إسلام ويب

تفسير سورة المؤمنون [57 - 66]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بين الله عز وجل في كتابه صفات عباده المؤمنين من أجل أن يتصف بها المسلم، ويتخلق بها في حياته، ويظهرها في سلوكه، فوصفهم الله عز وجل بأعظم الصفات وأفضلها وأرقاها، فهم في خشية منه سبحانه، مؤمنون به، بعيدون عن الشرك، خائفون وجلون منه سبحانه، مع مسابقتهم بالخيرات بين يديه تقرباً إليه. ومن رحمته سبحانه بخلقه أنه لم يكلفهم ما يشق عليهم، أو يوقعهم في الحرج، وإنما كلفهم ما يستطيعونه ويقدرون عليه، ومع هذه الرحمة منه سبحانه بعباده إلا أن الكفار بعيدون عن هديه ودينه، معرضون على شرعه وكتابه، لا يعرفونه إلا وقت الشدائد والأزمات.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون ... أنهم إلى ربهم راجعون)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    قال الله عز وجل في سورة المؤمنون: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ * وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ * حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ * لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنصَرُونَ * قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ [المؤمنون:57-66].

    أخبر الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات عن صفات للمؤمنين ترفعهم عند الله سبحانه وتعالى.

    ومن أهم هذه الصفات: الخشية من الله سبحانه وتعالى، والإيمان بآيات الله، وعدم الشرك بالله سبحانه، والخوف من عدم قبول الأعمال، قال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ [المؤمنون:57]، أي: أنهم يخافون من الله سبحانه وتعالى، ويشفقون من لقائه.

    فكل إنسان منهم يتهم نفسه في معاصيه لعلها لا تغفر له، ويتهم نفسه في طاعته لعلها لا تقبل منه، كما قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ) فهم قد عرفوا قدرة الله سبحانه، وعرفوا عذابه فكانوا مشفقين من عذابه.

    قال تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ [المؤمنون:58]، أي: أنهم صدقوا بكل ما جاء من عند رب العالمين سبحانه، وعملوا بمقتضى هذا التصديق، قال تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ [المؤمنون:59]، أي: أنهم لما صدقوا لم يجعلوا مع الله إلهاً آخر يتوجهون إليه بالعبادة، ولم يشركوا في عبادتهم لله عز وجل شيئاً، ولم يراءوا ولم يسّمعوا بعملهم، وإنما عملوا لله مخلصين له في دينه.

    قال تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [المؤمنون:60]، جاء في الحديث أن السيدة عائشة رضي الله عنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هؤلاء الذين: يُؤْتُونَ مَا آتَوا، قالت: (أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون وهم مشفقون خائفون من الله عز وجل؟ فقال: لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون ألا يقبل منهم أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون).

    فالإنسان المؤمن يصوم ويصلي ويتصدق ويفعل الطاعات، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويخشى ألا يقبل منه ذلك فهو يخلص لله سبحانه وتعالى، ويتوجه إليه بالدعاء أن يستجيب له سبحانه، وأن يتقبل منه هذا العمل، قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا) أي: أنهم عملوا أعمالاً سجلتها الملائكة، فآتوا الملائكة ما يكتبونه في الكتب التي بأيديهم.

    وقوله: (وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ)، أي: أنهم يعلمون أنهم سيرجعون إلى الله وسيقفون بين يديه، وأنه سيحاسبهم ويجزيهم سبحانه، فخافوا من ذلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أولئك يسارعون في الخيرات ...)

    قال الله عز وجل يمدحهم: أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ [المؤمنون:61]، أي: ويسابقون فيها، والخير لا بد أن يسبق إليه الإنسان المؤمن، كما قال الله عز وجل: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ [الحديد:21]، وقال تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران:133].

