إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد حطيبة
  4. شرح رياض الصالحين
  5. شرح رياض الصالحين - تحريم العقوق وقطيعة الرحم

شرح رياض الصالحين - تحريم العقوق وقطيعة الرحمللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كما نظم الإسلام علاقة الإنسان بربه فقد نظم أيضاً علاقة الإنسان بمن حوله من البشر، وعرف لكل ذي فضل فضله، فمنح الناس حقوقاً، وجعل في قمة هذه الحقوق حقوق الوالدين والأقربين، فحرم العقوق والقطيعة، وتوعد عليها أشد الوعيد.

    1.   

    تحريم العقوق وقطيعة الرحم

    قطع الأرحام إفساد في الأرض

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الإمام النووي رحمه الله: باب: [تحريم العقوق وقيطعة الرحم.

    قال الله تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:22-23].

    وقال تعالى: وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [الرعد:25] .

    وعن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس فقال: ألا وقول الزور وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت) متفق عليه ].

    يذكر الإمام النووي في هذا الباب الأحاديث الواردة في تحريم العقوق وقطيعة الرحم.

    وإن كان قد ذكر في الأبواب السابقة الأمر بصلة الأرحام فإنه هنا سيذكر النهي عن عكس ذلك، والمسلم مأمور أن يصل الأرحام، ويراعي الأقرباء، ومنهي عن أذى أقربائه وقطع الرحم، وعقوق الوالدين، قال الله عز وجل: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ [محمد:22].

    قوله: (هل عسيتم) أي: هل عسى أن تفعلوا ذلك إن توليتم؟

    وقوله: (توليتم) إما من التولي، وإما من الولاية، كأن يكون للإنسان نوع من الولايات ويصير ذا شأن في قومه، فهل عسى أنه يغتر فيقطع رحمه وينكرهم بعد ذلك، وقد حصل أن كثيراً من الناس يفعلون ذلك فبمجرد أن يمن عليهم الله سبحانه وتعالى بمنصب أو مال، فما يفتأ الواحد منهم ينسى نفسه وينسى أقرباءه، ويعرض عن أرحامه، وقد يجافي والديه فلا ينظر أباه ولا أمه ولا خاله ولا خالته، كل ذلك بعد أن أغناه الله سبحانه وتعالى.

    فالله هو العليم، وهو إذ يكلمنا أعلم بما في قلوبنا حيث يقول: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ [محمد:22] هل ستفعلون ذلك إن توليتم؟، وعلى المعنى الثاني: يكون الخطاب للصحابة ولمن بعدهم، فإن كان لهم كان المعنى: كنتم أمام النبي صلى الله عليه وسلم تسمعون منه وبعد أن تتولوا عنه أي: تنصرفوا عنه، هل تفعلون ذلك، والمعنى: احذروا، فمن يصنع ذلك ويقطع رحمه ويفسد في الأرض فـأُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ [محمد:23] أي: طردهم من رحمته سبحانه.

    (فأصمهم) أي: عن سماع الخير والهدى، فهم إن كانوا يسمعون كلام الناس إن قيل لهم الحق لا يسمعونه، وإن قيلت لهم الموعظة بالكتاب والسنة فلا يعرفون شيئاً ولا ينتبهون لها.

    قوله: وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ أي: فهم وإن كانوا يرون، ولكن رؤية من لا يعتبر، فمنهم من يرى أمامه الميت وهو غافل عن أنه سيكون يوماً مكانه، فتجده يتكلم في المال، ومتع الدنيا فهو يبصر ولكنه بصر لا يصل إلى قلبه فيعظه بهذا الذي يراه.

    وقال تعالى: الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ [البقرة:27] أي: كل صلة أمر الله عز وجل بوصلها يقطعونها، فأخبر سبحانه أنهم يقطعون ما أمر الله بوصله، وكذلك يفسدون في الأرض فقال: وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [الرعد:25].

    اللعنة: الطرد من رحمة الله، وقوله: سُوءُ الدَّارِ، فالناس يوم القيامة يكونون إما في حسن الدار، وإما في سيئ الدار، سوء الدار، هو نار جهنم والعياذ بالله.

    عقوق الوالدين من أكبر الكبائر

    من الأحاديث حديث أبي بكرة واسمه نفيع بن الحارث بن كلدة رضي الله عنه، وسبب كنيته أنه كان فيمن حاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم في حصن الطائف سنة ثمان للهجرة، فإنه بعد أن فتح مكة توجه إلى الطائف فرفض أهل الحصن الاستسلام ورشقوا المسلمين بالنبال والرماح وقد أسلم نفيع بن الحارث وأحب أن يهرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولما كانت الأبواب مؤصدة محروسة لم يجد إلا أن يتدلى ببكرة وينزل من الحصن هارباً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فكني بعد ذلك بـأبي بكرة رضي الله عنه.

    وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر).

    وقد كان صلى الله عليه وسلم حينها متكئاً يقول لهم: هل أخبركم بأكبر الكبائر؟ والكبائر كثيرة لم يُتفق على حصرها، وقد جاء في حديث أن الكبائر الموبقات المهلكات سبع، فقال ابن عباس : هي إلى السبعين أقرب، يعني: أنها ليست سبعاً فقط، وقد أوصلها بعضهم أكثر من ثلاثمائة كبيرة، فجعل كل ما توعد الله عز وجل عليه من ذنب بأنه يعذب صاحبه، أو أن صاحبه ملعون مطرود من الرحمة، أو ذكر بأن له النار، أو جعل له حداً في الدنيا، أو جعل شيئاً من الوعيد في الدنيا كبيرة من الكبائر.

    قال أبو بكرة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله).

    والإشراك أن الإنسان يعبد غير الله سبحانه أو يعبد مع الله سبحانه وتعالى غيره، والشرك أقسام: الشرك الأكبر، والشرك الأصغر الشرك الخفي.

    قال: (وعقوق الوالدين) العقوق: من عق، بمعنى: قطع، ومنه العقيقة، وهي: التي تذبح في يوم سابع المولود، والعقوق: من يقطع رحمه.

    1.   

    جريمة شهادة الزور

    قال في الحديث: (وكان متكئاً فجلس، فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور) يعني: من أعظم الكبائر قول الزور، وشهادة الزور، قال أبو بكرة : فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت!

    ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم أحب إلى الصحابة من أنفسهم، فإنهم لما رأوا غضب النبي صلى الله عليه وسلم وتكراره: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، رحموه وأشفقوا عليه فقالوا: ليته سكت! يريدون من أجل أن يكف غضبه.

    وإنما كرر شهادة الزور ولم يكرر بقية الكبائر المذكورة في الحديث؛ لأن الشرك يندر في الصحابة ومن بعدهم بعد ما علمهم النبي صلى الله عليه وسلم التوحيد، وتمنع عقوق الوالدين طبيعة الإنسان وفطرته، أما قول الزور وشهادة الزور فإن تقوى الله هي التي تمنع المسلم من إتيانها وليس كل إنسان عنده هذه التقوى.

    أضف إلى ذلك أن قول الزور وشهادة الزور ذات ضرر متعد، فبسببها تجد الإنسان البريء يدان أمام القاضي بأعمال ما فعلها، بل شهد بها عليه أحدهم كاذباً، فاجراً، مزوراً في شهادته، بل قد تقطع رقبة إنسان بسب ذلك، وقد يسجن أو يقام عليه الحد بسبب شهادة الزور.

    وكم من إنسان تفتنه الدنيا، ومن أجل أن يأخذ لعاعة مال يتجرأ على أن يشهد زوراً عند القاضي، ومثل هذا الشيء موجود في الخلق منذ القدم، فلم يخل عصر من الطمع في المال.

    وقد يشهد الإنسان زوراً على آخر لأنه مبغض له، وقد حدث مثل ذلك في عهد نبي الله سليمان، وهو من أخبر الله سبحانه عنه وعن أبيه: وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا [الأنبياء:78-79].

    أي: أن الله عز وجل فهم سليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام وهو صغير مع أبيه، فقد يأتي الناس يسألون أباه عن الشيء، ثم يفتي أو يحكم فيهم بشيء ثم تعرض على سيدنا سليمان فيرى شيئاً آخر غير ما يراه أبوه، وذلك لأن الله عز وجل الذي فهمه، قال سبحانه: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ [الأنبياء:79].

    وكان من ضمن القضايا الذي عرضت عليهما: قضية شهادة الزور، فإن أربعة ذهبوا إلى داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وشهدوا عنده على امرأة أنها زنت بكلبها، وهم في حقيقة أمرهم كاذبون.

    ومع أن داود عليه السلام نبي من الأنبياء معصوم إلا أنه في الأحكام الدنيوية يحكم بما يراه أمامه، وذلك حتى يُتَعلم منه كيف يحكم بين الناس، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يحكم بين الناس بما رآه صلى الله عليه وسلم في القضية نفسها، وكان يقول: (إنما أنا بشر وأنتم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فهي قطعة من النار فليأخذ أو فليذر).

