إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد حطيبة
  4. شرح رياض الصالحين
  5. شرح رياض الصالحين - ما جاء في الحث على سور وآيات مخصوصة من القرآن العظيم

شرح رياض الصالحين - ما جاء في الحث على سور وآيات مخصوصة من القرآن العظيمللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كتاب الله تعالى هو أفضل وأشرف وأصدق كتاب، فقد جعله الله هدى للمتقين، ورحمة للمؤمنين، وهو مبارك، وقد رغب النبي صلى الله عليه وسلم في قراءته وتدبره، وخص بعض سوره وآياته بفضائل زائدة، وشرع قراءتها في أوقات وأحوال معلومة.

    1.   

    الحث على سور وآيات مخصوصة

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الإمام النووي رحمه الله: [ باب في الحث على سور وآيات مخصوصة.

    وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أبا المنذر! أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قلت: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:255] قال: فضرب في صدري، وقال: ليهنك العلم أبا المنذر ) رواه مسلم .

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام.. وذكر قصة وفيها: (قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:255]، وقال لي: لا يزال عليك من الله حافظ ولن يقربك شيطان حتى تصبح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما إنه قد صدقك وهو كذوب) رواه البخاري ].

    هذه أحاديث من كتاب رياض الصالحين للإمام النووي رحمه الله ذكرها في أبواب الفضائل في باب الحث على سور وآيات مخصوصة.

    والمؤمن يحب أن يقرأ كتاب الله عز وجل كله، ويحب أن يحفظه كله، فمهما استطاع أن يحفظ منه وأن يقرأ منه فعل، وتوجد سور وآيات مخصوصة نبه النبي صلى الله عليه وسلم على فضلها، فيستحب أن يبدأ الإنسان بهذه السور فيحفظها؛ فإنه لا يدري متى يهجم عليه الموت، وهذه السور والآيات جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضيلتها أحاديث منها:

    حديث أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته).

    وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن).

    وقال صلى الله عليه وسلم: (أيعجز أحدكم أن يقرأ بثلث القرآن في ليلة؟!)، وظاهره أنه يقوم الليل بقراءة ثلث القرآن، فالصحابة ذكروا أن هذا الأمر صعب لا يقدرون عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم قال: قل هو الله أحد الله الصمد ثلث القرآن).

    كذلك جاء عن النبي صلوات الله وسلامه عليه في سورتي: (قل أعوذ برب الفلق)، و(قل أعوذ برب الناس) (المعوذتين) أن فيهما فضلاً عظيماً، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ بأدعية من الجان وعين الإنسان ثم بعد ذلك اكتفى بسورتي: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، وكان أحياناً يقرؤهما صلوات الله وسلامه عليه وهو مسافر في صلاة الفجر.

    فيستحب للمسلم أن يقرأ المعوذات: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، وإذا قرأتها ثلاث مرات تكفيك من كل شيء، فالمؤمن يستن بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ويقرأ ذلك في أذكار الصباح وفي أذكار المساء.

    ومما جاء أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أن سورة: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ تعدل ربع القرآن، وفيها البراءة من الكفار، ومن أعمال الكفار، فيستحب للمؤمن أن يقرأها سواء في الصلاة أو في غير الصلاة.

    كذلك سورة: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وهي ثلاثون آية، وتسمى: المانعة من عذاب القبر، يستحب للمؤمن أن يحفظها وأن يقرأها في كل ليلة، فإنها دفعت عن رجل عذاب القبر بسبب أنه كان يقرؤها في كل ليلة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من القرآن سورة ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له وهي: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ).

    وفي حديث آخر قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة)، وقال عن سورة البقرة وسورة آل عمران: (اقرءوا الزهراوين البقرة وآل عمران فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما).

    1.   

    فضل آية الكرسي

    روى مسلم عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أبا المنذر! أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟) وقد عرفنا أن أعظم سورة هي سورة الفاتحة، فأي آية من القرآن أعظم؟ سئل عن هذا أبي بن كعب ، وهو سيد القراء رضي الله تبارك وتعالى عنه، فقد كان عمر يلقبه بسيد القراء، وقد حفظ القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم في ذات مرة نسي آية وهو يصلي، وبعد الصلاة قال: (أفيكم أبي ؟ قال: نعم. قال: ما منعك أن تفتح علي؟ قال: ظننتها نسخت يا رسول الله)، فالنبي صلى الله عليه وسلم بين فضله رضي الله تبارك وتعالى عنه حين قال له: (ما منعك أن تفتح علي؟!

