقضاء الصوم هو النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أليس إحداكن إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ فذلك من نقصان دينها) وهذا في حديث طويل، وفيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في أضحى أو فطر -أي: في عيد أضحى، أو في عيد فطر- إلى المصلى -وهو مكان صلاة العيد- فمر على النساء فقال: يا معشر النساء! تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار، فسألن النبي صلى الله عليه وسلم وقلن: وبم يا رسول الله؟! فقال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير)، ومعنى أن النساء يكثرن اللعن أي: يكثرن الشتم، وكثيراً ما يكون اللعن على ألسنتهن.

    ثم قال: (وما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن، قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟! قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى، قال: فذلك من نقصان عقلها -فجعل شهادة المرأتين بشهادة رجل واحد- فقال: أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن: بلى، قال: فذلك من نقصان دينها).

    والشاهد في الحديث: أن المرأة إذا حاضت ليس لها أن تصوم.

    والحائض والنفساء سواء، وإن كان الحديث نص على الحائض فإن النفساء مثلها، كدم الحيض، والحكم واحد.

    متى وجد الحيض في جزء من النهار فسد صوم ذلك اليوم

    إذا وجد الحيض في جزء من النهار -بعد أن نوت المرأة الصوم- فسد الصوم ولزم المرأة أن تفطر وعليها القضاء، سواء وجد الحيض في أول اليوم أو في آخره، حتى ولو قبل الغروب بدقيقة، فإذا وجد الحيض أو النفاس بطل الصوم.

    حكم صيام الحائض والنفساء

    متى نوت الحائض الصوم تعبداً لله وأمسكت مع علمها بتحريم ذلك أثمت ولم يجزئها؛ لأنه لابد وأن تنتفي موانع الصيام، ولو أن إنساناً أراد أن يصلي وهو على غير وضوء، والماء موجود أمامه فهو آثم؛ لأنه استهان بأمر الصلاة، وأراد أن يقف بين يدي الله عز وجل على غير الحالة التي أمر أن يقف بها، فهو مأمور أن يتطهر، وأن يقف بين يدي الله عز وجل وهو طاهر، فلو أنه فعل ذلك لما قبلت منه هذه الصلاة ويأثم على ذلك؛ لأنه تقرب بما جعله الله عز وجل حراماً، بل لو دخل في الصلاة وأحدث لزمه أن يخرج منها، ولا يجوز له أن يكملها.

    وكذلك المرأة الحائض والنفساء إذا أرادت أن تتقرب لله عز وجل بالصيام وهي ممنوعة منه فلا يجوز لها ذلك وتأثم عليه.

    وكذلك الإنسان الذي يأتي في يوم العيد مثلاً ويقول: أتقرب إلى الله في هذا اليوم بالصوم، فهذا يأثم بذلك؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يتقرب إلى الله إلا بما أراده وبما يقبله منه، فلا يتقرب إليه بما يرده عليه، وبما نهاه عنه سبحانه.

    وأما لو أمسكت الحائض أو النفساء لا بنية الصوم لم تأثم بذلك، طالما أنها لم تنو التقرب إلى الله بالصيام، فربما تركت الأكل لأنها لا تريده لا لأنها صائمة، فالصوم إمساك مع نية، أما إذا وجد الإمساك ولم توجد النية فلا يكون ذلك صياماً.

    حكم الحائض إذا طهرت أثناء النهار

    إذا طهرت الحائض في أثناء النهار استحب لها إمساك بقيته ولا يلزمها، وهذا هو الصواب، فالصيام يكون يوماً كاملاً لا نصف يوم، فإذا انقطع عنها الحيض عند الفجر أو قبله في الليل ولكنها مازالت تشك في نزوله إلى أن أتى وقت الظهر تأكدت أنه قد ارتفع فليس لها أن تنوي الصوم، ولا يجب عليها أن تصوم، ولكن استحب كثير من العلماء أن تتشبه بالصائم وتمسك بقية يومها، لكن لا يلزمها ذلك، وكأنهم قاسوا ذلك على يوم عاشوراء لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم من أفطر أن يصوم ويكمل يومه، ففي هذه الحالة إذا طهرت المرأة من الحيض في نصف النهار مثلاً يجوز لها أن تمسك الباقي، ولكن لا يلزمها ذلك؛ لأنه لا يحسب لها صوم.

    1.   

    الكبير الذي لا يقدر على الصوم والمريض الذي لا يرجى برؤه

    الشيخ الذي يجهده الصوم والمرأة العجوز والمريض الذي لا يرجى برؤه هؤلاء لا يلزمهم الصوم ابتداء، ولكن يلزمهم البدل من الصوم؛ لأنه إذا لزمهم الصوم لزمهم القضاء بعد ذلك، والعذر الذي أفطروا من أجله غير مرتفع، فلا قدرة لهم على الصوم؛ لأن الشيخوخة مستمرة والمرض مستمر، ولا يلزم القضاء إلا إذا كان المريض يرجى برؤه، فإذا شفاه الله لزمه أن يصوم، فإذا تأكدنا أن هذا المرض مرض مزمن لا يزول، وليس له شفاء، فإن من أفطر في هذه الحالة عليه أن يطعم عن كل يوم مسكيناً.

