إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد حطيبة
  4. شرح رياض الصالحين
  5. شرح رياض الصالحين - فضل السلام والأمر بإفشائه وكيفيته

شرح رياض الصالحين - فضل السلام والأمر بإفشائه وكيفيتهللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من خصال الإسلام التي حث عليها الشارع الحكيم: إفشاء السلام بين المسلمين، وذلك لما له من أثر عظيم على تماسك هذه الأمة المجيدة، فهو سبيل إلى تقوية أواصر المحبة والألفة والأخوة بين المسلمين، وللسلام آثار نفسية وإيجابية عظيمة، فهو يبعث الأمان في نفس المسلم عليه، وينشر المحبة والمودة بين الناس، ويعمق الروابط الاجتماعية بين الفرد وأخيه بصورة خاصة، وبين المجتمع بصورة عامة.

    1.   

    فضل السلام والأمر بإفشائه

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صلي وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الإمام النووي رحمه الله: [كتاب السلام: باب فضل السلام والأمر بإفشائه.

    قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا [النور:27] ، وقال تعالى: فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً [النور:61] ، وقال تعالى: وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [النساء:86] ، وقال تعالى: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ [الذاريات:24-25] .

    وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أي الإسلام خير؟ قال: تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف) متفق عليه].

    يذكر الإمام النووي رحمه الله في كتابه القيم: (رياض الصالحين) كتاباً عن السلام، ذكر فيه باباً في فضل السلام والأمر بإفشائه، وذكر ما يتعلق بذلك من آيات من كتاب الله عز وجل وأحاديث للنبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    من معاني السلام وآدابه

    السلام مما ميزت به هذه الأمة، فقد أمروا بأن يسلم بعضهم على بعض، وأمروا بإفشاء السلام بينهم حتى تكثر المحبة بين المؤمنين بسبب هذا السلام العظيم.

    وقد علم الله سبحانه السلام آدم وهو في الجنة، فتعلمه من الملائكة وتعلم رده، وأخبره أن هذا السلام هو تحيتك وتحية أمتك من بعدك عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

    والسلام: من أسماء الله الحسنى سبحانه وتعالى، فالله هو السلام سبحانه وتعالى.

    وللسلام معان كثيرة منها:

    أولاً: السلامة من العيوب.

    ثانياً: ما جاء فيه من الطمأنينة والأمن والسلامة والخير من وراء ذلك.

    ثالثاً: أنه اسم من أسماء الله الحسنى، فالله هو السلام ومنه السلام، فهو يحيي أهل الجنة بالسلام، وتحييهم الملائكة بالسلام، بل وسمى الجنة دار السلام فقال: وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ [إبراهيم:23] .

    وقد حسدت اليهود المؤمنين على هذا السلام، وأنهم يحيون بعضهم بعضاً بالسلام، قال صلى الله عليه وسلم: (ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين) ، والتأمين: أن تقول: آمين، وذلك عندما يدعو أحدكم ويؤمن الآخرون، أو عندما يقرأ الفاتحة فتقول: آمين، ويقول الإمام: آمين، ويوافق تأمينكم وتأمين الإمام تأمين الملائكة فيغفر الله عز وجل لكم ما تقدم من ذنوبكم.

    قال الله عز وجل يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا [النور:27] ، فقوله: (حتى تستأنسوا) من الأنس: ضد الوحشة، فإذا أردت أن تدخل بيتاً غير بيتك فعليك أن تستأنسه؛ لكي يستشعر أهل البيت منك الطمأنينة والأمان فيأنسون بك، هذا قبل الدخول، فلا تهجم على باب البيت لتفتحه وتدخل حتى وإن قلت السلام عليكم قبل ذلك، قال تعالى: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا [النور:27]، أي: يستأنس بك أهل البيت، وتستأنس أنت من هؤلاء.

