إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد حطيبة
  4. شرح رياض الصالحين
  5. شرح رياض الصالحين - القناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة وذم السؤال من غير حاجة

شرح رياض الصالحين - القناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة وذم السؤال من غير حاجةللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن القناعة أصل الغنى، فمهما أوتي الإنسان من مال ولم يؤت القناعة فهو فقير. وإن العفاف زينة المسلم، وكثرة السؤال من الخصال التي يذم عليها، وقد يعاقب عليها إذا فعلها بدون حاجة مشروعة.

    1.   

    تكفل الله بقسمه الأرزاق وأن على الغني الإنفاق

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين:

    قال الإمام النووي رحمه الله: [باب القناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة والإنفاق وذم السؤال من غير ضرورة.

    قال الله تعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود:6].

    وقال تعالى: لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا [البقرة:273].

    وقال تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [الفرقان:67].

    وقال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ [الذاريات:56-57].

    وأما الأحاديث فمنها: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس)، متفق عليه.

    وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قد أفلح من أسلم ورزق الكفاف وقنعه الله بما آتاه)، رواه مسلم].

    1.   

    موقف المؤمن من المال

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين:

    قال الإمام النووي رحمه الله: [باب القناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة والإنفاق وذم السؤال من غير ضرورة.

    قال الله تعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود:6].

    وقال تعالى: لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا [البقرة:273].

    وقال تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [الفرقان:67].

    وقال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ [الذاريات:56-57].

    وأما الأحاديث فمنها: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس)، متفق عليه.

    وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قد أفلح من أسلم ورزق الكفاف وقنعه الله بما آتاه)، رواه مسلم].

    ثقة المؤمن برزق الله وقناعته بما آتاه

    يتحدث الإمام النووي رحمه الله في هذا الباب عن القناعة، والقناعة من قنع يقنع بالشيء إذا اكتفى بما آتاه الله سبحانه وتعالى، ورضي في نفسه بما أعطاه الله سبحانه.

    فينبغي على الإنسان أن يتحلى بالقناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة والإنفاق وذم السؤال من غير ضرورة.

    من ذلك ما جاء في القرآن من قول الله سبحانه: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6].

    وهو الذي خلق الخلق فقال: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف:54].

    فخلق وأمر سبحانه وتعالى، وتفرد بخلق العباد وجعل لكل إنسان رزقاً قسمه الله عز وجل له، فعلى الإنسان أن يقنع بما قسم الله عز وجل له، ويسعى في طلب هذا الرزق الذي قسم له من بابه ومن وجهه، فيعمل ويتعب نفسه حتى يصل إليه رزقه وقوته؛ لينفق على نفسه وعلى من يعول.

    وعليه أن يثق في رزق الله سبحانه؛ لأن الله قد كتب عنده في الكتاب خلق الإنسان ورزقه، وعمله وهل هو شقي أو سعيد، وطالما أن هذا مكتوب فليسع الإنسان في تحصيل ما قد قسمه الله عز وجل له.

    قال الله تعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود:6].

    وهذا من ألفاظ العموم (ما من دابة) يعني: كل دابة خلقها الله عز وجل، وهي كل ما يدب على الأرض.

    وقال تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ [النور:45] كل ذلك يخلقه الله سبحانه، فالذي خلق هذه الأشياء قسم لها أرزاقها.

    فعلى الإنسان أن يثق في أن الله سيرزقه، ويبحث عن هذا الرزق، وليعلم أن الرزق لن يزيده حرص حريص ولن ينقص من إنسان لا يحرص عليه ولا يطلبه، ولن يمنعه منه أحد؛ لأنه ليس لإنسان على إنسان قدرة على أن يحرمه من رزقه، إنما الرزاق هو الله سبحانه، والرزق بيده وحده.

    تعفف المؤمن الفقير وعدم إلحافه في المسألة

    قال سبحانه: لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا [البقرة:273].

    فأموال الفيء تعطى للفقراء، وهم ضمن الذين يأخذون هذه الأموال، ويلزم الإنسان أن يبحث عنهم ويعطيهم زكاة ماله أو نفقة تطوعه.