    فالإنسان المؤمن يسارع ويسابق إلى الخير، وأما الشر فهو بطيء عنه ومتباعد عنه، فلا يريد أن يقع فيه؛ لأنه يخاف من الله. فأولئك المؤمنون (يسارعون في الخيرات) أي: في جميع وجوه الخير، وهذه عادة الإنسان المؤمن أنه يحاول أن يحصل الطاعة من كل وجوهها، ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فإذا قدر أتى بالفريضة، والنافلة، وأتى بكل ما أمر الله عز وجل به ما استطاع سبيلاً إلى ذلك، فهو يسارع في الخيرات، ويخشى أن يسوف.

    وأما الإنسان طويل الأمل فإنه يبدأ ويقول: غداً سوف أصلي وغداً سوف أصوم وغداً سوف أتوب وغداً سوف أعمل كذا، ثم لا يأتي غداً هذا الذي يزعمه، وقد يأتي عليه الموت قبل أن يتوب، وأما الإنسان المؤمن فإنه يسارع؛ لأنه لا يدري ما الذي سيحدث له بعد ذلك، فهو يفعل الخير الذي نواه، ولا يؤجله، فلعله يموت قبل أن يفعله، وإن كانت نية الخير يؤجر عليها، ولكن فرق بين من نوى وعمل، وبين من نوى ولم يعمل.

    والإنسان الذي يعمل تضاعف له الحسنة بعشر أمثالها، إلى أضعاف مضاعفة مما يشاء الله سبحانه، وأما الذي نوى ولم يعمل فلعل الذي منعه عن العمل بخله بالطاعة، فتكون لا له ولا عليه، ولعل الذي منعه شيء من قدر الله سبحانه وتعالى ولو استطاع لفعل، فهذه يأجره الله عز وجل وقد يضاعف له، ولكن ليست المضاعفة للإنسان الذي نوى وعمل كالمضاعفة للإنسان الذي نوى ولم يعمل، والأمر إلى الله سبحانه يفعل ما يشاء.

    فالإنسان المؤمن يحرص على ألا تضيع منه طاعة من الطاعات، وألا يضيع عليه أجر من الأجور، فهو يسارع ويسابق بالخير كي يملأ كتابه عند ربه سبحانه من الثواب ومن الحسنات، كما قال تعالى: (أُوْلَئِكَ)، أي: المؤمنون (يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ)، أي: سبقت لهم من الله عز وجل السعادة فسارعوا في الخيرات، وقالوا: معناها: هم من أجل الخيرات سابقون فهم مسابقون لغيرهم، وسابقون لهم في الطاعة، كما قال تعالى: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:26] قال تعالى: (وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ)، أي: لجنة رب العالمين هم من السابقين الذين يحرصون على ذلك، فسبقوا غيرهم، وسبقت لهم من ربهم الحسنى، فهم سابقون.

    وقد قال الله عز وجل عن هؤلاء: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا [الأنبياء:101]، أي: عن النار، مُبْعَدُونَ [الأنبياء:101].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا نكلف نفساً إلا وسعها ...)

    قال الله سبحانه: وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [المؤمنون:62].

    لما ذكر الله عز وجل الخيرات والمسارعة إليها فلعل الإنسان يقول: لا أطيق أن أفعل كل شيء، فالله عز وجل يقول له: لا يكلفك الله كل شيء وأنت لا تقدر عليه، ولكن افعل ما استطعت، فما تستطيع إليه سبيلاً فافعله وسارع إليه، كما قال تعالى: (وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)، وقال تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، وقال تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا [الطلاق:7].