    وقال له هنا: (يا أبا المنذر) وهذا فيه تكريم لـأبي بن كعب حيث يكنيه النبي صلى الله عليه وسلم، ولو قال: يا أبي! لكان شرفاً له أن يناديه النبي صلى الله عليه وسلم باسمه، ولكنه قال: (يا أبا المنذر!). قال صلى الله عليه وسلم: ( يا أبا المنذر! أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟) يعني: أي آية من الآيات التي تحفظها أعظم، والنبي صلى الله عليه وسلم ينطق بالوحي، ولا ينطق عن الهوى صلوات الله وسلامه عليه، فقال أبي بن كعب: (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) قال: فضرب في صدري) أي مؤكداً له أنه أصاب في الجواب وقال: (ليهنك العلم أبا المنذر! ) أصلها: يهنيك العلم، واللام هنا لام الأمر أي: تتهنأ بهذا العلم الذي عندك بفضل الله عز وجل عليك.

    إذاً: آية الكرسي آية عظيمة جداً، ولولا أن لها قدراً عظيماً في القرآن الكريم لما أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نقرأها بعد كل صلاة فريضة، فتقرؤها كل يوم خمس مرات على الأقل استحباباً بعد كل صلاة فريضة.

    تفسير آية الكرسي

    آية الكرسي هي آية التوحيد، فقد ذكر الله سبحانه فيها صفاته العظيمة، وفيها من الأسماء الحسنى: الحي، والقيوم الذي يقوم كل شيء به، وهو قائم على كل شيء سبحانه، وهو الذي يدبر أمر الكون كله سبحانه، يراقب ويحفظ كل شيء، ويشهد على كل شيء، فهو القيوم لا شيء يقوم إلا بالله الحي القيوم سبحانه، وهو القيوم القائم والقاهر فوق عباده سبحانه وتعالى.

    قوله: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:255]، فهو الحي الحياة الدائمة التي لا ابتداء لها ولا انتهاء لها سبحانه وتعالى، فقد خلق الله عز وجل الزمان للخلق، جعل لهم الزمان يحد أولهم وآخرهم، وجعل المكان للإنسان يتحيز فيه، والله عز وجل لا يحده زمان ولا مكان سبحانه وتعالى، وهو فوق كل شيء، قهر كل شيء، وقام على كل شيء.

    لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [البقرة:255] النوم قد عرفناه، والسنة: هي الشيء اليسير من النوم كالخفقة التي تعتري الإنسان، فالإنسان قد تغلبه عينه وهو يحرس أو وهو واقف في الصلاة إذا طالت الصلاة في قيام الليل.

    فهذه السنة شيء يسير من النوم، والله سبحانه وتعالى لا يعتريه نوم ولا سنة من النوم سبحانه وتعالى.

    لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [البقرة:255] يملك كل شيء، يملك ما في السموات وما في الأرض.

    مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255] ما أعظم هذه العظمة! أي مخلوق لا يجرؤ أبداً أن يتقدم بين يدي الله عز وجل، ولا يشفع بغير إذنه، قال الله: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:28] سبحانه وتعالى، ولا يشفع عنده إلا الأنبياء والملائكة والصالحون، وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة الطويل: (أنه يأتي يوم القيامة ويخر ساجداً لله سبحانه وتعالى، فيتركه ربه ما شاء أن يتركه ساجداً، ثم يأذن الرب الكريم سبحانه وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم بقوله: يا محمد! ارفع رأسك، واشفع تشفع)، فيقوم النبي صلى الله عليه وسلم حامداً ربه سبحانه، شاكراً ربه، ويشفع لمن يشاء الله من خلقه، فهذا النبي الكريم أكرم خلق الله صلوات الله وسلامه عليه لا يشفع ابتداءً إلى أن يأذن الله له حين يقول: (يا محمد! ارفع رأسك)، ويأتي إلى عرش الرحمن فيخر ساجداً حتى يؤذن له.

