إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد حطيبة
  4. شرح رياض الصالحين
  5. شرح رياض الصالحين - ستر عورات المسلمين

شرح رياض الصالحين - ستر عورات المسلمينللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد جاء في الكتاب والسنة الأمر بستر عورات المسلمين، والتحذير من إشاعة الفاحشة بين المؤمنين، وما ذاك إلا لأن ستر العورات به يسلم المجتمع من شيوع الفواحش وانتشارها بين الناس، وإشاعة الفاحشة تأتي بالشر والفساد وخراب المجتمعات.

    1.   

    ستر عورات المسلمين والنهي عن إشاعتها

    النهي عن إشاعة الفاحشة بين المؤمنين

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الإمام النووي رحمه الله:

    [ باب ستر عورات المسلمين والنهي عن إشاعتها لغير ضرورة.

    قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [النور:19].

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يستر عبد عبداً في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة)، رواه مسلم .

    وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله عليه فيقول: يا فلان! عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عليه).

    وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا زنت الأمة فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثانية فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فليبعها ولو بحبل من شعر)، متفق عليه ].

    مما دعا إليه الكتاب وسنة النبي صلى الله عليه وسلم أمر الإنسان بالستر على نفسه، وعلى غيره، ولا يجاهر بالمعاصي فيفضح نفسه، فإن الذي يفضح نفسه في الدنيا يفضحه الله عز وجل يوم القيامة، والذي يستره الله عز وجل في الدنيا يستره يوم القيامة بفضله وإحسانه سبحانه وتعالى.

    يقول الله عز وجل في سورة النور: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [النور:19].

    (تشيع الفاحشة) عكسها: تستر الفاحشة ولا تتفشى بين الناس، ولا تعرف ولا يطلع عليها أحد، فالله ينهى عن إشاعة الفاحشة بين المؤمنين.

    إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا [النور:19]، الذين يحبون هذا الشيء هم الفسقة والكفرة والمجرمون، فهم يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وإذا فعل الذين آمنوا هذه الفاحشة فلن يوجد أحد ينهى عنها، مثلما فعل بنو إسرائيل وارتكبوا الفواحش، ووقع فيها كبارهم وشرفاؤهم، فضيعت حدود الله عز وجل، وما بقي أحد ينكر على أحد.

    فهنا الذي يحب أن تشيع الفاحشة هو صاحب فاحشة، يريد أن يفعلها فلا تُنكَر عليه، وحتى لا تنكر عليه يأتي هو وغيره ويشيع الفاحشة بين المؤمنين حتى يفعلوها، وحتى يتحدثوا بها، وحتى يسهل أمرها عليهم، فهم يحبون أن تشيع الفاحشة.

    (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ) أي: يتمنى أن تشيع الفاحشة بين الناس حتى يفعلها ولا ينكر أحد عليه ذلك، فكيف بمن يشيعها ويمارسها؟ الأول لعله لم يفعل، ولكن أحب أن تنتهك حدود الله عز وجل، وأحب أن تشيع الفاحشة من زنا وغيرها بين الناس، فهذا الذي أحب ذلك له عذاب أليم في الدنيا والآخرة، والذي أشاعها قولاً وفعلاً بين الناس هذا أولى بهذه العقوبة والعياذ بالله!

    إشاعة الفاحشة تكون بالقول، كإنسان يستسهل الكلام عن القبائح، وعن الفضائح والرذائل، وعن أمر الزنا، وعن أمر اللواط، ونحو ذلك، يتكلم ويحكي هذه الأشياء لغاية ما، ومن ثم يبقى سماعها عند الناس أمراً سهلاً فلا ينكر أحد منكراً من المنكرات، فهؤلاء لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النور:19]، الله يعلم ما الذي يصلح خلقه، ولذلك أمرنا بالستر ونهانا عن إشاعة الفاحشة بين المؤمنين.

    وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ يعلم أخلاق الكفار، من حبهم لإشاعة الفاحشة، وأخلاق الفسقة وما في قلوبهم، ولذلك حذركم من الفريقين، وأخبركم أنه لن يرضى عنكم هؤلاء الكفار حتى تكونوا مثلهم: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120].

    ونهانا عن تولي الكفار والمشركين وقال: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة:51].

    فهؤلاء الفسقة الذين يحبون المعاصي والفواحش ويفعلونها، ويريدون أن يسكت المسلمون عليها، يحذرنا ربنا سبحانه وتعالى أن نكون مثلهم، ويحذرهم بأن لهم العذاب الأليم في الدنيا وفي الآخرة، فقد تأتي عقوبة الله عز وجل لهؤلاء في الدنيا، فقد يذيقهم المرض في الدنيا, ويذلهم أمام الناس، انظر للممثلين والممثلات والراقصات وغيرهم الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، الذين يتشدقون بالفسق ويسمونه فناً، وبعد ذلك تكون آخرتهم آخرة سوداء يعلمها الله تعالى، فتجد الرقاصة ومعها مال كثير وبعد فترة قليلة إذا بها تفلس، ولم تعد تجد ثمن الدواء الذي تتعالج به.

    الستر على المسلم الواقع في المعصية

    أما المؤمنون فقد أمر الله عز وجل بأن يستر المسلم على أخيه ما دام الذي وقع في المعصية يستر على نفسه.

    أما الذي يجاهر بالمعاصي، يبيت الليل يفعل معصية، ثم يصبح يتحدث عنها ويفتخر بها، فهذا يستحق أن يقام عليه حد الله سبحانه وتعالى، إنما الذي يستر هو الذي يستر على نفسه، وكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، فإذا وقع إنسان في زلة من الزلات، وأناب إلى الله واستغفر وتاب، فهذا يستر عليه ولا يبكت بهذا الذنب الذي فعله، ولا يفضح بين الناس طالما أنه سيتوب إلى ربه.

    وقد جاء في الحديث: (لا يستر عبد عبداً في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة).

    (لا يستر عبد عبداً في الدنيا) هذا تذكير بمقام العبودية، وأنك أنت عبد لله سبحانه، وهو عبد لله سبحانه وتعالى.

    أحياناً: يرى رجل رجلاً على معصية، فيحدث نفسه أني لابد أن آمره وأنهاه، وبعد قليل يحدث نفسه ويحس بالغرور: أنا أحسن منه وأعلى منه؛ لأنه صاحب معصية وأنا كذا وكذا!! ومن ثم يريد أن يذل هذا الإنسان، ويشدد عليه ويتسلط عليه، فالرسول يقول لك: أنت عبد لله سبحانه، أنت تنفذ أمر الله سبحانه، لا تفرح لأن ربنا سلطك عليه، فقد يسلط عليك غيرك.

    هو الآن فعل معصية، وأنت تفرح أنك تأمر وتنهى، وأنك تريد إذلال هذا الإنسان، فلعل الله يسلط عليك من يصنع بك ذلك، فليس أحد معصوماً من المعاصي، لذلك يجب أن تضع نفسك مكان هذا الإنسان، وعامله كما تريد أن تعامل به.

    أحوال لا يستر فيها على صاحب المعصية

    أستر على الإنسان الذي ستر على نفسه، قد أؤنبه بيني وبينه، قد أزجره أشد الزجر بيني وبينه، لكن لا أفضحه، فلا يفضح الإنسان إلا إذا كان مجاهراً بالمعاصي، أو إذا كانت معصيته ستؤثر في الناس، ويحصل فيهم بسببها بلاء، وضررها يتعدى إلى الغير، ففي هذه الحالة لابد من التحذير، كما إذا عرفنا أن فلاناً يدخل بيت فلان وكل يوم يسرق منه شيئاً، فأولاً أحذره وأقول له: لا تسرق، رد المال الذي أخذته من فلان، فإذا رفض ففي هذه الحالة أقول للمسروق منه: فلان سرق منك المال الفلاني، ولم يرض أن يرده إليك.