    فلا يكلفك الله عز وجل من العمل إلا ما تطيق، بل دون ما تطيق، وكل ما فرضه عليك فهو أقل مما تطيق، وانظر مثلاً إلى الصلاة، فقد كلفك الله عز وجل بخمس صلوات في اليوم والليلة، فأنت تصلي في اليوم والليلة خمس صلوات، سبع عشرة ركعة، وأنت تصلي معها نوافل اثنتي عشرة ركعة وزيادة، فأنت تطيق أكثر مما فرض الله سبحانه وتعالى عليك، وقد يقوم الإنسان من الليل قياماً طويلاً وهو يطيق هذا القيام، ويأتي رمضان على الإنسان فيصلي التراويح، ويصلي التهجد، ويصلي الفريضة، ويصلي نوافل بالليل وبالنهار، فهي صلوات كثيرة يطيقها الإنسان، والله عز وجل لم يكلفك كل هذا، وإنما كلفك بخمس صلوات في اليوم والليلة، وأما الباقي فهي نافلة إن شئت فعلت، وإن شئت لم تفعل، فالله سبحانه فضله عظيم، قال تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286].

    وفي الإنفاق يأمرك أن تنفق، فتبدأ بالنفقة الواجبة عليك، فيقول لك النبي صلى الله عليه وسلم: (أبدا بنفسك، ثم بمن تعول)، فلست مكلفاً بأن تعطي كل العائلة مالاً إذا كنت لا تملك شيئاً، بل لا تعط أحداً حتى تبدأ بنفسك أنت.

    فإن كان معك أكثر من ذلك فإن عليك أن تعول أولادك، وزوجتك، وخادمك، وأمك وأباك، فتبدأ بالأهم وبعد ذلك بالمهم وهكذا، فتكلف في الإنفاق أن تنفق بقدر الواجب الذي عليك، وإذا فرض الله عليك الزكاة كلفك أن تخرج ما لا يشق عليك، وقد شرعت الزكاة للرفق والمواساة، فكانت الزكاة مبناها على أمر الرفق بالمعطي الغني الذي يعطي هذه الزكاة، والمواساة للإنسان الفقير، من غير أن تضر بمالك، فجعلت الزكاة في الذهب والفضة ربع العشر، أي: اثنين ونصفاً في المائة، وهو شيء يسير لا يشق عليك، كما قال تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286].

    وأما زكاة الزروع والثمار إذا كانت تروى بالسقي وبالتعب منك فإن الواجب في ذلك نصف العشر، وأما إذا كانت تسقيها الأمطار ولا تتعب فيها فإن الواجب في ذلك العشر، والواحد من العشرة أو الواحد من العشرين شيء يسير، فالله عز وجل بفضله وبكرمه جعل الإنفاق الواجب عليك شيئاً يسيراً وليس شيئاً كثيراً.

    وعندما أمرك أن تحج إلى بيته الحرام لتطيع الله وتوحده سبحانه، وتقيم الشعيرة الذي نادى إليها إبراهيم، فإنه لو شاء لجعله واجباً عليك كل سنة، ولكنه جعل الحج والعمرة في العمر كله مرة واحدة، كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لما سألوه عندما قال: (إن الله فرض عليكم الحج فحجوا قالوا: أكل عام يا رسول الله؟ قال: لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم ...) إلى آخر الحديث، فجعل الحج والعمرة مرة واحدة، وهذه المرة الواحدة أيضاً مقيدة بالاستطاعة والقدرة، كما قال تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97].

    وهكذا في كل طاعة لله سبحانه لا يُكلف الإنسان ما يشق عليه فيستحيل أن يفعله، وإنما يكلف بالشيء الذي قد يكون فيه شيء من الجهد والتعب حتى يؤجر، وهو أيضاً يقدر على ذلك، ويقدر على ما هو أشبه به.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (بل قلوبهم في غمرة من هذا ...)

    ولكن كأن الكتاب الذي ينطق عليك بالحق يكون يوم القيامة، تأخذه من صحيفة الحسنات وصحيفة السيئات.

    قال سبحانه: بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ [المؤمنون:63]، يعني: هؤلاء الذين أشركوا بالله وكذبوا الرسول صلوات الله وسلامه عليه معرضون عن الكتاب، ومعرضون عن نصح ربنا ونصح نبينا صلوات الله وسلامه عليه، وقلوبهم في غمرة، أي: مغمورة، تقول: هذا الغمر مغطٍ وجه الأرض، فالقلوب مغطاة، أي: عليها أغلفة وحجب وعماء، فهم في عماء وفي غطاء وفي غفلة وفي عماية عن القرآن، وعن هذا النصح الذي في كتب الله سبحانه وتعالى، كما قال تعالى: (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ).

