إسلام ويب

تفسير سورة الأحزاب الآية [56]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فضل عظيم، وقد أمر الله تعالى بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ومن المواطن التي تجب فيها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: التشهد، وفي غير ذلك تكون الصلاة مستحبة، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور أعياداً وموالد؛ لأن ذلك وسيلة إلى الشرك بالله تعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الله وملائكته يصلون على النبي ...)

    فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الأحزاب: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا * إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا * وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [الأحزاب:56-58] .

    يأمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والتسليم عليه، ويخبر أنه سبحانه يصلي على النبي عليه الصلاة والسلام، وأن ملائكة الله كذلك يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم، فأمرنا أن نقتدي بذلك، وأن نصلي عليه وأن نسلم تسليماً صلوات الله وسلامه عليه.

    فهنا قال الله تعالى وأخبر عن نفسه: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ .

    وإن صلاة الله سبحانه وتعالى على نبيه صلوات الله وسلامه عليه بمعنى الرحمة وبمعنى الثناء الحسن الجميل، فالله يمدح نبيه صلى الله عليه وسلم ويثني عليه ويرحمه سبحانه وتعالى.

    فإذا كان الله جل جلاله صلى على النبي صلى الله عليه وسلم فلا يحتاج إلى أحد أن يصلي عليه، ويكفيه صلاة ربه سبحانه عليه، وإخباره سبحانه بأن الملائكة أيضاً تصلي عليه صلى الله عليه وسلم تشريف له صلى الله عليه وسلم.

    والملائكة لا يعلم عددهم إلا الله فهم أعداد كثيرة جداً، وقد حدث النبي صلى الله عليه وسلم عمن يزورون البيت المعمور في السماء كل يوم، إذ يحج إلى هذا البيت المعمور سبعون ألفاً ولا يرجعون إليه، وذلك منذ خلقه الله سبحانه وتعالى حتى تقوم الساعة.

    فالملائكة أعداد لا تحصى، ولا يستطيع الإنسان أن يتخيل عدد الملائكة، وكل ملائكة الله عز وجل يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم فلا يحتاج إلى صلاة البشر عليه الصلاة والسلام.

    فالإنسان حين يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يثاب على ذلك، فعندما يصلي مرة يصلي الله عز وجل عليه عشراً كما سيأتي في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم فيستحق شفاعته عليه الصلاة والسلام يوم القيامة.

    مواطن وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ومواطن استحبابها

    أمرنا الله عز وجل أن نصلي عليه لننتفع نحن، والأمر على الوجوب، فتجب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إجمالاً.

    وتنفيذاً لهذه الآية إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] ذكر العلماء أنه تجب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ولو مرة واحدة.

    ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم كذلك في الصلاة، وذلك عندما سأل الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله! قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد).

    فعلمهم كيف يصلون، ولما سألوه كيف نصلي؟ قال: (قولوا)، والله عز وجل قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

    إذاً: هذا أمر من الله وأمر من نبيه صلى الله عليه وسلم في الصلاة عليه.

    إذاً: إجمالاً يجب على المؤمنين أن يصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم.

    فإذا قيل: أي المواطن التي تجب فيها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؟

    فالجواب: في الصلاة، فالإنسان في التشهد يقرأ التشهد ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم.

    وفي غير ذلك تكون الصلاة عليه مستحبة، ويكفي ذم النبي صلى الله عليه وسلم من ذكر عنده فلم يصل عليه، قال: (البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي) صلوات الله وسلامه عليه.

    1.   

    ذكر أحاديث في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

    والأحاديث التي وردت في فضل الصلاة عليه قد ذكرناها في كتاب الدعوات، وهي أحاديث كثيرة وعظيمة وجليلة، والذي يقرأ الأحاديث يشتاق للصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، لما في الصلاة عليه من ثواب عظيم عند الله.

    فمن الأحاديث التي وردت ما رواه الترمذي من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ثلث الليل قام فقال: يا أيها الناس اذكروا الله فقد جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه).