    فمن يجرؤ أن يأتي إلى الله بغير إذن من الله سبحانه ويقول: أنا أشفع وأنا أدافع عن فلان؟ لا أحد يجرؤ على ذلك.

    مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ [البقرة:255] هذه عظمة الله سبحانه، وجبروت الله وملكوته، يعلم كل شيء سبحانه تبارك وتعالى، أحاط بكل شيء علماً صغر وقل أو كبر وجل، كل شيء يعلمه الله سبحانه علم إحاطة، يعلم أوله وآخره وكيف كان، وكل شيء يصير يعلمه الله، فمن عظمة الله أنه لا يجرؤ أحد أن يشفع إلا أن يأذن الله سبحانه، وعلم الله العظيم يدل على عظمته، فهو يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ما أمامك وما خلفك، في أي زمان ومكان، ما أضمرته في نفسك وما أظهرته، يعلم كل شيء سبحانه وتعالى، فالله عز وجل يعلم ما بين أيدي كل خلقه، كل شيء يعلم الله عز وجل ما بداخله وخارجه، ما أمامه وخلفه في الزمان وفي المكان، كل شيء يعلمه الله سبحانه وتعالى.

    وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ [البقرة:255]، فانظر إلى سعة علمه سبحانه، وإلى حقارة علم المخلوقين، إذا اجتمع الخلق كلهم لا يقدرون أن يحيطوا بشيء من علم الله، فهو سبحانه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، كل شيء يعلمه الله عز وجل، وهذه المخلوقات كلها لا تحيط بشيء من علم الله سبحانه وتعالى.

    وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ [البقرة:255] فما شاء أن يعلمهم به أعلمهم به، وقد يظن إنسان أنه أحاط علماً بالشيء، فإذا بالرب سبحانه يظهر جهل هذا القائل، وكلما ازداد الإنسان علماً ازداد علماً بجهل نفسه، فإذا استكبر وقال: قد علمنا ووصلنا، فسيصل إلى أن يكون أجهل خلق الله سبحانه وتعالى.

    قبل مائة سنة كان بعض كبار الأطباء يقولون: قد اكتشفنا ولم نترك شيئاً لمن يأتي بعدنا في الطب، فالذي قال هذا كان أحمق، فانظر إلى العلوم الموجودة الآن في علم الطب الحديث، فالعلم الآن فيه أشياء حديثة جداً جداً لم يكونوا يعرفونها، فقد اكتشفوا الميكروبات والفيروسات والأشياء الصغيرة التي لا ترى، والأشياء التي ترى آثارها دون أن ترى، فأين علم الطبيب القديم الذي كان يقول: اكتشفنا كل شيء؟! هذا جاهل يضحكون عليه الآن بسبب قوله الذي قاله.

    فالإنسان حين يقول: أحطت بشيء علماً جاهل، فالله عز وجل لا يطلع أحداً على كل شيء، وقد قال: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف:76]، فوق كل إنسان عالم علّامة، وفوقه العليم الخبير سبحانه وتعالى، كما يقول ابن عباس رضي الله عنه: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف:76] أي: الله فوق كل عالم سبحانه وتعالى.

    فالإنسان إذا وصل في العلم إلى شيء فيرد العلم إلى عالمه، ويقول: هذا ما أعلمه وأجهل الكثير.

    معنى الكرسي

    قال الله: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة:255] كرسي الله سبحانه نؤمن به، وعرش الله عز وجل نؤمن به، ونحن نرى ما نراه من الأرض، ونرى ما نراه من السماء، والعلماء يقولون: السماء واسعة جداً، والأفلاك والكواكب والأقمار هي أشياء عظيمة جداً وبعيدة المسافات؛ ولذلك يقيسون ما بينها بالسنة الضوئية، أي: المسافة التي يقطعها الضوء خلال سنة، والضوء يقطع في الثانية الواحدة مائة ألف كيلو متر، فإذا حسبتها بالسنة الضوئية تكون مثلاً تسعة ترليون كيلو متر، وهم يقولون: المسافة بين الشيء الفلاني والشيء الفلاني أربع سنوات ضوئية، أي: أن نجماً لا يصل إليه ضوء النجم الآخر إلا بعد أربع سنوات، وكل هذه النجوم من ضمن المجرة التي نحن فيها، ويقولون: يوجد مائتا مليار نجم في المجرة التي نحن فيها، ويقولون: نحن نعلم بوجود حوالى مائتي مليار مجرة.