    فمع أن النبي صلى الله عليه وسلم بإمكانه أن يسأل ربه فيطلعه على حقيقة كل قضية ويقول له: فلان كذاب، وفلان صادق، فيحكم بالوحي في هذه القضايا، إلا أن من يأتي بعد النبي صلى الله صلى الله عليه وسلم سيختلط عليه الأمر، إذ النبي صلى الله عليه وسلم كان يوحى إليه، أما من بعده فلا، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم البينة على المدعي واليمين على من أنكر.

    وفي مثل هذه القضية حكم داود عليه السلام، بعد أن شهدوا على المرأة أنها زنت، فقضى بقتلها، فلما سمع ذلك سليمان وهو صغير عليه الصلاة والسلام قال: لو كنت أنا ما قضيت بذلك!

    فلما بلغ داود قوله دعاه أن يقضي بتلك القضية فكان قضاؤه جميلاً عليه الصلاة والسلام فقال: أحضروا الشهود، فلما جيء بالشهود فرق بينهم، وسأل الأول منهم: ماذا رأيت؟ قال: رأيتها تزني بكلبها. قال: أين رأيتها؟ قال: في المكان الفلاني. في أي موضع منه؟ قال: في كذا. فما كان عليهم من الثياب؟ قال: كذا، فما لون كلبها؟ قال: لونه كذا.

    ثم صرفه وأتى بالثاني وسأله نفس الأسئلة فأجاب بعكس الأول، ثم طلب الثالث ثم الرابع، فثبت كذب الشهود، فقتل الأربعة الشهود الذين شهدوا على هذه المرأة وقتلت بشهادتهم.

    وبذلك تعلم خطر شهادة الزور وندرك سبب غضب النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: (ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور) .

    1.   

    شرح حديث عبد الله بن عمرو في الكبائر

    الشرك بالله

    وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس).

    قوله: (الكبائر) يعني: من الكبائر ومن أكبرها.

    قوله: (الإشراك بالله) ومعناه أن تجعل لله نداً وهو خلقك، فتعبد غير الله سبحانه، أو تدعو غير الله، أو تتوسل إلى غير الله تبارك وتعالى، أو تحلف بغير الله تعظيماً له، أو تنذر لغير الله سبحانه، أو أن تتوجه في عبادتك لغير الله، ويعد هذا شركاً أكبر.

    أما الشرك الأصغر فهو أن تنسب الفضل إلى غير الله سبحانه ناسياً ربك سبحانه، ويقع في الخلق كثير من هذا الشرك، فترى الموظف إذا سئل: كيف حصلت على كذا؟ يقول: كان فلان السبب في هذا الشيء، أو يقول: كان هو عمل لي كذا، أو كان فلان هو الذي رزقني أو فلان الذي زاد لي مرتبي. فينسب لغير الله وينسى الله سبحانه وتعالى.

    وتجد إنساناً آخر يمتلك كلب حراسة، فيأتي اللصوص فينبح عليهم الكلب، ويكون السبب في فرارهم، فإذا سئل عن ذلك تجده يقول: لولا الكلب لصنع اللصوص كذا وكذا، ناسياً أن الله هو من ألهم الكلب النباح، وهو الذي أيقظه لنباح كلبه، ولكنه ينسب الفضل لغير الله.

    ومن أنواع الشرك:

    الشرك الخفي: وهو الرياء فتجد صاحبه يصلي بالناس ويطيل الصلاة ولو صلى وحده ما صلى تلك الصلاة، أو يصلي من أجل أمر يريده من فلان، فإذا حصل على الأمر ترك الصلاة والصوم، يصدق فيه:

    صلى وصام لأمر كان يطلبه فلما انقضى الأمر لا صلى ولا صاما

    فمن كان يصلي من أجل الامتحان، يترك الصلاة بانتهاء الامتحان، وهكذا.

    والمطلوب من الإنسان المسلم أن يعبد الله سبحانه في السراء والضراء، ويعلم أن كل خير من الله عز وجل وأن الدنيا لا شك زائلة، وأنه عائد إلى ربه يوم القيامة فيتمنى يوم القيامة مما يرى من هول الموقف أنه كان أكثر عملاً.

    عقوق الوالدين

    وقد نهى الله سبحانه عن عقوق الوالدين في أكثر من آية قال تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا [الإسراء:23]، فلا يقول للوالدين أف ولا ينهرهما، بل هو مأمور بصلة الوالدين، لا بهجرهما أو عدم السؤال عنهما.

