إسلام ويب

تفسير سورة الزمر الآية [10]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يأمر الله عباده المؤمنين بالتقوى، فلا يخافون لومة لائم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الدين، والالتزام بشريعة الله، وإن وجد العبد نفسه غريباً بين المجتمع فإن له أجراً مضاعفاً عند الله سبحانه، وله مبشرات من الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهكذا عاقبة من صبر على الأذى والاستهزاء من قبل العصاة والخارجين عن دين الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل يا عبادي الذين آمنوا اتقوا ربكم ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الزمر: قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10].

    في هذه الآية من سورة الزمر يأمر الله عز وجل عباده المؤمنين بتقوى الله سبحانه تبارك وتعالى فقال تعالى: قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ [الزمر:10] فالمؤمنون هنا يخاطبهم الله عز وجل بذلك، وهم أهل لذلك، والخلق كذلك كلهم مأمورون بأن يتقوا الله سبحانه، وأن يدخلوا في دينه، فقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ [النساء:1]، وهنا يخص المؤمنين ليبين فضلهم وفضيلتهم، فقال: قُلْ يَا عِبَادِ [الزمر:10] ونسبهم لنفسه سبحانه تبارك وتعالى وأضافهم إليه تشريفاً لهم، أي: يا عبادي أنا، فهم عباد الله سبحانه، وكأن غيرهم ليسوا عباده سبحانه تبارك وتعالى، والمعنى عباده الذين وحدوه، في حين أن غيرهم عبدوا الهوى والشيطان، وعبدوا الطواغيت من دون الله سبحانه.

    فعباد الله هم الذين آمنوا وصدقوا بما جاء من عند الله سبحانه، عرفوا ربهم فعبدوه وأخلصوا له الدين، فأمرهم أن يستقيموا على ذلك، وأن يحذروا أن يغضبوه سبحانه تبارك وتعالى.

    وقوله: اتَّقُوا رَبَّكُمُ أي: اتقوا غضب الله وعقوبته، واتقوا معاصي الله، واتقوا أن تقعوا في الفحشاء وكبائر الذنوب أو صغائرها، كل ذلك يدخل تحت قوله: اتَّقُوا رَبَّكُمُ .

    ثم وعدهم بفضله وبكرمه سبحانه فقال: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ [الزمر:10] يجازيهم الله عز وجل في الدنيا قبل الآخرة، فيعطي المحسنين في هذه الدنيا حسنة منه سبحانه، والحسنى عظيمة من الله، فيعطيهم الله عز وجل صحة وعافية، ويعطيهم أموالاً، ويعطيهم من نعمه سبحانه ما شاء.

    أعطاهم الإيمان وأعطاهم من فضله حسنة في الدنيا، فإذا أعطاهم في الدنيا فهي بشارة في الآخرة من أن لهم فوق ذلك بشرط الإيمان، أما الكافر فيعطيه الله عز وجل في الدنيا حتى لا يكون له عند الله عز وجل شيء، ويوم القيامة يوفيه جزاءه وعقابه وحسابه بما قدمت يداه، فكأن العطاء في الدنيا يكون حسنة لهذا المؤمن.

    أما الإنسان الكافر فيعطيه الله سبحانه تبارك وتعالى في الدنيا استدراجاً له، ويعطيه حتى لا يكون له عند الله شيء، قد يفعل الكافر الشيء الذي فيه إحسان كأن يحسن إلى إنسان فيتصدق عليه، وينفع إنساناً آخر، فيفعل شيئاً من الخير، فإذا فعل جازاه الله في الدنيا، وأعطاه صحة وعافية ومالاً وولداً، وأعطاه من الدنيا حتى لا يكون له عند الله شيء.

    فإذا جاء يوم القيامة وجد هذا الذي قدمه في الدنيا هباءً منثوراً، فقد جوزي عليه في الدنيا فليس له عند الله شيء، فيوم القيامة يعذبه الله سبحانه على كفره وجحوده وإشراكه بالله سبحانه تبارك وتعالى، فالمؤمن يأخذ الحسنة في الدنيا من فضل الله، وله يوم القيامة الجزاء الحسن.