    إذاً: هنا المفترض أني رجل أمين أؤدي النصيحة، فأنصح لصاحب المال الذي سرق منه، وأنصح للإنسان الظالم الذي أخذ المال أن يرده لصاحبه، وقد جاء في الحديث: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)، فنصره مظلوماً بأن آخذ له حقه، وهذا الذي أخذ منه الحق مظلوم، ونصره ظالماً: بأن آخذ على يده، وهذا إنسان أخذ مال غيره.

    1.   

    لا يجوز الستر على من سرق مال الآخرين

    ذكر أحد الإخوة أنه يعمل مراجع حسابات في مكان ما، والمحاسب الموجود يسرق المال كل يوم، فيقول: لو أخبرت أصحاب الشركة فسيخرجونه، وعنده عيال وأسرة.

    فنقول: هذا المراجع أمين على المال، وصاحب الشركة أتى بك من أجل أن يطمئن على حساباته، فأنت أمين لصاحب المكان.

    إذاً: في هذه الحالة تأمر هذا المحاسب الذي يمد يده على المال أن يرد المال كله، فإذا رده كله فعليك أن تراقبه بعد ذلك هل ما زال يمد يده ويأخذ المال أم لا، وإذا استمر كما كان فلا فائدة فيه، وفي هذه الحالة قل لصاحب العمل: فلان هذا حرامي أخرجه من هذا المكان؛ لأنك أمين لصاحب العمل، ولولا أنه لا يقدر على إدارة عمله لما أتى بك، فأنت أمين له.

    أما أن تستر على هذا الإنسان الذي يمد يده كل يوم ويسرق من هذا المال فلا يجوز، والدليل على ذلك حديث أبي هريرة رضي الله تبارك وتعالى عنه لما كان خازناً على زكاة الفطر، فجاء إنسان يسرق من زكاة الفطر، فأمسك به أبو هريرة ، وقال: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم قوله له: لأرفعك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا قال له: استر عليه، أو لماذا لم تستر عليه؟ لأنه أمين قائم مقام النبي صلى الله عليه وسلم في حراسة هذا المال، وقائم مقام المسلمين في حراسته.

    فلما شكا إليه حاجة وعيالاً قام أبو هريرة واجتهد أن هذا المال زكاة الفطر، وسيوزع على الناس المستحقين، ويمكن أن هذا من ضمن المستحقين، فتركه.

    إذاً: أبو هريرة اجتهد في هذه الحالة، وليس هذا تضييعاً لأمانة المسلمين، بل أبو هريرة حافظ لهذه الأمانة، ولكنه رأى أن زكاة الفطر تجمع من أجل أن توزع على الفقراء، وهذا فقير صاحب حاجة وعنده عيال ويبكي من شدة الفقر، فهو مستحق لهذا المال.

    وفي اليوم التالي قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (ما فعل أسيرك البارحة)، أي: الذي أمسكته البارحة ما الذي حصل منه؟ فقال: (يا رسول الله! شكا إلي حاجة وعيالاً، فقال: كذبك وسيأتيك)، أي: سيأتي إليك مرة ثانية.

    فهنا كأن أبا هريرة قال للنبي صلى الله عليه وسلم حصل كذا وكذا وشكا كذا فرحمته، والمال زكاة الفطر فلذلك أعطيته منه، أو أنه سرق ومشى، ثم أتى مرة ثانية وثالثة، وفي النهاية لما أصر أن يرفعه للنبي صلى الله عليه وسلم قال: دعني أعلمك شيئاً ينفعك الله به، فقال أبو هريرة: علمني، فقال: اقرأ قبل أن تنام آية الكرسي، فتركه أبو هريرة ، وفي الصباح سأله النبي صلى الله عليه وسلم: (ما فعل أسيرك البارحة) فالوحي كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ويخبره أنه حصل كذا وكذا، فقال: إنه قال: أعلمك شيئاً ينفعك الله به، وعلمني آية الكرسي أقرؤها قبل أن أنام، فقال: (صدقك وإنه لكذوب)، فهو كذاب ولكن في هذه فقط صدقك.