    ويقولون: هذا الموضع الذي نظرنا فيه الآن النجم هو يبتعد من موضعه، قال الله: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ [الذاريات:47].

    فإذا كانت السماء الدنيا لسنا عارفين أين آخرها، وأين آخر هذه النجوم والكواكب، فكيف بالسماء الثانية، والثالثة، والرابعة..؟! يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة في فلاة).

    وجاء عن ابن عباس قال: (الكرسي موضع القدمين)، والله أعلم، وإذا قوم الكرسي بعرش الله سبحانه وتعالى فهو بالنسبة إليه كحلقة في فلاة، فكم يكون قدر هذا العرش؟! والله مستغن عن العرش وما دونه سبحانه وتعالى، وهو مستو على العرش، فالله سبحانه وتعالى فوقه هو العلي الكبير سبحانه، وإذا أردت أن تعرف أن الله هو الكبير فانظر إلى الشيء الكبير في هذا الكون، فأنت لا تقدر أن تحيط به علماً، فكيف بمن خلقه وهو الله سبحانه وتعالى؟! فالله هو العلي الكبير سبحانه، وهو العلي العظيم أحاط بكل شيء علماً.

    معنى قوله تعالى: (ولا يئوده حفظهما..)

    قال الله وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا [البقرة:255] أي: لا يتعبه حفظهما، فيحفظ كل نجم من المليارات التي لا تعد، يحفظها في مكانها، تجري وتدور، ويأتي مولدها وتأتي نهايتها فيما يعلمه الله سبحانه، أحصى كل شيء عدداً، أحصى أنفاس العباد فيعلم كم عددها، أحصى عدد قطر المطر الذي ينزل من السماء، وعدد أشجار أوراق الشجر، وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا [الجن:28] سبحانه وتعالى العليم العظيم. قال الله: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة:255] العظيم صاحب العظمة صاحب الملك والملكوت ذو الجلال والإكرام سبحانه وتعالى.

    عظمة آية الكرسي وبعض ما ورد في ذلك

    عندما تقرأ: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:255] استحضر هذه المعاني لتعرف شيئاً من عظمة الله الخالق سبحانه وتعالى، ولذلك كانت هذه الآية -آية الكرسي- أعظم آية في كتاب الله سبحانه وتعالى.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليهنك العلم أبا المنذر ) يعني: حين علم أن هذه الآية أعظم آية في كتاب الله سبحانه.

    وهي آية من سورة البقرة، وبعض الناس يقول: سورة الكرسي! وهذا خطأ؛ فإنه لا توجد سورة الكرسي ولكن آية الكرسي، وهي آية من سورة البقرة، وسورة البقرة من أعظم سور كتاب الله سبحانه، ونص النبي صلى الله عليه وسلم على أن أعظم منها سورة الفاتحة.

    وهذه من رحمة رب العالمين، فلو كانت أعظم سورة في القرآن سورة البقرة لكان كل إنسان يحاول أن يحفظ هذه السورة التي هي أعظم سورة، ولكن الله عز وجل يسر القرآن للذكر، ومن رحمته سبحانه أن جعل أعظم سورة في متناول الجميع، فالكل يقدر أن يحفظ سورة الفاتحة، فهي سبع آيات من كتاب الله عز وجل، فجعل الفاتحة أعظم آية في كتابه سبحانه وتعالى.

    من الأحاديث التي جاءت في فضل آية الكرسي قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت).

    فإذا قرأت عقب كل صلاة فريضة آية الكرسي فأبشر فنهايتك ستكون نهاية خير، فليحرص المؤمن على أن يقرأها، وكثير من الناس يضيعونها، فينشغل بعد الصلاة بأي شيء، مثل السلام مع من بجانبه، وينسى أن يقرأ آية الكرسي، فاحرص على أن تقرأها دبر كل صلاة كما ذكر النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    روى الإمام البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: إني محتاج ولي عيال وبي حاجة شديدة، فخليت عنه، فأصبحت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا هريرة! ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: يا رسول الله! شكا حاجةً وعيالاً فرحمته فخليت سبيله).