    إذاً: الشيخ الذي يجهده الصوم ويشق عليه بحيث لا يطيقه إلا بمشقة شديدة فله أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً. وكذلك المرأة العجوز لها نفس الحكم.

    والشيخ الكبير يطلق عليه شيخ، والمرأة الكبيرة يطلق عليها عجوز، ولا يطلق العجوز على الرجل إنما على المرأة.

    والمريض الذي لا يرجى برؤه، والذي أصيب بمرض مزمن، وأمره الأطباء بالإفطار؛ لأن الصيام سيضره ويزيد في مرضه أو يهلكه فلا صوم عليه؛ لقول الله عز وجل: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78]، ونقل ابن المنذر الإجماع على ذلك.

    هؤلاء لا يلزمهم الصوم ابتداء وإنما تلزمهم الفدية؛ لأن أعذارهم لا تزول، فيلزم كلاً منهم أن يفدي بأن يطعم عن كل يوم مسكيناً، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد .

    ومذهب مالك : أنه لا يلزمهم لا صوم ولا فدية، وهذا اختيار ابن المنذر وابن حزم ؛ لأنهم تركوا الصوم للعجز عنه فلم تجب عليهم الفدية، والفدية انتقال من شيء إلى شيء، والشيخ أو المريض عاجز أن ينتقل، فعلى ذلك لا شيء عليه، كما لو ترك الصوم لمرض اتصل به الموت، فلا يصام ولا يطعم عنه؛ لأنه اتصل مرضه بالموت، فقالوا: هذا أيضاً مريض اتصل مرضه بالموت.

    ودليل الجمهور القائلين بأنه لابد من الإطعام كما يقول ابن قدامة هو قول الله سبحانه وتعالى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184]، وقوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184] والحديث بين أن هذه الآية كانت للذين يقدرون على الصوم مع المشقة، ثم صارت رخصة للذين يشق عليهم الصوم مشقة شديدة؛ بسبب كبر السن أو المرض الشديد الذي لا يرجى برؤه، فينتقل هؤلاء إلى الإطعام.

    يقول ابن عباس مفسراً لهذه الآية: نزلت رخصة للشيخ الكبير.

    ولأن الأداء صوم واجب، فجاز أن يسقط إلى الكفارة كالقضاء، والمعنى: أن الأداء الذي يسقط إلى القضاء يسقط أيضاً إلى الكفارة.

    وقول الإمام مالك قول وجيه، ولكن طالما أن هناك حديثاً يفسر معنى الآية بأنها رخصة فيلزمنا العمل به.

    إلا أن الإمام مالك ومن أخذ بقوله كـابن حزم وغيره قالوا: إن هذا المريض مرضاً مزمناً لا يرجى برؤه لو أنه اتصل به المرض إلى أن مات، فلا يلزم أحداً أن يصوم أو يطعم عنه، وذلك عند الجميع، إذاً: إذا كان بعد وفاته لا يلزمه ذلك ففي حياته أيضاً لا يلزمه صيام ولا يلزمه فدية.

    يقول ابن قدامة : المريض إذا مات لا يجب الإطعام عنه؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن يجب على الميت ابتداء، والمعنى: أنه لا يجب على غيره الإطعام، بل يلزمه هو ثم ينتقل إلى غيره، كذلك الصيام من مات وعليه صوم صام عنه وليه، هذا إذا وجب عليه أنه يصوم وتمكن من ذلك ولم يفعل، فلو مات يأثم؛ لأنه تمكن ولم يفعل، فهذا يصوم عنه وليه، وهذا الذي اتصل مرضه الشديد بوفاته إذا قلنا: يلزمه الإطعام فكيف نلزم إنساناً لا أهلية له وهو ميت؟ فنقول: ابتداء يلزمه الإطعام حتى ينتقل إلى غيره، وهذا ميت فلا يلزمه وإنما يلزمه إذا تمكن من الصيام.

    وإذا رجعنا إلى الإمام مالك فالذي لا يلزمه الإطعام بعد وفاته؛ لأنه اتصل مرضه بالموت لا يلزمه كذلك في حياته، هذا بخلاف ما إذا أمكنه الصوم فلم يفعله؛ لأن وجوب الإطعام يستند إلى حال الحياة. وكأن ابن قدامة يريد أن يقول: إن هذا يلزمه في حياته أن يصوم، فإذا كان غير قادر فلينتقل إلى بدل هذا الصوم وهو أن يطعم عنه.

