إسلام ويب

تفسير سورة الأحزاب [45 - 48]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم إلى كافة الناس بالبشارة للمؤمنين والهداية لهم، والنذارة للكافرين وإعلان الوعيد لهم في الدنيا والآخرة، ونهاه سبحانه عن طاعة الكافرين والمنافقين، وأن يتوكل عليه سبحانه حتى لا يضره كيدهم.

    1.   

    النبي صلى الله عليه وسلم هو الهادي والمهدي

    هداية النبي صلى الله عليه وسلم للناس

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الأحزاب: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا * وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا * وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا [الأحزاب:45-49].

    يخبر الله تبارك وتعالى نبيه صلوات الله وسلامه عليه بأن وظيفته في هذه الدنيا أنه رسول وأنه نبي عليه الصلاة والسلام، وأنه الشاهد والمبشر والنذير، والداعي إلى الله بإذنه والسراج المنير.

    فهو يهدي به الله عز وجل من يشاء من خلقه إلى صراطه المستقيم، وفرق بين هداية الله عز وجل لخلقه وهداية النبي صلى الله عليه وسلم ومن دعا بدعوته الخلق إلى الله عز وجل.

    فالنبي يهدي، بمعنى: يدل ويبين عليه الصلاة والسلام، فهو هاد يهدي الخلق عليه الصلاة والسلام بالبيان، وينير لهم صلوات الله وسلامه عليه طريقهم، فيعرفون الحق من الباطل، فقد يسلكون طريق الحق وقد يتنكبونه.

    أما الذي يحول من حال إلى حال فهو الله عز وجل، وعندما يقول لنا: قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ [آل عمران:73] ، قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى [البقرة:120] فالهدى ينسب إلى الله عز وجل، فيهدي من يشاء من خلقه.

    وحين يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى:52] فهذا صحيح، وحين يقول له صلوات الله وسلامه عليه: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص:56] فهو أيضاً صحيح، فهو صلوات الله وسلامه عليه وظيفته أن يبين للخلق، فهو لا يملك قلوبهم، ولا يملك أن يخرجهم من الظلمات إلى النور ويحولهم من طريق إلى طريق، إنما يملك الدلالة عليه الصلاة والسلام.

    إذاً: قوله: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى:52] أي: أنت تبين أن هذا صراط الله عز وجل وكتابه، وهذه سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا طريق الجنة، وهذا طريق النار، إذاً: هو مبين عليه الصلاة والسلام، والناس يسمعون ويرون منه صلى الله عليه وسلم هذه الآيات، فمنهم من يؤمن فينجو، ومنهم من يصر على كفره وجحوده فيهلك، والنبي صلى الله عليه وسلم يهديهم بالبيان عليه الصلاة والسلام.

    والله يقول: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص:56] يعني: لا تحول ولا تغير قلب إنسان ولا تملك ذلك. لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ [الأنفال:63].

    إذاً: هو عليه الصلاة والسلام يدلهم على الخير حتى يتحابوا وحتى يؤلف بين القلوب، ولكن هو لا يملك التحويل والتغيير، والذي يملك ذلك هو الله تبارك وتعالى.

    إذاً الهدى له معنيان: هدى الدلالة، فهذا يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ويملكه.

    هدى التغيير والتحويل للقلوب: وهذا لا يملكه إلا الله سبحانه وتعالى، ولذا يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص:56] يعني: لا تملك أن تغير، فلو كان يملك لغير قلب أبي طالب ولأدخله في الإيمان، ولكن ليست هذه وظيفته صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: محمد صلى الله عليه وسلم هو الشاهد على الأمم، والشاهد على هذه الأمة، والمبشر الذي يبشرهم بما يسرهم عند الله عز وجل من جنات ونعيم مقيم، وهو المنذر يخوفهم بما أعد الله عز وجل للكافرين والعصاة من عذاب، وهو الداعي إلى الله يدعو الخلق ويناديهم: تعالوا فادخلوا في دين الله سبحانه وتعالى، يدلهم على الحق وعلى طريقه، ويدعو إلى الله بإذنه، وليس من عنده عليه الصلاة والسلام، بل قال الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى [الضحى:7].

