إسلام ويب

تفسير سورة الفرقان [51 - 53]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قدرة الله سبحانه لا حد لها، فهو سبحانه يفعل ما يشاء، وفي كل أفعاله تتجلى حكمته ورحمته وعدله، فالله قادر على أن يبعث رسلاً إلى كل بلدة ومحلة كما ينزل الغيث، ولكنه خص نبيه بأن يكون خاتم الأنبياء ورسول العالمين، ومن ثم فقد أيده بالمعجزات التي تثبت نبوته لمن رآه أو لم يره، حيث ضمنها كتابه الخالد القرآن الكريم، ومن تلك المعجزات التي تضمنها القرآن: الإخبار بحقائق علمية لم يكتشفها العلماء إلا في مطلع القرن العشرين، فسبحان الله العليم الحكيم!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً ... برزخاً وحجراً محجوراً)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    قال الله عز وجل في سورة الفرقان: وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا * فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا * وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا [الفرقان:51-53].

    يخبرنا ربنا سبحانه وتعالى في هذه الآيات أنه قادر على أن يبعث في كل قرية وفي كل بلد منذراً، ولكنه شاء سبحانه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم وحده هو الرحمة للعالمين، فكان هو المرسل من عند رب العالمين اختياراً واصطفاء واجتباءً بهذه الرسالة الكريمة إلى الخلق أجمعين، إنسهم وجنهم، ليدعوهم إلى ربه سبحانه، وكما أن الله سبحانه وتعالى ينزل المطر من السماء ليحيي به الأرض، ويصرفه في البلاد بين عباده كيف يشاء سبحانه وتعالى، فقد أنزل القرآن العظيم رحمة منه ليحيي به القلوب، فكما جعل المطر حياة للأرض، فقد جعل القرآن حياة للقلوب، وكما صرف المطر كيف يشاء في كل قرية وبلد فقد أنزل القرآن العظيم على النبي صلوات الله وسلامه عليه ليدعو به الخلق أجمعين، على أن الله قادر على أن يعدد الرسل، قال سبحانه: وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا [الفرقان:51]، ولكن الله أراد رفع درجة النبي صلى الله عليه وسلم فجعله وحده ليس في زمنه فقط ولكن في كل الأزمان اللاحقة لزمنه عليه الصلاة والسلام، فكان هو الرسول صلوات الله وسلامه عليه منذ بعث إلى قيام الساعة وليس بعده رسول، إلا ما يكون من نزول عيسى عليه الصلاة والسلام ليحكم بشرع النبي صلوات الله وسلامه عليه من قرآن وسنة، فقد جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يوشك أن ينزل فيكم المسيح بن مريم حكماً مقسطاً فيقتل الخنزير ويرفع الجزية، ويكسر الصليب)، وبذلك علم أن أحكام القرآن هي التي تنفذ وليس غيرها إذا نزل المسيح صلوات الله وسلامه عليه، بل قد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي بالناس ويؤمهم بعد نزول المسيح رجل منهم تكرمة لهذه الأمة، فإنها لا تؤم من غيرها.

    والآية تبين أن الله عز وجل اختص النبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة إلى جميع الخلق وقد نص على ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة، أو كافة)، أي: أنه عليه الصلاة والسلام بعث إلى انسهم وجنهم، قال سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم: فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ [الفرقان:52]، أي: فيما يدعونك إليه من اتباع آلهتهم أو من جعل أيام لهم، ولغيرهم من المسلمين أياماً أخرى، أو لتمييزهم على غيرهم بل: وَجَاهِدْهُمْ [الفرقان:52]، والجهاد بالسيف في الأعوام المكية لم يكن قد فرض بعد، وإنما فرض جهاد السيف في المدينة، والمراد بالجهاد في الآية الجهاد بالحجة والبيان، والجهاد بالقرآن والإعلان، وهو المسمى بجهاد الدعوة وهو أن يخرج إلى الناس فيدعوهم إلى الله سبحانه ويحذرهم معصيته فإنها توجب غضبه وعقوبته، ووصف الجهاد المطلوب من النبي أن يقوم به بأنه جهاد كبير مبالغة في الحث على الدعوة إلى الله.

