إسلام ويب

تفسير سورة الفرقان [7 - 16]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أضل الله المشركين لعنادهم وكفرهم وتعجبهم من كون الرسول صلى الله عليه وسلم بشراً، ومع ذلك يرد الله عليهم بالحجج والبراهين الساطعة، ويرهبهم من دخول النار، ويرغبهم في دخول الجنة، ولا يكون ذلك إلا بالانصياع لأوامر الله، والإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    ذكر ما جاء في سورة الفرقان من تعجب المشركين من كون النبي صلى الله عليه وسلم بشراً من البشر وما جاء من تعجيزهم له، وما جاء من رد الله تعالى عليهم

    الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الفرقان:وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا * انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا * تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا * بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا * إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا * لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا * قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيراً * لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْداً مَسْئُولاً [الفرقان:7-16].

    يخبر الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات عن المشركين الذين تعجبوا من كونه صلى الله عليه وسلم بشراً من البشر، وأنه يأكل الطعام، وأنه يمشي في الأسواق، قال تعالى: وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا [الفرقان:7]، فهم يعجبون من حاله صلوات الله وسلامه عليه، ويطلبون أن ينزل إليه من السماء ملك ليكون منذراً مع النبي صلوات الله وسلامه عليه، أو يلقى إليه كنز، أو تكون له جنة يأكل منها، وهذا من باب التعنت معه صلوات الله وسلامه عليه.

    فهم لا يريدون أن يسمعوا له عليه الصلاة والسلام، ولا يريدون أن يتبعوه في دينه، إنما يريدون وضع العوائق والعقبات أمام دعوته صلوات الله وسلامه عليه، فهم يقولون: إذا كنت تريد أن نقبل منك، فاجعل ملكاً ينزل ويمشي معك في الأرض كي نعرف أنك صادق فنتبعك، أو ينزل عليك كنز من السماء كي نصبح أغنياء، أو يكون لك بستان كبير واسع، وتأكل من هذا البستان، وفي هذه الحالة نعرف أنك رسول حق.

    وهكذا نظروا إلى أشياء مادية على وجه التعنت، وإلا فالتحدي قائم بهذا القرآن على أن يأتوا بكتاب مثله، أو يأتوا بعشر سور مثله مفتريات، أو بسورة من مثله، ولم يقدروا على ذلك، فانصرفوا عن قبول هذا التحدي، إلى وضع العقبات أمامه صلى الله عليه وسلم، وكأنهم يقولون: لا، لن نقبل منك دعوتك، إلا أن تستجيب لنا في ذلك.

    قال تعالى: وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا [الفرقان:8]، أي: تتبعون رجلاً ساحراً، أو رجلاً كغيره من البشر له سحر، يعني: له رئة، يتنفس كما تتنفسون، وله صدر وبطن ويأكل الطعام، فلا ينفع ذلك في أن يكون رسولاً من الرسل عليه الصلاة والسلام.

    هذا الذي قالوه مع علمهم اليقين بأن إبراهيم كان نبياً عليه الصلاة والسلام، وكان بشراً من البشر، وكان يأكل الطعام، وكان يكنى بأبي الضيفان، عليه الصلاة والسلام، فهم يعرفون ذلك، ولكن المقصد من كلامهم التعنت معه صلى الله عليه وسلم ورد ما جاء به.

    فقال الله مكذباً لهم، ومعجباً له من فعلهم: انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ [الفرقان:9]، أي: أنظر إلى تعنتهم وإلى كلامهم الباطل، وإلى هذا الهراء الذي يزعمونه، قال سبحانه: انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا [الفرقان:9]، أي انظر كيف ضربوا لك هذه الأمثال التي يقولونها؛ ليتوصلوا إلى الباطل وليس إلى الحق، فيا للعجب من ذلك؛ لأن الأصل في ضرب المثل: أن يضرب لتقريب المعنى، ولإحقاق الحق، أما ضرب الأمثلة لإبطال الحق، فهذا من العجب، فاعجب لهم، فإنهم يتعجبون من غير عجب، ولكن اعجب لما يقولونه من أشياء باطلة، قال تعالى: فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا [الفرقان:9]، أي: لا يستطيعون للوصول إلى الحق سبيلاً، أو إلى تصحيح ما يقولونه.