    والضال: التائه عن طريق الله سبحانه، لم يكن يعرف شريعة ربه سبحانه، إنما كان يتعبد لله عليه الصلاة والسلام، وما كان ينتظر أن ينزل عليه وحي.

    ولكنه يعبد ربه سبحانه ليشكر نعم الله سبحانه، ويعرف أن الله الذي خلقه هو وحده الذي يستحق العبادة، ويعرف أن هذه الأصنام لا تستحق أن تعبد من دون الله.

    هداية الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وإرساله هادياً للناس

    ولم يكن يعرف شريعة صلوات الله وسلامه عليه؛ ولذلك قال الله سبحانه: وَوَجَدَكَ ضَالًّا [الضحى:7] أي: فهداك إلى شريعته تبارك وتعالى.

    كان لا يعرف من هو جبريل الذي ينزل من السماء! وما هو الناموس الذي عند الله تبارك وتعالى! فلما نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فزع فزعاً عظيماً، وهرب إلى بيته صلى الله عليه وسلم وهو يرتجف ويقول: زملوني زملوني! دثروني دثروني! ولم يعرف من هذا الرسول الذي جاء من السماء حتى طمأنته خديجة رضي الله عنها وأخذته إلى ورقة بن نوفل؛ فأخبره أن هذا هو الناموس الأعظم الذي كان ينزل على موسى، فأنت ستكون نبي هذه الأمة، ولو أدركني يومك لأنصرنك نصراً مؤزراً، وإن قومك سيخرجونك، قال: أو مخرجي هم؟ قال: ما بعث نبي من الأنبياء بمثل ما بعثت به إلا عودي.

    إذاً: ورقة بن نوفل لم يكن يعرفه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يعرف شيئاً من ذلك صلى الله عليه وسلم.

    ورقة كان على دين النصرانية، ولكن كان على الحق، عرف الحق رضي الله تبارك وتعالى عنه؛ فعرف أن نبياً سيبعث في هذا الزمان، وهذه علامات نبوته صلوات الله وسلامه عليه، فيقول: لو أدركني يومك عندما تهاجر من مكة إلى المدينة سأنصرك نصراً مؤزراً.

    إذاً عرف ورقة أنهم سيخرجونه، وسيهاجر صلوات الله وسلامه عليه، لكن ولم يعرفه النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه لم يكن قد أوحي إليه بشيء، فهذا من معاني قوله: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى [الضحى:7].

    أي: لم تكن تعرف شيئاً عن هذه الشريعة فهداك ودلك، لم يعلمك أحد من البشر قراءة ولا كتابة، ولا درست نصرانية ولا يهودية، وإنما كان على الفطرة السليمة صلوات الله وسلامه عليه، يتعبد لله سبحانه الليالي ذوات العدد في غار حراء، ثم يتزود لمثلها ويذهب مرة ثانية وثالثة حتى جاءه الحق من عند الله سبحانه تبارك وتعالى وهو في حراء.

    فهو الداعي إلى الله بإذن الله سبحانه، قال تعالى: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ [الحجر:94] فأمر صلوات الله وسلامه عليه أن يجهر بالحق بإذن الله سبحانه.

    آذاه قومه ولم يقدر أن يخرج من مكة إلى المدينة إلا بإذن الله؛ فانتظر أن يؤذن له، فخرج بعدما أذن الله عز وجل له، وكان أبو بكر قد أوذي فأراد أن يهاجر، فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يصبره ويقول: إني أنتظر أن يؤذن لي، فانتظر أبو بكر مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى جاء الإذن من الله.

    إذاً: هو لا يدعو من عند نفسه وإنما بأمر الله ولأمر الله، وبوحي من الله، ولذلك قال الله سبحانه: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى [النجم:3] لا ينطق عن هواه ولا عن شيء في نفسه، وإنما قال: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى [النجم:4-6].

    لم يعلمه أحد من البشر، وإنما جاءه جبريل من عند رب العالمين بالوحي آية آية! وحديثاً وراء حديث! يتعلم صلى الله عليه وسلم من جبريل ويبلغ الناس، فهو الداعي إلى الله بإذن الله سبحانه، وهو السراج المنير صلوات الله وسلامه عليه بما جاء من هذه الشريعة العظيمة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً)

    قال سبحانه: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا [الأحزاب:47].