    ثم قال: (أتدري من تقاتل منذ ثلاث؟ قال: قلت: لا، قال: إنه شيطان) فهو شيطان كان يأتي ويسرق كل يوم، فلما أمسكته علمك شيئاً ينفعك الله عز وجل به، فصدقك فيه وكذبك في الباقي حينما كان يقول: إنه محتاج وإنه ذو عيال.

    والشاهد من هذا: أن أبا هريرة كان أميناً على هذا المال، وقال: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فيؤخذ منه أنك إذا كنت أميناً على مال، ورأيت من يسرق هذا المال، فلك أن ترفعه لصاحب المال، ولك أن تأخذ منه هذا المال وتطرده وانتهى الأمر، هذا إذا كان من خارج.

    أما إذا كان من ضمن العمال الذين يشتغلون في المحل، وأنت مراجع فوقه، وهو كل يوم يسرق من المال، فلو سكت عليه فأنت مضيع للأمانة، قد تقول: عنده عيال وزوجة.. ونحو ذلك، فهنا تلزمه برد المال الذي أخذه، ثم بعد ذلك تبعده عن هذا المال، ولا تتركه يشتغل في هذا المال، وعليك أن تنبه صاحب العمل، فإذا عرفت منه أنه تاب من هذا الشيء وأنه لن يرجع ولك عليه سلطان المراقبة، فأقل شيء أن تلزمه بإرجاع المال كله، وتراقب بعد ذلك، فإن رأيت أنه رجع مرة ثانية لمد اليد، فهنا تنصح صاحب العمل أن فلاناً هذا ليس أميناً، وتأمره أن يشغله في مكان آخر بعيد عن المال، أو يخرجه من العمل.

    إذاً: لا ينبغي أن أرى السارق يسرق من المال وأنا ساكت عليه، وأقول: أستر عليه، وحديث (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) ينافي ذلك، فأنت لم تأخذ على يد السارق، ولم تمنعه من السرقة، ولم تنبه صاحب العمل أن ماله يسرق، بل تركت الحالتين فخنت الاثنين، لا نصحت هذا ولا نصحت ذاك.

    إذاً: الستر على الإنسان يكون فيما إذا كان الحق بينه وبين الله عز وجل؛ لأن الحقوق إما حق لله عز وجل، وإما حق للبشر، والله تعالى أكرم الأكرمين، ويسامح سبحانه ويعفو ويتكرم، فإذا وجدنا إنساناً على زنا -والعياذ بالله- إذاً فهنا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونمنع من المعصية، ولكن في النهاية إذا قدرنا على الستر كان أفضل.

    أما أن أستره وأتركه يفعل ما يريد فلا، فلابد أن أزجر الاثنين، ولكن لا أفضحه بين الناس.

    أما من يفضح نفسه في الدنيا ويتكلم عن نفسه أنه يفعل كذا، وأنه يخلو بواحدة ويفعل معها كذا، وأنا أعرف أنه يدخل بيت فلان، فلابد أن أحذر هؤلاء منه، وأقول لهم: خذوا حذركم، فلان هذا لا تدخلوه بيتكم؛ لأنه يفتخر بين الناس أنه يفعل الفاحشة.

    إذاً: المجاهر بالمعاصي أحذر الناس من مثله، حتى يحذر منه الذين لا يعرفونه، ويتأكد من حاله الذين يعرفونه فيقاطعونه ويمنعونه من هذا الشيء إذا وقع فيه، ولا أسكت على صاحب هذه المعصية.