    ولذلك جاءت عن المفسرين بذلك أقاويل مضمونها: أن تطمئن أهل البيت بنحنحة عند الدخول، أو بذكر الله عز وجل بصوت مرتفع، حتى يستشعر من بالداخل أن هناك إنساناً بالخارج يريد أن يستأذن ويدخل، ثم تقول: السلام عليكم أأدخل؟ فتطمئن أهل البيت أنك ما جئت إلا لخير بهذا الإيناس، ثم تطمئن أهل البيت ثانية بأن تقول: السلام عليكم، فتستأنس وتسلم على أهل البيت.

    وقد كان العرب في الجاهلية يتركون التحية إذا قويت العلاقات فيما بينهم، فلعل الرجل يأتي إلى أقربائه فيفتح الباب ويدخل ويجلس، ثم بعد ذلك يقول: قد دخلت! وقد أرادوا أن يفعلوها مع النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر الرجل أن يخرج وأن يسلم ويستأذن من عند الباب ثم قال لمن معه: (هلا علمتم هذا السلام؟ فخرج الرجل وسلم على النبي صلى الله عليه وسلم واستأذن قبل أن يدخل).

    إذاً: لا يوجد شيء اسمه: أنا متعود عليك وأنت متعود، بل لا بد من الاستئذان مهما كانت العلاقة بيني وبينك، يقول الله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب:6]، ومع هذه العلاقة القوية أمروا أن يستأذنوا قبل دخولهم على النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهو أيضًا صلوات الله وسلامه عليه الذي هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، كان إذا ذهب إلى بيت سعد بن عبادة وقف خارج البيت وقال: (السلام عليكم أأدخل؟) فيرد أهل البيت على النبي صلى الله عليه وسلم سراً؛ لأنهم يريدون أن يستكثروا من سلامه ودعائه وتحيته صلوات الله وسلامه عليه، فيسلم المرة الثانية وهم يردون عليه في سرهم، ثم سلم عليهم المرة الثالثة صلى الله عليه وسلم ولم يدخل البيت، فخرج أهل البيت ونادوا على النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: إنما أردنا الاستكثار من سلامك والبركة من وراء ذلك، فأخبرهم بأن الاستئذان ثلاث مرات فقط، وأن الإنسان ينصرف بعد ذلك.

    وهنا يقول الله تعالى عن التسليم: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا [النور:27] ، وليس التسليم راجعاً لهوانا، أو أن كل واحد منا يختار السلام الذي يعجبه، وإنما علم آدم هذا التسليم وجعله تحيته وتحية ذريته من بعده، قال الله عز وجل فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا [النور:61] ، وبيوتاً هنا: نكرة، فإذا دخلتم بيوتاً فليسلم بعضكم على بعض، وهذا معنى قوله سبحانه: فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النور:61]، إذاً: فالسلام ليس تحية من عندك أنت، بل الله علم آدم وعلم بني آدم هذه التحية، تحية من عند الله من ورائها البركة والشيء الطيب العظيم، قال: مُبَارَكَةً طَيِّبَةً [النور:61] ، فالسلام دعاء بالحياة الطيبة والحياة المباركة.

    وقال سبحانه: وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [النساء:86] ، فالله يعلمك أنه إذا حياك إنسان بتحية أن تحييه بأحسن منها أو أن ترد هذه التحية، فإذا قال: السلام عليكم، فرد عليه بأفضل منها: وعليك السلام ورحمة الله، أو مثلها: وعليك السلام، فإما أن تزيد وإما أن تردها كما هي بلا زيادة.

    والسلام على المؤمن سنة، وهو شيء مستحب عظيم، أما رد السلام ففرض عليك طالما لا يوجد غيرك يرد السلام، فإذا كنتم مجموعة وحياكم شخص معين فإن رد السلام حينئذ يكون فرضاً كفائياً، أي: أنه إذا رد البعض سقط الإثم عن الجميع، ويؤجر هذا الذي رد، وإذا رد الجميع كلهم أخذوا الأجر على ردهم.

    1.   

