إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. علماء ودعاة
  3. محاضرات مفرغة
  4. أحمد حطيبة
  5. شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان 1426ه
  6. شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - ما يحرم على الصائم وما يباح له [2]

شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - ما يحرم على الصائم وما يباح له [2]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحجامة للصائم في بادئ الأمر ثم رخص فيها، ما لم يكن فيه ضررٌ على الصائم، ويكره مضغ العلك للصائم، ويجوز للصائم مضغ الطعام لولده إذا لم يحصل الاستغناء عن مضغه، والصائم ينزه صومه عن اللغو والرفث وقول الزور والسب والشتم والغيبة والنميمة، وهذه كلها من آداب الصوم وأحكامه، فلا بد للصائم أن يلتزمها.

    1.   

    حكم الحجامة للصائم

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    وصلنا في كتاب الصيام إلى مسألة الحجامة للصائم، والحجامة معروفة وصى بها الملائكة النبي صلوات الله وسلامه عليه، وأخبروا أن فيها شفاء، والحجامة سحب الدم بطريقة معينة ومن مواضع معينة في جسم الإنسان، وفيها شفاء من أمراض كثيرة بإذن الله سبحانه وتعالى، ولعل المسلمين كانوا هجروها فترة طويلة، حتى جاء العلم الحديث وأثبت أن الحجامة فيها بفضل الله عز وجل شفاء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فرجعوا إليها مرة ثانية.

    ذكر ما جاء من احتجام النبي صلى الله عليه وسلم ونهيه عن الحجامة ثم ترخيصه فيها

    الحجامة: هي تشريط في جلد الإنسان في مواضع معينة يشفط بها الدم من هذا الموضع فيكون فيه شفاء لأمراض يعلمها الله سبحانه وتعالى، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه احتجم وهو صائم، وجاء عنه أنه نهى عن الحجامة، وجاء عنه أنه رخص في الحجامة، وجملة الأحاديث التي جاءت عنه صلى الله عليه وسلم في النهي عن الحجامة: (مر برجلين أحدهما يحجم الآخر فقال: أفطر هذان؟)، وجاء عنه أنه رخص في الحجامة صلى الله عليه وسلم، الرخصة تكون بعد العزيمة، فكأنه نهى عن الحجامة صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك رخص صلوات الله وسلامه عليه فيها، وإنما كرهت للصائم لأنه يضعف بسبب ذلك.

    ففي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم)، فدليل الجواز: (احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم)، صلى الله عليه وسلم، وجاء عنه أنه قال: (أفطر الحاجم والمحجوم)، وجمع العلماء بين هذا وبين كونه احتجم وبين كونه رخص صلى الله عليه وسلم: بأنه لعل هذا في وقت، ثم جاءت الرخصة بعد ذلك، أو أنه قال ذلك باعتبار ما يئول إليه، فقد يئول الأمر بالمحجوم أن يضعف، يخرج منه الدم فيضعف بسبب ذلك.

    والحاجم كان في الماضي يشفط الدم بفمه، وذلك بوضع أنبوبة في فمه ويشفط بها، وكان في أيام النبي صلى الله عليه وسلم لا يوجد أنابيب، إنما كان يأتي بقرن مجوف ويجعله على المكان الذي يشرطه، ومن ثم يشفط منه، فلعل الدم ينسحب إلى فمه ويقع في الفطر بسبب ذلك، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أفطر الحاجم والمحجوم) .

    وجاء عن أنس رضي الله عنه قال: (أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم فمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أفطر هذان ثم رخص النبي صلى الله عليه وسلم في الحجامة للصائم) لاحظ الحديث فيه ترتيب، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (أفطر هذان ثم رخص) إذاً: هنا النهي كان عزيمة في الوقت، ثم جاءت الرخصة للخروج عن هذا النهي الذي هو عزيمة، فيحمل النهي على الكراهة فقط، ولذلك في سنن أبي داود عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الحجامة والمواصلة)، وسيأتي الكلام عن المواصلة، قال: (ولم يحرمهما)، صحابي يقول ذلك، ففهم من النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يحرم ذلك، قال: (إبقاء على أصحابه)، فلو أنهم احتجموا ونزل منهم كمية من الدم لضعفوا وما استطاعوا الصيام، فإبقاء عليهم حتى يقدروا على الصوم نهاهم عن الحجامة، (فقيل له: يا رسول الله! إنك تواصل إلى السحر، فقال: إني أواصل إلى السحر وربي يطعمني ويسقيني)، وسيأتي الكلام فيه.