    هنا البشارة للمؤمنين، والنذارة للكافرين والعصاة، بشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً أي: يتفضل عليهم التفضل العظيم، ويعطيهم الفضل والزيادة العظيمة من فضله تبارك وتعالى، قال سبحانه: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:26].

    إذا أحسنت أحسن الله عز وجل إليك، الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه فإنك إن لم تكن تراه فإنه يراك، فتعبد ربك أفضل العبادة وأحسنها، وهَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ [الرحمن:60] فإن أحسنت أحسن الله عز وجل إليك، إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128] ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة:195] .

    فإذا أحسن العبد كان الله معه، وأحبه الله سبحانه وأعطاه الجزاء الذي هو أحسن وأفضل، إذاً: يوجد حسن ويوجد أحسن، ويوجد ما هو أحسن من ذلك وهو الزيادة فوق الأحسن، وهو النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من المتقين ومن المحسنين الذين لهم الحسنى وزيادة.

    قال تعالى: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا [الأحزاب:47] أي: فضلاً كبيراً لا يقدر أحد قدر هذا الفضل من الله سبحانه، والله يكلمنا بما يليق به سبحانه، فيعطي الثواب من فضله، وفضله عظيم، وخزائنه ملأى لا تغيض أبداً، سحاء الليل والنهار، فعندما يقول: لكم من الله الفضل الكبير، إذاً: هنا أمل عظيم فيما عند الله تبارك وتعالى، الأمل العظيم في فضله ورضوانه وجناته وعطائه سبحانه وتعالى العطاء غير المجذوذ.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم ...)

    قال سبحانه: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا [الأحزاب:47].

    هنا البشارة للمؤمنين، والنذارة للكافرين والعصاة، بشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً أي: يتفضل عليهم التفضل العظيم، ويعطيهم الفضل والزيادة العظيمة من فضله تبارك وتعالى، قال سبحانه: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:26].

    إذا أحسنت أحسن الله عز وجل إليك، الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه فإنك إن لم تكن تراه فإنه يراك، فتعبد ربك أفضل العبادة وأحسنها، وهَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ [الرحمن:60] فإن أحسنت أحسن الله عز وجل إليك، إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128] ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة:195] .

    فإذا أحسن العبد كان الله معه، وأحبه الله سبحانه وأعطاه الجزاء الذي هو أحسن وأفضل، إذاً: يوجد حسن ويوجد أحسن، ويوجد ما هو أحسن من ذلك وهو الزيادة فوق الأحسن، وهو النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من المتقين ومن المحسنين الذين لهم الحسنى وزيادة.

    قال تعالى: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا [الأحزاب:47] أي: فضلاً كبيراً لا يقدر أحد قدر هذا الفضل من الله سبحانه، والله يكلمنا بما يليق به سبحانه، فيعطي الثواب من فضله، وفضله عظيم، وخزائنه ملأى لا تغيض أبداً، سحاء الليل والنهار، فعندما يقول: لكم من الله الفضل الكبير، إذاً: هنا أمل عظيم فيما عند الله تبارك وتعالى، الأمل العظيم في فضله ورضوانه وجناته وعطائه سبحانه وتعالى العطاء غير المجذوذ.

    نهي الله لنبيه صلى الله عليه وسلم عن طاعة الكافرين والمنافقين

    ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ [الأحزاب:48].

    وهذا كرر ما ذكره في أول السورة: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الأحزاب:1] ، فقال في أول السورة وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ [الأحزاب:1] فالكفار يداهنون، قال تعالى: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم:9] .

    فهم يدهنون ويلينون معك شيئاً، ويودون لو أنك ملت ولنت لهم في شيء، فيحذره الله سبحانه: احذر من الكفار!

    كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: اذكر آلهتنا بخير ولو مرة واحدة ونحن ندخل معك في الإسلام، فلما أبى صلى الله عليه وسلم قالوا: اسكت عن آلهتنا، لا تتكلم عن آلهتنا بخير ولا بشر، وحاشا له أن يسكت صلوات الله وسلامه عليه على باطل، بل لابد أن يبين أن هذه الأصنام وهذه الآلهة من دون الله عز وجل لا تنفع شيئاً ولا تضر بشيء، وإنما الذي ينفع ويضر هو الله تبارك وتعالى.