    وقد تجد واحدة من النساء تقوم وتشكي من ابنها، فمع أنه حسن الأخلاق مع الناس ويصلي ويعمل أعمالاً طيبة، إلا معها هي فقط، فإنه إذا دخل البيت يشتم أمه ويضربها ويهينها، فهو أمام الناس بر مؤدب ومع أمه قبيح الخلق.

    فلا ينفعه الصدق مع الناس إذا كان مؤذياً لأمه، قال الله عز وجل: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [البقرة:83]، كما أن من يعق والديه يسلط الله عليه عياله فيصنعون فيه ما كان يصنع في والديه.

    قوله: (وقتل النفس) وقد قدم عقوق الوالدين على قتل النفس، والقتل لا شك قبيح.

    أنواع اليمين

    قوله: (واليمين الغموس) وهي أن يحلف المرء على الشيء وهو يعلم أنه كاذب، وقد تقدم أن الأيمان ثلاثة أنواع:

    الأولى: يمين لغو، وليس فيها كفارة ولا يلزم صاحبها إلا الاستغفار؛ لأنه تلفظ بها وهو لا يقصدها، كأن يستضيف إنسان آخر فيقول: والله لتأكلي معنا، والله لتشربن معنا.

    اليمين الثانية: اليمين المنعقدة، وهي أن يحلف المرء أن يفعل شيئاً أو لا يفعله في المستقبل، كأن يقول: والله سأعمل كذا، أو والله ما أنا بعامل كذا، فيحلف على شيء في المستقبل وهو عازم أن يعمل أو لا يعمل.

    فواجبه إن حنث أن يكفر عنها كفارة يمين.

    وأيضاً فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من حلف على يمين فوجد غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه) .

    وقال سبحانه: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ [البقرة:224]، أي: لا تجعل يمينك بالله معرضة أمام فعل الخير فتمنعك من فعل الخير.

    اليمين الثالثة: اليمين الغموس؛ مأخوذة من الغمس؛ لأن صاحبها يغمس في نار جهنم والعياذ بالله، ويحلف بهذه اليمين ليقتطع حق امرئ مسلم وهو كاذب ويعلم أنه كاذب، فيقول: والله ما فعلت كذا وقد فعله، ويقسم: والله ما أخذت كذا وقد أخذه. وذنبها أعظم من أن يكفره إطعام عشرة مساكين، أو صوم ثلاثة أيام، وقول من قال ذلك إنما هو لقصد التخفيف وأمرها إلى الله عز وجل، ويلزم من فعلها أن يتوب إلى الله عز وجل لعله يغفر له سبحانه تبارك وتعالى، ويستشعر عظم الذنب الذي ارتكبه.

    سب الرجل والديه من الكبائر

    من الأحاديث التي جاءت عنه صلى الله عليه وسلم في هذا الباب أنه قال: (من الكبائر شتم الرجل والديه، فقالوا: يا رسول الله! وهل يشتم الرجل والديه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم. يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه).

    والمعنى: أن الإنسان يحترم أباه وأمه ولا يشتمهم ولكنه يشتم إنساناً آخر فيرد عليه، وحينها يكون متسبباً في شتم أبيه وأمه، فيكون كأنه هو الشاتم لهما، وهذا تحذير من النبي صلى الله عليه وسلم أن يسب الإنسان أبا إنسان آخر فيرد عليه ويسب أباه، أو يسب أم إنسان فيسب أمه، فإذا فعل ذلك إنسان صار كأنه هو الذي سب أبا نفسه وأمه فكان من الكبائر.

    وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله تعالى حرم عقوق الأمهات، ومنعاً وهات، ووأد البنات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) متفق عليه.

    قوله: (إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات)، لا يعني جواز عقوق الآباء! بل هو حرام أيضاً وإنما لم يذكر لإرادة الجناس بين الكلام والله أعلم.

    قوله: (ومنعاً وهات)، أي: كثرة الكلام والجدال، فالجدل الكثير منعنا منه ربنا سبحانه وتعالى.

    قوله: (ووأد البنات)، وكانوا في الجاهلية يئدون بناتهم، فتجد الرجل عندما تلد زوجته يستقبل الجنين، فإذا كان ولداً فرح به، وإذا كان بنتاً حزن وتبرم، قال تعالى: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ [النحل:58-59].