    قال تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ [الفرقان:10]، أي: كثرت بركته، تبارك وتعالى وتقدس وتمجد سبحانه وتعالى، الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك، وهذه الأشياء التي يطلبونها هي أشياء يسيرة جداً أمام الله سبحانه، لا قيمة لها، فهو سبحانه إن شاء جعل لك خيراً من ذلك جنات وليس بستاناً واحداً فقط ولا جنة تأكل منها، بل يجعل لك جنات كثيرات، فلو كان الأمر على ذلك لجعل لك تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصوراً، وليس بيتاً من حجر، وليس خيمة، وليس بيتاً من طوب، ولكن قصوراً عظيمة كبيرة، قال تعالى: وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا [الفرقان:10] .

    وقوله تعالى: وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا [الفرقان:10]، هذه قراءة الجمهور بالإدغام على أنها مجزومة، وقراءة ابن كثير وابن عامر وشعبة عن عاصم : ( ويجعلُ لك قصوراً ) على الرفع والاستئناف، أي: أن الله قادر على أن يجعل لك ذلك، قال: وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا [الفرقان:10] .

    ذكر حال أهل النار

    ثم أمر نبيه أن اصرف تفكيرك عن ذلك، فهم قد كذبوا بالساعة فلا تهتم لكلامهم، وقد وقعوا في أعظم الكفر بالله سبحانه، ثم يجادلون في ذلك، قال تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا [الفرقان:11]، ولم يقل: وأعتدنا لهم سعيراً، بل لهم ولغيرهم وكل من كذب بيوم القيامة أعتدنا له السعير، والسعير: النار المستعرة، يعني: شديدة التلهب والاضطرام والإيقاد والاشتعال، فهي سعير، ومنها الكلب المسعور؛ لأنه يجري في كل مكان، ويعلق في أي شيء، فهو مضطرب ويجري نفوراً، فكذلك نار جهنم ترد على أي شيء والعياذ بالله، تقدم عليه وتحرقه وتلهبه فهي مستعرة، والسعر أيضاً: الجنون، فكأنها نار ملتهبة، حتى أنها لا تقدر أن تميز هذا الذي أمامها، أهو عظيم أم حقير؟ فكل من دخل فيها استعرت عليه، والتهبت عليه وأخذته، نسأل الله العفو والعافية.

    وقوله تعالى: وَأَعْتَدْنَا [الفرقان:11]، أي: حضرنا وجهزنا، لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا [الفرقان:11]، وكلمة (لمن) من صيغ العموم، أي: كل من كذب بالساعة أعتدنا له عذاب السعير.

    ويقول سبحانه في هذه النار: إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا [الفرقان:12]، أي: إذا رأتهم النار من مكان على بعد خمسمائة سنة، أي: من مكان بعيد سمعوا لها تغيظاً وزفيراً، وهنا كأنه من باب الاكتفاء في قوله تعالى: سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا [الفرقان:12]، والأصل: سماع الزفير، والزفير: صوت النفس الخارج فيسمع، والتغيظ يرى، فتقول: رأيت فلاناً متغيظاً، وسمعت له صوتاً، فالأصل في ذلك: أنهم سمعوا زفيرها، ورأوا تغيظها عليهم، فالتغيظ لا يسمع، وهذا يسمونه: الاكتفاء بالواحد عن المجموع، فالله سبحانه اكتفى بذكر ذلك، كقوله سبحانه وتعالى: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ [يونس:71]، فالأصل أنه لا يقال: أجمعت الشركاء، وإنما أجمعت عزيمتي، أجمعت رأيي، بمعنى: عزمت على الشيء، ويقول: جمعت الشركاء، فكأن المقصد منها هنا أن يكتفي بواحد من الفعلين، أجمعوا أمركم وجمعوا شركاءكم، فاكتفى بواحد للتعبير عن الاثنين.

    وكحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (رغبة ورهبة إليك)، فهذا فيه الاكتفاء أيضاً، وحمل اللفظ على المجاورة، أي: رغبة إليك ورهبة منك، فاكتفى بواحد من الاثنين عن ذلك.

    ومنه قول الشاعر:

    إذا ما الغانيات برزن يوماً وزججن الحواجب والعيونا

    فقوله: تزجد الحاجب أي: تطوله، لكن العيون لا تطول، فكأنه يقصد: زججن الحواجب وكحلن العيون، فاكتفى بفعل على الاثنين، فهذا من باب الاكتفاء الذي يقولونه، أو المجاورة.

    من أجل ذلك قال تعالى: سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا [الفرقان:12]، أي: كأنهم رأوا لها هذا التغيظ، وسمعوا صوت زفير جهنم، قال تعالى: سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا [الفرقان:12].

    فقوله سبحانه: سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا [الفرقان:12]، وقوله سبحانه: إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ [الفرقان:12]، فيهما دلالة على أنها رؤية حقيقية، تراهم النار حقيقة، وقد جاء في حديث عند الترمذي وفي مسند الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يخرج عنق من النار يوم القيامة، له عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق) .

    والله عز وجل يخلق ما يشاء، فإن نار جهنم يؤتى بها، ويخرج منها هذا العنق، والعنق له أذنان تسمعان، وله عينان تبصران، ولسان ينطق، فيقول هذا العنق: (إني وكلت بثلاثة، بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلهاً آخر، وبالمصورين)، وكل هذا يوم القيامة يخطف هؤلاء إلى نار جهنم والعياذ بالله.

    فيخرج من النار هذا العنق، وهو ذراع يخرج من النار، يبصر ويسمع ويتكلم ويخطف هؤلاء من الموقف، ويجعلهم في نار جهنم والعياذ بالله، وهذا حديث صحيح، وفيه أنه وكل بثلاثة: بكل جبار عنيد، أي: بكل إنسان فيه جبروت، وفيه معاندة لدين رب العالمين سبحانه، وبالمشركين ممن دعوا مع الله إلهاً آخر، وبالمصورين، الذين يصورون الصور، وينحتون التماثيل، ويصنعون الأصنام، والذين يرسمون فيضاهون خلق الله سبحانه، فقد وكل الله بهم هذا العنق يوم القيامة.

    يقول سبحانه: وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ [الفرقان:13] ، و ضَيِّقًا [الفرقان:13]، قراءة الجمهور، وقراءة ابن كثير : (وإذا ألقوا منها مكاناً ضَيْقاً مقرنين دعوا هنالك ثبوراً)، فقوله تعالى: وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا [الفرقان:13]، أي: أن هذا الكافر وهذا المشرك الذي يدخل النار يلقى منها في مكان ضيق.

    والنار واسعة جداً والعياذ بالله، وقعرها بعيد جداً، ومع ذلك يضيق الله سبحانه وتعالى على أهل النار الأماكن التي هم فيها، فيلقى كل هؤلاء الكفار في مكان ضيق فيها، والنار لا تكتفي بذلك، بل كلما ألقي فيها فوج وسألهم خزنتها، قالت: هل من مزيد؟

    فالخزنة يسألونهم ألم يأتكم نذير؟ يقولون: بلى، والنار تقول: هل من مزيد؟ ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزال تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع الجبار فيها قدمه، فتقول: قط قط اكتفيت اكتفيت)، أي: لن أقول ذلك مرة أخرى.