    فصفاتهم أنهم متعففون فقراء، ولكنهم أحصروا في سبيل الله، فأهل الصفة الذين في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم كانوا من فقراء المهاجرين، وكان عملهم هو الجهاد في سبيل الله، فهم محبوسون على ما يريده النبي صلى الله عليه وسلم منهم، فيرسلهم في غزو، أو في سرية، أو في بعث من البعوث، فأحصروا للجهاد في سبيل الله ولم يكن لهم طعام، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم إذا كان عنده، وكان أحدهم يخرج ويعمل عملاً ثم يرجع إلى موضعه في المسجد بطعام يسير فيكتفي بذلك ولا يسأل أحداً.

    فالناظر إليهم من جهله بحالهم يظن أنهم أغنياء: يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ [البقرة:273] من تعففهم، فهم لا يسألون أحداً شيئاً.

    (تعرفهم بسيماهم) والسيما: المنظر، فصفرة وجوههم دليل على فقرهم واحتياجهم وجوعهم، وفي ثيابهم ووجوههم آثار تدل على احتياجهم وجوعهم وتعبهم.

    ثم يقول سبحانه عنهم: لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا [البقرة:273] أي: لا يسألون أحداً شيئاً، وإن احتاجوا طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم ولا يلحون في المسألة.

    إنفاق المؤمن الغني مما آتاه الله

    قال الله سبحانه: وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا [الفرقان:67] وهذا شيء ثالث يذكره:

    فالأول: أن يثق الإنسان في رزق الله سبحانه فيقنع بما آتاه.

    والثاني: أن يتعفف إذا لم يجد، وإذا سأل واضطر إلى السؤال فلا يلحف في المسألة.

    وفي الثالث: أن الله إذا أعطاه مالاً وأنفق هذا المال فلا يسرف ولا يقتر.

    فمن صفات عباد الرحمن: وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا [الفرقان:67] في إنفاقهم: وَلَمْ يَقْتُرُوا [الفرقان:67] أي: لم يبخلوا ولم يشحوا، ولكن بين ذلك، فالحال الذي هم عليه: قوام وسط بين ذلك وذلك.

    قال الله عز وجل: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56-58].

    فإذا رزق الله الكافر فلن يترك المؤمن بغير رزق سبحانه وتعالى، وذلك لعدله وكرمه، فهو يرزق كل دابة، فالإنسان المؤمن يتفكر في صلاح حاله ويتفكر في أن الذي خلقه هو الذي تكفل برزقه، ثم ليسع في طلب هذا الرزق من وجوه الحلال، وليترك وجوه الحرام.

    من الأحاديث التي جاءت في هذا الباب ما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس).

    والعرض هو المال، والإنسان الذي لديه مال كثير ليس ذلك دليلاً على غناه.

    وهذا دليل على أن كثرة المال ليس ضرورياً، فالمال ليس دليلاً على غنى نفس هذا الإنسان، فقد يكون عنده مليون ويستشعر أنه فقير، وأنه قد يضيع منه هذا المال فيصبح فقيراً لا مال له.

    فمهما أعطاه الله فإنه يستشعر أنه فقير وأنه محتاج، وهذا ليس الغنى، ولكن الغنى الحقيقي هو الشعور بالرضى من داخل القلب.

    فهو راض في نفسه عن ربه سبحانه وتعالى، واثق في أن الله عز وجل خزائنه ملأى لا تغيضها نفقة، وأن رزقه قد تكفل الله عز وجل به، فهو موجود في خزائن الله، وسوف يأتي هذا الرزق وقتاً من الأوقات.

    لكن المطلوب منه أن يسعى لطلب هذا الرزق، وأن يمشي في مناكب الأرض فيأكل من رزق الله الذي ساقه وقسمه له.

    إذاً: الغنى الحقيقي أن يستشعر الإنسان أن الله عز وجل يرزق، وأن الله ادخر له الخير في الدنيا وفي الآخرة، وأن الله عز وجل لا يضيع شيئاً أبداً.

    فما من شيء إلا والله سبحانه يعلمه ويرزقه، وما من دابة إلا على الله رزقها، فإذا كان الإنسان يشعر بالفقر فإنه لو أوتي مثلما أوتي قارون سيستشعر أنه فقير ومحتاج وخائف من ضياع هذا المال.

