إسلام ويب

تفسير سورة الأحزاب [36 - 37]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان التبني عادة جارية في أوساط المجتمع الجاهلي، وقد استمرت حتى بزغ نور الإسلام، وما إن نزل تحريم التبني حتى امتثل الرسول والصحابة لأمر ربهم جل في علاه، وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب التي كانت زوجاً لزيد بن حارثة، والذي كان النبي عليه الصلاة والسلام قد تبناه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ...)

    تقديم اختيار الله ورسوله على اختيار العبد لنفسه

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله،

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الأحزاب: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا * وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [الأحزاب:36-37] .

    يذكر الله سبحانه وتعالى في هاتين الآيتين من سورة الأحزاب: أنه لا ينبغي لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم.

    فالله أعلم بخلقه سبحانه، ويختار لهم الخير، فلا اختيار للعبد على ما اختاره الله سبحانه.

    كذلك: النبي صلوات الله وسلامه عليه لا ينطق عن الهوى وإنما يتكلم بوحي من الله تبارك وتعالى، وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا اختار النبي صلى الله عليه وسلم لمؤمن أو لمؤمنة أمراً من الأمور لم يكن لهم أن يختاروا بعد اختياره صلوات الله وسلامه عليه.

    وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36]، ووصفهم في هذه الآية بالإيمان لتهييج باعث الإيمان في قلب الإنسان.

    فالإنسان المؤمن هو الذي يستجيب لله وللرسول صلوات الله وسلامه عليه، ويعلم أن ما اختاره الله واختاره الرسول عليه الصلاة والسلام له خير مما اختاره هو لنفسه.

    فذكر الله عز وجل المؤمن والمؤمنة وكان من الممكن أن يقول: (وما كان لمؤمن إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون له الخيرة) ويكون ذكر المؤمن مغنياً عن ذكر المؤمنة، ولكن حتى لا يظن أن هذا للمؤمن الذكر دون الأنثى، فنص على الاثنين كما قال تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ… [الأحزاب:35] إلى آخر الآية.

    فالله سبحانه وتعالى ويذكرنا بأن ما اختاره لنا خير مما اخترناه لأنفسنا، وما اختاره الرسول صلى الله عليه وسلم لنا خير مما نختاره لأنفسنا إن كنا مؤمنين.

    قال تعالى: أَنْ يَكُونَ لَهُمُ [الأحزاب:36] وهذه قراءة الجمهور.

    أما نافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وكذلك ابن ذكوان عن ابن عامر فيقرءون: ( أن تكون لهم الخيرة من أمرهم ).

    يعني: ليس لهم اختيار في أمرهم بعد اختيار الله ورسوله عليه الصلاة والسلام.

    سبب نزول الآية

    نزلت هذه الآية في سببين: في السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها، ونزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط .

    والسيدة زينب بنت جحش أراد النبي صلى الله عليه وسلم تزويجها من زيد بن ثابت ، فكرهت ذلك وكره أخوها ذلك، فقد نظرت إلى نفسها أنها بنت عمة النبي صلى الله عليه وسلم، فأمها هي عمة النبي صلى الله عليه وسلم فهي شريفة من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف تتزوج من زيد بن حارثة رضي الله عنه وهو مولى.

    وقد كان عبداً عند السيدة خديجة أهدته للنبي صلى الله عليه وسلم ثم أعتقه النبي صلى الله عليه وسلم ومنّ عليه بالعتق ثم تبناه صلوات الله وسلامه عليه قبل أن يحرم الله عز وجل التبني؟

    فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يزوج زيداً من زينب بنت جحش رضي الله عنها، فأبت زينب ذلك وجاء القرآن يخبر أنه إذا اختار النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً لا بد وأن يكون ما اختاره عليه الصلاة والسلام، هذا سبب من أسباب نزولها.

