إسلام ويب

تفسير سورة الأحزاب الآية [51]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد خص الله رسوله بخصائص كثيرة، ومن ذلك ما وسع عليه في أمر النساء، وهذا يدل على إكرام الله لنبيه عليه الصلاة والسلام، وقد أخبر الله في كتابه بذلك، حتى ترضى أمهات المؤمنين بما آتاهن الله وتقر أعينهن ولا يحزن.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ...)

    تخيير النبي في القسم بين نسائه

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الأحزاب لنبيه صلى الله عليه وسلم: تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَينَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا * لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا [الأحزاب:51-52].

    ذكر الله تبارك وتعالى قبل هاتين الآيتين أنه أحل لنبيه أزواجه اللاتي آتى أجورهن وكذلك ملك يمينه، وذكر له أصنافاً ممن أحلهن له، ثم قال في آخر الآية: قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب:50] علم الله سبحانه ما الذي فرضه للنبي صلى الله عليه وسلم وأحله له، وأعلم المؤمنين بذلك، وأعلم نبيه صلى الله عليه وسلم حتى لا يقع في نفسه حرج من أن الله أباح له ما لم يبحه لغيره عليه الصلاة السلام.

    ثم قال في هؤلاء النساء اللاتي تزوجهن النبي صلى الله عليه وسلم: تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ [الأحزاب:51]، فمن تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم جعل الله سبحانه له أن يقسم بينهن بحسب ما يرى عليه الصلاة والسلام، فالقسم على النبي صلى الله عليه وسلم ليس واجباً، وعلى غيره من الناس واجب، فأزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللاتي آتاهن أجورهن فتزوجهن قال له سبحانه: تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ [الأحزاب:51]، وكذلك من وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم إن شاء تزوجها وإن شاء أرجأها صلوات الله وسلامه عليه فلم يتزوجها وأخر هذا الأمر.

    هنا قراءة الجمهور: (ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء).

    وقراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب وابن عامر وشعبة عن عاصم : (ترجئ) من الإرجاء، وهو نفس المعنى: أي: تؤخر، فكأنه أباح للنبي صلى الله عليه وسلم إذا شاء تزوج، وإذا شاء ترك صلى الله عليه وسلم، ومن تزوجها صلوات الله وسلامه عليه له أن يقسم بينها وبين غيرها، وله ألا يفعل ذلك فيؤخر قسمها لحاجة أو لعذر.

    كذلك من وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم له أن يرجئها فيؤخرها، وله أن يتزوجها وهذا التخيير من الله تبارك وتعالى.

    قال: (إنا أحللنا لك)، وفي هذا الإحلال للنبي صلوات الله وسلامه عليه تيسير من الله سبحانه على نبيه صلوات الله وسلامه عليه، وفيه لنساء النبي صلى الله عليه وسلم قرة عين، إذا علمن أن هذا ليس منه عليه الصلاة والسلام ولكن من الله، فلو أن الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم لعل الواحدة يكون في نفسها شيء من الضيق، وتقول: لماذا يفعل بي كذا؟ لماذا لا يقصدني؟ لماذا أخرني النبي صلى الله عليه وسلم؟ فيكون في صدرها حرج، ولكن إذا كان الله أباح له ذلك ولا حرج على النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، فالمرأة تسكت وترضى بأمر الله سبحانه.

    الحكمة من تخيير النبي صلى الله عليه وسلم في القسم بين النساء

    وقوله: تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي [الأحزاب:51] أي: تضم إليك من شئت وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ [الأحزاب:51] أي: إذا أخر فلم يتزوج ثم ابتغاها بعد ذلك، فله أن يتزوجها صلى الله عليه وسلم، أو تزوج ومعه نساء، فقسم لفلانة ولفلانة ولم يقسم لفلانة ثم أراد أن يغير بعد ذلك فيقسم لفلانة مع هؤلاء؛ فهذا من حقه عليه الصلاة والسلام.