    أبو هريرة أن يمسكه ليسلمه للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يسرق من مال الزكاة، وعرف أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تعافوا الحدود فيما بينكم، فأيما حد بلغني أقمته)، فمن حال بينه وبين إقامة الحد فلعن الله الشافع والمشفع، فيجوز أن يتنازل يتنازل قبل أن يصل أمره إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا وصل اللص إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيلزم أن يقيم عليه الحد، ولا يجوز الشفاعة في ذلك، فكأن أبا هريرة وجد أن هذا جاء ليسرق فما تمكن من السرقة، وشكا حاجة وعيالاً، فتركه أبو هريرة رضي الله تبارك وتعالى عنه، لكن الوحي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لـأبي هريرة : (أما إنه قد كذبك وسيعود)، أي: خدعك وسيرجع مرةً ثانية، قال: (فعرفت أنه سيرجع) وذلك لخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (فرصدته فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: دعني فإني محتاج ولي عيال لا أعود، قال: فرحمته فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا هريرة! ما فعل أسيرك البارحة؟ فقلت: شكا حاجةً وعيالاً فرحمته فخليت سبيله. فقال: إنه قد كذبك وسيعود، قال: فرصدته في الثالثة فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنك تزعم أنك لا تعود ثم تعود! فقال: دعني فإني أعلمك كلمات ينفعك الله بها. قلت: ما هن؟) وكانوا أحرص شيء على الخير رضي الله عنهم؛ ولذلك لم يلم النبي صلى الله عليه وسلم أبا هريرة رضي الله عنه عندما تركه في المرة الأولى وفي المرة الثانية، والنبي صلى الله عليه وسلم عرف أن الله عز وجل كما يظهر الحق على لسان النبي صلى الله عليه وسلم قد يظهر الحق على لسان شيطان، حتى يزداد الصحابة إيماناً بما قاله النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    فهنا قال: (إني أعلمك كلمات ينفعك الله بها. قال: قلت: ما هن؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح)، تقرأ هذه الآية وأنت تتأملها، وأنت تفهم معناها، وأنت تثق في الله سبحانه وتعالى أنه سيحفظك بها.

    فلما قال ذلك فـأبو هريرة رضي الله عنه انتفع فتركه وخلى سبيله، قال: (فأصبحت، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: يا رسول الله! زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله، قال: ما هي؟ -وهو أعلم صلوات الله وسلامه عليه- فقال: قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:255] وقال لي: لا يزال عليك من الله حافظ، ولن يقربك شيطان حتى تصبح، قال النبي صلى الله عليه وسلم: أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث يا أبا هريرة؟ قال: قلت: لا، قال: ذاك شيطان).

    نأخذ من ذلك أن المؤمن لا يفرط أبداً في أن يحفظ آية الكرسي، وأن يحفظها عياله الصغار والكبار، ولذلك كان الصحابة يحفظونها، وكانوا يحفظونها لأولادهم، وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يحفظها ويحفظها لأولاده ممن يقدر أن يحفظ، ومن لا يحفظ يكتبها له، ويعلقها على رقبته، ولعله يفعل ذلك ليحفظها أو ليكتبها حتى تكون في رقبة هذا الذي يكتبها له، فأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عرفوا فضلها فحفظوا هذه الآية العظيمة، وحفظوها لأولادهم.

    1.   

    تفسير آية الكرسي

    آية الكرسي هي آية التوحيد، فقد ذكر الله سبحانه فيها صفاته العظيمة، وفيها من الأسماء الحسنى: الحي، والقيوم الذي يقوم كل شيء به، وهو قائم على كل شيء سبحانه، وهو الذي يدبر أمر الكون كله سبحانه، يراقب ويحفظ كل شيء، ويشهد على كل شيء، فهو القيوم لا شيء يقوم إلا بالله الحي القيوم سبحانه، وهو القيوم القائم والقاهر فوق عباده سبحانه وتعالى.

    قوله: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:255]، فهو الحي الحياة الدائمة التي لا ابتداء لها ولا انتهاء لها سبحانه وتعالى، فقد خلق الله عز وجل الزمان للخلق، جعل لهم الزمان يحد أولهم وآخرهم، وجعل المكان للإنسان يتحيز فيه، والله عز وجل لا يحده زمان ولا مكان سبحانه وتعالى، وهو فوق كل شيء، قهر كل شيء، وقام على كل شيء.

    لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [البقرة:255] النوم قد عرفناه، والسنة: هي الشيء اليسير من النوم كالخفقة التي تعتري الإنسان، فالإنسان قد تغلبه عينه وهو يحرس أو وهو واقف في الصلاة إذا طالت الصلاة في قيام الليل.

    فهذه السنة شيء يسير من النوم، والله سبحانه وتعالى لا يعتريه نوم ولا سنة من النوم سبحانه وتعالى.

    لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [البقرة:255] يملك كل شيء، يملك ما في السموات وما في الأرض.

    مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255] ما أعظم هذه العظمة! أي مخلوق لا يجرؤ أبداً أن يتقدم بين يدي الله عز وجل، ولا يشفع بغير إذنه، قال الله: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:28] سبحانه وتعالى، ولا يشفع عنده إلا الأنبياء والملائكة والصالحون، وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة الطويل: (أنه يأتي يوم القيامة ويخر ساجداً لله سبحانه وتعالى، فيتركه ربه ما شاء أن يتركه ساجداً، ثم يأذن الرب الكريم سبحانه وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم بقوله: يا محمد! ارفع رأسك، واشفع تشفع)، فيقوم النبي صلى الله عليه وسلم حامداً ربه سبحانه، شاكراً ربه، ويشفع لمن يشاء الله من خلقه، فهذا النبي الكريم أكرم خلق الله صلوات الله وسلامه عليه لا يشفع ابتداءً إلى أن يأذن الله له حين يقول: (يا محمد! ارفع رأسك)، ويأتي إلى عرش الرحمن فيخر ساجداً حتى يؤذن له.

    فمن يجرؤ أن يأتي إلى الله بغير إذن من الله سبحانه ويقول: أنا أشفع وأنا أدافع عن فلان؟ لا أحد يجرؤ على ذلك.

    مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ [البقرة:255] هذه عظمة الله سبحانه، وجبروت الله وملكوته، يعلم كل شيء سبحانه تبارك وتعالى، أحاط بكل شيء علماً صغر وقل أو كبر وجل، كل شيء يعلمه الله سبحانه علم إحاطة، يعلم أوله وآخره وكيف كان، وكل شيء يصير يعلمه الله، فمن عظمة الله أنه لا يجرؤ أحد أن يشفع إلا أن يأذن الله سبحانه، وعلم الله العظيم يدل على عظمته، فهو يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ما أمامك وما خلفك، في أي زمان ومكان، ما أضمرته في نفسك وما أظهرته، يعلم كل شيء سبحانه وتعالى، فالله عز وجل يعلم ما بين أيدي كل خلقه، كل شيء يعلم الله عز وجل ما بداخله وخارجه، ما أمامه وخلفه في الزمان وفي المكان، كل شيء يعلمه الله سبحانه وتعالى.

    وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ [البقرة:255]، فانظر إلى سعة علمه سبحانه، وإلى حقارة علم المخلوقين، إذا اجتمع الخلق كلهم لا يقدرون أن يحيطوا بشيء من علم الله، فهو سبحانه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، كل شيء يعلمه الله عز وجل، وهذه المخلوقات كلها لا تحيط بشيء من علم الله سبحانه وتعالى.

    وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ [البقرة:255] فما شاء أن يعلمهم به أعلمهم به، وقد يظن إنسان أنه أحاط علماً بالشيء، فإذا بالرب سبحانه يظهر جهل هذا القائل، وكلما ازداد الإنسان علماً ازداد علماً بجهل نفسه، فإذا استكبر وقال: قد علمنا ووصلنا، فسيصل إلى أن يكون أجهل خلق الله سبحانه وتعالى.

    قبل مائة سنة كان بعض كبار الأطباء يقولون: قد اكتشفنا ولم نترك شيئاً لمن يأتي بعدنا في الطب، فالذي قال هذا كان أحمق، فانظر إلى العلوم الموجودة الآن في علم الطب الحديث، فالعلم الآن فيه أشياء حديثة جداً جداً لم يكونوا يعرفونها، فقد اكتشفوا الميكروبات والفيروسات والأشياء الصغيرة التي لا ترى، والأشياء التي ترى آثارها دون أن ترى، فأين علم الطبيب القديم الذي كان يقول: اكتشفنا كل شيء؟! هذا جاهل يضحكون عليه الآن بسبب قوله الذي قاله.

