إسلام ويب

تفسير سورة غافر [67 - 68]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أنزل الله تعالى القرآن الكريم وفيه علمه الواسع المحيط بكل شيء، وكلما تقدمت البشرية شيئاً وعلمت بعض ما كان مخفياً عنها وجدت أن القرآن الكريم قد تحدث عن هذا الذي اكتشفته قبل أربعة عشر قرناً، ومن ذلك كيفية خلق الإنسان في بطن أمه، والمراحل التي يمر بها، فقد فصلها القرآن الكريم في بعض سوره تفصيلاً دقيقاً، شاهداً على أنه من عند الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ... )

    أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    قال الله عز وجل في سورة غافر: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [غافر:67-68].

    يخبرنا الله الخالق العظيم سبحانه وتعالى في هاتين الآيتين وفي غيرهما من كتاب الله عز وجل في سورة الحج وفي سورة المؤمنون عن خلق هذا الإنسان، هذا الخلق العجيب الذي كلما قرأه المؤمن أو غير المؤمن وتأمل فيه علم أن هذا هو الحق من عند رب العالمين سبحانه وتعالى، وأنه ليس من عند النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يكن له علم بعلم التشريح حتى يعرف الأجنة التي في بطون أمهاتها، وكيف تتكون في اليوم الأول والثاني، وفي اليوم الثاني والأربعين، وكيف تتكون في الأسبوع الأول، وفي الأسبوع الثاني، وفي غيرهما، فلم يكن عند النبي صلى الله عليه وسلم علم بذلك، لا علماً نظرياً اكتشافياً ولا تجريبياً، وإنما كان ينزل عليه صلى الله عليه وسلم الوحي من السماء فيخبرهم بما أوحي إليه، وقد كان يُسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الشيء الذي لا يعرفه فكان ينتظر الوحي من السماء، فينزل عليه القرآن فيخبره، أو ينزل عليه جبريل من عند الله سبحانه فينبئه أن هذا كذا وكذا، فكان يقول لأصحابه صلى الله عليه وسلم: (لقد سألني هذا وما لي بذلك من علم، فأتاني جبريل فقال لي: كذا وكذا) صلوات الله وسلامه عليه، فلم يكن يدعي أنه هو الذي يعلم ذلك عليه الصلاة والسلام، وإنما كان يرد العلم إلى الله سبحانه.

    وكان الله تعالى يخبر النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الأشياء العجيبة المعجزة للخلق فلا يسع من يتأمل ذلك إلا أن يعترف أن هذا وحي من عند الله سبحانه وتعالى، وأنه مستحيل أن يكون قاله النبي صلى الله عليه وسلم من عند نفسه.

    يذكر الشيخ الزنداني عن أحد الأطباء المشهورين في علم الأجنة واسمه كيث مور، وهو من أشهر علماء الأجنة في العصر الحديث، وله مؤلفات تعتبر من المراجع في علم الأجنة، أنه تناقش هو ومجموعة من المسلمين في قوله سبحانه: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون:12-14]، وعن هذه الأطوار التي يذكرها الله سبحانه وتعالى، وهل كان يمكن أن يعلمها النبي صلى الله عليه وسلم بغير وحي من السماء؟ فتناقشوا معه حتى أقر الرجل بأن هذا علم من السماء، وأنه ليس من عند النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    وكان قد طبع من كتابه المؤلف علم الأجنة -وهو مرجع من المراجع- في سنة خمس وتسعين طبعتين، منها طبعة ذكر فيها هذه الآيات، وهذا المعنى الذي في القرآن، وقال: إنه شيء عجيب جداً أن يذكر القرآن منذ ألف وأربعمائة سنة ما لم يعلموه هم إلا في هذه السنوات المتأخرة!

    مراحل خلق الإنسان

    قال الله عز وجل: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ [غافر:67]، وذكر في سورة المؤمنون العجب العجاب، قال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ [المؤمنون:12-13]، فقد كانت النطفة في صلب الرجل واستقرت في رحم المرأة، قال تعالى: ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ[المؤمنون:14] من جزء واحد من ملايين الحيوانات المنوية، وهو الذي ينجح في أن يصل إلى البويضة فيلقحها، والله يجعل من يشاء عقيماً فلا يصل شيء من ملايين الحيوانات المنوية إلى بويضة المرأة، والمرأة تفرز بويضة واحدة في كل شهر، وأما الرجل ففي دفقة من دفقات المني تخرج منه ملايين الحيوانات المنوية، التي قد تلقح البويضة وقد لا تلقحها، والذي يلقح البويضة هو حيوان واحد منها فقط، ثم يحدث التخليق والانقسام، أي: كل واحد ينقسم إلى اثنين، حتى يصير في النهاية جنيناً في بطن أمه.