    وإذا كان الإنسان قد أعطي الرضا والقناعة في قلبه استشعر الغنى وإن كان جيبه خاوياً لا شيء فيه، فهو واثق أن الله معه كل شيء سبحانه وتعالى، فيسعى في طلب الرزق من الله وهو يعطيه سبحانه.

    1.   

    فضل القناعة

    فلاح من رزق كفافاً وقنعه الله بما آتاه

    روى مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قد أفلح من أسلم ورزق الكفاف وقنعه الله بما آتاه).

    فهذا إنسان مفلح بسبب أنه رضي عن الله سبحانه وتعالى، وصدقت الحكمة القائلة: القناعة كنز لا يفنى.

    فالإنسان بقناعته يستشعر أنه غني عنده كل شيء، والله عز وجل إذا أعطى الإنسان القلب المطمئن والنفس القانعة ورزقه رزقاً كفافاً على قدره بلا زيادة ولا نقصان كان مفلحاً إذا كان مسلماً مؤمناً قانعاً.

    وفي الصحيحين عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني)، وكأن حكيماً لما أسلم وذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم -وهو ممن أسلم متأخراً- طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطيه، والنبي صلى الله عليه وسلم كريم فأعطاه، وسأله مرة ثانية، مع أنه كان كبيراً في قومه رضي الله تبارك وتعالى عنه، ولكن مهما كان كبيراً فلا غنى له عن مال الله سبحانه وفضله، فلما أعطاه المرة الثالثة قال له -ينصحه-: (يا حكيم إن هذا المال خضر حلو)، والخضر هو نبات يخرج من الأرض كخضر البقلات تخرج من الأرض فتأكلها الدواب.

    فكأنه يضرب له المثل بما يكون أمام البقر والإبل، فتأكله وتستحلي طعمه إلى أن تهلك من كثرة الأكل.

    فالمال كذلك، فإن الإنسان يفضل أن يأخذ المال إلى أن يهلك، وذلك بأن لا يؤدي الحقوق التي عليه، ثم يستشعر أنه يريد أكثر، وفي الحديث: (منهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب مال).

    الذي يأخذ المال بسخاوة نفس يبارك له فيه

    فالذي همه طلب المال يظل على ذلك حتى يموت، همه تحصيل المال وادخاره ولا يؤدي الحقوق لأصحابها.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول لـحكيم بن حزام : (إن هذا المال خضر حلو فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه).

    يأخذ المال بنفس سخية، لينفق لله سبحانه وتعالى، ويأخذ المال وهو محتاج إليه ومتعفف فيه، فإذا أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً قبله، وإذا لم يعطه فنفسه تأبى أن تطلب المال من أحد، فالذي يأخذ بسخاوة نفس لا بشح ولا بطمع بورك له فيه.

    (ومن أخذه بإشراف نفس)، أي: بطمع في هذا المال لم يبارك له فيه، (وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى)، فالذي يأكل ولا يشبع في النهاية يتخم ويموت.

    ولكن الإنسان المؤمن يأكل ويستشعر الشبع، فأقل الأشياء أن تكفيه ولا يطمع في الكثير، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول لـحكيم : (اليد العليا خير من اليد السفلى)، هنا المعطي النبي صلى الله عليه وسلم والآخذ حكيم فاليد المعطية خير من اليد الآخذة.

    وكل من أعطى فيده العليا، وكل من مد يده وتكفف الناس فيده السفلى، فالذي يعطي يده أفضل من يد الإنسان الذي يأخذ.

    قال حكيم : (فقلت يا رسول الله! والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحداً بعدك شيئاً حتى أفارق الدنيا)، فأقسم بالله سبحانه الذي بعث النبي صلى الله عليه وسلم بالحق أن لا يرزأ أحداً شيئاً.

    والرزء هو الأخذ والإنقاص، والمعنى: لا أنقص مال إنسان بطلبي، ولن أطلب من أحد شيئاً فأنقص ماله حتى أفارق هذه الدنيا.