    ولعل الواحدة من نساء النبي صلى الله عليه وسلم قد تضايق النبي صلى الله عليه وسلم في شيء، مثلما حدث من السيدة حفصة رضي الله تبارك وتعالى عنها من شدة غيرتها على النبي صلى الله عليه وسلم، فضايقت النبي صلى الله عليه وسلم ببعض الأفعال فطلقها صلوات الله وسلامه عليه، ونزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: (راجع حفصة فإنها صوامة قوامة)، أي: لها فضيلة عند ربها سبحانه، فهي كثيرة الصيام والقيام، فردها النبي صلوات الله وسلامه عليه وأرجعها.

    فهنا ربنا يقول له صلى الله عليه وسلم: تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ [الأحزاب:51] أي: من عزلها النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقسم لها، أو طلقها ثم راجعها صلوات الله وسلامه عليه؛ فلا حرج عليه في ذلك، حتى تعلم نساء النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد أبيح له ذلك من عند الله سبحانه، ولا حرج عليه في ذلك، فتطمئن الواحدة أن هذا أبيح للنبي صلى الله عليه وسلم، وليس من حقها أن تعترض، واعتراضها ليس على النبي صلى الله عليه وسلم وإنما يكون على ربها سبحانه، فهذا قوله سبحانه وتعالى: ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَينَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ [الأحزاب:51].

    ذلك أي: ما أخبر به سبحانه وتعالى، قال: فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ [الأحزاب:51] أي: هذا منا نحن مننا عليك به، وأحللنا لك ذلك، وجعلنا لك أن ترجئ وأن تؤوي، وهذا من حقك فلا جناح عليك.

    فإذا علمت المرأة أن هذا تشريع من الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم اطمأن قلبها إذ هو صلى الله عليه وسلم لا يفعل هذا من عند نفسه، وإنما بإباحة الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم.

    وقوله: وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ [الأحزاب:51] كأنه إشارة إلى أن الأفضل له ألا يطلق أحداً من نسائه عليه الصلاة والسلام، وقد كاد أن يطلق السيدة سودة رضي الله تبارك وتعالى عنها، فعلمت سودة بذلك، فقالت للنبي صلى الله عليه وسلم: (لا حاجة لي في الرجال، ولكن أحب أن أكون زوجتك في الجنة).

    فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يفارقها، ووهبت يومها للسيدة عائشة رضي الله تبارك وتعالى عنها، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم السيدة سودة للسيدة عائشة رضي الله عنها.

    قال الله عز وجل: ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ [الأحزاب:51] أي: إذا عرفت الواحدة منهن أنها بالصبر على ذلك تكون زوجتك في الدنيا، وتكون زوجتك في الآخرة؛ تقر عينها بذلك، والعين القارة هي المستقرة، والقارة الباردة، والإنسان إما أن يكون حزيناً خائفاً، وإما أن يكون مسروراً مستقراً.

    فالإنسان الخائف الحزين غير الإنسان المسرور المطمئن المستقرة عينه، فمعنى (تقر أعينهن) أي: تستقر العين بالطمأنينة التي في القلب، وكذلك تقر العين أي تبرد العين، والإنسان الحزين عينه حارة ودمعته حارة، والإنسان المسرور عينه قارة، ودمعته باردة. إذا بكى من الفرح.

    إذاً: تنفيذ أمهات المؤمنين أمر الله تبارك وتعالى، وعلمهن أن هذا من عند الله سبحانه أباح لرسوله ما شاء، وله أن يؤوي إليه من عزل؛ هذا كله أدنى أن تقر أعينهن.

    وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَينَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ [الأحزاب:51].

    أي: يرضين كلهن بما أعطيتهن، فترضى كل واحدة وتعلم أن هذا القسم من عند الله سبحانه، وأن التخيير للنبي صلى الله عليه وسلم من عند الله، فترضى كل واحدة، فهذا أمر الله، فيصبرن ويرضين بأمر الله سبحانه وتعالى.