    إذاً: هنا الحديث فيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الحجامة)، وأنه (احتجم وهو صائم)، صلى الله عليه وسلم وأنه رخص في الحجامة، إذاً: جملة الأحاديث أن النهي كان في وقت، حين قال: (أفطر هذان)، إذاً: كان على التحريم، ثم بعد ذلك رخص النبي صلى الله عليه وسلم وثبتت الرخصة فتجوز الحجامة في أثناء الصيام.

    والحجامة: إخراج دم من الإنسان، ويقاس على ذلك التبرع بالدم في نهار رمضان، فلو أن إنساناً مريضاً يحتاج إلى الدم ويطلب متبرعين بالدم لهذا المريض واحتاجوا لذلك، فالراجح: أن هذا لا يفطر الصائم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في الحجامة ، واحتجم وهو صائم صلوات الله وسلامه عليه، فلو أن إنساناً تبرع بالدم وهو صائم فصومه صحيح ولا يلزمه الإعادة، ولكن الإنسان إذا كان هذا يضعفه، ويئول أمره إلى أنه يفطر، فلا يتبرع بالدم في أثناء صومه إلا للضرورة.

    إذاً: حديث: (أفطر الحاجم والمحجوم) الراجح: أن هذا إما باعتبار ما يئول إليه أمرهما، أو أن هذا منسوخ بأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص بعد ذلك.

    1.   

    حكم مضغ العلك للصائم

    يكره للصائم مضغ العلك، والعلك: اللبان، وهو نوع من اللبان قوي ليس له طعم ولا يتفتت في فم الإنسان، فهذا لا يحرم عليه وإنما يكره له؛ لأنه يجمع الريق ويورث العطش، وكانوا يحتاجون إلى ذلك أحياناً ليجروا به الريق، ولكن على قدر ما يجر الريق على قدر ما يورث العطش من بعده، فيكره ذلك.

    وأهل المدينة وأهل مكة وأهل الحجاز بلاد حارة جداً، والصوم يشق عليهم، لكن الآن يسهل عليهم الصوم؛ لوجود مراوح وتكييفات، وأشياء تيسر ذلك عليهم، ولكن تخيل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم الحرارة القاسية العالية جداً تتجاوز الخمسة والخمسين درجة مئوية، والصحابة يشكون إلى النبي صلى الله عليه وسلم حر الظهيرة وإنه يسجد ويطيل السجود على الأرض فقالوا: (شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الأرض فلم يشكنا) يعني: لم يرفع ولم يزل عنا شكوانا، صلى كما كان يصلي صلى الله عليه وسلم، ولم يرخص في شيء عليه الصلاة والسلام، فكانوا يصلون ويأتي أحدهم بكمه ويطيله حتى يضع كفه عليه من حرارة الأرض، فلو كنت أنت هناك في عمرة وحج، فجرب هل تستطيع أن تصلي في الشارع، فلو قُدِّرَ لك أنك تصلي في الشارع، وليس على بلاط الحرم، فإنك ستجد الأمر لو صليت على إسفلت الشارع تتسلخ منه، ولو حصل لك مرة وأنت في الحرم ما لقيت حذاءك وخرجت حافياً لتشتري حذاءً من السوق، فإن المسافة الذي تمشيها حافياً كافية لسلخ رجليك فيها، والصحابة كان منهم الحفاة رضوان الله تبارك وتعالى عليهم، وكانوا يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم ويشتكون إليه شدة الحر، ولكن هو الأمر على ما فرضه الله سبحانه وتعالى.

    إذاً يكره للصائم مضع اللبان، لكن لو أخذ لباناً فيه سكر ومضغه وهو صائم فيفطر بلا شك في ذلك؛ لأنه ابتلع السكر الذي فيه، وإذا مضغ شيئاً يتفتت في فمه وابتلعه يفطر بذلك، ولكن العلك نوع جيد قوي من اللبان لا طعم له.

    1.   