    وصدق رضي الله تعالى عنه وبر يمينه التي حلفها، فلما فتح الله عز وجل الفتوح على المسلمين كان أبو بكر يقسم الغنائم بينهم، فمن ضمن هؤلاء حكيم ، فيطلبه أبو بكر ليعطيه من هذه الغنائم فيرفض حكيم رضي الله تعالى عنه، ويأبى أن يقبل منه شيئاً؛ لأنه عاهد النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك.

    ثم إن عمر رضي الله عنه دعاه ليعطيه فأبى أن يقبله، فقال عمر رضي الله عنه -يشهد المسلمين عليه-: يا معشر المسلمين أشهدكم على حكيم .. إني أعرض عليه حقه الذي قسمه الله له في هذا الفيء فيأبى أن يأخذه.

    فلم يرزأ حكيم أحداً من الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم حتى توفي رضي الله تعالى عنه.

    فهنا حكيم بن حزام انتفع بنصيحة النبي صلى الله عليه وسلم، فالواجب علينا أن ننتفع بها كما انتفع هو رضي الله عنه.

    فـحكيم بن حزام مات وترك المال، ولكن فرق بين الذي أخذ المال واستكثر منه وكان كالذي يأكل ولا يشبع، وله مثل السوء حيث لم يقنع، وبين حكيم الذي رزقه الله القناعة والعفاف، فكل من طلب المال في النهاية سيتركه للوارث يأخذه.

    فلو تفكر الإنسان في نفسه لوجد أنه لو طمع وأوتي الدنيا جميعها وأخذ من الدنيا ما شاء، ففي النهاية سيترك الباقي ويذهب إلى ربه سبحانه ليسأله عن الجميع.

    شقاوة من يجمع الدنيا من الحرام والحلال

    وأبأس إنساناً يطلب الدنيا ويحصلها من حلال وحرام، ويجمع ويدخر ثم يموت وهو كانز لهذا المال، ويأتي الورثة ليأخذوا هذا المال، وعندما يتذكرونه لعلهم لا يدعون له، ولعلهم يقولون: هذا كان يسرق المال، وكان يعمل كذا وكذا بهذا المال.

    الإنسان الطمع الذي يأخذ المال في الدنيا سيسأله الله عز وجل عن هذا المال كله، ومن العجيب أن هذا الإنسان البائس عندما يأتي يوم القيامة وقد جمع في الدنيا أموالاً من حلال ومن حرام يحاسبه الله عز وجل على كل شيء أخذه: لم أخذته؟ إن هذا حرام تستحق عليه النار.

    فلا هو انتفع بهذا المال في الدنيا، ولا غيره دعوا له لما أخذوا هذا المال، وإنما حوسب هو على المال كله عند الله سبحانه وتعالى.

    لذلك فإن الإنسان المؤمن يحذر من أن يأخذ الحرام، وأن يمد يده إلى الحرام؛ لأنه يعلم أنه سيلقى الله سبحانه ويسأله. فربما عمل في شركة من الشركات وأخذ رشاوى من هذه الشركة، إلى أن جمع من هذه الرشاوى مالاً كثيراً، ثم لما مات جاء الورثة بعد ذلك يسأل بعضهم بعضاً: ماذا نصنع بهذا المال؟ أنأخذه أم نتصدق به؟ فهذا الذي جمع هذا المال يا ترى هل جرى بخاطره أنه سيموت ويترك المال كله؟

    ها هو الآن ذهب إلى ربه ليسأله عما جمع من مال، وما أخذ من رشوة، لقد ذهب ولم يستمتع بما جمع وأصبح يقال عنه: هذا كان يسرق المال، ويأخذ الرشوة، مع أن الحديث يقول: (اذكروا محاسن موتاكم)، وهذا الإنسان كان يأخذ الرشوة وذلك ليس من محاسنه بل من سيئاته.

    فإن قيل يتصدق به فلا يجوز لإنسان أنه يأخذ مثل هذا المال الحرام.

    فاحذر أن تجمع الدنيا وفي النهاية يحرمك الله عز وجل منها، فلعل إنساناً يجمع مثل هذا المال ويبتليه الله سبحانه وتعالى بضعف في الكلى مثلاً، فيريد أن يزرع كلى فيحتاج إلى مائة ألف أو مائتين ألف، حتى يسأل الناس؛ لأنه محتاج إلى أن يغسل الكلى في كل يوم.