    الأمر بالهجرة عند اشتداد الأذى

    قال سبحانه: وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ [الزمر:10] هذه إشارة إلى الهجرة؛ لأن السورة كما ذكرنا سورة مكية، وجاءت والمؤمنون في شدة وصعوبة من العيش، وفي أذى شديد من الكفار، فالله عز وجل يشير للمؤمن إشارة إلى أن يهاجر، فأرض الله واسعة، اخرجوا من هذه الأرض إلى أرض أخرى تعبدون الله فيها، فخرجوا وهاجروا إلى الحبشة بعد خمس سنوات من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لهم، فهاجروا إلى الحبشة الهجرة الأولى، ثم هاجروا مرة ثانية إلى الحبشة، ثم بعد ذلك كانت الهجرة إلى المدينة، وهاجر النبي صلى الله عليه وسلم.

    فهذه إشارة لكل المؤمنين في كل زمان، فأرض الله واسعة، فما الذي يجعلكم تمكثون في أرض تفتنون فيها؟! فإذا كان المؤمن في أرض يجبر فيها على أن يكفر بالله سبحانه، وعلى أن يواقع الفواحش وما يغضب الله، فإن الله يأمره أن يهاجر إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا [النساء:97]، فليس للإنسان عذر أن يقول: كنت مستضعفاً طالما أنه لا يتمكن من إقامة دينه، ولا يتمكن من عبادة الله وتوحيده في المكان الذي هو فيه، فيجبر على الكفر بالله وعلى ارتكاب الفواحش، فليس له عذر أن يقول: أنا مستضعف فيها، هاجر من هذا المكان واذهب إلى مكان آخر، خذ بالأسباب حتى ينجيك الله سبحانه تبارك وتعالى في الدنيا والآخرة.

    الذي يمكث في أرض فيها الفتنة فيترك الصلاة والصوم وعبادة الله، ويقول: أنا مستضعف، ليس له عذر عند الله عز وجل، ليس لك عذر في ترك الصلاة ولا ممارسة الفواحش، قال صلى الله عليه وسلم: (من وجد منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)، إذا وجد منكراً هل ينكر بأن يفعل هو هذا المنكر ويقع فيه ثم يدعي أنه مستضعف في الأرض؟ لا، ليس له عذر في أن يترك صلاته وعبادته ويقول: أنا مثلي مثل الناس، وهذا مثل بعض الناس الذين يذهبون إلى بلاد الكفر فيؤذيهم أهل الكفر، وتجد المرأة في هذه البلاد كانت محجبة ومنقبة فتخلع حجابها ونقابها وتمشي بين الناس كاشفة الرأس وتقول: أنا مستضعفة! من الذي ألزمك أن تكوني بين الكفار وفي ديارهم ثم تقولين: إنني مستضعفة؟!

    وكذلك الرجل يقول: لو رأوني أصلي طردوني من العمل، لا ما أصلي في هذا المكان، هل عذرك أنك تترك صلاة لله سبحانه تبارك وتعالى بدعوى أنك تعمل في بلاد الكفار؟!

    ويقول: أنا مضطر في طبخ الخنزير وتجهيز الخمر! فما هو عذره في هذه الأشياء؟! ليس له عذر فيها، ولا يجوز له أن يمكث في ديار يفتن فيها في دينه، لم يعذره الله سبحانه تبارك وتعالى، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ [النساء:97] يعني: ما الذي جعلكم ترتكبون المعاصي وتمكثون في هذه الأماكن التي فيها الفواحش؟ قالوا: كنا مستضعفين في الأرض، قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:97].

    واستثنى الله سبحانه فقال: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا [النساء:98]، فهنا عذر الله سبحانه تبارك وتعالى الإنسان الضعيف الذي حاول وأراد أن يخرج من بلاد الكفر، فأسروه وحبسوه وأجبروه، فهذا الذي استضعف لا يستطيع حيلة ولا يجد وسيلة للهرب، فهذا هو المضطر اضطراراً حقيقياً، أما الإنسان الذي يزعم أنه ليس قادراً على السفر، فنقول: جرب واعزم على السفر، فإذا لم تستطع كان لك العذر عند الله سبحانه.

    عظم الصبر على البلاء

    قال تعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10] الصابرون يوفون الأجر من الله سبحانه تبارك وتعالى، وأتى بأداة الحصر هنا كأن هؤلاء اختصهم الله سبحانه تبارك وتعالى بأن قربهم منه وأعطاهم الفضل العظيم، وابتلاهم في الدنيا فكان البلاء عليهم شديداً جداً، وعندما نقرأ في سير الصحابة والتابعين وغيرهم من الصالحين نرى كيف ابتلى الله عز وجل هؤلاء الصحابة الابتلاء العظيم، أوذوا وعذبوا في سبيل الله سبحانه تبارك وتعالى، فتمسكوا بدينهم وصبروا عليه حتى تكون لهم الآخرة، قال تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص:83].