    فالإنسان حين يقول: أحطت بشيء علماً جاهل، فالله عز وجل لا يطلع أحداً على كل شيء، وقد قال: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف:76]، فوق كل إنسان عالم علّامة، وفوقه العليم الخبير سبحانه وتعالى، كما يقول ابن عباس رضي الله عنه: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف:76] أي: الله فوق كل عالم سبحانه وتعالى.

    فالإنسان إذا وصل في العلم إلى شيء فيرد العلم إلى عالمه، ويقول: هذا ما أعلمه وأجهل الكثير.

    المراد بالكرسي

    قال الله: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة:255] كرسي الله سبحانه نؤمن به، وعرش الله عز وجل نؤمن به، ونحن نرى ما نراه من الأرض، ونرى ما نراه من السماء، والعلماء يقولون: السماء واسعة جداً، والأفلاك والكواكب والأقمار هي أشياء عظيمة جداً وبعيدة المسافات؛ ولذلك يقيسون ما بينها بالسنة الضوئية، أي: المسافة التي يقطعها الضوء خلال سنة، والضوء يقطع في الثانية الواحدة مائة ألف كيلو متر، فإذا حسبتها بالسنة الضوئية تكون مثلاً تسعة ترليون كيلو متر، وهم يقولون: المسافة بين الشيء الفلاني والشيء الفلاني أربع سنوات ضوئية، أي: أن نجماً لا يصل إليه ضوء النجم الآخر إلا بعد أربع سنوات، وكل هذه النجوم من ضمن المجرة التي نحن فيها، ويقولون: يوجد مائتا مليار نجم في المجرة التي نحن فيها، ويقولون: نحن نعلم بوجود حوالى مائتي مليار مجرة.

    ويقولون: هذا الموضع الذي نظرنا فيه الآن النجم هو يبتعد من موضعه، قال الله: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ [الذاريات:47].

    فإذا كانت السماء الدنيا لسنا عارفين أين آخرها، وأين آخر هذه النجوم والكواكب، فكيف بالسماء الثانية، والثالثة، والرابعة..؟! يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة في فلاة).

    وجاء عن ابن عباس قال: (الكرسي موضع القدمين)، والله أعلم، وإذا قوم الكرسي بعرش الله سبحانه وتعالى فهو بالنسبة إليه كحلقة في فلاة، فكم يكون قدر هذا العرش؟! والله مستغن عن العرش وما دونه سبحانه وتعالى، وهو مستو على العرش، فالله سبحانه وتعالى فوقه هو العلي الكبير سبحانه، وإذا أردت أن تعرف أن الله هو الكبير فانظر إلى الشيء الكبير في هذا الكون، فأنت لا تقدر أن تحيط به علماً، فكيف بمن خلقه وهو الله سبحانه وتعالى؟! فالله هو العلي الكبير سبحانه، وهو العلي العظيم أحاط بكل شيء علماً.

    معنى قوله تعالى: (ولا يئوده حفظهما..)

    قال الله وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا [البقرة:255] أي: لا يتعبه حفظهما، فيحفظ كل نجم من المليارات التي لا تعد، يحفظها في مكانها، تجري وتدور، ويأتي مولدها وتأتي نهايتها فيما يعلمه الله سبحانه، أحصى كل شيء عدداً، أحصى أنفاس العباد فيعلم كم عددها، أحصى عدد قطر المطر الذي ينزل من السماء، وعدد أشجار أوراق الشجر، وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا[الجن:28] سبحانه وتعالى العليم العظيم. قال الله: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ[البقرة:255] العظيم صاحب العظمة صاحب الملك والملكوت ذو الجلال والإكرام سبحانه وتعالى.

    1.   

