إسلام ويب

تفسير سورة الفرقان [21 - 26]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الكافرون دائماً يتعنتون على مر الزمان، فهم يسألون أسئلة ويطلبون مطالب من أنبيائهم على وجه التعجيز وليس للإيمان، وعلى ذلك فإن الله لا يقبل منهم عملاً صالحاً لعدم وجود شرط الإيمان فيهم، ويوم القيامة يظهر الهول، وتشتد الكربات، ويظهر الأمر جلياً أن الملك كله لله الواحد القهار.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الفرقان: وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا * يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا * وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا * أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا * وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا [الفرقان:21-26].

    يخبرنا ربنا سبحانه وتعالى في هذه الآيات كيف أن المشركين كانوا يتنطعون مع النبي صلى الله عليه وسلم ويطلبون ما يستحيل عليهم أن يجاب لمثله، قال تعالى: قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ [الفرقان:21]، فلو شاء الله عز وجل لأنزل ملائكة، ولكن حكمته سبحانه وتعالى تأبى ذلك؛ لأن معناها الإيمان جبراً وقهراً، وإذا رأى الإنسان الملائكة ماذا يملك؟ هل يقدر أن يختار؟ يرى الملائكة أمامه ثم يقول: أؤمن أو لا أؤمن، لا لن يقول ذلك، ولكن إذا رأى الملائكة لا بد أن يؤمن؛ لأنه يخاف ولا طاقة له بهؤلاء الملائكة، فلذلك من حكمة ربنا سبحانه أن يجعل للإنسان اختياراً في باب التكليف، فيكتسب الخير ويكتسب الشر ويحاسب على كسبه، والتوفيق من الله سبحانه وتعالى، فهو الذي يقدر الأقدار سبحانه وهو الذي يعلم أن هذا في الجنة وهذا في النار، وهو الذي يعطي للإنسان الاختيار ليختار بمشيئته الله في ذلك، قال تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:29].

    هؤلاء الكفار الذين لا يرجون لقاء الله، أي: لا يخافون لقاءنا أو لا يؤملون ذلك، أو لا يبالون به فكله من معاني (لا يرجون)، فهم لا يرجون لقاء الله، يعني: ليس على بالهم هذا الشيء؛ لعدم وجود الإيمان باليوم الآخر في قلوبهم، وهم لا يرجون لقاء الله، بل يقولون: مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية:24]، إذاً: فلا يوجد بعث بعد أن نصير تراباً، فلن نحاسب ولن نجازى وهم لا يؤملون ذلك، فلا يؤمل لقاء الله إلا هذا الذي يرجو جنة الله ويخاف من عذابه، وهؤلاء ليس على بالهم هذا الشيء فـ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا [الفرقان:21]، أي: لا يخافون من لقائنا ولا يبالون بلقائنا ولا يؤملون لقاءنا، فقوله تعالى: قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا [الفرقان:21]، هم الكفار.

    قال تعالى: لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ [الفرقان:21]، ولولا: للتحضير والحذف، يعني: هلا نزل علينا الملائكة؟ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا [الفرقان:21]، يعني: من التطاول قولهم: حتى نرى ربنا، وكأنهم يقولون: لن نؤمن إلا بذلك، وهم الذين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا [الإسراء:90-92]، و(قبيلاً): مقابلة يعني: نرى الملائكة أمامنا بأعيننا، ولن نؤمن لك حتى وإن أتيتنا بهذا كله، ويقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: ولو أتيت بهذا كله فلا نظن أننا نصدقك.

    إذاً: فالمعنى: أن الطلب لمجرد المعاندة، فيصير الأمر على ذلك أنهم لن يؤمنوا، فالله أعلم سبحانه وتعالى، وعلمه عظيم وهو الحكيم وهو القوي سبحانه القادر على كل شيء، فإذا آمنوا لن يزداد ملك الله عز وجل بهؤلاء شيئاً، ولو أنهم كفروا وعتوا عتواً كبيراً لم يخسر الله سبحانه وتعالى شيئاً، فهم مع جهلهم وغبائهم يظنون أن تعنتهم على النبي صلى الله عليه وسلم ينفعهم، ولكن ستجري عليهم أقدار الله عز وجل شاءوا أم أبوا، وفي النهاية إلى النار إن ماتوا وهم كفار.