    التحذير من التبعية لليهود أو النصارى أو غيرهم من الكفار

    وفي قوله تعالى: فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ [الفرقان:52]، تحذير للنبي صلى الله عليه وسلم ولغيره من المؤمنين من التبعية للكفار وطاعتهم، إذ أن طاعتهم مضرة للنبي ومضرة لأتباع هذا الدين، كما أن طاعتهم تؤدي إلى النار والعياذ بالله، ولذا يجب على المؤمن ألا يستجيب للكافر ولا يطيعه، فإن الكافر لن يرضى عن المؤمن حتى يتبع ما هو عليه من باطل، قال تعالى في ذلك: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120]، وقال أيضاً: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا [المائدة:82]، فالمشركون أعداء للمؤمنين، والعدو لا يرضى عن عدوه، فهم لن يرضوا عن المؤمنين أبداً، وكذلك اليهود، وكذلك النصارى، إلا ما ذكر في أمر النصارى أن منهم من يتواضع حين يسمع القرآن، ويبكي خشوعاً وخضوعاً فيدخل في هذا الدين، فهؤلاء فقط ذكر الله عز وجل أن قلوبهم لينة، وأنهم يسمعون القرآن فيبكون عند سماعه ويدخلون في دين النبي صلى الله عليه وسلم، أما غير أولئك من الكفار فإنهم لن يرضوا عن المسلمين إلا أن يتابعوهم في دينهم، قال تعالى: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120]، فقوله سبحانه: فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ [الفرقان:52]، أي: لا تطع الكافرين ظناً منك أنهم يرضون عنك بطاعتك إياهم، بل لن يرضوا، ومهما تنازلت فستجدهم يطلبون المزيد من التنازلات.

    جهاد الدعوة والبلاغ

    قال تعالى: فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ [الفرقان:52]، أي: جاهدهم بهذا القرآن، والقرآن سلاح عظيم قوي قاهر؛ لأنه كلام رب العالمين سبحانه، وفي الآية أمر للنبي ولكل من يصلح له الخطاب: أن تمسك بالقرآن وجاهد به، ويعني أن تجاهد بهذا القرآن: أن تحفظ القرآن، وتعرف أحكامه، وتدعو الناس إليه، وتتخلق بما فيه من آداب عظيمة، فإنك إن كنت على هذا العلم من القرآن كنت قادراً على أن تجاهد الكفار بالبيان وحينها ينصرك الله عليهم، وقد جاهدهم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا القرآن جهاداً عظيماً، فدعاهم إليه في مكة ليل نهار ولكن لم يستجب له عليه الصلاة والسلام إلا القليل، فلما هاجر إلى المدينة ودعا إلى الله سبحانه وتعالى استجاب له الناس ودخلوا في دين الله سبحانه وتعالى، وبعد أن استجاب له الناس في المدينة فرض عليه الجهاد باليد والسيف والسنان، وبذلك يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد جاهد الكفار بالدعوة باللسان، وبالسيف والسنان فنصره الله سبحانه ودخل الناس في دين الله أفواجاًً.