    فضل سورة الكهف

    روى الإمام مسلم عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال)، هذه السورة العظيمة يستحب أن تواظب عليها في كل ليلة جمعة، أو كل يوم جمعة، وإذا استطعت أن تقرأها ليلة الجمعة يوم الخميس بعد المغرب فافعل، وإذا استطعت أن تقرأها بعد فجر يوم الجمعة قبل غروب الشمس فافعل ذلك، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الذي يقرؤها يجعل الله عز وجل له نوراً عظيماً جداً من مكانه إلى بيت الله الحرام، نور عظيم جداً يجعله لك الله سبحانه، وأنت أقل نور ينفعك، فكيف بمثل هذا النور إذا جئت به في ظلمات يوم القيامة، وأنت أمامك نور من مكانك إلى بيت الله الحرام؟! كيف تسير يوم القيامة وأمامك هذا النور! تكون آمناً يوم القيامة، ولا تحتاج أن تقول لأحد: أعطني نوراً، فقد أعطاك الله عز وجل بفضل هذه السورة النور العظيم، هذا فضل قراءتها في يوم الجمعة أو ليلة الجمعة.

    ولها فضل آخر وراء ذلك لو ظهر الدجال ، وفتنته فتنة عظيمة جداً، يفتن الناس بما يظهره من خوارق تحير العقول، وتجعل الناس يتبعونه فيما يقول ويدعوهم إليه.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تحفظ أول عشر آيات من سورة الكهف، وأولها: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا [الكهف:1] تحفظ أول عشر آيات أو آخر عشر آيات من سورة الكهف، ففي رواية قال: (من حفظ آخر سورة الكهف عصم من الدجال) والأفضل أن تحفظها كلها، فاحفظ هذه السورة العظيمة.

    1.   

    فضل خواتيم سورة البقرة

    عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (بينما جبريل عليه السلام قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ سمع نقيضاً من فوقه، فرفع رأسه وقال: هذا باب من السماء فتح اليوم)، أي: جبريل كان قاعداً مع النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل ملك آخر فقال جبريل: هذا باب من السماء فتح ولم يفتح قط إلا اليوم، فجبريل ما نظر إلى فتح هذا الباب قبل ذلك اليوم، قال: (فنزل منه ملك فقال جبريل: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، قال: فسلم وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة).

    إذاً: هذا الملك ما نزل بالقرآن، فالذي ينزل بالقرآن على النبي صلى الله عليه وسلم هو جبريل، وقد نزلت الفاتحة، ونزلت سورة البقرة، ولكن هذا نزل بالبشارة، نزل يبشر النبي صلى الله عليه وسلم بأن معك أشياء عظيمة فاعرف فضل هذه الأشياء، قال: (أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لم تقرأ بحرف منها إلا أعطيته)، لم تقرأ بحرف منها إلا وتعطى الفضل وتعطى ما سألته ربك سبحانه.

    ولذلك جاء حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في فاتحة الكتاب: (إذا قال العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]قال الله عز وجل: حمدني عبدي، وإذا قال: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3]قال: أثنى علي عبدي، وإذا قال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4] قال: مجدني عبدي، وإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، وإذا قال: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيم * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:6-7] قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل).

    إذاً: أنت تقرأ فاتحة الكتاب والله يجيبك، ويعطيك سبحانه وتعالى.

    كذلك آخر سورة البقرة: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [البقرة:285-286].

    إذا قرأت هاتين الآيتين يؤتيك الله عز وجل أجراً على كل حرف، ويجيبك؛ ولذلك جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل قال: (قد فعلت)، ولما قرأ هذه الآية على أصحابه: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:284] قالوا: يا رسول الله! لا نطيق ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (قولوا: سمعنا وأطعنا، فقال الصحابة: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، فأنزل الله سبحانه تبارك وتعالى على النبي صلى الله عليه وسلم: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ [البقرة:285]) فهؤلاء آمنوا حين قالوا: سمعنا وأطعنا، أي: رضينا يا ربنا بأن الذي نبديه والذي نخفيه ستحاسبنا عليه، فإذا بالله عز وجل يثبت لهؤلاء الإيمان ويقول: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ [البقرة:285]، ثم في آخر الآية يدعون الله عز وجل: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286] قال الله عز وجل: (قد فعلت)، فيعلمهم الدعاء فيدعون فيجيبهم بفضله وكرمه!

    فإذا بالله عز وجل يرفع عنهم إثم ما أخفوه في أنفسهم فلا يحاسبهم عليه إذا لم يعزموا على ذلك، ولم يصروا عليه، وتابوا إلى الله عز وجل، وإذا كان ذلك عن خطأ أو عن نسيان عفونا عنكم.

    نسأل الله عز وجل عفوه وعافيته ومغفرته في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.