    وهذا من وسوسة الشيطان لهذا الأب، فهو يحزنه ويهول له ما نزل به، ويظل كذلك حتى يأخذ البنت ويدفنها وهي حية، ثم يزعمون بعد ذلك أن هؤلاء البنات لله، قال تعالى: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمْ الْحُسْنَى [النحل:62]، يقولون: لنا نحن الأحسن من الولد، والبنات لله ربنا فهو الذي خلقهن وسنرد إليه ما خلق، فيقتلون البنات بهذه الصورة القذرة البشعة، ولعل أحدهم يحمل ابنته وقد بلغت مبلغ التمييز ويذهب ليحفر لها حفرة، والبنت لا تعلم ماذا يعمل أبوها! فتعين أباها، وقد تمسح له التراب عن وجهه وهو يحفر لها القبر الذي سيدفنها فيه!

    فأي قلوب قاسية متحجرة كان عليها هؤلاء الناس؟ ومن معجزة الإسلام أن غير قلوبهم، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

    وقد كانت عقول أهل الجاهلية متحجرة متعفنة، فتجدهم يعبدون غير الله سبحانه وتعالى، فيعبد أحدهم الحجر وهو يعلم أنه هو الذي صنعه بيده، ويعلم أنه هو الذي أتى به من الأرض، ومع ذلك يعبده من دون الله، وقد يسافر أحدهم في الطريق ويجد حجراً فيعجبه شكلها ويأخذ ثلاث أحجار بجوارها، فيضع الثلاث تحت القدر، ويترك الرابعة من أجل أن يعبدها من دون الله! فكيف فرق بينها وهي كلها أحجار؟!!

    وإذا لم يجد حجراً أتى بقليل من الرمل، ثم حلب الشاة عليه ثم صنع به تمثالاً يعبده من دون الله، فأي عقول مع هؤلاء الناس إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [الفرقان:44].

    فكانوا يستنصرون بهؤلاء، ويدعونهم، ويستفتحون بهم من أجل أن ينتصروا، فإذا بالله عز وجل يُهدي إليهم هذا الدين العظيم -دين الإسلام- فيغير أخلاقهم، وينير الظلمات التي في قلوبهم وعقولهم فيعبدونه سبحانه، وإذا سمع أحدهم القرآن رق قلبه وبكى على ما كان منه، فبعدما كان لقسوة قلبه يئد ابنته صار من أحن الناس بعد نزول كلام رب العالمين سبحانه.

    قوله: (وكره لكم قيل وقال)، أي: الإكثار من الكلام، حقيقة أو ظناً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث)، فتجد أحدهم يقول: أظن كذا، أو يعمد إلى نقل الكلام بين الناس، فما أن يسمع كلاماً في مجلس من المجالس حتى يبادر في نقله إلى مجلس آخر ويزيد عليه.

    والنميمة من تنمية الكلام والزيادة عليه، فإذا سمع من هنا كلاماً نقله على جهة الإفساد، وهذا شأن المرتابين، أما المؤمن فإنه يحسب كلامه حساباً عظيماً، ويعرف أن كل كلمة يقولها فإن الله عز وجل يسأله عنها يوم القيامة.

    قوله: (وكثرة السؤال)، أي: الإلحاح في طلب ما يحتاج إليه وما لا يحتاج إليه، وهو مكروه مع الناس، أما مع الله عز وجل فإن الإلحاح في الدعاء مستحب، فإن الله عز وجل يرضى عنك إذا سألته وألححت في سؤاله، أما العبد فيغضب.

    قوله: (وإضاعة المال)، نهى عن التبذير وإضاعة المال فيما لا ينبغي، كإضاعته فيما حرم الله سبحانه، حتى ولو كان كسب الإنسان كثيراً فلا بد أن يعلم أنه سيسأل عن المال سؤالين يوم القيامة: من أين اكتسبته؟ وفيم أنفقته؟

    ويعتقد البعض أن الدخل الكثير يعفي صاحبه من المساءلة عن القليل، وهذا اعتقاد خاطئ، بل إن الله يسأل العبد عن النقير والقطمير، والقليل والكثير، وهذا إن كان حلالاً مصدراً حلالاً مخرجاً، أما أن يضاع في الحرام فهذا أشد عقوبة ولا شك.

    ومعنى أن الله كره لكم ذلك، أي: كرهه محرماً ذلك عليكم، ولذلك يأتي الإنسان الذي يسأل الناس تكثراً يوم القيامة وما في وجهه مزعة لحم؛ لأنه كان يسأل الناس ويمد يده إليهم، ولم يستح في الدنيا، فيأتي يوم القيامة وقد تساقط لحم وجهه، عقوبة له على فعله.