    قال تعالى: ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا[المؤمنون:14]، وهذا الترتيب ترتيب سريع، ولذلك أتى بالفاء التي تفيد الترتيب والتعقيب مباشرة، ففي خلال اثنين وأربعين يوماً يتكون الجنين في بطن الأم، ويتخلق في خلال هذه المدة، ثم يبعث الله إليه الملك ليصور سمعه وبصره، ويصور جنسه ذكراً أو أنثى، ويكتب عليه شقي أو سعيد، ويكتب ما يكون عليه هذا الإنسان في هذه الدنيا من عمل، ويكتب رزقه، ومصيره، يقول سبحانه: ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا[المؤمنون:14].

    وهذه التصويرات الدقيقة العجيبة من نطفة واحدة في القرار المكين، فإن الرحم عندما تدخل النطفة فيه فإنها تنقسم وتتحول إلى علقة كشكل الدودة، وتتعلق في جدار الرحم وتستقر فيه، ثم تتحول هذه العلقة إلى مضغة، فتصبح وكأنها قطعة من اللحم الممضوغ بالأسنان، والذي تكون فيه علامات الأسنان، فتكون على هذه الهيئة، ويكون طولها وهي في بطن الأم مضغة حوالي عشرة سنتيمترات.

    قال تعالى: فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا[المؤمنون:14]، أي: فخلق الله هذه القطعة الصغيرة المضغة عظاماً، قال تعالى: فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا[المؤمنون:14]، يقول الشيخ الزنداني : إنه سأل بعض علماء المسلمين: أيهما يتكون أولاً العظام أم اللحم؟ قال: فكان جوابه سريعاً وقال: اللحم. قال: فرجعنا إلى القرآن فإذا هو يقول: إن العظام تخلق أولاً، قال تعالى: فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا[المؤمنون:14]، فراجع الأمر ثم قال: إنه أخطأ في كلامه، وإن العظم يتكون أولاً وبعد ذلك اللحم. قال: وسألت بعض العلماء الأجانب في ذلك فكان جواب الجميع: أن العظم يتكون أولاً وبعده اللحم. وصدق الله: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ[فصلت:53].

    قال الله سبحانه: فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ[المؤمنون:14]، أي: خرج من مرحلة التخليق إلى مرحلة تصوير السمع والبصر والجنس، فخرج خلقاً آخر، وهو هذا الإنسان العجيب، ثم ختم سبحانه بقوله: فَتَبَارَكَ اللَّهُ[المؤمنون:14]، أي: تعالى وتمجد سبحانه وتعالى.

    قال تعالى: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ[المؤمنون:14]، أي: أحسن المقدرين والمنشئين للشيء، والموجدين له من العدم إلى الوجود.

    وهنا يأتي سؤال وهو: هل هناك خالق غير الله عز وجل حتى نقول: أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ[المؤمنون:14]؟

    والجواب: أن الخلق له معانٍ، فمن معانيه: الإيجاد، نقول: هذا مخلوق أي: موجود أوجده الله سبحانه وتعالى. ومن معاني (خلق): فطر، أي: أنشأ على غير مثال سابق. ومن معاني (خلق): قدر، فقولنا: هذا مخلوق، أي: مقدر قد قدره الله سبحانه، ولذلك يقول بعضهم:

    ولأنت تفري ما خلقت وبعـ ض الناس يخلق ثم لا يفري

    فهو يقول: إن الله يقدر ما خلق، فيخلقه كما قدره، وبعض الناس قد يقدر الشيء ثم لا يستطيع عمله كما قدر.

    إذاً: فقوله تعالى: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ[المؤمنون:14] أي: أحسن المقدرين، الذي يقدر فيوجد الشيء على ما يريده، وهذا من معاني الخلق، وقد يكون في الناس شيء من هذا الوصف كما نقول: الله الرحمن الرحيم، فمن صفته تعالى الرحمة، وجعل في الناس الرحمة، وفرق بين رحمة المخلوق ورحمة الخالق سبحانه وتعالى، فرحمة الله تليق به جل جلاله، ورحمة المخلوق تليق به كمخلوق لله، وكذلك صفة الحياة، فحياة الله لائقة به، وللمخلوق حياة لائقة به.