    والشيخ الهرم والعجوز والمريض مرضاً مزمناً كل هؤلاء لهم ذمة صحيحة، فإن كانوا عاجزين عن الصيام، وليسوا في مرض الموت وجب عليهم الإطعام، فإن عجزوا عن الإطعام فلا شيء عليهم؛ لقوله سبحانه: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286].

    إذاً: الحديث الذي جاء عن ابن عباس والذي يفيد الإطعام عن هؤلاء فيه حجة ملزمة.

    مقدار الفدية

    الفدية إطعام مسكين لكل يوم؛ لما روى البخاري عن عطاء : أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقرأ: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184] وكأنه يقرؤها ويفسرها: بأنهم لا يطيقونه. ويطيق: يكلف بالصوم، فيكون فيه مشقة شديدة، فلا يطيقه ولا يقدر عليه. قال ابن عباس : ليس بمنسوخ، وإنما الشيخ والكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكين، كأنه يقول: الآية خصصت هؤلاء، وليست منسوخة ولا مرفوعة الحكم بالكلية، فجزء منها رفع حكمه، والجزء الآخر باق، فأول ما نزلت كان من يطيق الصوم يجوز له أن يفطر ويطعم، فـابن عباس يقول: ليست منسوخة بالكلية، فالنسخ بمعنى الرفع والإزالة للحكم كله، وهذه الآية خصصت بالبعض، وهم الشيخ الكبير، والمرأة العجوز، وكذلك المريض مرضاً مزمناً.

    وقال أيضاً البخاري في صحيحه: وأما الشيخ الكبير إذا لم يطق الصيام فقد أطعم أنس -بعدما كبر- عاماً أو عامين، وذلك أنه لما كبر في السن وشق عليه أن يصوم أطعم رضي الله عنه، فكأن فعله فسر معنى الآية. فـابن عباس قال وأنس فعل رضي الله عنه، فأطعم عاماً أو عامين عن كل يوم مسكيناً خبزاً ولحماً، وأفطر رضي الله تعالى عنه، وفي هذا جواز إطعام الخبز في الفدية، وهذا الصواب، ولا يجب عليه أن يطعم الطعام الذي يجزئ في زكاة الفطر كالقمح أو الشعير، كما ذهب إليه بعض من أهل العلم، فالراجح أنه يجوز له أن يطعم خبزاً ولحماً، أو يطعم ما يأكل منه الناس.

    وروى أبو يعلى في مسنده عن أيوب بن أبي تميمة قال: ضعف أنس عن الصوم، فصنع جفنة من ثريد، فكأنه أتى بشربة ونحوها ووضع فيها الخبز واللحم، فدعا ثلاثين مسكيناً فأطعمهم رضي الله عنه.

    ويجزئ في ذلك مد من طعام، والمد: ملء الكفين أو ربع الصاع، فصاع التمر قدر بكيلو ونصف تقريباً، وربعه هو الذي نسميه المد.

    كذلك المد إذا كان من القمح أو من الأرز ونحو ذلك سيكون حوالي نصف كيلو أو أكثر قليلاً، هذا إذا كان الإنسان سيطعم أقل ما عنده، فيجزئ عنه ذلك. ولكن العادة أن ذلك ليس بطعام أكثر الناس، فما كان طعاماً للإنسان فليعط مثله للفقير، والأفضل أن يطعم مسكيناً من أوسط ما يطعم أهله، والذي يأكل منه قياساً على كفارة اليمين، وهذا الأنفع للفقير.

    قال ابن قدامة في كتاب الكفارات: أما مقدار ما يعطى كل مسكين وجنسه فقد نص أحمد على أنه يجزئ الدقيق والخبز، فلو أعطينا الفقير دقيقاً أو خبزاً أجزأ ذلك، وروي عنه: لا يجزئ الخبز، وهو قول مالك والشافعي ؛ لأنه خرج عن حالة الكمال، ولكن في مثل زماننا عندما نخير الفقير بين القمح والخبز فسوف يأخذ الخبز.

    إذاً: فالأفضل في الكفارات أن تكون مما يأخذه الفقير ويأكله مباشرة، ولذلك فإن الراجح أنه يجزئ الخبز.

    يقول ابن قدامة مرجحاً ذلك: قال الله عز وجل: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ [المائدة:89] وهذا قد أطعمهم من أوسط ما يطعم أهله فثبت أنه يجزئه.

    وروى الإمام أحمد في كتاب التفسير عن ابن عمر : مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ [المائدة:89] قال: الخبز واللبن. وفي رواية: الخبز والتمر، والخبز والزيت، والخبز والسمن.

    وعن علي : الخبز والتمر، والخبز والسمن، والخبز واللحم، وسبق أن أنس بن مالك أطعمهم العيش واللحم.