    إن المال الحلال يأخذه الإنسان ويكون له فيه بركة، ويأكل منه فيكون له شفاء، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [المؤمنون:51] وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [البقرة:172]).

    1.   

    اقتصاد الصحابة في غزوة ذات الرقاع

    عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه -كما في الصحيحين- قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة -أي: في غزوة- ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه).

    أي: أنهم ذهبوا يجاهدون في سبيل الله سبحانه، وكل ستة معهم بعير، أو هؤلاء الستة معهم بعير.

    فلن يركبوا هذا البعير كلهم مرة واحدة، ولكن كل واحد سيركب قليلاً ثم ينزل ويترك غيره يركب، فهذا يعقب هذا، فمسافة السفر الذي كانوا فيها إذا كانت الغزوة تجاه الشام فلكل واحد منهم سدس المسافة يركبها على البعير، وخمس أسداس المسافة يمشيها على رجليه.

    قال: (فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع).

    كانوا يعصبون على أرجلهم الخرق، فالأحذية لم تنفع فقد تقطعت في الطريق فبقوا يربطون الخرق على أرجلهم لكي يمشوا هذه المسافة الطويلة.

    قال أبو بردة : فحدث أبو موسى بهذا الحديث ثم كره ذلك، وقال: ما كنت أصنع بأن أذكره، قال: كأنه كره أن يكون شيئاً من عمله أفشاه، ولكنه إنما تحدث ليتعظ الناس ويعملوا.

    هذا واحد من أهل الصلاح من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم يخاف أن يحدث عن عمله لكي لا ينقص ذلك من الثواب، فقد كانت نيتهم صافية وخالصة لرب العالمين سبحانه، ولكنهم يحدثون حتى يقتدي بهم من بعدهم. وبعد أن يحدث أحدهم يخاف من أنه أفشى عمله.

    1.   

    إعطاء النبي المال لأقوام وغيرهم أحب إليه منهم

    جاء في صحيح البخاري عن عمرو بن تغلب رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بمال أو سبي فقسمه، فأعطى رجالاً وترك رجالاً، فبلغه أن الذين ترك عتبوا، فحمد الله ثم أثنى عليه).

    والمعنى: أنه جاء النبي صلى الله عليه وسلم مال فقسمه، ولم يستوعب كل الموجودين، ولكن أعطى أناساً هم أهل حاجة وفقر، وترك آخرين، وأحياناً يعطي أناساً وغيرهم أولى منهم بهذا المال، لكن هؤلاء يمكن أن يفتنوا ويقعوا في الكفر إذا لم يعطهم مالاً.

    فيخاف النبي صلى الله عليه وسلم عليهم؛ لأنه بالمؤمنين رءوف رحيم، فيعطي إنساناً من أجل ألا يقعوا في الكفر ويدخلوا النار بعد ذلك.

    فلما عتبوا قام النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (أما بعد: فو الله إني لأعطي الرجل وأدع الرجل والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي)، أي: ليس معنى أني أعطيت فلاناً أني أحبه أكثر من الآخر، فهذا الذي أعطيته أقل في المحبة من ذاك الذي لم أعطه.

    قال: (ولكني إنما أعطي أقواماً لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع)، أي: أراهم خائفين من الفقر، فلو لم أعطهم قد ينقص إيمانهم.

    ثم قال: (وأكل أقواماً إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير)، أي: أن الذين لم أعطهم قلوبهم مليئة بالخير، فإعطائي إياهم هذا المال لن يزيد فيهم شيئاً؛ فلذلك أكلهم إلى ما في قلوبهم من الغنى والخير، منهم عمرو بن تغلب راوي هذا الحديث.

    قال عمرو بن تغلب رضي الله عنه: (فو الله ما أحب أن لي بكلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حمر النعم)، يعني: يكفيه أنه شهد له بالإيمان، فهذه الشهادة أغلى من أموال العرب، وهي بهيمة الأنعام من الجمال والنوق الحمراء.