    1.   

    شرح حديث: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين)

    عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين).

    (كل أمتي معافى) أي: يعافيهم ويسترهم سبحانه وتعالى، إلا الإنسان المجاهر، فقد أصبح إنساناً مفضوحاً فضح نفسه وفرح بهذه الفضيحة.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان! عملت البارحة كذا وكذا).

    فلم يسكت ويستر على نفسه فيما عمل بالليل، بل أصبح يفضح نفسه ويقول: عملت كذا وعملت كذا، إذاً: هذا لا يستحق أن يستره الله عز وجل، بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم.

    فكل الأمة يعافيهم الله إلا من يجاهر بالمعصية، يعمل معصية بالليل وقد ستره الله فأصبح يفضح نفسه بها، قال لنا صلى الله عليه وسلم: (وقد بات يستره ربه فيكشف ستر الله عنه).

    1.   

    شرح حديث: (إذا زنت الأمة فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب

    من الأحاديث التي جاءت في أمر الستر هنا حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا زنت الأمة فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها).

    إنسان عنده أمة، والآن لا يوجد إماء، ولكن هذا حكم من الأحكام التي ينبغي فيها الستر الجميل، فالأمة إذا وقعت في الزنا فلسيدها أن يقيم عليها الحد، والحد هنا ليس رجماً، ولكن الحد هو الجلد، فيجلدها خمسين جلدة، وبعدما يقيم عليها الحد قال: (ولا يثرب)، أي: لا يعيرها ويقول لها: يا زانية! يا من أتيت الفاحشة! لماذا؟

    لأن الإنسان لو اعتاد هذه الكلمة على لسانه فإنه سوف يفضحها بذلك، وحينئذ سوف تفضل أن تقع في الفاحشة طالما أنها قد افتضحت، ومعلوم أن الإنسان الذي يقع في الفاحشة أو المعصية يستر على نفسه؛ لأنه يخاف أن يعرف الناس ذلك، فإذا عرف الناس هذا الشيء فحينئذ سوف يكشف برقع الحياء، ولن يستحي من الناس بعد ذلك، بل وسوف يعملها ويجاهر بها، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لسيد الأمة: (فليجلدها الحد ولا يثرب)، فأقم عليها الحد، واجلدها خمسين جلدة، ولكن لا تفضحها، ولا تشهر بها، ولا تعيرها بهذا الشيء، وإلا كشفت عنها ثوب الحياء، وسوف تقوم هي بعد ذلك فتقع مرة وراء المرة، ولا يهمها شيء.

    قال صلى الله عليه وسلم: (فإن زنت الثانية فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فليبعها ولو بحبل من شعر)، ففي المرة الثالثة أمره أن يبيعها، لأنه لا يستطيع أن يعفها، وسيد الأمة إما أن يأتيها هو، وإما أن يزوجها حتى تستعف، ولكن هذا لا يأتيها ولا زوجها، إنما تركها تزني، فعليه إذاً أن يبيعها طالما أنه لم يقدر على أن يكفيها عن الحرام.

    1.   

    شرح حديث: (أتي النبي برجل قد شرب خمراً..)

    من الأحاديث التي جاءت حديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قد شرب خمراً فقال: اضربوه، قال أبو هريرة : فمنا الضارب بيده والضارب بنعله والضارب بثوبه).

    يعني: قاموا يضربون هذا الذي شرب الخمر، فمنهم الذي يضرب بيده، والذي يضرب بنعله، والذي يضرب بثوبه.

    (فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله) يدعو عليه، كأنه يقول: أخزاك الله، فضحك الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان)، يعني: طالما أنك تدعو على إنسان بالفضيحة، ستبقى أنت أول واحد يفضحه، فكأنك تعين الشيطان عليه.