    ما يكره للصائم

    يكره للصائم مضغ الخبز وذوق المرق والخل وغيرهما من غير عذر، فلا يبق الإنسان شرهاً يمر على الحلة فيها إدام فيذوق ويتفل، فإن هذا ممنوع منه، فإذا ابتلعه أفطر بذلك، لكن يكره له ذلك، فإن كان الإنسان طباخاً أو يصنع أشربة للناس فإنه يجوز له أن يتذوق ويتفل بعده، إذاً: يذوق هذا الشيء هذا جائز لا يكره له؛ لأنه يطبخ للناس ويعد أشربة لهم، فهذا يجوز له، ولذلك ذكر أنه يكره للصائم مضغ الخبز وذوق المرق والخل وغيرهما من غير عذر، لكن إن كان لعذر من أعذار كالمرأة تطبخ وتريد أن تذوقه لتعرف هل هو حلو أو مر أو غير ذلك فإنه يجوز لها ذلك، لكن تذوق وتتفل ولا تبتلع، فلو ابتلعت أفطرت.

    1.   

    حكم الصائم إذا أراد مضغ الطعام لولده ولم يحصل الاستغناء عن مضغه

    إن احتاج الصائم إلى مضغ الطعام لولده أو غيره ولم يحصل الاستغناء عن مضغه، فالشريعة عظيمة كريمة ورحيمة، فإنه يمكن الآن أن تأخذ اللبن الصناعي وتضعه في الرضَّاعة وتعطيه للطفل الرضيع، ولكن في الماضي لا يُعرف هذا الشيء، ولعل المرأة تأتي وترضع ابنها وهي صائمة، ولا يوجد لبن في صدرها فتحتاج إلى أن تمضغ الطعام وتضعه في فم ابنها ، فيجوز لها ذلك بشرط أنها لا تبلع أثره.

    قال ابن عباس رضي الله عنه لا بأس أن يتطعم القدر أو الشيء، ابن عباس يقول: لا حرج أن يتطعم القدر حتى يطبخ الطعام جيداً، أو المرأة تتذوق الطعام، وقال الحسن : لا بأس بالمضمضة والتبرد للصائم، فالصائم يمضمض للوضوء أو يمضمض من شدة العطش؛ لأن الحر شديد جداً عليه، فاحتاج أن يضع ماء في فمه ليبرد فمه ويتفل بعد ذلك، فإن هذا جائز، هذا قول الحسن البصري ، يعني: لا بأس بالمضمضة والتبرد للصائم أو دخول الحمام فيقف تحت الدش عند شدة الحر أو يغطس في البحر عند شدة الحر.

    1.   

    ذكر ما يجب على الصائم أن ينزه به صومه

    يجب على الصائم أن ينزه صومه عن الشتم والتشاجر وسوء الخلق والهمز واللمز والفحش، فالصائم ليس صائماً عن طعام وشراب وشهوة فقط، بل الإنسان يمسك لسانه ويتأدب بآداب الإسلام في الصيام، ولا بد أن يوجد فرق بين يوم الصوم ويوم الإفطار، ففي يوم الصوم يزداد حسن الخلق عند المؤمن، فلا يؤذ أحداً من خلق الله عز وجل، ويتمرن على ذلك في رمضان حتى يستمر على الأخلاق الطيبة دائماً، فينتهي رمضان ويكون على نفس الأخلاق الطيبة عاماً بعد عام.

    قال الله عز وجل: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [الهمزة:1]، والهمز واللمز: العيب، يهمز بالإشارة ويلمز باللسان، يهمز من أمامه ويلمز من خلفه، فهو هماز ولماز، فالهمزة: الإنسان الكثير الهمز في الخلق، والهمزة على وزن فُعَلة، كما يقال: فلان صُرعَة يعني: إنسان بطل وقوي، فلان هُمَزَة يعني: كثير الهمز في الناس، لُمَزَة يعني: لماز في الناس، يلمز فيهم ويعيب ويقدح فيهم.

    وفي الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولا الفاحش ولا البذيء)، فالإنسان المؤمن طيب الخلق لا يكذب إلا فيما رخص الله عز وجل فيه، في ثلاثة أشياء يجوز له أن يعرض، فإن لم يقدر على التعريض فله البوح في ذلك، في الحرب يكذب وفي الإصلاح بين الناس، كذلك إذا كان يحدث امرأته، وغير هذه الثلاثة الأشياء لا يجوز للإنسان أن يكذب، فالمؤمن صادق ولا يحتاج إلى أن يحلف، لأن الكاذب دائماً يؤكد كلامه بالحلف فيحلف كثيراً.