    فقوله: إذا ذهب ثلث الليل، أي: إذا ذهب الثلثان وبقي الثلث الأخير من الليل.

    وقد كان صلى الله عليه وسلم يقوم يصلي من الليل ما شاء، وينادي في الناس ليصلوا من الليل قال أبي بن كعب : (قلت يا رسول الله! إني أكثر الصلاة عليك -عليه الصلاة والسلام- فكم أجعل لك من صلاتي؟ فقال: ما شئت. قال: قلت الربع؟ قال: ما شئت فإن زدت فهو خير لك. قال: قلت النصف؟ قال: ما شئت فإن زدت فهو خير لك. قال: قلت فالثلثين؟ قال: ما شئت فإن زدت فهو خير لك).

    ومعنى ذلك أن يكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم) كما علمنا النبي صلى الله عليه وسلم.

    يقول: (كم أجعل لك من صلاتي)، أي: كم أجعل لك من دعائي، عندما أجلس أدعو لنفسي وأدعو لفلان وأدعو لفلان، وأدعو للناس وأصلي عليك، وأجعل قدراً من الدعاء لك أنت يا رسول الله، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ما شئت حتى وصل إلى الثلثين فقال: (أجعل لك صلاتي كلها؟) إذاً: كل دعائي صلاة عليك! فقال صلى الله عليه وسلم: (إذاً: تكفى همك ويغفر لك ذنبك) .

    وكأن أبي رضي الله عنه يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: (إني أنشغل عن الدعاء بكثرة الصلاة عليك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذاً: تكفى همك).

    إن الإنسان إذا صلى على النبي صلى الله عليه وسلم يكشف الله عنه الهم، ويغفر له ذنبه، فإذا كان جل أو كل دعائه صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كفاه الله عز وجل ما أهمه وغفر له ذنبه.

    ومن الأحاديث الواردة في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم حديث لـعبد الله بن عمرو بن العاص، وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول ثم صلوا عليَّ، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله).

    إذاً: هي درجة عالية في الجنة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (سلوا الله لي الوسيلة) أي: أن أكون صاحب هذه المنزلة العظيمة عند الله سبحانه.

    قال: (وأرجو أن أكون أنا هو) أي: أرجو أن أكون أنا هذا العبد الذي له هذه المنزلة، وسيكون هو صلوات الله وسلامه عليه قال: (فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة) أي: من سأل للنبي صلى الله عليه وسلم هذه المنزلة العظيمة التي لا تكون إلا لعبد واحد من عباد الله من بين خلقه جميعاً حلت له شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم.

    ومن الأحاديث الواردة في فضل الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم ما رواه الترمذي من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم صلى الله عليه وسلم فيه إلا كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم).

    (ما جلس قوم) أي: قوم من المسلمين لم يجلس هؤلاء القوم (مجلساً) أي: مجلس بيع أو مجلس شراء، أو مجلساً في المسجد، أو في بيت، أو مجلس في طريق، أي مجلس جلس فيه الناس. (ولم يذكروا الله عز وجل فيه ولم يصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم فيه إلا كان عليهم ترة) أي: كان حسرة عليهم يوم القيامة.

    قال: (فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم) فانظر إلى اجتماع الناس في مجلس من المجالس، إما أن يجتمعوا على ذكر الله وإما على اللهو واللعب، فإذا كان اجتماعهم ليس فيه ذكر لله وليس فيه صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا المجلس يستحقون أن يلاموا عليه.

    والغالب أن هذه المجالس تخلو من ذكر الله، فإذا خلت من ذكر الله سبحانه كان فيها ذكر الشياطين، وكان فيها ذكر اللهو واللغو واللعب، وكان فيها الغيبة والنميمة والبهتان والزور، فإذا كان كذلك استحقوا عذاب الله سبحانه وتعالى، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم.

    ومن الأحاديث الواردة في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم حديث رواه الترمذي أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي) عليه الصلاة والسلام.