    وكذلك الخلق على معنى التقدير، فإن الإنسان يقدر ويفكر في كيفية عمل الشيء ثم قد يكون وقد لا يكون، وأما الله عز وجل فلا يقدر شيئاً إلا ويوجد على الهيئة التي قدره عليها سبحانه وتعالى، قال تعالى: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ[المؤمنون:14]، أي: أحسن من يقدر ومن يوجد ومن يخلق، سبحانه وتعالى ويدبر.

    متى يشبه الولد أباه وأمه؟

    روى مسلم في حديث طويل عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كنت قائماً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء حبر من أحبار اليهود فقال: السلام عليكم يا محمد! قال: فدفعته دفعة كاد يصرع منها)، أي: أنه غضب من هذا اليهودي المتطاول الذي نادى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: يا محمد، ولم يقل: يا رسول الله، ولا: يا نبي الله، يكلمه وكأنه أحد أصحابه، فدفعه دفعة كاد يلقيه على الأرض منها، (فقال اليهودي: لم تدفعني؟ فقلت: ألا تقول: يا رسول الله؟! فقال اليهودي: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي)، وهذا من تواضعه صلوات الله وسلامه عليه، وأما كلام اليهودي فإنه من إجرام اليهود ومن محاولتهم إهانة النبي صلى الله عليه وسلم في قولهم، فكان أن دفعه هذا الصحابي، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم ألا تقع فتنة فقال صلى الله عليه وسلم: (إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي)، وهذا تواضع منه عليه الصلاة والسلام، وقد منع الله المؤمنين أن ينادوه بذلك فقال: لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [النور:63]، أي: لا تنادوه كما ينادي بعضكم بعضاً، وتقولون له: يا محمد! بل نادوه بالتشريف والتعظيم وبما يستحقه صلوات الله وسلامه عليه، فنادوه بـ: يا رسول الله! يا نبي الله! عليه الصلاة والسلام. فينادى بهذا اللفظ الذي جعله الله عز وجل لقباً له عليه الصلاة والسلام.

    قال: (فقال اليهودي: جئت أسألك -أي: أنه جاء يسأل ويتعالم في كلامه- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أينفعك شيء إن حدثتك؟ فقال اليهودي: إنما أسمع بأذني)، وهذا فيه قلة أدب وسوء وتطاول في الكلام، يعني: كلامك لن يتجاوز أذني إلى قلبي وسأفكر فيه، قال: (فقال اليهودي: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض؟ -وكان هذا اليهودي حبراً من أحبار اليهود، وقال: إنه لا يعرف الجواب إلا نبي- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هم في الظلمة دون الجسر -فتعجب اليهودي أن عرف النبي صلى الله عليه وسلم ذلك- ثم سأله: من أول الناس إجازة؟ -أي: من أول من يعبر الجسر ويطأ أرض الجنة؟- قال: فقراء المهاجرين. قال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال: زيادة كبد النون)، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا منهم.

    قال: (فما غداؤهم على إثرها؟ فقال: ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها)، فثور الجنة الذي تربى في الجنة وأكل من أطرافها ينحر لهؤلاء الذين هم أول الخلق دخولاً الجنة. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا منهم ومعهم.

    قال: (فما شرابهم عليه؟ قال: من عين فيها تسمى سلسبيلاً)، وكان اليهودي يقول للنبي صلى الله عليه وسلم في كل جواب: صدقت. وهو صلى الله عليه وسلم لم يأت بهذا الجواب من كلام العرب ولا من كلام الناس، وإنما أتى به من عند رب العالمين سبحانه. قال: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان. أي: إنه لا يوجد في الدنيا أحد يعلمه إلا رجل أو رجلان، يقصد نفسه ومعه رجل آخر من اليهود، فإذا علمه ثالث فلا يكون إلا من الأنبياء، فقال عليه الصلاة والسلام: (أينفعك إن حدثتك؟ فقال: أسمع بأذني)، نفس الجواب الذي قاله قبل ذلك. قال: جئت أسألك عن الولد -وهذا هو الشاهد من الحديث- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر)، فماء الرجل مني أبيض وكلهم يعرفونه، وأما أن ماء المرأة أصفر فلم يكن أحد يعرفه، ولا حتى الأطباء كانوا يعرفون ذلك، وإنما كانوا يقولون: إن المرأة ليس لها ماء أصلاً، وإنما هذا يقوله النبي صلى الله عليه وسلم، وبناء عليه كانوا يكذبون بهذا الحديث، قال صلى الله عليه وسلم: (فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكرا بإذن الله -أي: كان الجنين ذكراً- وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله -قال اليهودي: لقد صدقت وإنك لنبي)، ثم انصرف، ولم يؤمن، ولم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه وما لي علم بشيء منه حتى أتاني الله به).