    خصال موصلة إلى الجنة

    قوله سبحانه: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ [الذاريات:24] ، فقد وصف الله أضياف إبراهيم بأنهم مكرمون كرمهم الله، وكانوا ثلاثة من الملائكة، قال: إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا [الذاريات:25] ، فسلموا على إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ [الذاريات:25] فكأنه رد عليهم السلام ثم قال في نفسه: هؤلاء قوم منكرون، فأول مرة أرى مثل هؤلاء الشبان، وكانوا حسان الوجوه، فعجب من أمرهم وأنهم ليسوا من أهل هذه البلدة، فقال في نفسه ذلك، قال سبحانه: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ [الذاريات:24-25].

    ثم قال المؤلف رحمه الله: [ومن الأحاديث: ما رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أي الإسلام خير؟) - يعني: أي خصال الإسلام خير؟ وكأنه يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: خصال الإسلام كثيرة وأنا أحاول أن أعمل بها، فما هي الخصال التي أتمسك بها؟ وما هي أفضل هذه الخصال؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (تطعم الطعام)، ففيه دلالة على الكرم، وكأنه يقول: كن كريماً، لكن كل إنسان يرى الكرم من منظوره الخاص فيقول: أكون كريماً بأن أعامل الناس معاملة حسنة، أكون كريماً بأن أفعل كذا وكذا، فهو يقول هنا: (تطعم الطعام)، فإذا كان الإنسان يبذل ماله وطعامه فمن باب أولى أن يبذل الندى للناس وحسن الخلق.

    قال صلى الله عليه وسلم: (تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف) ، وهذه من الخصال العظيمة المفقودة في كثير من المسلمين، وهي: أن تقرأ السلام بمعنى: أن تسلم على من عرفت ومن لم تعرف، فقد صار الحال الآن أن الإنسان يسلم على من يعرفه فقط، أما الذي لا يعرفه فإنه لا يقول له أي شيء! مع أنه قد يكون صلى معه في المسجد، ولكن الحديث يعلمنا أن تقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف من المسلمين راجياًً الأجر من الله عز وجل، وليس شرطاً أنك إذا سلمت عليه فسيكون صاحبك أو سينتفع بك وتنتفع به، لكنك تبتغي الأجر من الله سبحانه، فكل كلمة في السلام فيها عشر حسنات، بل إن خيرهم الذي يبدأ بالسلام.

    1.   

    بدء السلام

    في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لما خلق الله تعالى آدم - صلى الله عليه وعلى نبينا - قال: اذهب فسلم على أولئك - نفر من الملائكة جلوس -) ، فالله عز وجل يعلم آدم كيف يسلم وكيف يرد السلام، فقال: اذهب إلى هؤلاء الملائكة فسلم عليهم وانظر بماذا يردون عليك، قال: (فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله)، فتعلمنا من الملائكة الزيادة في سلامنا.

    1.   

    حق المسلم على المسلم

    عن البراء بن عازب رضي الله عنه -وهو حديث متفق عليه- قال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع: بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، ونصر الضعيف، وعون المظلوم، وإفشاء السلام، وإبرار المقسم) هذا لفظ إحدى روايات الإمام البخاري .

    في هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الأمة بسبع خصال من خصال هذا الدين العظيم، فقد أمر صلى الله عليه وسلم: (بعيادة المريض)، ولعيادة المريض آداب كما قدمنا قبل ذلك.

    قال: (واتباع الجنائز)، لكي تؤجر على اتباعك الجنائز بقيراطين من الأجر كل قيراط مثل جبل أحد، فإذا اتبعت الجنازة حتى تصلي عليها كان لك قيراط من الأجر، فإذا اتبعتها حتى تدفن الجنازة ويوارى صاحبها في التراب كان لك قيراط آخر، فيصير لك قيراطان من الأجر والثواب، كل قيراط مثل جبل أحد.

    قال: (وتشميت العاطس) يعني: إذا عطس المؤمن فحمد الله فقل له: يرحمك الله.

    قال: (ونصر الضعيف) ، فمن خصال الإسلام: أن تكون مع الضعيف على من استقوى عليه كمن ظلم وأخذ منه حقه ولم يعطه حقه.