    (رغم) من الرغام، والرغام: التراب، وكأنه يدعو على الإنسان أن أنفه تكون في أذل ما يكون، تكون أنفه في التراب، فدعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم بالذل، وهذا دعاء على الإنسان الذي يذكر أمامه النبي صلى الله عليه وسلم فلا يصلي عليه.

    وقال صلى الله عليه وسلم: (رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له) نسأل الله عز وجل أن يبلغنا رمضان وأن يغفر لنا سبحانه. (ورغم أنف رجل أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخلاه الجنة) فهؤلاء جميعاً رغمت أنوفهم، والنبي صلى الله عليه وسلم يدعو عليهم بالذل في الحياة الدنيا.

    فإذا كان الإنسان يذكر أمامه النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينشرح صدره ولا يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم فهو إنسان بخيل يستحق أن يذله الله سبحانه وتعالى.

    ومن الأحاديث الواردة في ذلك حديث رواه الترمذي أيضاً عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي) عليه الصلاة والسلام.

    كذلك حديث رواه أبو داود عن فضالة بن عبيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه جل وعز والثناء عليه، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو بعد بما شاء)

    فهذا فضالة بن عبيد يذكر: أنه سمع من النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى، فذكر أنه قال: (إذا صلى أحدكم) أي: إذا بدأ أحدكم يدعو فليتمهل في الدعاء، بأن يحمد الله سبحانه في البداية، ثم يثني عليه، ثم يمجده، وبعد ذلك يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يسأل الله عز وجل ما شاء من طلب.

    ومن الأحاديث الواردة في ذلك حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام).

    (إن لله ملائكة سياحين) يسيحون في الأرض شمالاً ويميناً، ويسمعون من الناس الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ويبلغون النبي صلى الله عليه وسلم هذه الصلاة.

    وورد في حديث رواه الإمام النسائي من حديث أبي طلحة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أتاني ملك فقال: يا محمد إن ربك يقول: أما يرضيك أن لا يصلي عليك أحد إلا صليت عليه عشراً، ولا يسلم عليك أحد إلا سلمت عليه عشراً) وهذا فضل عظيم في الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم.

    وكل ما ذكرناه أحاديث صحيحة.

    ومنها حديث رواه النسائي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه عشر صلوات، وحطت عنه عشر خطيئات، ورفعت له عشر درجات) فصلاة واحدة على النبي صلى الله عليه وسلم فيها هذا الفضل كله: أن الله عز وجل يصلي عليه ويرحمه عشر مرات، ويحط عنه عشر خطيئات، ويرفع له عشر درجات.

    حديث آخر رواه أبو داود عن أوس بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل يوم الجمعة قال: (فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي).

    إذاً: يوم الجمعة بالأخص تعرض الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

    ومن الأحاديث الواردة في ذلك حديث رواه أبو داود عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام).

    وهذه فضيلة عظيمة جداً، فالذي يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم تبلغ الملائكة النبي صلى الله عليه وسلم سلامه، فيرد النبي صلى الله عليه وسلم عليه سلامه عليه.

    كذلك في حديث رواه أبو داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم).

    (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً) أي: لا تجعلوها كالقبور خالية من الصلاة، فقد نهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في القبور، ولا يجوز لإنسان أن يذهب إلى المقبرة فيصلي فيها صلاة الظهر أو صلاة العصر، فإذا ترك صلاة النافلة في البيت كأنه جعل البيت كالمقبرة، وكما أن المقبرة لا يصلى فيها فكذلك البيت الذي لا يصلى فيه صار كالمقبرة.

    1.   

    النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن اتخاذ القبور أعياداً وموالد

    يقول صلى الله عليه وسلم: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً) نهى أن يجعل القبر عيداً من العادة والاعتياد على الشيء، كأن الإنسان يذهب إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فيجتمع الناس حوله للجلوس حول القبر للدعاء هنالك، وبذلك يعظم الناس القبر فيرجعون لأمر الجاهلية من تعظيم للقبور ومن تعظيم للأحجار وغير ذلك، فقال: (لا تجعلوا قبري عيداً)، فإذا كان هذا قبره صلى الله عليه وسلم يقول فيه: (لا تجعلوا قبري عيداً) فكيف بقبر غيره؟!