    يقول: وهذا يفارق الزكاة، فزكاة الحبوب والثمار تكون من الحبوب، ولا يصلح أن تكون من ثمن تلك الحبوب أو من أي شيء آخر.

    والواجب في الحبوب العشر أو نصف العشر منها، والثاني: أن دفع الزكاة يراد بها الاقتيات إذا كانت الزكاة من الحبوب والثمار فلا يجوز أن يصنع للفقير بدلها خبزاً؛ لأن الحبوب أنفع له، فسوف يدخره خلال السنة وينتفع به، أما الخبز فسوف ينتفع به يوماً أو يومين ثم ينتهي، ولذلك فإن الزكاة بأن تعطي للفقير ما يقتات عليه وينتفع به لفترة طويلة، وهذا هو الفرق بينهما وبين الكفارة، فالكفارة تعطى للفقير ليأكلها، والزكاة ليأكلها وليدخرها ويقتات عليها.

    يقول: الخبز أقرب؛ لأنه قد كفاه مؤنة طحنه وخبزه.

    الفرق بين المريض مرضاً يرجى برؤه ومن لا يرجى برؤه

    هناك فرق بين المريض مرضاً لا يرجى زواله وبين المريض مرضاً يرجى زواله، فالمريض مرضاً يرجى زواله سوف يمرض أسبوعاً أو أسبوعين أو شهراً وبعد ذلك يشفى، والعادة في هذا المرض أنه يشفى بإذن الله سبحانه وتعالى، وإذا كانت العادة أنه لا يشفى من مثل هذا المرض فهو مما لا يرجى برؤه، وقد ينعكس الأمر، والله على كل شيء قدير، وهذا حسب العادة والظاهر.

    فإذا مرض الإنسان مرضاً يرجى برؤه وزواله ولحقته مشقة ظاهرة في الصوم فلا يجب عليه الصيام، فإن شاء صام وإن شاء أفطر، ثم يقضي مكان هذه الأيام التي أفطرها.

    ولا يشترط أن ينتهي إلى حالة لا يمكن فيها الصوم، فإذا أصبح مريضاً غير قادر على أن يصوم، أو يمكن أن يصوم ولكن سيشق عليه مشقة شديدة، وعرف من مقدمات هذا المرض ذلك، فيباح له الفطر؛ لما لحقه بالصوم من مشقة يشق احتمالها.

    أما المرض اليسير الذي لا يلحق المريض به مشقة ظاهرة، وكانت العادة أن مثل ذلك المرض يستطيع معه أن يكمل الصوم فليس له أن يفطر.

    وإذا أصبح الصحيح صائماً قد نوى الصيام ثم مرض جاز له الفطر، ولا يجب عليه الصيام.

    حكم الشيخ العاجز والمريض الذي لا يرجى برؤه إذا أفطر ثم قدر على الصوم

    المريض أو الشيخ الكبير الذي لا يقدر على الصوم إذا أفطر وأطعم عن كل يوم مسكيناً، ثم جاء رمضان الذي بعده فإذا بالله عز وجل يمن عليه بصحة وعافية بحيث يكون قادراً على الصوم فلا يلزمه الصيام طالما أنه أطعم عن كل يوم مسكيناً، لكن لو فرضنا أنه في رمضان لم يقدر على الصوم وظن أن هذه الحالة سوف تستمر ولم يكن قد أطعم، وبعد شهرين أو ثلاثة شفي من مرضه وأصبح قادراً على الصوم فهذا يلزمه أن يقضي الصوم.

    والفرق بينهما أن الأول أطعم في وقت يجوز له ذلك، والثاني لم يفعل ذلك حتى شفي من مرضه، إذاً: إن شفي المريض قبل أن يفدي لزمه الصوم، وإن شفي بعد الفدية فلا يلزمه.

    حكم تعجيل الفدية قبل دخول رمضان

    لا يجوز للشيخ العاجز والمريض الذي لا يرجى برؤه تعجيل الفدية قبل دخول رمضان، فإذا وجب الصوم ولم يقدر الإنسان عليه انتقل إلى الفدية، فتكون واجبة عليه بعد الفطر، فإذا علم قبل دخول رمضان أنه غير قادر على الصوم وأنه سيطعم عن كل يوم مسكيناً فلا يجوز له أن يطعم إلا بعد دخول رمضان وبعد أن يلزمه الصيام.

    ومثل ذلك من يقول: أنا أقدر الآن أن أطعم عشرة مساكين، وسوف أطعمهم كفارة لليمين الذي سوف أحلفه في المستقبل، فهذا لا ينفع ولا يقبل؛ لأنه واجب لسبب والسبب غير موجود، فإذا حلف اليمين فحنث فعليه الكفارة وإذا حلف ولم يحنث لا يجب عليه شيء.