    وإذا كان في القرآن الحجة البيان، إلا أنه ليس وحده آلة الجهاد فقد جعل الله عز وجل مع القرآن حكم الجهاد قال سبحانه: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [البقرة:216]، فإذا كان المسلم يحب رحمة رب العالمين سبحانه، ويحب أن يسلم في بدنه، ويأمن في نفسه ولكن الله عز وجل فرض عليه الجهاد والقتال في سبيله سبحانه وأمره: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ [البقرة:216]، كأمره: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة:183]، وكقوله: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [البقرة:43]، إذ أن في القتال العزة لهذا الدين، والإعزاز للإسلام والمسلمين، ولذا فالله عز وجل حين فرضه لعل بعض المسلمين لم يفهم من الآية الوجوب فقال: لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ [النساء:77]، فأجابهم الله سبحانه وتعالى بقوله: قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا [النساء:77]، فلما جاهد المسلمون وجدوا حلاوة النصر، ووجدوا عزة التمكين بعد أن مكنهم الله سبحانه، وحينها أحبوا الجهاد في سبيل الله فلم يزالوا مجاهدين في سبيل الله، طالبين الشهادة والدار الآخرة حتى أعطاهم الله الآخرة والأولى، فأعطاهم الجنة في الآخرة وأعطاهم الدنيا، فصاروا هم الملوك على الدنيا يحكمون بشرع رب العالمين سبحانه، ودانت لهم الدنيا لأنهم أقاموا دين الله سبحانه، ونصروه، وأحبوا الآخرة، وأحبوا الشهادة في سبيل الله سبحانه وتعالى، فقد مكن لهم سبحانه وتعالى، ففي مكة قال لنبيه: جاهدهم به أي: بالقرآن، وفي المدينة قال له وللمؤمنين: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [البقرة:216]، وقال أيضاً: وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [التوبة:36]، وقال سبحانه: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ [التوبة:5]، فأمر الله عز وجل المؤمنين بقتال الكفار، والكافر طالما المؤمن يستعد له فإنه يخاف منه، أما إذا نام المسلم ونسي نفسه: فإن الكافر يتحرش به، ويعلو فوقه، ولا يتركه أبداً؛ لأن الدنيا إما أن يغلب المؤمن فيها بدين الله سبحانه فيعزه الله، وإما أن يغلب الكافر بكفره، ولذا ينبغي على الإنسان المؤمن أن يتمسك بدين الله ولا يخاف من أحد، فإنه إن هاب الكافر إستأسد عليه، كما أن المؤمن حين يترك دين ربه سبحانه فإن الله يخذله ولا ينصره؛ لأن من أسباب النصر أن يتعلم الإنسان المؤمن دين ربه وشرعه العظيم، وأن يتمسك به ويدعو إليه، ويجاهد في سبيله، فحينها ينصره الله سبحانه وتعالى.

    ملمح من إعجاز القرآن في ذكر حقائق البحار

    ذكر لنا الله من آياته العظيمة فقال: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا [الفرقان:53]، ومثلها قوله تعالى في الآية الأخرى: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ [الرحمن:19-20]، ولفظ البحرين في الآية الأولى لا يحتمل معناه إلا البحر الملح والبحر العذب، أي: البحر والنهر، وإن كانت الآية الثانية في سورة الرحمن: تحتمل الاثنين أي: البحر المالح والعذب، وتحتمل واحداً وهو البحر المالح، يقول الإمام القرطبي : مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ [الرحمن:19]، أي خلا وخلط، وأرسل، وكلمة (مرج) تأتي بمعنى التراكم، وتأتي بمعنى الإختلاط، وتأتي بمعنى دخول الشيء في الشيء، فيكون معنى قوله: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ [الفرقان:53]، أي: أرسلهما فأرسل البحر المالح وأرسل البحر العذب الذي هو النهر، ومعنى: خلاه أي: تركه فانطلق النهر إلى أن صب في ماء البحر، وعلى المعنى الثالث مَرَجَ [الفرقان:53]، الذي هو خلط، اختلط الاثنان، ولكن سيكون المعنى: اتصالهما لم يجعل البحر يتحول إلى عذب، ولم يجعل ماء النهر يتحول إلى ملح، قال سبحانه: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ [الفرقان:53]، وسمي ماء النهر عذباً؛ لأن فيه عذوبة وحلاوة، وفيه فرات فهو شديد العذوبة، ذو طعم جميل، ثم وصف ماء البحر فقال سبحانه: وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ [الفرقان:53]، أي: شديد الملوحة، وقد يكون فيه مرارة مع الملوحة التي فيه، فالأول: شديد العذوبة وهذا شديد الملوحة.