    السبب الآخر هو في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ، فقد وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم ليتزوجها، فاختار النبي صلى الله عليه وسلم لها غيره، فإذا بها لا تريد ذلك وكرهت وكره أخوها أيضاً أن تتزوج غير النبي صلى الله عليه وسلم، فجاءت الآية تعلمهم أن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم لهم هو خير من اختيارهم لأنفسهم، وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36].

    فإن كان سبب النزول خاصاً في أمر النكاح ولكنه عام، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

    فعموم اللفظ: أي اختيار يختاره النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين في أمر حياتهم، أو في أمر جهادهم ومغازيهم، أو في أمر عملهم، وفي أي أمر من الأمور، فالخير للناس أن يتبعوه عليه الصلاة والسلام.

    معنى قوله: (ومن يعص الله ورسوله)

    قال الله سبحانه: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا [الأحزاب:36].

    إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا [الأحزاب:36] أي: إذا أمر بأمر من الأوامر.

    وَمَنْ يَعْصِ [الأحزاب:36] فدل على أنه لا يجوز عصيانه، وهذه قاعدة يضعها الكثير من الأصوليين: أن الأمر على الوجوب، فإذا أمر الله والرسول صلى الله عليه وسلم فليس لهم أن يختاروا، بل إنه من اللازم عليهم أن ينفذوا الأمر فإنهم إذا لم ينفذوا فقد عصوا.

    قال الله سبحانه: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا [الأحزاب:36] فالذي يعصي أمر الله وأمر الرسول صلوات الله وسلامه عليه فقد عصى، وهذا دليل على أن الأمر يدل على الوجوب، فإذا أمر الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم أمراً فالأصل فيه أنه واجب التنفيذ إلا أن تأتي قرينة تصرف هذا الأمر عن الوجوب إلى الاستحباب، كأن يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بفعل شيء ثم يخالفه أحياناً، فهذه قرينة تدل على أن الأمر على الاستحباب، وإلا لما خالفه النبي صلى الله عليه وسلم وتركه أحياناً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك ...)

    قصة زواج زيد من زينب بنت جحش

    قال الله سبحانه وتعالى بعد ذلك: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ [الأحزاب:37] .

    (إذ تقول) أي: اذكر إذ تقول.

    لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ [الأحزاب:37] وهو زيد بن حارثة رضي الله تبارك وتعالى عنه وهو الاسم الوحيد الذي ذكر في القرآن من أسماء غير الأنبياء، وكأنه ذكر مكافأة لـزيد رضي الله تبارك وتعالى على صبره وعلى تنفيذه أمر الله سبحانه وأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى أنه أخذ منه شيء فعوض بما هو خير منه رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    وزيد كما ذكرنا كان عبداً أعتقه النبي صلى الله عليه وسلم وتبناه في قصة ذكرناها قبل ذلك.

    وبعد أن حرم الله التبني رجع نسبه إلى آبائه رضي الله عنه، فـزيد أنعم الله عليه بنعمة الإيمان، وأنعم عليه النبي صلى الله عليه وسلم بنعمة العتق، وأنه تبناه عليه الصلاة والسلام، فحصل على نعمة من الله سبحانه.

    قال تعالى: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ [الأحزاب:37] فزوج النبي صلى الله عليه وسلم زيداً من زينب بنت جحش ، وعلم الله سبحانه أن النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، ورضي الله تبارك وتعالى عن ذلك، فأبت وتضايقت من ذلك فنزلت الآية تؤدب وتهذب الجميع فرضيت، ولكن في معيشتها معه كانت لا تحب عشرته، فكانت تتعالى عليه وتعيره أنه كان عبداً، فضايقه هذا الأمر حتى كاد أن يطلقها، فذهب للنبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه؛ لأنه هو الذي زوجها إياه، فأوحى الله تبارك وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم أنه سيكون ذلك، وأن زيداً سيطلق امرأته وستكون زوجتك.