    يقول سبحانه وتعالى: وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ [الفرقان:13]، أي: أن كل إنسان مع قرينه، ومع مشاكله، ومع صاحبه، فرفيق السوء يكون مع رفيقه، والإنسان يكون مع شيطانه، ومع من كان يستهويه من الجان في نار جهنم، مقترناً معه، موثقاً مكتفاً معه، فالإنسان والقرين الاثنان في النار، وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ [الفرقان:13]، أي: مربوطين بعضهم ببعض، قال تعالى: دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا [الفرقان:13]، أي: استيقنوا من العذاب، فدعوا بالثبور، والثبور: الهلاك، أي: يدعون على أنفسهم بالموت، من أجل أن يستريحوا مما هم فيه، دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا [الفرقان:13]، أي: هلاكاً، فيقال لهم: لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً [الفرقان:14]، أي: لا تدعو اليوم موتاً واحداً، بل ادعوا موتاً كثيراً، وادعوا ما شئتم، فليس هناك موت.

    ذكر حال أهل الجنة

    قال تعالى: قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ [الفرقان:15]، وهذا من جمال كتاب رب العالمين أنه عندما يذكر لنا النار، ويكون الإنسان مستشعراً غضب رب العالمين سبحانه، ويستشعر الخوف الذي قد يدفعه إلى أن يظن أنه قد ضاع وأيس من الرحمة، يفتح سبحانه باب الرحمة، ويرينا كما أن هناك نار، فهناك جنة أيضاً، فيجعل الله الإنسان بين الترغيب والترهيب، رهبه وخوفه، ثم رغبه ومناه، قال تعالى: قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ [الفرقان:15]، أي: هل هذا الذي هم فيه خير، أم الجنة؟ قال تعالى: أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ [الفرقان:15]، أي: جنة الخلود، فأهل النار يدعون بالثبور والهلاك على أنفسهم، وأهل الجنة يلقون فيها تحية وسلاماً، حياة دائمة خالدين فيها، فهم يخلدون فيها ولا يخرجون منها.

    نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أهلها.

    فقوله تعالى: قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ [الفرقان:15]، أي: هل هذا خير، أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ [الفرقان:15]؟ فقد وعد الله عز وجل المتقين الذين اتقوا غضب الله، أن لهم هذه الجنة جزاءً على ما قدموا من عمل، ومصيراً يصلون إليها، فالمصير والنهاية الدخول إلى هذه الجنة، جزاءً بما كسبوا وبما عملوا من أعمال صالحة.

    ولهم في هذه الجنة، كما قال تعالى: لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ [الفرقان:16]، فكلمة: (ما) من ألفاظ العموم، فكل ما يتمناه الإنسان يجده في الجنة، والله عز وجل يقول لهم: تمنوا، ماذا تريدون؟ فيتمنى أهل الجنة ويتمنون، والله عز وجل يذكرهم، وكذا وكذا، فيتمنون ويذكرهم وكذا وكذا، فيعطيهم سبحانه وتعالى، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

    قال تعالى: لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ [الفرقان:16]، هذا الذي هم فيه ليس لزمن محدود يتمتعون به، فالله يطمئنهم، فيقول: وأنتم خالدون فيها، ولن تخرجوا منها أبداً، قال تعالى: لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا [الفرقان:16]، أي: كان هذا الأمر على ربك سبحانه وعداً ألزم نفسه به، وأوجبه على نفسه، ولا أحد يوجب على الله عز وجل شيئاً، ولكن هو الذي أوجب على نفسه، فقال: كان هذا الأمر وعداً عليَّ، مَسْئُولًا، أي: الملائكة تسأل ربها، كما قال تعالى: رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ُ [غافر:8] ، فالملائكة تسأل ربها سبحانه: أن يدخل المؤمنين الجنة، والمؤمنون يسألون ربهم سبحانه وتعالى، وقد عرف الله عز وجل المؤمنين جنته؛ حتى يسألوه إياها، فهذا كان وعداً من الله، فقد أمر عباده أن يطلبوا الجنة فسألوه إياها، فبشرهم وأدخلهم جنته، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أهل جنته.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.