    قال ربنا سبحانه: لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا [الفرقان:21]، أي: هؤلاء المتكبرون المتجبرون لقد استكبروا في أنفسهم، والإنسان الذي يستكبر في نفسه يحس أنه أعلم من غيره وأفضل من غيره، فيقول الله عز وجل لهؤلاء المستكبرين: لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا [الفرقان:21]، والعتو: أعظم الظلم وأفحشه، والعتو كذلك: أشد الكفر والفساد في الأرض، والعتو هنا بمعنى: العلو على هيئة الاستكبار، فقد علو وتعاظموا في أنفسهم، واستكبروا على النبي صلى الله عليه وسلم، وأفسدوا في الأرض بكفرهم وعبادتهم غير الله سبحانه وتعالى، وظلموا أنفسهم وغيرهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ...)

    قال الله سبحانه: يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً [الفرقان:22]، أي: يرون الملائكة في أثناء قتالهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يراهم إلا الكافر وهم يضربونه على رأسه وعلى جنبه، فالكفار يرون الملائكة، يرونهم وهم يقتلونهم.

    قوله تعالى: يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى [الفرقان:22]، أي: لهم لا الملائكة، فلن يأتيهم وهم على كفرهم إلا بالعذاب، فيتطاولون ويطلبون رؤية الملائكة، والله عز وجل يعلم أن هؤلاء لا يطيقون ذلك، بل إذا رأى أحدهم جنياً فزع وخاف، وهم من أخوف الناس من الجن، فقد كان الواحد منهم إذا مشى في طريق يأتي الشيطان يستهويه ويضحك عليه فيفزع ويخاف، حتى إنه ليكفر بالله سبحانه ويقول: أعوذ برب هذا الوادي، يعني: بسيد هذا الوادي من الجن، فهو لم ير الملائكة، فإذا رآهم وأنزلهم الله عز وجل عليه فكيف سيميز بينهم وبين الجان؟ فهم يقولون ما لا يفهمون، وكأنهم يطلبون العذاب من الله سبحانه.

    والكفار أغبياء وحمقى حتى في دعائهم على أنفسهم، فهم يقولون: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ [الأنفال:32]، فهذا الدعاء يدل على غباء القلوب والعقول، فالإنسان يقول: يا ربِّ! إن كان هذا هو الحق فاهدني إليه، والذي يقول: يا ربِّ! عذبني، فيطلب العذاب لنفسه فهو أحمق لا يفكر.

    يقول سبحانه: يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ [الفرقان:22]، أي: لا توجد بشارة لهم، بل العذاب الشديد، فقد أعطاهم الله في الدنيا مالاً ويقولون: إذا رجعنا إلى الله فإنه سيعطينا كذلك، فيخدعون أنفسهم بذلك؛ لأنه لا بشارة للمجرمين، إنما البشارة للمؤمنين يوم القيامة.

    والملائكة تضرب الكفار على وجوههم وعلى أدبارهم في أثناء خروج أرواحهم من أجسادهم، وتتقد قبورهم عليهم ناراً، ويوم القيامة يدخلون النار والعياذ بالله.

    قال الله تعالى: وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا [الفرقان:22]، وهؤلاء المجرمون إذا رأوا الملائكة يضربونهم على وجوههم وأدبارهم، ومعهم مقامع من حديد كلما أرادوا أن يخرجوا من النار أعيدوا فيها، قال لهم الملائكة: حِجْرًا مَحْجُورًا [الفرقان:22]، يعني: حراماً محرماً عليكم دخول الجنة، فكلما جاءت النار وعلت بهم يودون أنهم يخرجون فتأتي المقامع من فوق رءوسهم وتردهم ثانية في نار جهنم والعياذ بالله، فالملائكة تقول: إن خروجكم من النار محرم عليكم، وممنوع دخولكم الجنة.