    فوجوب الكفارة لا يكون إلا بعد أن يحلف ويحنث، أو حلف وأراد الحنث، كمن يحلف أنه لن يذهب إلى المكان الفلاني ثم أحب أن يذهب إلى هذا المكان؛ لأنه وجد أنه من الطاعة أن يذهب، فهذا يكفر عن يمينه، ولذلك في الحديث: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إني والله لا أحلف على يمين فأجد غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني، أو كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير) فدل على جواز الأمرين، سواء حلف وحنث، أو حلف ونوى الحنث.

    وهكذا في هذه المسألة فالذي لم يدخل عليه رمضان كيف علم أنه سيدخل عليه حتى يكفر؟ فلا يكفر إلا إذا دخل عليه رمضان ووجب عليه الصوم ولكنه أفطر لذلك العذر الدائم.

    ومن المعلوم أنه في آخر رمضان يجوز له أن يطعم، أو في انتهاء كل يوم، وكذلك إذا أخرج الفدية كل يوم عند الفجر فإنه يجوز له ذلك؛ لأنه في وقت الفجر وجب عليه الصوم وهو لا يقدر عليه، فيجوز له عند فجر كل يوم أن يطعم مسكيناً.

    وأما قبل الفجر فإنه لا يجوز؛ لأنه لزمته النية من الليل، فلم ينو؛ لأنه لا يقدر على الصوم، فلم يجز له في هذا الوقت أنه يطعم.

    1.   

    المسافر في نهار رمضان

    يجوز للمسافر في نهار رمضان أن يفطر، فالعذر ثابت للمريض والمسافر؛ لقول الله تعالى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184]؛ وفي هذه الآية محذوف تقديره: من كان مريضاً فأفطر لزمه أن يقضي، وهذا نوع من أنواع الدلالات، وهي دلالة الاقتضاء، فالكلام فيه حذف أو شيء مضمر والمقام يقتضي أن نعبر عنه بذلك.

    إذاً من كان منكم مريضاً فأفطر أو على سفر فأفطر، لكن المريض الذي لم يفطر، أو المسافر الذي لم يفطر ليس عليهما عدة من أيام أخر، وهذه تسمى دلالة الاقتضاء: من كان منكم مريضاً فأفطر لزمه أن يقضي مكان اليوم الذي أفطره.

    روى أصحاب السنن عن أنس بن مالك الكعبي -غير أنس بن مالك الخزرجي الأنصاري رضي الله عنه- قال: (أغارت علينا خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيت صلى الله عليه وسلم فوجدته يتغدى فقال: ادن فكل -أي: يتناول طعام الإفطار في الصباح، والغداء في الغدو، ونحن نقول: الغداء أي: طعام الظهر، ولكن الغداء أصلاً معناه طعام الصبح وهو الإفطار- قال: فقلت: إني صائم، فقال صلى الله عليه وسلم: ادن أحدثك عن الصوم، إن الله تعالى وضع عن المسافر الصوم، وشطر الصلاة) أي: رخص الله عز وجل للمسافر أن يفطر وعليه أن يقضي، وطالما أنه سيصلي فليس عليه قضاء؛ لأنه قد أتى بشطر الصلاة. وهذا حديث حسن صحيح.

    فإن كان سفره فوق مسافة القصر على اختلاف بين العلماء في مسافة القصر فنقول: ابتداء إذا كان السفر مسافة قصر وليس سفر معصية فله الفطر في رمضان، والسفر قد يكون واجباً، وقد يكون مستحباً، وقد يكون مباحاً، وقد يكون مكروهاً، فللمسافر أن يفطر في ذلك، أما إذا كان سفر معصية فليس له أن يفطر فيه؛ لأن الإفطار في السفر إعانة على مشقة السفر، وهذا الذي يسافر ليعصي المفترض أن يمنع من السفر، كأن يسافر ليشتري خمراً، أو يزني، فالأصل أن يمنع، ولا يجوز له أن يفطر أو يقصر؛ لأنه بهذه الرخصة أعين على المعصية.

    إذاً: إذا كان سفره فوق مسافة القصر، وليس السفر في معصية فله الفطر في رمضان؛ لقوله تعالى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184] سواء كان سفر حج أو جهاد أو تجارة، وأنواع السفر: سفر حج، وهذا قد يكون فريضة، وقد يكون مستحباً، وسفر جهاد وهذا قد يكون فرض عين أو كفاية أو قد يكون مستحباً، أو سفر تجارة فقد تكون مستحبة أو مباحة أو مكروهة، ونحو ذلك من الأسفار.

    ومذهب الأئمة الأربعة: أنه يجوز للمسافر أن يصوم وأن يفطر، فالأيسر عليه يفعله.