    فصبر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكان عيشهم في مكة عيشاً شديداً، فصبروا على الجوع حتى إنهم ليأكلون الأشياء الشديدة، وكانوا لا يجدون ما يأكلونه فيربطون الحجارة على بطونهم، وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل في مكة، وفي المدينة فعل صلوات الله وسلامه عليه.

    حوصروا في شعب أبي طالب ثلاث سنوات لا يأتيهم أحد من خارجهم بطعام، ولا يمكن أن يتزوج منهم إنسان من مكة من غير المؤمنين، فضيقوا عليهم أشد التضييق، وصبر المؤمنون مع النبي صلوات الله وسلامه عليه على دين الله رب العالمين عندما ابتلاهم الله سبحانه بالأذى من هؤلاء الكفار.

    فكانوا يأخذون بلالاً فيسحلونه على الأرض ويجرجرونه على ظهره على الأرض في حر الظهيرة، في درجة حرارة تجاوزت ستين درجة مئوية في صيف مكة المتقد الصعب الشديد، يجرجرونه على الأرض ويضعون فوق صدره الصخرة العظيمة وهو يقول: أحد أحد، لا يفتن عن دينه رضي الله تبارك وتعالى عنه، ويصبر على ذلك أعظم الصبر.

    وآل ياسر يمر بهم النبي صلى الله عليه وسلم ويقول لهم: (صبراً آل ياسر؛ فإن موعدكم الجنة)، يعذبون ويعلقون، وتقتل سمية أم عمار ، يطعنها أبو جهل بحربة في قبلها فيقتلها لعنة الله عليه، فتكون شهيدة رضي الله تبارك وتعالى عنها، ولا يقدر النبي صلى الله عليه وسلم أن يخلصهم من هؤلاء فيمر بهم ويصبرهم ويقول: (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة).

    وهذا رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم اسمه خباب رضي الله تبارك وتعالى عنه، كانوا يلقونه على جمر على ظهره، فلا يطفأ هذا الجمر إلا ودك ظهره رضي الله تبارك وتعالى عنه، يفعلون به هذا الفعل البشع حتى إنه يكاد أن تزهق روحه في ذلك ويصبر على أمر الله سبحانه تبارك وتعالى.

    صبروا لأمر الله فنجاهم الله سبحانه تبارك وتعالى مما كانوا فيه من الأذى حتى فتح الله عز وجل للمؤمنين الفتح العظيم، وجاء نصر الله، وبشر الله سبحانه تبارك وتعالى هؤلاء المهاجرين المجاهدين في سبيل الله بالأجر العظيم، قال تعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10]، الصابرون لا يوفون إلا هذا الأجر من الله سبحانه تبارك وتعالى، ولا يعطون إلا ما يليق بالله عز وجل أن يعطيه لهم، فيوفون أجرهم بغير حساب، فيعطى الإنسان الحسنة بعشر أمثالها، والآخر الحسنة بسبعمائة، وهذا يدخل الجنة بدون حساب، خذ ما شئت، فيعطي الله عز وجل لهذا الصابر الأجر بغير حساب.

    والصابرون ذكرهم الله عز وجل في كتابه سبحانه، ومدحهم جل وعلا، ومن أعظم ما يعطيهم أن يعطيهم الأجر بغير حساب ولا نهاية، وكذلك يكون موقفهم بين يدي الله عز وجل يسيراً، فصبروا على الجوع والأذى، وصبروا على هذه الدنيا، فإذا أتوا يوم القيامة وقيل لهم: نحاسبكم، قالوا: علام نحاسب؟ لم تعطنا مالاً فتحاسبنا عليه، وقد ابتلينا في كذا وكذا.. فيقال لهم: ادخلوا الجنة، فلا يقفون مع الناس موقفاً طويلاً، ولكن حساباً يسيراً، ويدخلون إلى جنة الله سبحانه تبارك وتعالى، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها.