    وقد حفظ الله سبحانه ماء البحر بأن جعل الملوحة التي فيه تمنعه من التعفن، وحفظ الكائنات التي فيه بما جعل لها فيه من غذاءً، وما يسر له من تنفس، وحفظ ماء النهر بأن أجراه؛ إذ الماء العذب إذا وقف في مكانه ينتن، وجري ماء النهر يجعله عذباً فراتاً لا يتعفن ما دام جارياً، ومن حكمة الله سبحانه ورحمته بعباده أن حفظ لهم المياه بتلك الأوصاف المصاحبة لها، فلعلمه سبحانه أن ماء النهر عرضة للجراثيم، وعرضة للبكتيريا، وعرضة للأشياء التي تقع فيه، فقد حفظه الله عز وجل بالجريان، فإنه ما دام جارياً لا يتعفن؛ لأنه متغير دائماً، والنهر من المعلوم أنه عندما يصب في البحر، وعندما يصب في البحر يتبخر بفعل حرارة الشمس إلى السماء، ثم تدفعه وتحركه الرياح إلى مصب النهر، فإذا نزل المطر في أول النهر جرى النهر ليصب في البحر وهكذا تستمر دورة بين الأرض والسماء، يحفظ الله عز وجل العباد بهذه المياه وهذه الأمطار، كما يحفظ الله العيون في الآبار بهذه الصورة، إذ أن ماء العيون نابع من مياه جوفية داخلية، وقد جعل الله عز وجل المياه الجوفية على بعد كبير من سطح الأرض، بحيث تكون بعيدة عن نزول الجراثيم إليها، وبذلك يحفظها الله سبحانه وتعالى في جوف الأرض، وهذا من آيات الله العظيمة سبحانه، قوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ [الفرقان:53]، أي: أرسل البحرين أو جعلهما يضطربان فيختلطان، ومنها أمر مريج، قال تعالى: فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ [ق:5]، أي: أمر مختلط مضطرب، وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيت الناس مرجت عهودهم، وخفت أماناتهم، وكانوا هكذا ثم شبك بين أصابعه صلوات الله وسلامه عليه، فقال له عبد الله بن عمرو بن العاص : كيف أصنع جعلني الله فداك؟ قال: الزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخذ بما تعرف ودع ما تنكر، وعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة).

    فقوله في الحديث: (إذا رأيت الناس مرجت عهودهم، وخفت أماناتهم)، أي: صار الناس أهل منكر، ولم تقدر على تغيير هذا المنكر الذي من علاماته: أن تبقى العهود كثيرة مختلطة مضطربة، لا يفي أصحاب العهود بشيء منها، وقوله: (خفت أماناتهم)، أي: كثرت فيهم الخيانات، والمعنى: إذا رأيت الناس على هذا الحال وكانوا مختلطين مضطربين لا رأي يجمعهم، ولا دين يوجههم فابتعد عنهم، ما دمت غير قادر على أن تصلح فيهم شيئاً وتخشى على نفسك أن تتغير معهم، وعجزت عن إصلاحهم، أما إذا كان المؤمن يقدر على الإصلاح فيلزمه أنه يدعو إلى الله سبحانه وتعالى لعل الناس يستجيبون له، وفي الحديث (المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم). فقوله في الحديث (مرجت العهود)، أي: اختلطت، وكذلك يكون معنى مرج في قوله تعالى: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ [الفرقان:53]، أي: جعلهما يختلطان أو يدخل هذا في ذاك، وهما كما وضعهما سبحانه:

    قال: هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ [الفرقان:53]، فالفرات: شديد الحلاوة أو شديد العذوبة، والأجاج: شديد الملوحة التي فيها مرارة، ثم قال سبحانه: وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا [الفرقان:53]، قال القرطبي في تفسير البرزخ: أي: حاجزاً من قدرته، فلا يغلب أحدهم على صاحبه، و(حجراً محجوراً) قال: أي: ستراً مستوراً يمنع أحدهما من الاختلاط بالآخر، وأمر التقاء البحرين ووجود آخر لم يره الكثير من العرب وخاصة عند نزول هذه الآية، فمن البعد بمكان أن يذهب الناس إلى مصر لينظروا نهر النيل وهو يصب في البحر المتوسط مثلاً، أو غيره من الأنهار وهي تصب في البحار، ولكن الله سبحانه وتعالى يخبر عباده بهذه الآيات العظيمة العجيبة في مدلولها، فيقول: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ [الفرقان:53]، ولم يذكر بحرين معهودين عند الناس كأن يقول مثلاً: البحر الفلاني والبحر الفلاني، بل الآية عامة في كل بحرين يلتقيان، وخصهما في هذه السورة فقال: هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ [الفرقان:53]، وأطلق في سورة الرحمن فقال: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ [الرحمن:19-20]، فاحتمل البحر الملح والبحر العذب، واحتمل البحران المالحان.

    العلماء المتخصصون يؤكدون سبق القرآن

    يقول العلماء المتخصصون في البحار: علم البحار لم يستقر كعلم حقيقي إلا في سنة ألف وثمانمائة وثلاثة وسبعين، أي: بعد اثني عشر قرناً من النبي صلى الله عليه وسلم أو نحوها، يقول العلماء: في هذه السنة خرجت سفينة اسمها: (تشالنجر) وطافت حول البحار ثلاثة أعوام للدراسة، وكان هذا أول ما حدث في دراسات البحار فبدأت تدرس مياه البحار ومياه المحيطات ومياه الأنهار، ويدرس التقاء هذه بتلك والكائنات الموجودة هنا، والكائنات الموجودة هناك ودرجة الكثافة في مياه كل منها، ودرجة الملوحة ودرجة العذوبة، وما الذي يحدث إذا التقى البحر بالمحيط؟ أو التقى البحر ببحر آخر؟ أو التقى النهر بالبحر؟ وظلوا ثلاث سنوات يؤسسون علوم البحار.

    وكان في هذه الباخرة أول هيئة علمية بينت أن البحار المالحة تختلف في تركيب مياهها، وأن البحار المالحة حين تلتقي لا تختلط مياهها، فماء البحر له خصائص معينة وماء المحيط لها خصائص أخرى، وإن كانا مالحين: فإن ملوحة الأول بدرجة معينة وملوحة الثاني بدرجة معينة، كما أن في البحر كائنات حية ليست موجودة في المحيط، وفي المحيط كائنات لا تعيش في البحر، كذلك الماء العذب مع الماء المالح، فإن لكل منهما كائنات حية وأسماك تعيش بداخله لا تستطيع أن تعيش في الآخر، والأعجب من ذلك أن البرزخ: وهو المنطقة التي يلتقي فيها ماء البحر مع ماء النهر، يقولون: كأن حاجزاً يحجز هذه المنطقة عن غيرها فلها كائنات حية تعيش فيها فقط فإذا خرجت منها إلى ماء النهر أو ماء البحر تموت، فإنها لا تعيش إلا في هذا البرزخ الذي قال عنه الله سبحانه: وَحِجْرًا مَحْجُورًا [الفرقان:53]، أي: مانعاً ممنوعاً فالداخل فيه ممنوع من الخروج منه؛ لأنه حين يخرج منه يموت. يقول العلماء: بينت هذه الباخرة بعد الدراسات أن البحار المالحة تختلف في تركيب مياهها، ولقد أقاموا محطات ثم قاسوا النتائج من هذه المحطات ووجدوا أن البحار المالحة تختلف فيها الحرارة والكثافة، والأحياء المائية، وقابلية ذوبان الأكسجين، وفي سنة ألف وتسعمائة واثنين وأربعين، ظهرت لأول مرة نتيجة أبحاث طويلة جاءت بعد أن قامت مئات المحطات البحرية بدراسة البحار والمحيطات والأنهار، حيث وضع في كل محطة هيئة علمية مؤهلة للدراسة والبحث، وكان خلاصة هذه الأبحاث أنهم توصلوا إلى أن مياه البحار مختلفة عن بعضها فكل بحر له خصائصه التي يختلف بها عن المحيط، والمحيط له خصائصه التي يختلف بها عن منطقة التقاء البحر بالمحيط، وأنهما برغم اختلاطهما لا يغير واحد منهما الآخر.