    فاستحيا النبي صلوات الله وسلامه عليه أن يخبر زيداً أنه سيطلقها في يوم من الأيام وسيتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم، فكتم عليه الصلاة والسلام هذا الشيء في نفسه، فهو لم يكتم أمراً أمر بتبليغه، وحاشاه صلوات الله وسلامه عليه، ولكن كتم شيئاً يخصه هو، فكان عليه الصلاة والسلام يقول لـزيد : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ [الأحزاب:37] وهذا من حيائه عليه الصلاة والسلام.

    فإذا بالقرآن ينزل عليه صلى الله عليه وسلم يقول له: لا تستحي، فهذا أمر ليس فيه حياء وإحراج لك، فقد أبحنا لك ذلك، والأمر الذي يحرجك أن تخالف أمر الله سبحانه وتعالى، وأنت لم تخالف فلا حرج عليك في هذا الشيء، فهو سيطلقها وأنت ستتزوجها.

    فجاءه زيد فقال له عليه الصلاة والسلام: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ [الأحزاب:37] فإنه يسن لنا من السنن: أن الإنسان إذا جاءه آخر يشكو إليه امرأته يريد طلاقها، أن نقول له: اصبر، واتق الله، وأمسك عليك زوجك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لـزيد رضي الله تبارك وتعالى عنه وسن للناس أن يذكر بعضهم بعضاً، وألّا يعين بعضهم بعضاً على الطلاق من أول مرة.

    والغرض: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبره ربه بذلك ونزل في القرآن هذه الآية: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ [الأحزاب:37] وانظر كيف يخاطب الله عز وجل نبيه الكريم صلوات الله وسلامه عليه.

    فالله له فضل عليكم جميعاً، وأنت لك فضل على هذا الإنسان، فبدأ يكلم النبي صلى الله عليه وسلم ويعاتبه ويبدأ بذكر نعمة النبي صلى الله عليه وسلم على زيد رضي الله تبارك وتعالى بعد نعمة الله عليه.

    عتاب الله لنبيه في إخفاء أمر الزواج من زينب

    قال تعالى: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ [الأحزاب:37] أي: أخفى أن الله أوحى إليه أن زيداً سيطلقها، وأنت ستتزوجها، وجاءه زيد يقول: أنا أريد أطلقها، فقال له: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ [الأحزاب:37]، وهو في نفسه يعلم أنه سيطلقها وستكون زوجة للنبي صلوات الله وسلامه عليه.

    وبين الله عز وجل سبب إخفاء النبي صلى الله عليه وسلم ذلك؛ قال الله عز وجل: وَتَخْشَى النَّاسَ [الأحزاب:37] فيعلمه ويعلم المسلمين أنه لا حرج عليك في ما أباحه الله عز وجل لك، حتى وإن كان الناس ينتقصونك في ذلك، فالأمر الذي يجب أن يضايقك ويضرك هو الذي يكون في غضب الله سبحانه.

    أما إذا كان في طاعة الله فلا حرج فيه ولا تحرج أبداً من تنفيذ أمر الله سبحانه.

    قال تعالى: وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ [الأحزاب:37] أي: أن الله أحق أن تستحيي منه، فلا تستحي من الخلق في طاعة الله سبحانه، وأطع ربك تبارك وتعالى ولا تتحرج من الناس فلا قيمة لرأي الناس إن خالفوا الله تبارك وتعالى.

    قال تعالى: فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا [الأحزاب:37] أي: تزوجها ودخل بها وقضى منها حاجته ثم تعالت عليه فكره البقاء معها، قال: زَوَّجْنَاكَهَا [الأحزاب:37]. فأصبح الأمر بالزواج بالسيدة زينب بنت جحش من عند الله تبارك وتعالى، وعوض زيداً عن فقدانه امرأته بهذه الآية الكريمة أن ذكر اسمه فيها، بل وفيها بشارة لـزيد بأنه من أهل الجنة رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    وقد قتل شهيداً في غزوة مؤتة رضي الله تبارك وتعالى عنه مع جعفر بن أبي طالب بن عم النبي صلى الله عليه وسلم ومع عبد الله بن رواحة شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    جواز زواج الرجل بزوجة متبناه إذا طلقها