    روى الحاكم وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما رزق عبد خيراً له ولا أوسع من الصبر) ، إن الله سبحانه تبارك وتعالى يعطي العبد العطاء منه سبحانه، فمن أعظم ما يعطاه العبد الصبر، فيصبر، والصبر أنواع، يصبر على طاعة الله فلا يزال مستقيماً على صلاته وصيامه، وعلى كل عبادة الله سبحانه تبارك وتعالى.

    كذلك يصبر على ترك المعاصي، لا تفعل كذا.. لا تفعل كذا.. فيبتلى، وتأتيه الأشياء من الدنيا أمام عينيه لينظر إليها فيغض طرفه ولا ينظر إليها، ولا ينظر إلى ما حرم الله سبحانه تبارك وتعالى، ولا يمد يده ولا لسانه ولا شيئاً إلى ما حرم الله سبحانه تبارك وتعالى، فهذا من فضل الله عز وجل عليه.

    كذلك يصبر على قضاء الله وقدره إذا نزل به البلاء، فيصبر ويقول: إنا لله وإنا إليه راجعون.

    هؤلاء هم الذين مدحهم الله بقوله: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10] وقال: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:35]، فهؤلاء الصابرون لهم هذا الأجر والفضل من الله عز وجل أولاً وآخراً، فهو الذي مدحهم سبحانه تبارك وتعالى بإيمانهم، وهو الذي وفقهم لهذا الإيمان.

    فيكون الإيمان فضلاً من الله وهبة منه سبحانه، أن هدى الشخص إلى الهدى والإيمان، ثم رزقه الصبر سبحانه، ثم ابتلاه فصبر بما رزقه الله، ثم أعطاه الجنة فضلاً من الله ونعمة منه، (ما رزق عبد خيراً له ولا أوسع من الصبر).

    كذلك جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن من ورائكم أيام الصبر للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم، قالوا: يا نبي الله! أو منهم؟ قال: بل منكم)، انظر! يقول لأصحابه: سيأتي بعدكم أيام الصبر، وكأنه قال هذا الشيء بعدما فتح الله عز وجل لأصحابه شيئاً من الدنيا، فأخبرهم أنه ستأتي أيام أخر أشد فتناً مما أنتم فيه، وهذه الأيام يخبر فيها النبي صلى الله عليه وسلم أن المتمسك فيها بدينه له أجر كبير، فقال: (المتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه) الصحابة متمسكون بالكتاب والسنة، متمسكون بأمر الله وبعبادة الله سبحانه، كذلك من يتابعهم في ذلك ويتمسك بأمر الله عز وجل له أجر خمسين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كما في هذا الحديث.

    وفي حديث آخر عند الطبراني من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: (له أجر خمسين شهيداً)، بشارة من الله عز وجل على لسان النبي صلى الله عليه وسلم لكل مؤمن يتمسك بدين الله سبحانه تبارك وتعالى في وقت غربة هذا الدين، وفي وقت كل الناس على غير دين الله سبحانه تبارك وتعالى.

    حتى من يقول: أنا مسلم ينكر على الإنسان المتمسك بدينه، ويستهزئ به، يقول: أنا مسـلم وأنا أصلي وأنا كذا، ويسخر منك لأنك لك لحية، ويسخر منك لأنك تلبس ما كان يلبسه النبي صلى الله عليه وسلم من قميص وثياب، فيسخر من المؤمن، فلا يجد من يعينه على طاعة الله، بل يجد من يصده ويمنعه عن طاعة الله.

    فهذا المؤمن كالقابض على الجمر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فله أجر خمسين شهيداً)، وهذا مما يطمئن المؤمن أن يجد نفسه غريباً، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (طوبى للغرباء) تجد المرأة المؤمنة من حولها يسخرون منها ويقولون: ما هذا النقاب الذي تلبسينه؟ تلبسين خيمة؟ تسوي مثل العفريت؟! فيسخرون منها، فتجد نفسها في غربة بين الناس، فتطمئن بذلك، وتطمئن بذكر الله، وتطمئن بوعد الله، وتثق فيما قال الله سبحانه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قال تعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10] فيفرح الإنسان المؤمن أن يكون له من الأجور كأجر خمسين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكأجر خمسين شهيداً، وتكون له الجنة بغير حساب، فاصبروا على أمر دينكم وتمسكوا به، وإياكم والفتن والبدع! واحذروا من الأهواء، والمؤمن يلزم طريق الهدى ولا يضره قلة السالكين، ويحذر من طرق الضلالة ولا يغتر بكثرة الهالكين.

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.