    القرآن يشير إلى حقيقة يجهلها المفسرون

    كما وجد العلماء مصداق قوله تعالى: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن:19-22]، فمن المعلوم عند العرب أن اللؤلؤ والمرجان لا يخرج إلا من البحر المالح فقط، ولذلك كان المفسرون جميعهم عندما يتكلمون عن هذه الآية يقولون: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ [الرحمن:19]، أي: العذب والمالح، يَخْرُجُ مِنْهُمَا [الرحمن:22]، قالوا أي: من أحدهما الذي هو المالح فقط؛ لأن العرب لم يكونوا يعرفوا لؤلؤاً ومرجاناً يخرج إلا من البحر المالح فقط، لكن هذه الدراسات أثبتت أن اللؤلؤ والمرجان يخرج من البحر العذب أيضاً، فقد وجدوا ذلك في نجلترا، واستراليا، وأمريكا، وهي أماكن بعيدة جداً عن العرب لا يعرفها النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك ذكر القرآن في قوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْهُمَا [الرحمن:22]، أن اللؤلؤ والمرجان يخرجان من كلا البحرين، فيخرجان من البحر الملح ومن البحر العذب، ولما كان المفسرون يعلمون ذلك فقد قالوا: يخرجان من البحر المالح فقط، وقالوا: إن الآية وإن جاءت على هيئة العموم في البحرين إلا أن المقصود بها الخصوص، ولكن العلماء الآن يقولون: بل يخرج اللؤلؤ والمرجان من البحر العذب كما يخرج من المالح، وصدق الله العظيم حين يخبرنا بذلك قبل ألف وأربعمائة عام فيقول: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن:19-21]، أي: بأي نعمة من نعم الله عز وجل تكذبون أيها الإنس! وأيها الجان؟! ثم يقول: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن:22]، وهنا في آية الفرقان: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا [الفرقان:53]، فالبرزخ: المنطقة الحاجزة بين البحرين، وهي منطقة الالتقاء، والأعجب من ذلك وجود مياه جوفية عذبة تحت المحيط وتحت البحر، فإنها عندما تنفجر تلك المياه العذبة من تحت البحر يقوم أهل هذا المكان فيخرجوا من قلب مياه البحار مياه عذبة، وذكروا أن هناك حسبة يعرف بها مكان خروج المياه العذبة، كما ذكروا أيضاً: أنه برزخ مائي وفاصل مائي يفصل بين كل بحرين يلتقيان في مكان واحد سواء في محيط أو في بحر، وتمكنوا من معرفة هذا الفاصل وتحديد ماهية هذا الفاصل، وقالوا: إن هذه المياه العذبة التي تنفجر من داخل البحار أحياناً قد يحدد عمقها، إذ يحسبون ارتفاع البر عن البحر ثم يضربون المسافة الأولى في أربعين فينتج سمك هذه المياه، على أن هذه المياه تظل عذبة محتفظة بخصائصها وإن كانت خارجة من قلب البحر، ويستفاد من هذه المياه العذبة للشرب، (بينهما برزخ لا يبغيان)، فلا يطغى ماء البحر فيملح هذه المياه الجوفية، ولا هذه المياه تستطيع تغيير مياه البحر، وبذلك جعلها رحمة للعالمين.