    هذا الحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث ثوبان، وقد ذكر فيه أن ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر.

    القرآن الكريم يسبق العلم الحديث في علم الأجنة

    يقول علماء الطب في العصر الحديث: إن البشرية لم تعلم بواسطة علومها التجريبية أن الجنين الإنساني يتكون من نطفة الرجل ونطفة المرأة إلا في القرن التاسع عشر الميلادي، أي: بعد النبي صلى الله عليه وسلم باثني عشر قرناً عرفت البشرية أن الجنين يتكون من ماء الرجل ومن ماء المرأة، وتأكد ذلك لديها بما لا يدع مجالاً للشك في القرن العشرين، وأما في القرن التاسع عشر فقد بدءوا يكتشفون أن المرأة لها ماء، وفي القرن العشرين تأكد لديهم أن الجنين يخلق من ماء الرجل وماء المرأة، فقد تضمن هذا الحديث معجزة من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم.

    يقول علماء الطب: ماء المرأة في المهبل وفي حويصلة جراف في المرأة، وهذا الماء يميل إلى الصفرة، والبويضة تخرج من هذه الحويصلة التي تسمى: حويصلة جراف في المرأة، ولونها أصفر، ويسميها علماء الطب: الجسم الأصفر، وهذا هو الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم وأنكره الأطباء في الماضي ثم اعترفوا به الآن.

    وقد اكتشف العلم الحديث أيضاً أن إفرازات المهبل لها تأثير في الذكورة والأنوثة، ولذلك يقولون: إن إفرازات المبيض الذي تخرج منه البويضة حمضية وقاتلة للحيوانات المنوية، فلو وصل الحيوان المنوي إليه وهو على هذه الصورة لقتله، وحتى لا يقع ذلك فإنه عندما تخرج البويضة وتصل إلى حويصلة جراف وإلى عنق الرحم تتحول الإفرازات التي تأتي إليها إلى قلوية، لتعين الحيوان المنوي للمجيء إلى هذا المكان، وعلى أن يعيش، ثم هو قد يضعف قليلاً، وقد يقوى قليلاً في هذا المكان، فمكان الإفراز نفسه له تأثير بأن يضعف الحيوان المنوي أو يقويه، فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا علا ماء الرجل)، أي: غلب ماء الرجل وكان أقوى من هذه الإفرازات، كان ذكراً بإذن الله، وأما إذا كان أضعف منها كان أنثى بإذن الله.

    أطوار حياة الإنسان في الدنيا

    قال الله سبحانه تبارك وتعالى: ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [غافر:67]، أي: يخرجكم من بطون أمهاتكم بعد أن كنتم أجنة، والجنين: من جن أي: اختفى، فهو خفي في بطن أمه، فإذا نزل من بطن أمه صار طفلاً.

    قال تعالى: ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [غافر:67]. أي: عندما يأذن الله سبحانه وتعالى، فقد يخرجه خلال تسعة أشهر، أو خلال ستة أشهر، أو خلال سبعة أشهر، وقد يخرجه كاملاً أو قاصراً، فالله سبحانه وتعالى يصنع ما يشاء، فهو الذي يخرجكم، وأنتم إنما تنتظرون أمر الله سبحانه وتعالى، ثم تعيشون في هذه الدنيا.