    إذاً بدلاً من أن تدعو عليه بأن يفضحه الله، ادع له أن يستره الله، وأن يتوب إلى الله فلا يقع في هذه المعصية مرة أخرى، وإذا فعل معصية فيها حد فأقم عليه الحد، ولكن لا تعن الشيطان عليه، أحب للمسلم ما تحب لنفسك، فأنت تحب لنفسك التوبة، فأحب له أيضاً أن يتوب الله عز وجل عليه.

    إذاً: لا تدع على مسلم بأن يفضحه الله، ولا أن يخزيه الله سبحانه وتعالى.

    من الأحاديث التي وردت في هذا المعنى حديث رواه الإمام ابن ماجة من حديث ابن عباس وإسناده حسن أو صحيح وفيه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من ستر عورة أخيه المسلم ستر الله عورته يوم القيامة).

    فإذا سترت إنساناً سترك الله يوم القيامة.

    والعكس بالعكس قال: (ومن كشف عورة أخيه المسلم.).

    وانظر إلى قوله (أخيه المسلم) يعني: هذا بينك وبينه أخوة، وبينك وبينه دين الإسلام، فهو مسلم مثلك وأخ لك في هذا الدين، وفي هذا ترقيق قلبك عليه فلا تفضحه، فالذي يتناسى ذلك ويفضحه قال: (كشف الله عورته حتى يفضحه بها في بيته).

    فإذا فرحت بأنك فضحت إنساناً وجعل الله فضيحته على لسانك، فخف على نفسك أن يحدث لك مثل هذا الشيء والعياذ بالله.

    1.   

    التحذير من إيذاء المسلمين وتتبع عوراتهم

    حديث آخر وإسناده صحيح أيضاً رواه الترمذي من حديث ابن عمر قال: (صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فنادى بصوت رفيع فقال: يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه! لا تؤذوا المسلمين، ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله).

    (يا معشر من أسلم بلسانه) أي: الذين تقولون: لا إله إلا الله بألسنتكم ولكن خصال الإيمان لم تدخل قلوبكم، فاتقوا الله وارجعوا عن هذا الذي أنتم واقعون فيه، وهو أنهم كانوا يؤذون المسلمين ويعيرونهم ويتتبعون عوراتهم.

    قال: (لا تؤذوا المسلمين) ويؤخذ منه أن صفة الإنسان الذي فيه نفاق أنه يسلم بلسانه وأما قلبه فلم يسلم؛ لأن كل إنسان يقول: أنا مسلم وأنا مؤمن، فهؤلاء إنما يعرفون بأفعالهم، يلقى إنساناً وقع في معصية فيفرح ويأتي يقول: فلان عمل كذا وعمل كذا وعمل كذا، والعياذ بالله! فلماذا تشمت بإنسان ولعل الله أن يبتليك بمثل تلك المعصية؟!

    فقوله: (لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم) أي: فالمسلمون الذين وقعوا في شيء من المعاصي فسترها الله عز وجل عليهم، فلا تؤذوهم ولا تعيروهم، ولا تفضحوهم ولا تبكتوهم بما صنعوا.

    (ولا تتبعوا عوراتهم)، كأن يقول إنسان يرى نفسه رجلاً صالحاً: أنا سأراقبه حتى أعلم ماذا يفعل، فيتتبعه يريد منه سقطة من أجل أن يفضحه بها، فإذا تتبعت أخاك فإن الله يتتبعك، ولعلك لا تقدر أن تصل لهذا الإنسان على شيء، ولكن الله يقدر عليك.

    قال: (فإنه من تتبع عورة أخيه)، أي: يتتبع سقطاته لأجل أن يفضحه بها (تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله) يعني: لو اختبأ داخل الغرفة التي عنده في البيت وفعل المعصية، فإن الله يقدر عليه من يفتح ويراه على هذه الصورة، فالله يفضحه ولو في جوف رحله.

    وقد نظر ابن عمر -وهو راوي الحديث- يوماً إلى الكعبة، فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك! والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك.