    ولذلك ذم الله عز وجل الحلاف وقال: حَلَّافٍ [القلم:10]، وذكر الإنسان الذي يهمز والمشاء بالنميم والكثير الحلف والمهين، فالإنسان الذي يحلف بالله عز وجل ويقسم كثيراً فكأنه يهين هذا اليمين العظيم، فلا تطع مثل هذا الإنسان الحلاف الكثير الحلف؛ لأنه يكذب في النهاية.

    أيضاً يقول صلى الله عليه وسلم: (ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان)، الطعن في الناس أن يعيب في الناس ولا يعجبه أحد، فهذا الطعان هل يستحق أن يوصف بأنه مؤمن قريب من الله وعلى درجة عالية، وأنه على أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم؟! هذا الطعان في الخلق لا يستحق ذلك.

    قال: (ولا اللعان) أي: الكثير اللعن، يسب كثيراً، ويشتم الناس ويلعن في الناس. قال: (ولا الفاحش) أي: يتكلم بالفحش من القول، فإذا به يتكلم عن النساء، ويتكلم عن الجماع، ويتكلم بأشياء فيفحش، ويتكلم في غير موضع هذا الكلام، والبذيء: كثير الشتم بلسانه، إذا أغاظه أحد مباشرة يسب ويشتم، فليس المؤمن بهذه الأخلاق، والصائم كذلك؛ لأن الصائم إنسان مؤمن يتقرب إلى الله عز وجل بالصوم، والصوم فيه الصبر، والصبر يكون عن مثل هذه الأخلاق التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها.

    وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصيام جنة فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم)، مرتين، فقوله: (الصيام جنة) أي: وقاية وحماية للإنسان، فالصوم المقبول: الذي يحميك من نفسك، ويحمي الناس من شرك ويحميك من عذاب ومن غضبه الله سبحانه وتعالى، فاحذر أن ترفث أو أن تتكلم بالكلام الفاحش والبذيء، أو أن تتكلم بالكلام الذي لا يقال إلا في أوقات معينة، ككلام الرجل مع امرأته فيقول مثل هذا الكلام مع الخلق، فإن هذا لا يجوز.

    قال: (فلا يرفث ولا يجهل)، فالإنسان الجاهل الذي لا يعرف معلومة من المعلومات يتعلم، ولكن الجهل هنا جهل الأخلاق، أن يكون جاهلاً في خلقه عصبي كثير الغضب، كثير الشتم والمشادة مع الناس، لا يمسك نفسه وهو صائم.

    فالصائم عبد لله، يتواضع لله سبحانه وتعالى، ويصوم ويري من نفسه أنه عبد، وأنه ممسك عن الطعام والشراب والشهوة، ويري ربه من نفسه حسن الخلق، فهذا المؤمن لا يرفث ولا يجهل، ولو أن أحداً تعرض له بذلك وأراد أن يتعارك معه، لا يدخل معه في التعارك، ولكن يقول: إني صائم، ويبتعد عن ذلك، فيذكر نفسه ويذكر غيره أن الصيام لا ينبغي فيه ذلك، أي: إني صائم لا تجهل علي فإني لا أرد عليك بالجهل، أيضاً فيه زجر لمن يؤذي الصائم، فإن هذا صائم لله عز وجل لا يصوم لك أنت، صائم لله، فهل تظن أنك حين تؤذيه أن الله عز وجل يتركك؟ هذا ليس ممكناً أبداً، أن تؤذي إنساناً صائماً ويقول لك: أنا صائم لا أرد عليك، بل ترد عليك الملائكة، ويرد عليك ربك سبحانه وتعالى، ويجازيك ربك على ما تصنع، لذلك احذر من أن تؤذي الصائم.