    وأما في الصلاة فقد استحب الجمهور قصرها في السفر، وذهب الأحناف إلى أنه يجب القصر. والمسافر تجب عليه الصلاة ولا يصح أن يقال له: إذا رجعت من السفر فاقضها كالصيام، ولكن له أن يصلي الرباعية ركعتين، لكن الصوم لا يقال له: صم نصف الصوم، فإما أن يصوم أو يفطر، وإذا أفطر لزمه القضاء وبقي متعلق بذمته، وإذا صام فليس عليه قضاء.

    اختلاف العلماء في أيهما أفضل في السفر الصوم أو الفطر

    اختلف العلماء في أيهما أفضل: الصوم في السفر أو الإفطار؟ والراجح في ذلك: هو أن الأيسر عليه يفعله سواء الصوم أو الإفطار.

    روى البخاري ومسلم عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: (خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره في يوم حار، حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا ما كان من النبي صلى الله عليه وسلم وابن رواحة)، والمعنى أن هذا الصوم كان فريضة في رمضان، فالذي كان صائماً هو النبي صلى الله عليه وسلم وابن رواحة وبقية الصحابة كانوا مفطرين.

    وعن جابر كما في الصحيحين: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فرأى زحاماً ورجلاً قد ظلل عليه فقال: ما هذا؟ قالوا: صائم، فقال: ليس من البر الصوم في السفر)، وهذا الحديث لا يؤخذ الجزء الأخير منه من غير نظر إلى سببه، فلا يقال: إن قوله: ليس من البر الصوم في السفر تعتبر قاعدة عامة؛ لأنه إنما قال ذلك نتيجة سبب من الأسباب، فلا ينبغي أن يلغى السبب ويؤخذ بالنتيجة، فالنبي صلى الله عليه وسلم، صام في السفر، ولكنه رأى صلى الله عليه وسلم رجلاً صائماً في السفر وحوله أناس مزدحمين كل يقدم له خدمة، فقال: (ما هذا؟) فقالوا: صائم.

    إذاً: كان القوم مسافرين، والسفر قطعة من العذاب، وكل واحد مشغول بنفسه، وهذا الصائم شغلهم وضيق عليهم بحيث وصل إلى مشقة لا يقدر معها على الصوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس من البر الصيام في السفر)؛ لأنه ليس من التقرب إلى الله أن تشق على صاحبك وتجعل الناس يخدمونك.

    إذاً هذا الحديث فيما إذا كان الصائم سيشق على نفسه وعلى رفقته.

    وعن أنس -كما في الصحيحين- قال: كنا نسافر مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، فلا الصائم يعيب على المفطر، ولا المفطر يعيب على الصائم، فطالما الصائم لا يتعب غيره فلا بأس أن يصوم، قال الله عز وجل: وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185]، فالأفضل هو الأيسر، والله يريد بنا اليسر.

    وأيضاً عن ابن عمر -كما في المسند مرفوعاً-: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته)، فالله يكره من عبده أنه يأتي المعصية، كذلك يحب من عبده أن يأتي الرخصة.

    وروى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها: أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أأصوم في السفر؟ وكان كثير الصيام -والمعنى أن الرجل كان كثير الصيام في غير رمضان، فلما جاء عليه شهر رمضان سأل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك- فخيره النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر)؛ لأنه إذا أفطر في رمضان لزمه القضاء بعد رمضان، كسائق السيارة من الإسكندرية إلى القاهرة فهو مسافر دائماً، فله أن يفطر في رمضان، وله أن يصوم، وإذا أفطر لزمه القضاء بعد رمضان، ولعله يكون مسافراً أيضاً، فالذي يتيسر له من الأمرين يفعله سواء كان الصوم أو الإفطار.

    كذلك في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة، فصام حتى بلغ عسفان، ثم دعا بماء فرفعه إلى يديه ليريه الناس، فأفطر صلى الله عليه وسلم)، فظل صائماً إلى أن وصل إلى عسفان، وبعد ذلك بلغه أن الناس شق عليهم الصوم، فأفطر صلى الله عليه وسلم أمام الناس. وكان ذلك في فتح مكة في رمضان.

    وفي رواية: (أن ذلك كان بعد العصر) .

    إذاً النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقتدي به الناس أفطر بعد العصر وإن كان الوقت قد قرب من المغرب، ولكنه وجد أن ذلك سيشق على الناس فأفطر صلوات الله وسلامه عليه حتى يفطر الناس، فكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: قد صام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفطر -يعني في السفر- فمن شاء صام ومن شاء أفطر.

    ويذكر الحافظ ابن حجر مذاهب العلماء في الصوم أو الإفطار في السفر، فأكثرهم كـمالك والشافعي وأبي حنيفة على أن الصوم أفضل لمن لم يشق عليه؛ لأنه إذا صام لا يتعلق بذمته.