    فالكعبة لها شرف وقدر عظيم، ولكن المؤمن أعظم حرمة من الكعبة التي هي قبلة المسلمين، فعلى الإنسان المسلم أن يخاف على أخيه المسلم من الوقوع في الذنب، فإذا وقع في الذنب ستر عليه، ونصحه فيما بينه وبينه.

    1.   

    شرح حديث (إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم)

    من الأحاديث التي جاءت في هذا المعنى حديث معاوية رضي الله عنه الذي رواه الإمام أبو داود وهو أيضاً حديث صحيح، وفيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم).

    معاوية حينما صارت إليه الخلافة وصار أميراً للمؤمنين رضي الله تعالى عنه، كان يعامل الناس بالحلم وهو الذي قال: لو كان بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت.

    هذا معاوية كان يضرب به المثل في الحلم رضي الله تبارك وتعالى عنه، فيقول هنا: إنه سمع حديثاً من النبي صلى الله عليه وسلم فحدث الناس به، قال أبو الدرداء : لقد انتفع بما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يكن يسمع كلام الجواسيس -وهو الأمير رضي الله عنه- الذين كانوا يتجسسون على الناس، بل كان يمنع أي تجسس على الناس، ويقول: إن الذي سيظهر لنا منه شيء سنحاربه على الذي ظهر منه، أما الذي يكتم فما لنا وله، أتى بهذا من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم)، فالذي يتتبع عورة هذا وعورة هذا ويفضحه، فإنه سوف يفتضح الإنسان، وحينها سيقوم ويجاهر بالمعصية؛ لأنه لن يوجد شيء يمنعه من حياء ولا من غيره.

    فلذلك كان معاوية يستر على الناس، وإذا سمع عن أحد شيئاً ستر عليه.

    من الأحاديث التي فيها هذا المعنى نفسه قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم).

    إذا ابتغى الريبة فإنه يبقى متشككاً في الناس، وإذا تشكك في كل إنسان فسيفسد الناس، وسيجعل الناس لا يظهرون شيئاً، يقعون في المعاصي ويخفونها، وشيء وراء شيء حتى تعم المعاصي بين الناس.

    1.   

    قصة ماعز وما فيها من الترغيب في الستر على المسلم

    من الأحاديث التي جاءت عنه صلى الله عليه وسلم قصة ماعز رضي الله عنه لما وقع في الزنا، وكان قد زنى بأمة كانت لرجل اسمه هزال وقد كان ماعز يتيماً عند هزال.

    وبعدما كبر وبلغ في يوم من الأيام خرج المسلمون مع النبي صلى الله عليه وسلم في نفير، فوجد هذه الأمة في مكان فزنى بها، فـهزال الذي هو مربيه وسيد هذه الأمة كأنه حصل له شيء من الغيرة والغضب، فقال له: اذهب فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، وسبق هزال إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: إن ماعزاً فعل كذا.

    وهنا لو ستره لكان خيراً له، ولكنه أصر على أن يشكوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم كلمته الجميلة: (يا هزال! هلا سترته بثوبك)، أي: لو سترته وانتهى الأمر لكان خيراً لك.

    و ماعز كان متزوجاً، ولذلك كان حده الرجم، والرجل الذي شهد عليه واحد إذاً: سيقام عليه حد القذف.

    فلما رأى الأمر هكذا وأنه يمكن أن يقام عليه حد القذف قال: أذهب وأقنع ماعزاً أن يذهب للنبي صلى الله عليه وسلم ويقول له: لقد زنيت، وفعلاً ظل يلح عليه حتى ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: لقد زنيت، فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن أعرض عنه، مرة ومرتين وثلاثاً وأربعاً، وفي الأخيرة قال له: (أبك جنون؟ أتدري ما الزنا؟)، وذلك حتى يمشي الرجل ويقول: لا أعرف ما هو الزنا، أنا أمزح بالكلام.