    فكان كفار قريش يمنون النبي صلى الله عليه وسلم يقولون له: اجعل لنا يوماً نجلس معك ولا نجلس مع هؤلاء الفقراء، فيقول له ربه سبحانه: احذر من ذلك ولا تطع الكافرين.

    كذلك المنافقون يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم أشياء، فالمنافق يبطن الكفر ويظهر الإسلام، وهم يتولون غير الله سبحانه وغير رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، ويطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس له أن يعطيهم إياه، كـعبد الله بن أبي وطعمة بن أبيرق وغيرهم كانوا يحثون النبي صلى الله عليه وسلم على إجابتهم فيطلبون أشياء لا يجوز له أن يفعلها صلى الله عليه وسلم، ويتعللون بالمصلحة، فيريدون أن يوالوا اليهود للمصلحة، يقولون: اليهود هؤلاء كانوا حلفاءنا في الجاهلية، وكانوا يحبوننا، وكانوا يدافعون عنا، فدعنا مع هؤلاء اليهود لا نتركهم، فيطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ويشفعون عنده في اليهود، كـعبد الله بن أبي لما شفع في بني النضير، وتركهم النبي صلى الله عليه وسلم له في النهاية.

    فالله عز وجل يحذره: وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ [الأحزاب:48] هؤلاء إذا أطعتهم أضلوك وأخرجوك عما أراده الله عز وجل بك.

    معنى أمر الله لنبيه بأن يدع أذى الكفار والمنافقين

    وَدَعْ أَذَاهُمْ [الأحزاب:48] فهم عندما يطلبون منه شيئاً فيرفض أن يجيبهم يؤذونه صلى الله عليه وسلم بالقول، ويؤذونه بالفعل عليه الصلاة والسلام، فهم قاعدون للأذى فقط، فيقول الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: دعك من هذا الذي يفعلونه معك، وأعرض عن هؤلاء، ودع أذاهم حتى يؤذن لك من الله سبحانه وتعالى، فأذن له صلوات الله وسلامه عليه في أمر الكفار أن يقاتلهم.

    إذاً: هنا دع هؤلاء واصبر عليهم قليلاً حتى يأتي أمر الله، فجاء أمر الله عز وجل في الكفار، قال الله عز وجل: فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ [التوبة:5].

    فبعدما أنزل الله عز وجل سورة براءة أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ الكفار وأن يجاهدهم في الله تبارك وتعالى.

    فإذا كان أذى هؤلاء أنهم يسألون النبي صلى الله عليه وسلم، ويلحون في السؤال ليتعلموا لعلهم يدخلون في الدين، فهنا يلزمه أن يصبر صلوات الله وسلامه عليه؛ حتى يدلهم على الحق، وحتى يدخلوا في الدين، وقد جاء في في سورة براءة نفسها وهي من آخر ما نزل من القرآن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بجهاد الكفار صلوات الله وسلامه عليه، وأيضاً أمره فقال: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ [التوبة:6].

    إذاً: أمر صلى الله عليه وسلم بقتال المشركين كافة، وأن يبدأهم بالغزو عليه الصلاة والسلام، ولكن مع ذلك لو أن أحداً من هؤلاء الكفار كان في جبهة المحاربين لك ثم طلب أن يسمع الدين وقال: أريد أن آتي لكم وأسمع ما الذي تقولونه في هذا الدين، فالله عز وجل لكرمه سبحانه يقول: أسمعه، بلغه هذا الدين: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ [التوبة:6] فهو طلب الجوار، وقال: سنأتي نجاورك ونسمع منك فأجرني ولا تؤذني بشيء حتى أسمع هذا الدين، فقد أدخل في الدين وقد لا أدخل! فهنا قال الله سبحانه: فَأَجِرْهُ [التوبة:6] إلى متى؟ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:6] إلى أن يأتي عندك ولا أحد يتعرض له بشيء، فإذا جاء وسمع فلا تقول: ادخل في الإسلام لأنك سمعت وإلا نقتلك! ولكن بلغه دين الله سبحانه، ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ [التوبة:6] كما جاء آمناً في القوم فارجعه إليهم على حاله التي كان عليها قبل ذلك.