    والحجر: الحاجز الذي يحيط بالإنسان، وسمي عقل الإنسان حجراً؛ لكونه يحجزه عن المعاصي، ويحجزه عن أن يؤذي نفسه أو يؤذي غيره، فعقل الإنسان يدفع الإنسان إلى أن يفعل الخير وأن يجتنب الضر فسمي حجراً، وكما تقول: حجراً محجوراً، كذلك الكفار يقولون ذلك، فالكافر يقول: حجراً محجوراً يعني: لا تؤذونا يا ملائكة! ولا تعذبونا، حرام عليكم أن تفعلوا بنا هذا الشيء، والملائكة تقول: حجراً محجوراً، أي: لن تخرجوا من هذا المكان، فأنتم محبوسون فيه دائماً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى:(وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً)

    يقول الله سبحانه وتعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23]، أي: قدمنا إلى ما عمل هؤلاء الكفار، ومعنى ذلك: عمدنا إلى أعمالهم التي عملوها وقدموها في الدنيا، فالكافر قد يفعل الخيرات فيبر أمه، ويصل رحمه، ويتصدق على إنسان على دينه أو على غير دينه، لكن الله عز وجل لا يدخر له أجراً للآخرة، بل يعطيه في الدنيا فقط، فقد يعطيه صحة حين يمرض ويشفيه الله سبحانه وتعالى، وقد يعطيه مالاً ويعطيه البنين بحيث لا يبقى له عند الله يوم القيامة شيء، فإذا مات وجاء يوم القيامة ضاع هذا العمل فجعله الله عز وجل هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23]، والهباء: الذرة التي تراها من النافذة حين تدخل الشمس، وحين تمسك هذه الذرات بيدك لا تجد شيئاً في يدك، فهذا الهباء، أو هو غبار التراب الذي تبثه وتذروه الرياح، فكذلك هؤلاء الذين كانوا يعملون في الدنيا بالخير لا يقبل منهم؛ لأن قبول الخير مقيد بشرطه وهو الإيمان، أن يكون مؤمناً بالله سبحانه، ومؤمناً برسله عليهم الصلاة والسلام، ومؤمناً بالملائكة، ومؤمناً باليوم الآخر، ومؤمناً بالقضاء والقدر، فإذا جاء بأصول الإيمان يقبل الله منه عمله، وإذا لم يأت بأصول الإيمان لا يقبل الله منه شيئاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً وأحسن مقيلاً)

    أما أصحاب الجنة فيذكرهم ربنا سبحانه وتعالى وكأنهم صحبوا الجنة، فهم معها دائماً لا يخرجوا منها وكما أن هؤلاء أصحاب النار ملازمين للنار ملازمة الرفيق لرفيقه والصاحب لصاحبه، كذلك أصحاب الجنة يلازمونها ولا يخرجون منها أبداً، وبين الله حالهم فقال سبحانه: خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا [الفرقان:24]، والمستقر: مكان القرار، فأصحاب في خير مستقر، وأهل النار في شر مستقر وهو النار، وهؤلاء في خير مقر يستقرون فيه وهو الجنة، وفي أحسن مقيل يقيل فيه الإنسان وإن كانوا لا ينامون، والمعنى: أنه مكان راحة، أي: يدخل أهل الجنة الجنة فيستريحون فيها، والله عز وجل يمتعهم بما شاء خالدين فيها أبداً، ولا نوم في الجنة.

    فهنا المقيل بمعنى: الراحة، أو بمعنى: المنزل، أو بمعنى: المثوى والمأوى، يقول ابن مسعود رضي الله عنه: لا ينتصف النهار يوم القيامة من نهار الدنيا حتى يقيل هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار. يعني: يفصل الله عز وجل القضاء بين خلقه ولا يشغله شيء عن شيء، ويطيل الله عز وجل يوم القيامة على من يشاء ويخفف على من يشاء سبحانه وتعالى، فلا ينتصف النهار حتى يدخل هؤلاء الجنة ويدخل هؤلاء النار.

    1.   

    تفسير قوله: (ويوم تشقق السماء بالغمام ...)