    وصدق رضي الله تبارك وتعالى عنه، فإن الدنيا كلها لا تسوى عند الله جناح بعوضة.

    1.   

    من يستعفف يعفه الله

    جاء في حديث آخر عن حكيم بن حزام في معنى الحديث الأول إلا أن فيه زيادة- قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اليد العليا خير من اليد السفلى،وابدأ بمن تعول).

    أي: إن كان عندك زيادة مال فابدأ بأهلك الذين تعولهم.

    ثم قال: (وخير الصدقة عن ظهر غنى)، أي: خير الصدقة ما تركت غنى، لأن الإنسان قد يتصدق وبعد أن يتصدق بالمال كله يمكن أن يبتليه الله فلا يجد مالاً يسد حوائجه فيندم ويقول: يا ليتني ما تصدقت بالمال كله، فيكون بهذا قد أضاع أجره عند الله، وأضاع ماله في الدنيا.

    فالأفضل للإنسان إذا تصدق أن يترك لنفسه ما يغنيه؛ لأنه عندما يعطي ولا يزال غنياً يكون ذلك مدعاة له أن يعطي ويتصدق مرة أخرى، ولا يتضجر من الصدقة، أما الذي يعطي ماله كله ثم يجد نفسه فقيراً، فقد لا يتصدق مرة أخرى، ولذلك كان خير الصدقة ما أبقت لصاحبها غنى.

    ثم قال صلى الله عليه وسلم: (ومن يستعفف يعفه الله).

    ويستعفف من العفاف، والعفيف هو الإنسان الذي لا ينظر إلى ما في أيدي الناس، فالناظر إلى ما في أيدي الناس إما أن يتمنى ما في أيدي الناس، أو يتحسر على أنه ليس عنده مثلهم.

    وإذا تمنى فلعله يعطى ولعله لا يعطى، فإذا كان لا يعطى فقد أتعب نفسه بالنظر إلى ما في أيدي الناس، وإذا أعطاه الله عز وجل فلعله يفتن فيه فلا يعطي الحقوق لأصحابها، إذاً: الأفضل أن لا ينظر إلى ما في أيدي الناس، وإنما ينظر إلى من هو دونه وأقل منه ولا ينظر إلى من هو أعلى منه.

    إذا نظر إلى من هو دونه حمد الله سبحانه على ما أعطاه من النعم، وإذا نظر إلى من هو أعلى منه ربما جعل ذلك في قلبه حسرة، ولعله يقول: إن الله لم يعطني شيئاً، فينكر نعم الله عز وجل عليه فيستحق العقوبة من الله.

    ثم قال صلى الله عليه وسلم: (ومن يستغن يغنه الله)، فاستغنى بالله سبحانه تبارك وتعالى وعمل وكد وأتعب نفسه ليطلب الرزق، فأعطاه الله سبحانه، أما النظر إلى الناس فليس من ورائه إلا أن يحسدهم على ما آتاهم الله من فضله، أو يتحسر على حاله الذي هو فيه، وفي كل شر.

    جاء في صحيح مسلم عن أبي سفيان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تلحفوا في المسألة، فوالله لا يسألني أحد منكم شيئاً فتخرج له مسألته مني شيئاً وأنا له كاره فيبارك له فيما أعطيته).

    فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يسأله أحد إلا ويعطيه، ولكن هل كل من أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم كان راضياً أن يعطيه؟

    الجواب: (فوالله لا يسألني أحد منكم شيئاً فتخرج له مسألته مني شيئاً وأنا كاره)، لأنه يستحي ألا يعطي صلى الله عليه وسلم، فقد يعطي ويكون راضياً، وقد يعطي وهو كاره، فهذا الذي كره النبي صلى الله عليه وسلم إعطاءه لما أخذ المال لا تكون بركة في هذا المال الذي أخرجه.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يعطي ومع ذلك لا بركة في هذا المال؛ لأنه أخذه بغير رضا النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا فكل إنسان يأخذ مالاً بغير رضا صاحبه لا بركة له فيه.

    1.   