    وقال كثير من العلماء: الفطر أفضل؛ عملاً بالرخصة، فإذا كان الإنسان لم يرفض الرخصة أصلاً ولكن خاف ألا يتمكن من القضاء، والأداء سهل عليه كان الصوم أفضل له.

    وقال آخرون: هو مخير بين الأمرين، وقال آخرون: أفضلهما أيسرهما، وهذا الأرجح، فإذا تيسر الصوم صام، وإن شق الصوم أفطر، وإن كان الصيام أيسر كمن يسهل عليه الأداء ويشق عليه القضاء بعد ذلك فالصوم في حقه أفضل، وكثير من الناس يسهل عليهم الصيام، فإذا دخل رمضان اعتاد على الصيام، وصام مع الناس وارتاح من القضاء.

    وآخر يشق عليه وهو مسافر أن يصوم، فقد يمرض أو يعطش عطشاً شديداً لا يقدر معه على أن يقضي حاجته في سفره، فهذا الأفضل في حقه أن يفطر؛ حتى يتمكن من قضاء حاجاته، ثم يقضي بعد ذلك.

    فالفطر أفضل لمن اشتد عليه الصوم وتضرر به كما ذكرنا، كذلك من ظن أنه رغب عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم ورفض الرخصة، فالأفضل أن يأخذ بالرخصة التي رخصها الله عز وجل له.

    إذاً: الذي قبل الرخصة وصام له ذلك، والذي قبل الرخصة وأفطر له ذلك، لكن الذي رد الرخصة ورفضها فالأفضل في حقه أنه لا يعرض عن رخصة رخصها الله له ولو بالقول؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من رغب عن سنتي فقد رغب عني، أو فليس مني).

    كذلك من خاف على نفسه العجب أو الرياء، فقد يكون مسافراً مع الناس، والكل مفطر فيخاف أن يصيبه العجب من كلام الناس، فالأفضل في حقه أنه يبتعد عن الرياء وأن يفطر، وغيره يجوز له أن يصوم ويجوز له الإفطار كما قدمنا.

    روى البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم أكثرنا ظلاً الذي يستظل بكسائه، وأما الذين صاموا فلم يعملوا شيئاً، وأما الذين أفطروا فبعثوا الركاب وامتهنوا وعالجوا).

    فالصائمون في تلك الحالة فائدة صيامهم مقتصرة عليهم لا تتعدى إلى غيرهم، لكن الذين أفطروا قاموا وخدموا الجميع وأحضروا الطعام، وبعثوا الركاب، وامتهنوا أي: قاموا بالمهنة وبقضاء حوائج المسافرين، فكان نفعهم متعدياً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ذهب المفطرون اليوم بالأجر) .

    فإذا كان الصائمون لهم أجر على قدر صيامهم، فالأجر العظيم أخذه المفطرون الذين قاموا بأمر السفر، ويسروا على غيرهم، وقاموا بما طلب منهم، فكان لهم الأجر العظيم، فكأنه إذا قورن أجر الصائم بأجر هؤلاء في تعبهم وامتهانهم لكان أجر الصائم قليلاً بالنسبة لأجر ذلك المفطر، وليس معنى ذلك أن الصائم ليس له أجر، بل له أجر عظيم، ولكن أجر أولئك الذين قاموا بالخدمة أعظم.

    أيضاً أخرج مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ونحن صيام -أي: في فتح مكة في رمضان- فنزلنا منزلاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا -فكانت رخصة- فمنا من صام ومنا من أفطر).

    ومعنى (إنكم قد دنوتم) أي قربتم من العدو، فالفطر أقوى لكم؛ حتى تقدروا على قتال أعدائكم، فمنهم من صام ومنهم من أفطر، قال: (فنزلنا منزلاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم مصبحوا عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا، فكانت عزيمة) أي: أن الصبح هو موعد القتال، وربما يصعب عليهم القتال وهم صائمون، فأمرهم بالإفطار صلى الله عليه وسلم؛ لأن الفطر أقوى لهم.

    ففي المرة الأولى كانت رخصة؛ لأن العدو مازال بعيداً فلم يعزم عليهم، لكنهم لما أصبحوا لقتال العدو قال لهم: أفطروا، قال: (فأفطروا إلا قليلاً منهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم -لما سمع أن فلاناً وفلاناً ما أفطروا-: أولئك العصاة) وهذا دليل على أن أمره لهم كان عزيمة. فقد كانوا ذاهبين إلى مكة مكان الكفر ليحولوه إلى بلد للإسلام، وقد لا يقدرون مع الصوم على ذلك، فعليهم أن يفطروا، وإذا أفطر أحدهم وقاتل حتى قتل فإنه في هذه الحالة لم يتمكن من القضاء، فما عليك شيء، ولا يصوم عنه وليه، فكان الأفضل لهؤلاء أن يفطروا؛ لأنه أقوى لهم، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم عمن لم يفطروا: (أولئك العصاة).