    فقلوب هؤلاء المشركين وقلوب هؤلاء الفجار والعاصين في حيرة، وفي عمى عما وصف الله عز وجل من أعمال البر، فهم عنها معرضون، فيسمعون الأمر بالصلاة ولكن القلوب غافلة، وليست حاضرة، ويسمعون الأمر بالصيام ويرون الناس صياماً في رمضان وهم مفطرون يشربون السجائر ولا يريدون أن يصوموا.

    فقلوبهم في غفلة، وهم غافلون عن العقوبة التي تكون يوم القيامة وغافلون عن عذاب الله سبحانه وتعالى، وهنا يخبرنا سبحانه: أن لهم أيضاً أعمالاً من دون ذلك.

    فالقلوب في غفلة عن الثواب، وهم معرضون عن الأعمال الصالحة، وأعمالهم دون الصلاح، أي: أنها من الأعمال الفاسدة والرديئة، يعني: ولهم أعمال في المعاصي رديئة وقبيحة أيضاً يفعلونها.

    فهم في إعراض عن الطاعة وعن الصلاة وعن الصوم، وعن الأفعال التي يتسابق بها المؤمنون إلى الله عز وجل، فهؤلاء العصاة في غفلة عن ذلك، وزيادة على ذلك هم في معاص وذنوب وأعمال دون ذلك. (هُمْ لَهَا عَامِلُونَ)، أي: من معاص ونحو ذلك، فلهم خطايا قد سجلها الله عز وجل وكتبها عليهم قبل ذلك.

    قال تعالى: (وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ)، أي: نحن نعلم أنهم سيعملون معاصي، وقد كتبنا ذلك عندنا، وسيفعلون ما قلناه، فيقعون في المعاصي يوماً من الأيام فقوله: (هُمْ لَهَا عَامِلُونَ)، أي: سيعملونها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون)

    قال تعالى: حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ [المؤمنون:64].

    والإنسان المترف: هو المنعم، فتنعم الإنسان في الدنيا مدعاة إلى الترف، ومدعاة إلى البعد عن الله، فتجد المنعم المرفه ينام الليل ولا يقوم لصلاة الفجر؛ لأن السرير أحلى عنده من أن يقوم لله سبحانه وتعالى.

    فهم مترفون قد أترفوا بالنعم التي من المفروض على الإنسان أن يشكر الله عز وجل عليها، وأن يقدرها بالشكر، وأن يقدم العمل الصالح الذي يوفقه الله عز وجل به لأن يدخل الجنة، ولكن هؤلاء لا يشكرون الله على نعمه، بل يعرضون عنه، ومنهم المشركون الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فإنهم لما رأوا أن الله عز وجل أنعم عليهم بالنعم أشركوا في عبادته وعبدوا غيره سبحانه، وجعلوا بهيمة الأنعام قسمين: فقسم لله وقسم لآلهتهم، فما كان لله فإنه يصل إلى آلهتهم، وما كان لآلهتهم فلا يجعلونه لله ولا يصل إلى الله.

    فهؤلاء المشركون لما أنعم الله عز وجل عليهم عبدوا غيره، فإذا جاءتهم البأساء والضراء يدعونه وحده سبحانه وتعالى، فلما تعنتوا على النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليهم ربه سبحانه فقال: (اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف)، أي: مثل السنين التي أصابت أهل مصر، أي: سبع سنوات عجاف، فطلب من ربه أن يضيق عليهم، لكي يرجعوا إليه، فقد كانت عادتهم أنهم في وقت الرخاء يشركون، وفي وقت البلاء يهرعون إلى النبي صلى الله عليه وسلم: ادع لنا ربك، كما فعل بنو إسرائيل مع موسى، وكما فعل فرعون مع موسى.