    هذا الدين العظيم من الله سبحانه فيه الأمن والأمان والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، حتى ولو كان في ساعة الجهاد في سبيل الله سبحانه، والكفار في مكان والمسلمون في مكان، وجاء أحد الكفار يريد أن يسمع هذا الدين، فأجره إلى أن يأتي إليك، وأسمعه كلام الله سبحانه إلى أن يعقل ويفهم، ثم أرجعه مرة أخرى إلى قومه آمناً، وإذا أراد أن يدخل في هذا الدين فليفعل.

    فهنا ربنا تبارك وتعالى يأمر نبيه البشير النذير، الداعي إلى الله بإذنه والسراج المنير، بأن يبشر المؤمنين ويبلغهم بأن لهم من الله الفضل الكبير.

    قال: وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ [الأحزاب:48].

    أي: لا تنشغل بما يؤذونك به، ولا تنشغل بالمعاقبة عن الأمر الذي أرسلت لأجله، ولأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس.

    أمر الله لنبيه بالتوكل عليه

    ثم قال: وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [الأحزاب:48].

    وهو سيد المتوكلين صلوات الله وسلامه عليه، وهذا من باب: (إياك أعني واسمعي يا جارة) وإذا قال هذا لنبيه صلى الله عليه وسلم وهو المتوكل على الله فإن المراد أن يداوم على ذلك.

    وهو خطاب للمؤمنين بالتبع، أي: تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم حسن التوكل على الله تبارك وتعالى، قال الله سبحانه: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا [الطلاق:3].

    فأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالتوكل، والثقة بالله سبحانه وتعالى، وأن يكون جاعلاً ربه سبحانه وكيله في كل شيء، يثق في أن الله يدبر الأمر كله سبحانه، فالإنسان يتوكل على الله سبحانه.

    هنا عندما تقول: أنا وكلت فلاناً بالأمر الفلاني، أي: أقمته مقامي في هذا الشيء، فأنا لا أستطيع فعل هذا الشيء، سأوكل محامياً يفعل لي هذا الشيء، فجعلته وكيلاً أي: ينوب عني في أن يقوم مقامي في هذا الشيء؛ لكي يعمل الذي أنا لا أعرفه.

    فالله عز وجل يقول: أنا وكيلك، أنا أجعلك تفعل ما لم تكن تقدر عليه قبل ذلك، فالذي يصير ولياً لله سبحانه كان الله سبحانه له كما قال: (كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه).

    فالله وكيلك، ومدبر أمرك؛ وذلك إذا توكلت عليه سبحانه وجعلته وكيلك ووثقت به تبارك وتعالى، وطلبت منه أن يقضي لك حوائجك، وعملت بطاعته سبحانه، فالله عز وجل يدبر لك كل أمرك، ويعينك، ويفرج عنك كل همك.

    قال سبحانه: وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى [الأحزاب:48] أي: يكفيك الله تبارك وتعالى كل شيء، فهو مدبر لأمرك، وناصر لك على عدوك، فالله عز وجل القائم على كل أمر سبحانه.

    قال: وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا [الأحزاب:48] وفيه وعد من الله سبحانه وتعالى بأن ينصر النبي صلى الله عليه وسلم، فهو وكيله أي: حافظه عليه الصلاة والسلام، قائم بأمره، ناصره على عدوه.

    وهو للمؤمنين كذلك وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا [الأحزاب:48].

    وذكر لنا سبحانه قوله: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [التوبة:129] إذا تولى عنك الناس، وتركوك وانصرفوا، فقل: حسبي الله، يعني: كافي الله سبحانه وتعالى.

    لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [التوبة:129] لا أعبد إلا هو سبحانه.

    عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ [التوبة:129] فوضت إليه أمري كله، فهو يفعل ما يشاء سبحانه، وأنا أرضى بحكمه وبفعله سبحانه، فهو وكيلي وكفيلي وحسيبي، وهو الحافظ لي القائم بأمري سبحانه: وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا [الأحزاب:48] .

    نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من المتوكلين عليه حق التوكل.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.