    فهنا نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يستر على نفسه ويمشي، فأعرض عنه أربع مرات وفي النهاية قال لأصحابه: (استنكهوه استنكلوه)، وقال للرجل: (لعلك قبلت، لعلك لامست، لعلك فاخذت)، يعطي له أعذاراً يقولها وينصرف.

    ولكن لما أصر، وكأن هزالاً قال له: قل بالحقيقة ولن يفعل بك شيئاً، فلما أقاموا عليه الحد وبدءوا يرجمونه أذلقته الحجارة، فقال لهم: يا قوم! إن هزالاً غرني من نفسي وقال: إنكم لستم قاتلي، أعيدوني للنبي صلى الله عليه وسلم، أرجعوني للنبي صلى الله عليه وسلم، فلم يسمعوا كلامه، وقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا برجمك، فما زالوا يرجمونه حتى قتلوه، ولما رجعوا للنبي صلى الله عليه وسلم وذكروا له ذلك حزن النبي صلى الله عليه وسلم وتأسف لذلك، وقال: (هلا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه).

    ورئي النبي صلى الله عليه وسلم كئيباً من ذلك، حتى جاء له الوحي من عند ربه وأخبره أن ماعزاً في الجنة، وإن الله أكرمه وتاب عليه، فسر النبي صلوات الله وسلامه عليه بذلك، وأخبر أنه تاب توبة عظيمة لو قسمت على أهل المدينة لوسعتهم.

    المقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يستر على الرجل، وأمر هزال بالستر عليه، فلما أصر الرجل بالاعتراف على نفسه، وليس هو مجنوناً ولا شارب خمر، ولا يريد أن يعرض في الكلام، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإقامة الحد، فلما أقاموا عليه الحد ورجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروه بما فعل قال: (هلا تركتموه لعله يتوب إلى الله عز وجل).

    1.   

    التحذير من تذكير صاحب المعصية بمعصيته

    والغرض بيان أن الإنسان إذا ستر على نفسه ستر الله عز وجل عليه، وإذا فضح الإنسان نفسه فإنه يستحق ما يحدث له، ويلزم على المسلم أن يستر على المسلمين، وأن يحذر من غضب الله عز وجل أن يفضح إنساناً فيفضحه الله سبحانه، ويحذر المسلم من أن يظل يعير صاحب المعصية: ألست الذي كنت سارقاً في يوم من الأيام، ألست الذي كنت تسرق كذا، فإنه كلما قلت له هكذا يرجع في قلبه ما كان عليه في الماضي، وقد يرجع إليه مرة أخرى، إذاً فلا تذكر صاحب معصية بمعصيته أبداً، وإلا فكأنك تدفعه مرة ثانية أن يرجع لهذه المعصية.

    أذكر أنه في يوم من الأيام كان هناك رجل صاحب قمار وكان قد تاب إلى الله، فكلمه بعض الإخوة فتاب وجاء يصلي معنا في المسجد وظل فترة يصلي معنا في المسجد، وبعد فترة فوجئت بأن بعض الإخوة قالوا له: أخبرنا كيف كنت تعمل في القمار؟ ومرة بعد مرة حتى ترك الصلاة وترك بيت الله سبحانه وتعالى، والله أعلم على ماذا مات هذا الإنسان.

    فلماذا تعير إنساناً؟ ولماذا تدفعه للشقاوة مرة ثانية؟ ولماذا تذكره بالماضي؟ فإنه سيرجع إليه مرة ثانية، وصاحب المعصية قد يحن إلى معصيته إذا وجد من يشجعه عليها.

    فاتق الله سبحانه وتعالى في الناس، وإذا تاب إنسان فلا تذكره بمعصيته أبداً، واجعل نفسك مكانه، والذي تحب أن تعامل به إذا كنت مثله فعامل الناس بمثله.

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.