    قال سبحانه: (حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ)، والعذاب هنا هو العذاب الدنيوي؛ لأن العذاب الأخروي لن يرجعوا منه مرة أخرى، وأما في الدنيا فقد يتوبون ويرجعون إلى الله عز وجل، فيكشف عنهم العذاب، وأما يوم القيامة فلا كشف للعذاب عن هؤلاء.

    قالوا: والمقصد من هذا العذاب -أي: ما كان من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم عليهم- هو ابتلاؤهم، فإذا بهم يجأرون، أي: يصرخون ويضجون ويستغيثون ويرفعون أيديهم لربنا ليكشف عنهم هذا البلاء الذي هم فيه، فقد ابتلاهم الله عز وجل بالقحط، وبالجوع، حتى أكلوا العظام والميتة والكلاب والجيف والجلود، فما وجدوا شيئاً إلا وأكلوه.

    فلما اشتد عليهم الأمر ذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وجلسوا يبكون ويطلبون منه صلى الله عليه وسلم أن يدعو لهم، وكان رحيماً صلى الله عليه وسلم، فدعا ربه سبحانه أن يكشف عنهم هذا العذاب، وقد ذكر الله عز وجل في سورة الدخان أنه سبحانه وتعالى أرسل عليهم هذه الشدة العظيمة، وبعد ذلك قال: إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ[الدخان:15]، أي: سترجعون وتكفرون مرة ثانية، وفعلاً رجعوا إلى ما كانوا عليه ولم يدخلوا مع النبي صلوات الله وسلامه عليه، فكأن هذه الآية إشارة إلى ذلك، وفصلها في سورة الدخان.

    قال سبحانه: (حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ)، أي: بالعذاب في الدنيا، سواء ما كان من القحط الذي نزل عليهم، أو ما كان من القتل بالسيف في يوم بدر، وقتل رؤسائهم، فإذا هُمْ يَجْأَرُونَ، أي: الذين بقوا يجأرون ويضجون إلى الله عز وجل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون ... فكنتم على أعقابكم تنكصون)

    قال سبحانه: لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنصَرُونَ [المؤمنون:65]، أي: إذا جاء عليكم العذاب فلن تقدروا أن تمتنعوا من بطشنا ومن عذابنا. (إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنصَرُونَ)، وكأن المعنى: أن هؤلاء الذين قتلوا لا أحد يجيرهم، ولذلك وقف عليهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم في قليب بدر يناديهم صلى الله عليه وسلم: (يا عتبة بن ربيعة! ويا شيبة بن ربيعة! ويا وليد بن عتبة! ويا أبا جهل بن هشام هل وجدتهم ما وعد ربكم حقاً؟ فيقول له عمر: ما تسمع من أجساد قد جيفت -يعني: لا تسمع قولك- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما أنتم بأسمع منهم)، فالله عز وجل أسمعهم ما قاله النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقد وجدوا ما وعد ربهم حقاً ولم يعد لهم الآن توبة ولا شيء، فقد صاروا أمواتاً، وصاروا إلى النار.

    وأما هؤلاء الأحياء فرجعوا يتعنتون، وجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في يوم أحد، ثم رجعوا بعد ذلك في الخندق، إلى أن أعز الله عز وجل جنده، وقال لهؤلاء: (لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ)، أي: لا تصرخوا، ولا تستغيثوا. (إِنَّكُمْ مِنَّا) أي: من عذابنا (لا تُنصَرُونَ) قال تعالى: قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ * مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ [المؤمنون:66-67]، أي: قبل ذلك -قبل أن ينزل عليكم هذا العذاب بالقتل وبغيره- كانت تتلى عليكم هذه الآيات، (فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ)، أي: تعرضون عن سماع النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ملأ الكبر قلوبهم، وجعلهم يعرضون عن سماع ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم، وعن الاستفادة منه.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.