    قال: (وإفشاء السلام) هذا هو الشاهد من الحديث، فإنه لا يكفي أن تلقي السلام فحسب، بل لا بد أن تفشيه، والإفشاء أكثر وأبلغ من إلقاء السلام فقط، فالإلقاء قد يكون مرة أو مرتين ثم تتركه، لكن إفشاء السلام يدل على الكثرة حتى يصير سمة من سمات المسلمين، ويكون علامة على أن هذا المجتمع مجتمع إسلامي، وليحصل الأجر الكثير بذلك، ثم تكون من وراء ذلك البركة العظيمة من الله عز وجل، تدخل على إنسان فتقول: السلام عليكم، فيحصل الثواب بهذه الكلمة، ثم إذا سلمت على إنسان بيدك تساقطت الخطايا من بين يدك ويده, وتحصل البركة بعد ذلك في الشيء الذي تريده منه، ويأمنك بتسليمك عليه، لكن لو جئت إلى إنسان فبدأت حديثك معه دون سلام لما حصلت البركة، بل ربما لا يرد عليك، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من بدأكم بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه) ، فالنبي صلى الله عليه وسلم يعلم المؤمنين الأدب فقبل أن تبدأ وتطلب من إنسان شيئاً عليك أن تسلم عليه، وأن تدعو له وتحييه بهذه التحية المباركة الطيبة، لتحصل من وراء ذلك على البركة في كلامك وكلامه، ومعاملتك له ومعاملته لك.

    قال: (وإفشاء السلام، وإبرار المقسم) فإذا أقسم عليك أي مؤمن بشيء فبر قسمه، طالما أنك تستطيع أن تفعل ما أقسم به عليك.

    1.   

    أفشوا السلام بينكم

    روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم)، فهذا الحديث العظيم يدل على أنك لن تدخل الجنة إلا وأنت تحب إخوانك المؤمنين، والحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان، والعروة: المكان الذي تربط فيه الزرار، أو: المكان الذي ستربط فيه الحبل من أجل أن تشده، كالشيء الذي ستدقه في الأرض لتربط فيه الخيط أو الحبال التي ستقيد بها الجمل، فأوثق هذه العرى الحب في الله والبغض في الله، فتحب المرء لا تحبه إلا لله، ليس لعرض بسيط من هذه الدنيا، وتبغض المرء كذلك في الله؛ لأنه يعصي الله؛ ولأنه يكفر بالله سبحانه.

    قال: (ولا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا) ، فلن تدخل الجنة حتى يدخل الإيمان في قلبك.

    (ولا تؤمنوا حتى تحابوا) يعني: لن يكتمل هذا الإيمان في قلبك حتى تحب المؤمنين جميعهم لإيمانهم وإسلامهم.

    قال: (ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم) ، فالنبي صلى الله عليه وسلم يدل المؤمنين على العلاج الناجح والدواء الناجع الذي إذا فعله المؤمنون واستخدموه تحابوا.

    قال: (أفشوا السلام بينكم)، فليكن السلام والتحية الإسلامية بينكم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته هي السمة الغالبة على المجتمع، فيسلم المؤمن على أخيه ويسلم أخوه عليه.

    ثم إن كثرة هذا السلام تزيد المحبة بين المؤمنين، وترفعهم عند الله سبحانه وتعالى، ويتعارفوا فيما بينهم، فإن المرء إذا أكثر من السلام على الناس عرفوه، وربنا سبحانه وتعالى يقول: وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا [الحجرات:13] ، فإذا كان الإنسان لوحده لا يعرف الناس ولا يعرفونه - كما تدعو لذلك الصحافة اليوم - فمن سيصلي عليك إذا مت؟ ومن سيشيع جنازتك؟ فإذا لم تكن بينك وبين الناس محبة أو معرفة أو سلام فلن تجد من يقف على قبرك يدعو لك ويسأل الله عز وجل أن يرحمك وأنت في قبرك، فلتفشوا السلام بينكم كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    حديث آخر: رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يا أيها الناس! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام)، فهذه خصال سمعها عبد الله بن سلام من النبي صلى الله عليه وسلم، وكان هذا في أول مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان عبد الله بن سلام يهودياً في ذلك الوقت ولم يكن قد أسلم، وكان من أحبار اليهود وقتها، وقد كان يعرف أن هذا الوقت وقت خروج النبي صلى الله عليه وسلم، فلما ذهب لينظر إليه وجد نور النبي صلوات الله وسلامه عليه، ووجد وجهه وجهاً لا يأتي بالكذب أبداً، فوقف يستمع إليه، فكان أول ما سمعه حين دخل الإيمان في قلبه رضي الله عنه هذا الحديث، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام) ، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ورباهم وأدبهم، فكان من أوائل ما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم به في المدينة قوله: (يا أيها الناس! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام)، فإذا أردتم الجنة بغير تعب أو نصب أو مشقة أو حساب أو عقاب، فافعلوا ما أمر الله عز وجل به على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أول هذه الأشياء: إفشاء السلام، قال: (أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام) .