    علم الله بما في القلوب

    قال الله: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ [الأحزاب:51] كل إنسان قد يظهر شيئاً بلسانه ويخفي ويضمر شيئاً في قلبه، فالله عز وجل أعلم بما في هذه القلوب.

    قال الله: وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا [الأحزاب:51] في هذا إشارة إلى أن الإنسان قد ينطق بالشيء الذي لا يوافقه قلبه عليه، فيقول: أنا راض، وهو ليس براض في القلب، والله أعلم بما في القلب.

    والله حليم سبحانه وتعالى، يحلم عليكم، فالإنسان في حال التهور قد لا يرضى بشيء، ثم بعد ذلك يراجع نفسه، والله تبارك وتعالى يعلم من هذا الإنسان ذلك، ويعلم ما أضمر في قلبه، ويعلم أنه سيرجع إلى الحق ثانياً، فيحلم عليه من فضله ويكرمه سبحانه، ولا يعاجله بالعقوبة.

    وقوله: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ [الأحزاب:51] فيه إشارة لجميع المؤمنين أن الله أباح للنبي صلى الله عليه وسلم شيئاً ومنع المؤمنين من هذا الشيء، فأباح له أن يجمع أكثر من أربع من النسوة، أما المؤمنون فليس لهم إلا أربع لا يزيد الرجل على ذلك.

    والإنسان يلزمه أن يعدل بين النساء، والنبي صلى الله عليه وسلم جعل له ربه سبحانه من حقه أن يؤوي من يشاء أي: يضم من يشاء ويعزل من يشاء، لكن غيره من المؤمنين ليس له ذلك، فإذا تزوج بامرأتين فليس من حقه عزل هذه وضم هذه، وإذا كان لا يريدها فليطلقها، ولا يعضل هذه المرأة، فلا بد من القسم بينهما، ولا بد من العدالة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل صلوات الله وسلامه عليه، مع تخيير الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يؤوي من يشاء ويضم من يشاء ويعزل من يشاء، وكان صلى الله عليه وسلم يدور على نسائه في الليلة الواحدة.

    وغير النبي صلى الله عليه وسلم يلزمه أن يقسم ويعدل بين النساء، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في سنن أبي داود وغيره: (من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل).

    فالإنسان يقوم يوم القيامة بين يدي الله سبحانه وتعالى في موقف طويل جداً، فالله يصبر من يشاء، ويضيق على من يشاء، فالإنسان الظالم لنسائه يأتي يوم القيامة وشقه مائل، يعني: يأتي وهو مفلوج، أي مشلول، لأنه مال إلى إحدى نسائه على الباقيات.

    والميل نوعان: ميل قلبي وهذا لا يملكه العبد، فيحب فلانة أكثر من فلانة، وجاء في حديث رواه أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم بين نسائه فيعدل، وكان يقول: (اللهم إن هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك) فهو قسم بين النساء في النفقة من الطعام والشراب والكسوة، وهذا فيما يملك، أما ما لا يملكه وهو أنه كان يحب السيدة عائشة أكثر من غيرها، فهذا لا يملكه صلى الله عليه وسلم، والله هو الذي يملك ذلك سبحانه وتعالى.

    فالزوج قد يميل لإحدى زوجاته أكثر من غيرها، وهذا لا يملكه العبد، فالله عز وجل يقول: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ [الأحزاب:51]، فهذا الميل خلقه الله عز وجل في القلب، فالإنسان لا حرج عليه في ذلك.

    والميل الآخر: أن يبيت مثلاً عند هذه أسابيع والثانية لا يأتيها كل أسبوع إلا مرة، أو ينفق على هذه ويسرف وهذه لا يعطيها شيئاً، فهذا هو الجور، والله عز وجل يقول: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً [النساء:3]، فالإنسان لا يجمع اثنتين إذا كان لا يقدر على العدل بينهما.

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.