    ونسبته صلى الله عليه وسلم الصائمين إلى العصيان؛ لأنه عزم عليهم أن يفطروا؛ لأنهم مصبحوا العدو، فأصبحوا صائمين.

    وكذلك الحديث الذي رواه النسائي عن جابر بلفظ: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر برجل في ظل شجرة يرش عليه الماء فقال: ما بال صاحبكم هذا؟ قالوا: صائم يا رسول الله، فقال: إنه ليس من البر أن تصوموا في السفر، وعليكم برخصة الله التي رخص لكم فاقبلوه) فقد قال هذا الكلام لسبب معين فما كان مثله كان كذلك.

    مسافة القصر

    الراجح في مقدار السفر الذي يجوز فيه الفطر والقصر أنه ما يسمى سفراً، وخرج فيه الإنسان من مكان إلى مكان آخر، أو من بلدة إلى أخرى فله أن يفطر وله أن يقصر من الصلاة فيه، فما سمي سفراً عرفاً سواء كان قصيراً أو طويلاً يجوز فيه القصر والفطر، بشرط ألا يقل السفر عن أقل مسافة قصر فيها النبي صلى الله عليه وسلم، فأقل المسافات التي قصر فيها النبي صلى الله عليه وسلم كما جاءت في الحديث: (أنه كان يقصر صلى الله عليه وسلم إذا سافر ثلاث فراسخ أو ثلاثة أميال)، وفي هذه الرواية شك، وفي بعض الروايات: (ثلاثة أميال) بغير شك، فعلى ذلك يحطاط بثلاثة فراسخ، ومقدارها نحو ستة عشر كيلو من آخر عمران البلد، أي: بعد آخر البيوت التي يعيش فيها، فإذا كان بين قرية وأخرى مسافة ستة عشر كيلو فما فوقها فله أن يقصر وأن يفطر.

    قال يحيى بن يزيد الهنائي : (سألت أنساً عن قصر الصلاة فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين).

    لكن العلماء أخذوا بأطول من ذلك، فذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أنه مسيرة يومين على الإبل أو الأقدام، قالوا: وتقديرها بستة عشر فرسخاً أي: بمقدار واحد وثمانين كيلو متراً تقريباً.

    واختار البخاري أنها مسيرة يوم وليلة، وكأنه على النصف من ذلك، أي: بمقدار أربعين كيلو متراً.

    وقال أبو حنيفة : أنها مسيرة ثلاثة أيام، وبعض فقهاء الأحناف يقولوا: أنها تقدر بخمسة عشر فرسخاً، وذلك ست وسبعون كيلو متراً.

    إذاً من العلماء من يرى أنها ستة عشر فرسخاً، والبعض يرى أنها خمسة عشر فرسخاً، ولكن الحديث على أنها ثلاثة فراسخ أو ثلاثة أميال، فإذا احتطنا في الأخذ بالحديث تكون ثلاثة فراسخ، وتقدر بستة عشر كيلو، ويقيد ذلك بأن يسمى سفراً عرفاً.

    وقد يكون ما بين آخر العمران الذي بين بلد وآخر حوالي ستة عشر كيلو.

    يقول ابن تيمية رحمه الله: تنازع العلماء: هل يختص القصر والفطر بسفر دون سفر، أم يجوز في كل سفر؟ قال: وأظهر القولين أنه يجوز في كل سفر، قصيراً كان أو طويلاً، كما قصر أهل مكة خلف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات ومنى، وبين مكة وعرفة نحو بريد، يعني: أربعة فراسخ، بما يقدر بواحد وعشرين كيلو متراً، والمعنى: أنه قصر أهل مكة وكانوا وراء النبي صلى الله عليه وسلم في عرفات، ولم يأمرهم بإتمام الصلاة.

    يقول: ولم يحد النبي صلى الله عليه وسلم مسافة القصر بحد لا زمنه ولا مكانه، والأقوال مذكورة في ذلك ومتعارضة، وليس على شيء منها حجة، والواجب أن يطلق ما أطلقه صاحب الشرع -يعني: النبي صلى الله عليه وسلم- ويقيد ما قيده، فيقصر المسافر الصلاة في كل سفر، وكذلك في جميع الأحكام المتعلقة بالسفر من القصر، والصلاة على الراحلة، والمسح على الخفين، ومن قسم الأسفار إلى سفر طويل وقصير، وخص بعض الأحكام بهذا وبعضها بهذا فليس معه حجة يجب الرجوع إليها.

    هذا كلام شيخ الإسلام رحمه الله وهو كلام قوي متين، فالراجح: أنه إذا سمي السفر سفراً، أو سميت المسافة التي يقطعها الإنسان من بلد إلى أخرى سفراً فيجوز له أن يقصر من الصلاة، وأن يفطر، والله أعلم.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.