    إفشاء ابن عمر للسلام في الأسواق

    حديث أخير في هذا الباب للطفيل بن أبي بن كعب : (أنه كان يأتي عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فيغدو معه إلى السوق، قال: فإذا غدونا إلى السوق لم يمر عبد الله على سقاط، ولا صاحب بيعة، ولا مسكين، ولا أحد إلا سلم عليه)، هذا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يخرج مع تلميذه الطفيل بن أبي بن كعب إلى السوق، فيسلم ابن عمر على الناس في السوق، فلا يمر على سقاط - وهو: بائع السقط الذي هو الرديء من المتاع - إلا سلم عليه، فهو لا ينظر إليه على أنه يبيع أشياء حقيرة، بل يسلم على بياع الأشياء الحقيرة والأشياء الغالية.

    قال: (ولا صاحب بيعة) أي: يبيع أشياء غالية وعظيمة، قال: (ولا مسكين، ولا أحد إلا سلم عليه)، فهو يسلم على الجميع، على المساكين والفقراء والبائعين.

    قال الطفيل: (فجئت عبد الله بن عمر يوماً فاستتبعني إلى السوق -يعني: أخذني معه- فقلت له: ما تصنع بالسوق -أي: ولا حاجة لك فيه من بيع أو شراء أو مساومة ونحوها- قال: (ما تصنع بالسوق وأنت لا تقف على البيع، ولا تسأل عن السلع، ولا تسوم بها، ولا تجلس في مجالس السوق؟)، ثم قال: (وأقول: اجلس ها هنا نتحدث، فقال عبد الله بن عمر له: يا أبا بطن! - وكان الطفيل ذا بطن - إنما نغدو من أجل السلام فنسلم على من لقيناه)، هذا فعل ابن عمر رضي الله عنهما، فهو يريد أن يفشي السلام ويطبق ما قاله النبي صلوات الله وسلامه عليه، فهو يخرج إلى السوق ليسلم على المساكين والفقراء والبائعين، فهو يسلم على الجميع ثم يرجع وقد كسب من السوق وربح منه الحسنات الكثيرة، هذا فعل ابن عمر رضي الله عنهما ليطبق ما أمر به النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    1.   

    كيفية السلام

    فقد قال الإمام النووي رحمه الله: [باب كيفية السلام، يستحب أن يقول المبتدئ بالسلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فيأتي بضمير الجمع حتى وإن كان المسلم عليه واحداً، ويقول المجيب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فيأتي بواو العطف في قوله: وعليكم].

    والسبب في إلقاء السلام ورده بصيغة الجمع: أن هناك عالماً آخر ممن لا تراهم، من الجن والملائكة الكرام، فأنت تلقي السلام بصيغة الجمع فتعم هؤلاء كلهم، أما فائدة الواو في رد السلام عندما تقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته فهي: التوكيد، فكأن الرادّ يدعو لنفسه ولك فيقول: علينا وعليكم، فيكون بذلك قد كسب مرتين: فهو دعا لنفسه، ورد على الآخر السلام فقال: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    حديث آخر: رواه أبو داود والترمذي ، وقال الترمذي : حديث حسن عن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليكم، فرد عليه ثم جلس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عشر -يعني عشر حسنات للذي سلم- ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه فجلس، فقال: عشرون - عشرون حسنة في كلمتي السلام والرحمة - ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه - صلى الله عليه وسلم - فجلس فقال: ثلاثون) ، إذاً: هذا الذي ألقى السلام كاملاً أصاب ثلاثين حسنة بهذا الذي قال، واقتصر الذي قبله على كلمتين فكان له عشرون حسنة، واقتصر الذي قبله على كلمة السلام فكان له عشر حسنات.

    وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: (قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا جبريل يقرأ عليك السلام - أي: يسلم عليك - قالت: قلت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، وقالت: ترى ما لا نراه) أي: أنك ترى الذي لا أراه وهو جبريل عليه السلام.

    وروى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً حتى تفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلم عليهم سلم عليهم ثلاثاً) ، صلوات الله وسلامه عليه، وهذا محمول على ما إذا كان الجمع كثيراً، أو أنه أراد صلى الله عليه وسلم منهم أن يحفظوا ما يقول، فإذا تكلم بكلمة وأراد أن يحفظوها كررها مرة واثنتين وثلاث حتى يحفظوا منه ذلك.

    إذاً: إذا أتى شخص على مجموعة من الناس فليقل: السلام عليكم، فإذا لم يسمع البعض كرر سلامه عليهم لكي يسمعوه، يفعل ذلك ثلاثاً كما فعل صلوات الله وسلامه عليه، وليس معناه: أن الإنسان يأتي على اثنين وثلاثة فيسلم ثلاث مرات، ولكن المعنى: أن يكرر إذا ظن أن البعض لم يسمعوه، وذلك حتى يسمع الجميع فيجيبون، ويشترك الجميع في البركة.

    من آدابه صلى الله عليه وسلم في كيفية السلام

    عن المقداد رضي الله عنه في حديثه الطويل قال: (كنا نرفع للنبي صلى الله عليه وسلم نصيبه من اللبن، فيجيء من الليل، فيسلم تسليماً لا يوقظ نائماً ويسمع اليقظان) وهذا أدب النبي صلوات الله وسلامه عليه، فمن الأدب: أن الإنسان إذا جاء إلى مكان فيه من هو نائم ومن هو مستيقظ، وأراد أن يسلم فليسمع اليقظان فقط، من غير أن يزعج الإنسان النائم.

    الجمع بين نهيه صلى الله عليه وسلم عن الإشارة بالسلام وفعله له

    عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنهما (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر في المسجد يوماً، وعصبة من النساء قعود، فألوى بيده بالتسليم)، صلوات الله وسلامه عليه، وقد جاء عنه: النهي عن التسليم بالإشارة، وكل محمول على معنى، فالنهي محمول على أن الإشارة تكون عادة في المسلم مثل اليهود والنصارى، لكن يجوز له إذا سلم على إنسان بعيد منه أن يقرن بين السلام والإشارة، وألا يكتفي بالإشارة فقط، كذلك إذا رد البعيد على من يسلم عليه فإنه يقول: وعليك السلام ويشير بيده؛ ليبين أنه سمعه وأنه أجاب بذلك، فالجمع بين حديث النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن الإشارة بالسلام وفعله صلى الله عليه وسلم في الإشارة: أنه جمع بين القول وبين التسليم بالإشارة.

    وعن أبي جدي الهجيمي رضي الله عنه قال: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: عليك السلام يا رسول الله! فقال صلى الله عليه وسلم: لا تقل: عليك السلام، فإن عليك السلام تحية الموتى) يعني: لا يليق بالأحياء أن يسلم بعضهم على بعض بقوله: عليكم السلام، فإن قولك: عليك السلام رد وليس بدءاً في السلام، وقد كانت هذه تحية الموتى عند العرب في أشعارهم.

    قال أحدهم:

    عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحما

    لكن تحية الأحياء والأموات في الإسلام أن تقول: السلام عليكم، فإذا ذهبت إلى المقابر فلتقل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم السابقون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية) ، فتحيي الأحياء وتحيي الأموات بما قال النبي صلى الله عليه وسلم: السلام عليكم، فإذا زدت: ورحمة الله وبركاته كان خيراً كثيراً.

    وللحديث بقية إن شاء الله.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.