    النهي عن سؤال الناس واستخدامهم

    بيعة النبي بعض أصحابه على ألا يسألوا الناس شيئاً

    عن أبي عبد الرحمن عوف بن مالك الأشجعي قال: (كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة أو ثمانية أو سبعة، فقال: ألا تبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم).

    وكان النبي صلى الله عليه وسلم له تعاليم دقيقة ولطيفة مع أصحابه،وإلا فقد كانوا بايعوه من قبل على الإسلام، لكنه أراد أن يذكرهم بشيء بهذه الطريقة الجميلة.

    قال: (ألا تبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: قد بايعناك يا رسول الله ثم قال: ألا تبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: فبسطنا أيدينا وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، فعلام نبايعك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، والصلوات الخمس وتطيعوا -يعني: أولي الأمر منكم- وأسر كلمة خفيفة -أسمعهم إياها بصوت خفيف-: ولا تسألوا الناس شيئاً).

    بايعوني على الإسلام أي: على عبادة الله وعدم الشرك، وعلى الصلوات الخمس، وعلى الطاعة لله وللرسول صلى الله عليه وسلم ولأولي الأمر منكم، وتبايعوني أيضاً على (أن لا تسألوا الناس شيئاً).

    هذه من ضمن البيعات التي أخذها النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه أو على بعضهم، وهؤلاء بايعوا.

    فكان يسقط سوط أحدهم أو عصاه وهو راكب على الجمل فينيخ جمله وينزل فيأخذ عصاه، فهذا أحب إليه من أن يطلب من أحد أن يناوله ذلك، قال: (فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحداً يناوله إياه).

    أي: لا يطلب من أحد شيئاً، وهذه تربية عظيمة رباهم عليها النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا كان هذا الذي تسقط عصاه لا يطلب من أحد أن يناوله إياها، فمن باب أولى ألا يسأل أحداً مالاً أو غيره، فعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم عزة النفس والتعفف عن أن يبسطوا ويمدوا أيديهم للناس يطلبون شيئاً، وبايعهم على ذلك صلوات الله وسلامه عليه.

    وحذر هؤلاء وغيرهم بأن الذي يسأل ويلح في الطلب، فإنه يأتي يوم القيامة حاله كما في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله تعالى وليس في وجهه مزعة لحم).

    ومزعة اللحم: القطعة من اللحم، فالإنسان لعله يستحيي من إنسان كبير إذا فعل أمامه شيئاً يستحيا من فعله فيتصبب عرقه حياءً، والله سبحانه وتعالى له المثل الأعلى، فهؤلاء الذين يسألون الناس إلحافاً عندما يأتون ربهم يوم القيامة سيستحيون من الله عز وجل، حتى يتساقط من وجوههم اللحم بسبب أنهم لم يستحيوا في الدنيا من الله.

    ذم المسألة إلا لحاجة

    عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو على المنبر، وذكر الصدقة والتعفف عن المسألة: (اليد العليا خير من اليد السفلى، واليد العليا هي المنفقة، والسفلى هي السائلة).

    والذي يسأل الناس ويستكثر من مالهم قال عنه صلى الله عليه وسلم: (من سأل الناس تكثراً فإنما يسأل جمراً؛ فليستقل أو ليستكثر).

    وقوله: (فليستقل أو ليستكثر)، يعني الذي يطلب قليلاً فهو من النار جمر، أو يطلب كثيراً فهو جمر من النار.

    وعند الترمذي عن سمرة رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن المسألة كد يكد بها الرجل وجهه، إلا أن يسأل الرجل سلطاناً أو في أمر لابد منه) والكد: المكدة وهي الحديدة التي يحفر بها الإنسان في خشب ونحوه، فكأنه يوم القيامة يسقط لحم وجهه من سؤاله في الدنيا، فتأتي المسألة عليه يوم القيامة كخدوش وشقوق في وجهه بسبب عدم حيائه من الله عز وجل في الدنيا وسؤاله الناس إلحافاً.

    لكن يستثنى (أن يسأل الرجل سلطاناً) يعني يسأل الحاكم، كأن يريد الحق الذي له في بيت المال ونحو ذلك إن كان محتاجاً.