    قال تعالى: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلاً [الفرقان:25]، أي: اذكر ذلك وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ [الفرقان:25]، فقبل أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار يسبق ذلك حساب الله سبحانه وتعالى لعباده، فاذكر وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ [الفرقان:25]، يعني: اذكروا هذا اليوم، وليكن على بالكم، واعملوا لهذا اليوم، يوم تشقق السماء فترى فيها الغمام الذي يحجب ما وراءه، وينشق هذا الغمام وينزل منه الملائكة، يقول ابن عباس : تتشقق سماء الدنيا فينزل أهلها وهم أكثر ممن في الأرض من الجن والإنس، ويبدل الله سبحانه الأرض، قال تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ [إبراهيم:48]، إذاً: فالأرض تسع هؤلاء كلهم، ولا شك أن الأرض شيء صغير جداً بجوار السماء، فالملائكة حينما ينزلون، لا تسعهم هذه الأرض، ولكن الله عز وجل يبدلها أرضاً أخرى فتسع هؤلاء كلهم، فيأتي الملائكة وينزلون من عند رب العالمين سبحانه.

    يقول ابن عباس : فينزل أهلها وهم أكثر ممن في الأرض من الجن والإنس، ثم تنشق السماء الثانية فينزل أهلها وهم أكثر ممن في السماء الأولى، ثم كذلك حتى تنشق السماء السابعة. وهذا شيء فظيع جداً وشيء مهول، فالخلق واقفون، والملائكة تنزل وتحيط بهم، والناس في فزع عظيم نسأل الله العفو والعافية، ويسأل الناس الملائكة أفيكم ربنا؟ مما يرونه من عظمة الملائكة في هذا اليوم ونزولهم من السماء، فيظنون أن فيهم الله سبحانه، ثم يأتي الله سبحانه وتعالى لفصل القضاء، نسأل الله عز وجل العفو والعافية.

    يقول سبحانه: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ [الفرقان:25]، أصلها: تتشقق، فقوله: (تشَّقَّق) قراءة أبي عمرو ، وأما قراءة الكوفيين: عاصم وحمزة والكسائي وخلف وباقي القراء: (وَيَوْمَ تَشَّقَّقُ السَّمَاءُ) بمعنى: تتشقق السماء، والمعنى: المبالغة، فالسماء يأتي أمر الله إذا بها تكشط كما يكشط الشيء من على وجه اللبن.

    فقوله تعالى: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ [الفرقان:25]، يعني: تتشقق فيبدو الغمام عن الغمام، وقوله تعالى: وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا [الفرقان:25]، أي: ملائكة السماء ينزلون من السماء وأهل الأرض يسألونهم: فيكم ربنا؟ فيقولون: لا، قال تعالى: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر:22]، فجاءت الملائكة من السماء وأتى ربنا سبحانه وتعالى، قال تعالى: وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ [الفرقان:25]، يعني: أنزلهم الله سبحانه وتعالى، هذه قراءة الجمهور، وقراءة ابن كثير : (وننزِلُ الملائكة تنزيلاً)، يعني: ينزلهم الله عز وجل من السماء فيحيطون بأهل الأرض.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الملك يومئذ الحق للرحمن ...)

    قال الله تعالى: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْماً عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيراً [الفرقان:26]، فهذا يظهر الملك الحقيقي، فالإنسان في الدنيا يقول: أنا ملك وأنا مالك، أي: أملك بيتي وأملك كذا، ويقول: أنا حاكم على الناس، فإذا أتى يوم القيامة ظهرت الحقيقة، وهي أنه لا أحد يملك شيئاً، وإنما الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ [الفرقان:26]، سبحانه وتعالى.

    وفي الدنيا كذلك الملك لله سبحانه وتعالى، ولكن جعل الناس بعضهم لبعض، وسخر بعضهم لبعض، فبعضهم يملك بعضاً، وبعضهم ملوك على البعض في الدنيا، وليس هذا على الحقيقة، فالمالِكُ والملِكُ الحقيقي هو الله سبحانه وتعالى، فيوم القيامة يظهر ذلك جلياً، قال: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا [الفرقان:26]، أي: يوم القيامة وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا [الفرقان:26]، أي: يوماً شديداً شاقاً فظيعاً، يقولون: يا رب! اصرفنا ولو إلى النار، نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.