    رأينا في حديث لـأبي بكر الصديق رضي الله عنه وهو مع النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء رجل يشتم أبا بكر رضي الله عنه فحلم أبو بكر رضي الله عنه وسكت، والرجل ما زال يشتم ويشتم ويشتم وأبو بكر ساكت، والنبي صلى الله عليه وسلم ساكت، وفي النهاية حين الرجل زاد من الشتم رد عليه أبو بكر رضي الله عنه، فقام النبي صلى الله عليه وسلم وتعجب أبو بكر وقال: هو يشتمني يا رسول الله! وأنت موجود، فلما رددت عليه وانتصفت منه قمت! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه كان هناك ملك يرد عنك)، ما قال شيئاً إلا ورده عليه الملك، الملك يرد عليه الذي يقول، وأنت لست أحق بهذا الوصف، فالله يكذب هذا الكذاب، ويصدق الملك بما يقول، فالملك يشهد على هذا الإنسان بأنه بذيء وأنه طويل اللسان، وأنه كذاب وكفى بهذه الشهادة ليعاقب عليه هذا الإنسان، فلما انتصف وانتصر أبو بكر رضي الله عنه حضر الشيطان ليوسوس لـأبي بكر قل له كذا، وقل له أيضاً، وقل له أيضاً، فقام النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (لم أكن لأقعد في مجلس فيه الشيطان).

    لذلك إذا إنسان عابك وأساء إليك فثق أن الله يدافع عنك سبحانه وتعالى، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج:38].

    ويحرم على الصائم الغيبة والنميمة وقول الزور ونحو ذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)، (من لم يدع قول الزور)، الزور: القول المزور، وأصله انحراف، زور: انحرف، فقول الزور: القول المنحرف عن الصواب والمائل عن الحق، فلا بد أن تدع قول الزور فلا تكذب في كلامك ولا تنافق ولا تراء ولا تشهد على إنسان زوراً، دع عنك كل ما هو انحراف عن دين الله سبحانه وتعالى.

    قال:(والعمل به) أي: العمل بمقتضى هذا الزور، يقول الكلام الكذب فيقنع به من أمامه أنه صادق وهو كذاب، ثم يعمل بمقتضى ذلك فيأخذ حق غيره، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لعل أحدكم يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فهي قطعة من النار فليأخذ أو فليذر).

    إذاً: إذا تحاكم اثنان إلى القاضي، ولعل أحدهما يجيد الكلام ويتكلم بالزور ويكذب ويعمل بمقتضاه، والقاضي يحكم له فيأخذ حق غيره، إذاً: هذا قول الزور، وهذا العمل بمقتضى قول الزور.

    قال: (والجهل) أي: السخط وسوء الخلق (فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)، ومعنى ذلك: أن صومه ليس مقبولاً، فهل نأمر هذا الإنسان أن يفطر؟ لا يقال له: افطر، ولكن يقال: إن الله لا يقبل مثل هذا الصوم، كما أنه لا يقبل الصلاة من إنسان يسرق أو يصلي ويزني ويفعل الفاحشة، فإن هذه الصلاة لم تنهك عن الفحشاء والمنكر، وربنا يقول: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45]، فهي صلاة غير مقبولة، لو كانت صلاة مقبولة لنهتك عن الفحشاء والمنكر، فإن كانت غير مقبولة لا نقول له: لا تصل، ولكن نأمر بالصلاة، والأمر لله عز وجل في القبول أو عدمه.

    أيضاً في الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر)، رب صائم صام وأفطر على أعراض الناس وأفطر على الكذب وأفطر على إيذاء الناس، ورب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، وليس له أجر ولا ثواب، كذلك: (رب قائم ليس له من قيامه إلا السهر)، قام يصلي حتى تعبت قدماه وأصبح يؤذي خلق الله، فهذا لا تقبل منه هذه الصلاة، ولو كانت صلاة مقبولة لنهته عن الفحشاء والمنكر.

    وقال في الحديث الآخر: (ليس الصيام من الأكل والشرب فقط، إنما الصيام من اللغو والرفث)، أيضاً جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدروهم)، يخمشون أظفارهم، قَلَبَها الله عز وجل نحاساً يخمش ويمزع بها وجهه ويمزع بها صدره، قال النبي صلى الله عليه وسلم (فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟! قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم) أي: يجلسون مع بعضهم يتكلمون في سيرة فلان وسيرة علان، يأكلون في لحوم الناس ويقعون في أعراضهم، وسمى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك من الربا، بل أربى الربا قال: (إن من أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه بغير حق)، هذه بعض الأشياء التي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عنها.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2987777011

    عدد مرات الحفظ

    716614533