    قال الله عز وجل: لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ [الأحزاب:37]. وفي هذه الآية تعليل آخر وبيان سنة من سنن الله تبارك وتعالى، فقد كانوا يدعون في الجاهلية التبني، كأن يتبنى الرجل إنساناً ويقول: أنت ابني وأنا أبوك ترثني وأرثك، أنت مني وأنا منك، مع أنه ليس منه، فلم يزل هذا الشيء حتى جاء الإسلام.

    فكان من حكمة الله سبحانه أن يتبنى النبي صلى الله عليه وسلم زيداً ، ثم تنزل الآية تنهى عن ذلك: ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ [الأحزاب:5] فكان النبي صلى الله عليه وسلم أول من نفذ ذلك، على الرغم من أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يحب زيداً حباً شديداً وزيد فضل النبي صلى الله عليه وسلم على أبيه وعلى أخيه وعلى عمه، فقد جاء أهله يبحثون عنه وعلموا أنه في مكة عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاءوا يطلبون ابنهم وذهبوا للنبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: ندفع لك الذي تريد وتعطينا ابننا، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أو خيراً من ذلك؟) أي: أعطيكم خيراً من ذلك؟ (فقالوا: وما هو؟ قال: يختار زيد، فإن اختاركم فخذوه، وإن اختارني فما أنا بالذي يختار على من اختاره) فجاء زيد وأبوه يبكي عليه وعمه يطلبه وأخوه كذلك وزيد يقول: لا أختار على النبي.

    وأهله كانوا كفاراً ومع ذلك فرحوا بأن زيداً طلب النبي صلى الله عليه وسلم ومكث عنده ورجعوا مسرورين بذلك، فصار ابناً للنبي صلى الله عليه وسلم بالتبني، فنزل القرآن يقول: ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ [الأحزاب:5] فلا يجوز لكم التبني، فأول من ترك ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم، فرجع زيد إلى اسمه، فقد كان يطلق عليه زيد بن محمد فرجع إلى زيد بن حارثة رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    والغرض: أن الله سبحانه ذكر في هذه الآية: لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ [الأحزاب:37] قال: أدعيائهم، ولم يقل: أبناءهم لأنههم ليسوا أبناءهم، فكان الكفار إذا حدث منهم مثل هذا الشيء يعيرون من يحدث له ذلك ويقولون: تزوج زوجة ابنه أو دعيه، فلما نزلت هذه الآية إذا بالله عز وجل يقول: لا حرج في أن يتزوج الإنسان زوجة من كان قد تبناه إذا طلقها، كما جاز للنبي صلوات الله وسلامه عليه أن يتزوج من السيدة زينب لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [الأحزاب:37] أي: إذا قضى الله شيئاً لا بد وأن يكون.

    ونرى في هذه الآية: أن الله سبحانه لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالزواج من السيدة زينب كان السفير بينه وبينها زيد رضي الله تبارك وتعالى عنه، فصارت عظيمة في نظر زيد ، وكان يقول زيد رضي الله عنه: ما أجد في نفسي، قال: فذهبت ووليتها ظهري توقيراً للنبي صلى الله عليه وسلم وخاطبتها ففرحت، وإذا بها ترد الفضل إلى الله سبحانه وتقول: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربي، فأصلي لله وهو يأمرني بما يشاء سبحانه، فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم ودخل بها.

    فصنعوا وليمة الزفاف وصارت زوجة للنبي صلى الله عليه وسلم وأماً للمؤمنين بما فيهم زيد الذي كان زوجها يوماً من الأيام وعوضه الله عز وجل عن ذلك بأن ذكره في القرآن وذكر نعمته عليه.

    نسأل الله عز وجل من فضله ونعمه العظيمة إنه جواد كريم.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.