    والناس في هذا الزمان يعملون الموالد للقبور، كمولد أبي العباس ، ومولد البدوي ، ومولد كذا ومولد كذا، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يجعل قبره عيداً عليه الصلاة والسلام، فقال: (لا تجعلوا قبري عيداً) فغيره محظور عليه ذلك من باب أولى.

    قال: (وصلوا علي) أي: أكثروا من الصلاة علي.

    إذاً: ينبغي للإنسان أن لا ينشغل بأمر القبر، ولا يتوجه لقبر النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو: يا رب يا رب، فإن هذا غير جائز، ولكن إذا أراد أن يدعو يتوجه إلى القبلة ويدعو ربه سبحانه وتعالى، ولا يسأل النبي صلى الله عليه وسلم بعدما مات وإنما يسأل الله عز وجل الحي الذي لا يموت.

    قال: (وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم).

    إذاً: لا تنشغل بأن تذهب إلى قبره صلى الله عليه وسلم حتى تصلي عليه، ولكن في أي مكان أنت فيه صل عليه فصلاتك تبلغه، وليس المعنى: أنه لا يذهب إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، بل الزيارة مشروعة لمسجد النبي صلى الله عليه وسلم وشد الرحال إليه، فيذهب إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم يسلم عليه، فإذا أراد أن يدعو توجه إلى القبلة وليس إلى القبر.

    كذلك حديث رواه ابن ماجة عن عامر بن ربيعة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من مسلم يصلي علي إلا صلت عليه الملائكة ما صلى علي) وهذه فضيلة أخرى؛ أنه مهما كنت تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم فالملائكة تصلي عليك وتدعو لك.

    قال: (فليقل العبد من ذلك أو ليكثر) أي: إذا أردت أن تُقِلَّ فأقل، وإذا أردت أن تكثر فأكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    حكم المتغافل عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

    إذا قال قائل: ما حكم الإنسان الذي يتغافل عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؟

    فالجواب: حكمه كما في الحديث الذي رواه ابن ماجة وهو حديث صحيح أيضاً عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نسي الصلاة علي خطئ طريق الجنة).

    فبعض الناس يذكر أمامه النبي صلى الله عليه وسلم فلا يصلي عليه ويتشاغل عن ذلك.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول لهذا الإنسان: إن الله عز وجل يؤاخذ العبد على نسيانه، ولكن التغافل هذا كأنه نسيان متعمد.

    فمن الناس من تقول له: صل على النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول لك: دائماً تقول لنا ذلك، فهذا الإنسان الذي يتغافل عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كأنه نسيها فيخطئ طريقه إلى الجنة كما ذكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم.

    وكما ذكر في الحديث الآخر: (من ذكرت عنده فلم يصل علي فدخل النار فأبعده الله)

    إن الإنسان الذي كان يذكر أمامه النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصلي عليه إذا كان حظه أنه دخل النار بسبب ذنوبه، فأبعده الله، فلا هو الذي في الدنيا عمل صالحاً يدخله الجنة، ولا هو الذي أكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فتنفعه شفاعته إذا دخل النار أن يخرجه الله من النار إلى الجنة.

    كذلك ما جاء عن عمر رضي الله عنه قال: (إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك صلى الله عليه وسلم)

    فالإنسان إذا دعا لا يتعجل الإجابة، فليصل على النبي صلى الله عليه وسلم في أول دعائه وفي آخر دعائه وليكثر من ذلك، وهذا الدعاء جدير بأن يستجيبه الله سبحانه.

    نسأل الله عز وجل أن يصلي على نبيه صلى الله عليه وسلم ويسلم تسليماً كثيراً، وأن يستجيب دعاءنا، وأن يجعلنا من مرافقيه في الجنة صلوات الله وسلامه عليه.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.