    قال تعالى: ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ [غافر:67]. وهذا هو وقت البلوغ والرشد والقوة، قال تعالى: ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا [غافر:67]، وهذا هو الخط الذي يسير فيه الإنسان في الدنيا: فيكون أولاً جنيناً، ثم يخرج طفلاً صغيراً، ثم يكبر كلما تقدم به السن والزمن إلى أن يصير شاباً قوياً مكتملاً راشداً، ثم يدخل في زمن الكهولة، ثم يدخل في زمن الشيخوخة، ويرجع إلى مرحلة الصفر التي أتى منها، فقد كان ضعيفاً ثم رجع مرة ثانية إلى الضعف، قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ [الروم:54]، وقال هنا: ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا [غافر:67]. يقول علماء اللغة: الشيخوخة: مرحلة ما بعد الأربعين، فعلى الإنسان أن يجهز نفسه بعد الأربعين، فلم يبق من عمره إلا قليل مقارنة بما مضى منه، فقد بلغ أشده واكتمل، وأخذ من الدنيا ما أخذ، فليعد نفسه الآن ليقابل الله سبحانه وتعالى، ولا يسرف على نفسه ولا يضيع دنياه، فليس بعد هذه المرحلة مرحلة أخرى أعلى منها، وإنما تبدأ مرحلة النزول، فعليه بالرجوع إلى الله سبحانه تبارك وتعالى.

    وقوله تعالى: ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا [غافر:67]. هذه قراءة الجمهور، وقرأ ابن كثير وابن ذكوان والكسائي وشعبة وخلف: شيوخًا، بالكسر، ففيها قراءتان: (شُيُوخًا)، و شِيُوخًا بكسر الشين فيها، ومن قرأها بالكسر راعى فيها الياء، فقرأها على الاتباع، فكسر الشين إتباعاً للياء، وقراءة الجمهور: (شُيُوخًا) على الأصل.

    قال تعالى: (وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ) أي: ليس كل الناس سيمرون بهذه المراحل، فإن من الخلق من يصل في بطن أمه إلى مرحلة معينة ثم يسقط، ومنهم من ينزل ميتاً، ومنهم من ينزل حياً ويعيش فترة ثم يموت بعد ذلك، فمنكم من يتوفى من قبل الاكتمال، ومنكم من يكتمل به العمر إلى الشيخوخة.

    أجل الإنسان محدد لا يزيد ولا ينقص

    قال تعالى: وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى [غافر:67] أي: أجلاً قد قدره الله سبحانه وتعالى فلا تتجاوزونه أبداً، ومهما قال الإنسان: لقد وصلنا إلى العلاج وإلى الأغذية التي تطيل عمر الإنسان، فإن هذا كله تقدير الله عز وجل، فاعمل ما شئت فإنك لا تستطيع أن تطيل من عمر إنسان شيئاً، فالأعمار قد قدرها الله، كما قال تعالى: فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:34]، فقوله: وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى [غافر:67]، أي: مكتوباً عند الله سبحانه تبارك وتعالى. قال تعالى: وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [غافر:67]، أي: تفهمون، وتتدبرون، وتعقلون، وتفهمون ما يمر بكم، وتفهمون هذه الآيات التي يذكرها ربكم سبحانه، فتتوبون إلى الله وتعبدونه سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (هو الذي يحيي ويميت ...)

    قال تعالى: هُوَ الَّذِي يُحْيِ وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [غافر:68]، أي: هو وحده سبحانه لا شريك له، فهو الذي يخلق ويرزق، وهو الذي يحيي ويميت سبحانه وتعالى، وهو الحي الذي لا يموت، قال تعالى: فَإِذَا قَضَى أَمْرًا [غافر:68] أي: دبر أمراً وأراده فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [غافر:68]، فيكون هذا الشيء على ما أراده ودبره وقضاه الله سبحانه.

    وهذه الآية قد قرأها الجمهور (فَيَكُونُ) على أن الفاء في قوله: (فَيَكُونُ)، عاطفة، أو على أنها جواب الأمر؛ لأنها سببية، أي: بسبب ذلك، وقرأها ابن عامر بالفتح: (فَيَكُونَ)، ولذلك استحب الجمهور لمن قرأها أن يقف عليها بالروم، أي: أن يضم شفتيه عندها كأنه يضع عليها ضمة بسيطة، والفرق بين قراءة الجمهور وقراءة ابن عامر أنه ليس في قراءة ابن عامر روم ولا إشمام في الفتح، وإنما يكون الروم والإشمام عنده في الضم وفي الكسر، وأما على قراءة الجمهور فيجوز الوقف عليها بالسكون فقط، ويجوز الوقف عليها بالروم بياناً لأنها مضمومة، والله أعلم.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.