    (أو في أمر لابد منه)، كأن نزلت به كارثة أو مصيبة فيسأل الناس بسبب المصيبة التي نزلت به، فهذا معذور، ولكن الذي يسأل أموال الناس يستكثر منها فهو داخل في هذا الحديث.

    وعند أبي داود والترمذي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل).

    أي: أن الذي نزلت به مصيبة أو فاقة فأنزلها بالناس، وطلب الناس على وجه الطمع، فيأخذ من هذا ومن هذا، ولا يكتفي، ويجمع أكثر مما يأكل فالله عز وجل لا يسد فاقته، لأنه اتجه إلى الناس فوكله الله إليهم.

    ثم قال: (ومن أنزلها بالله)، يعني: تضرع إلى الله وسأل الله وأخذ بأسباب الرزق: (يوشك الله له برزق عاجل أو آجل)، أي: أن الله يعطيه رزقاً عاجلاً.

    وجاء في حديث آخر: (أو موت عاجل)، فإما أن يرزقه ما يكفيه أو يأخذه سبحانه وتعالى فيعطيه جنته، ويكون من أهل المصائب الذي يكرمهم الله تبارك وتعالى عنده.

    وعن ثوبان عند أبي داود أيضاً قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من يتكفل لي أن لا يسأل الناس شيئاً وأتكفل له بالجنة، فقلت: أنا، فكان لا يسأل أحداً شيئاً).

    فالجنة مقابل عدم سؤال الناس، وفي هذا تعليم النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين التعفف وألا يطلبوا الناس شيئاً، فكل ما يقدر الإنسان أن يفعله بنفسه فليفعله؛ حتى لا يتعود الخدمة من الناس.

    من تحل لهم المسألة

    عن أبي بشر قبيصة بن المخارق رضي الله عنه قال: (تحملت حمالة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها، فقال: أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها).

    كأن قبيصة أصلح بين ناس، وكان من ضمن الإصلاح أموال تحملها وأداها من أجل أن يصلح بين الناس، فذهب إلى أهل الفضل ليساعدوه فيما تحمل، فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

    ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (يا قبيصة إن المسألة لا تحل لأحد إلا لثلاثة)، فعمله النبي صلى الله عليه وسلم أن الحالة الذي هو فيها من الحالات التي تحل فيها المسألة، فمن هذه الحالات: (رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك). كأن يصلح بين الناس فصار هو الغارم بعدما كانوا هم الغارمين، فجاز له أن يسأل أهل الفضل أن يعينوه في ذلك؛ وبعد أن يأخذ منهم ما يسد غرامته لا يجوز له أن يسأل.

    قال: (ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش أو سداداً من عيش).

    وهذا هو الثاني، وهو من أصابته جائحة بعد أن كان غنياً واجتاحت ماله مصيبة، فأصبح لا شيء عنده، فاحتاج إلى من يعينه، فسأل الناس أن يعينوه فأعانوه إلى أن صلح حاله، فلا يسأل بعد ذلك.

    قال: (ورجل أصابته فاقة -أي: فقر- حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقة فحلت له المسألة).

    وهذا الثالث، وهو من أصابته فاقة، وكأنه كان غنياً؛ لأن الفقير لا يحتاج أن يشهد له أحد، فهو معروف أنه فقير، ولكن هذا كان غنياً وبين يوم وليلة افتقر وسأل الناس، فشك الناس فيه، فأتى بثلاثة من ذوي الحجا يقولون: لقد أصابت فلاناً فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش أو سداداً من عيش.

    قال: (فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت يأكلها صاحبها سحتاً)، فسؤال الناس أموالهم تكثراً من السحت الذي يأكله الإنسان سحتاً.

    1.   

    من هو المسكين

    آخر حديث في هذا الباب حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان)، وإن كان هذا مسكيناً لكن ليس هو المسكين المطلوب؛ لأنه لا يستحي أن يمد يديه إلى الناس، فيسأل هذا وهذا.

    قال: (ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس).

    فمن لا يقدر أن يعمل، ولا يعرف أحد أنه فقير مسكين محتاج فهو الذي يبحث عن مثله حتى يعطى من الصدقة، وهذا له فضل عند الله لتعففه، فعلى الإنسان أن يبحث عن مثله ويعطيه.

    نسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.