إسلام ويب

تفسير سورة المؤمنون [51 - 60]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يذكر الله سبحانه وتعالى أن دينه واحد لجميع الأمم والأنبياء والرسل، فهو دين يدعو إلى الخير ويحارب الشر، ومع ذلك لما جاء البشر العلم والطريق الصحيح اختلفوا فيه وتفرقوا إلى فرق وأحزاب وطوائف، كل حزب بما لديه متمسك وفرح، وكل حزب يحسب أنه على الصواب وأنه على هدى، وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كل أمة أو فرقة تبعث يوم القيامة على ما كانت عليه من دين، وفي ذلك اليوم يتبرأ النبي صلى الله عليه وسلم ممن أحدثوا من أمته من بعده وغيروا وبدلوا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإن هذه أمتكم أمة واحدة ... كل حزب بما لديهم فرحون)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة المؤمنون: وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ * فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ * أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ [المؤمنون:52-61].

    لما أمر الله عز وجل الرسل عليهم الصلاة والسلام بأن يأكلوا من الطيبات، وأن يعملوا صالحاً، وأخبر أنه بما يعملون عليم، وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله عز وجل أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة:172]، وقال: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [المؤمنون:51])، فذكر أن الرسل مأمورون بأن يأكلوا من الطيبات، وأن المؤمنين كذلك مأمورون بما أمر به المرسلون عليهم الصلاة والسلام، والله بما يعمل الجميع عليم سبحانه، وفيها من التهديد ما فيها، أن الإنسان إذا لم يأكل من الحلال ويترك الحرام فالله به عليم، وإذا كان الله عليماً بما يعمل هذا الإنسان فسوف يحاسبه ويعاقبه، ولا مفر له من ربه سبحانه وتعالى إلا أن يتوب إلى الله.

    ثم قال الله سبحانه: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً)، وقد قلنا: إن كلمة (أمة) تأتي بمعانٍ عدة، والمعنى المقصود هنا: أن الأمة بمعنى: الملة، أي: وإن هذه ملتكم، فهي ملة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، والملة التي ارتضاها الله عز وجل هي الدين، قال تعالى: ورَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3]، فهو دين الإسلام، والمعنى: إن هذا دينكم دين واحد، وهو دين التوحيد، وهي عقيدة واحدة أُرسل بها جميع الأنبياء والمرسلون عليهم الصلاة والسلام، يدعون إلى قوله تعالى: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [المؤمنون:32]، أي: يدعون إلى (لا إله إلا الله) إلى دين واحد، وأخبرنا سبحانه وتعالى أنهم يتفرقون في ذلك، فقال تعالى: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)، وأخبر الله سبحانه بقوله: وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [هود:118-119]، فلا يزال الناس مختلفين، والله عز وجل يعلم ذلك، وخلقهم وقدر عنده ما يكون من أمر عباده، فالعباد مهما جاءهم من عند الله من كتاب أو شريعة فمنهم مؤمن ومنهم كافر، والمؤمنون منهم لا يزالون مختلفين فيما بينهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الأمة: (وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة)، فكلهم يقولون: لا إله إلا الله، ولكن يتنازعون فيما بينهم في أشياء؛ فيفرقون دينهم، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [الأنعام:159]، فقد تبرأ النبي صلى الله عليه وسلم ممن اتخذ دينه لعباً، وممن اتخذ دينه فرقة يفرق فيه بما يشاء ويتبع هواه، ويتبع غير سبيل المؤمنين، والله سبحانه وتعالى يحذرنا من التفرق.

    وقال تعالى: إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ [الأنبياء:92]، فالرب واحد، وبذلك يكون الدين واحداً، والله سبحانه وتعالى هو الرب وهو الذي شرع هذا الدين سبحانه، فالعبيد عبيد لله سبحانه، فلا بد أن يتبعوا منهج الله فيكونوا على ملة وعلى دين واحد، ولكن جاء الشيطان فنزع الناس من دين ربهم إلى الأهواء فـ (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)، أي: كل إنسان فرحٌ بما هو فيه من أهواء، ومن بعد عن دين الله، ويظن أنه على الحق.

    قال سبحانه: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا)، أي: تقطعوا أمر دين رب العالمين، وأمر شرعه سبحانه، تقطعوه فيما بينهم، فكل إنسان أخذ بشيء واتبع هواه في أشياء، فتقطعوا الدين زبراً، والزبر: القطعة، أي: كل واحد أخذ قطعة منه ولم يتوحد الجميع، والله سبحانه وتعالى يقول: خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ [البقرة:63]، فالإنسان المؤمن يأخذ دين الله سبحانه كتاباً وسنة، ولكن الذي ينزع بشيء فيأخذه ويترك باقي الأشياء، فهذا من الذين اتبعوا أهواءهم.

    قال تعالى: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا)، أي: قطعاً، (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)، أي: هؤلاء يفرحون بهذا الجزء وهؤلاء بهذا الجزء، وكل منهم يتمسك بشيء ويترك أشياء لا يأخذ بها، فيفرح بما أخذ ولا ينعى على نفسه أنه ترك باقي هذا الدين العظيم.

    وأهل البدع وأهل الضلال كل إنسان منهم يقول: لا إله إلا الله، لكنه يبتدع ويخترع في دين الله، ويفرح بما اخترعه وابتدعه، ويظن أنه على شيء، فهو ترك الكتاب وترك سنة نبيه صلى الله عليه وسلم وفرح ببدعته، ولعله يترك واجبات من واجبات الدين، ويظن أنه على خير، ويظن أنه على صلاح وعلى تقوى، والله عز وجل يخبر عن حال هؤلاء أهل البدع والأهواء أنهم فرحون بما هم فيه.

    ولذلك كان صاحب المعصية قد يرجى أن يتوب سريعاً إلى الله سبحانه وتعالى، وصاحب البدعة تتباطأ عنه توبته، وصاحب المعصية يعرف أنه عاصٍ، فلعله يندم على المعصية ويتوب، أما صاحب البدعة فهو فرحٌ بما هو فيه، فلذلك لا يراجع نفسه، فقلَّ أن يتوب صاحب البدعة ويراجع أمر دينه ويرجع إلى ربه سبحانه وتعالى، فالله سبحانه وتعالى وسم هؤلاء بأنهم في فرح بالذي هم فيه، ويظنون أنهم على شيء، ويحسبون أنهم مهتدون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فذرهم في غمرتهم حتى حين)

    قال تعالى: فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ [المؤمنون:54]، يقول الله للنبي صلى الله عليه وسلم: لا يضيق صدرك من عمل هؤلاء الذين فرقوا الدين، والذين تأخروا عن دين الله سبحانه، وقد قلنا: إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى الخلق جميعهم، فيقال: هذا نبينا صلى الله عليه وسلم وهذه أمته، والأمة: إما أمة الدعوة وإما أمة الإجابة، وكلا الأمتين تتفرق، وأمة الدعوة هي التي بعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فيهم الذكر والأنثى، وفيهم الإنسان التقي وفيهم الشقي، وفيهم من أهل الأوثان وأهل عبادة الصليب واليهود وغير ذلك، فأمة الدعوة: كل من يدعوهم النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أرسل إليهم، وقد أرسل إلى جميع من هم على الأرض في عهده إلى يوم القيامة، وأما أمته الذين يأتي إمامهم يوم القيامة: فهم الذين استجابوا له صلوات الله وسلامه عليه، وقالوا: لا إله إلا الله.

    فالله سبحانه وتعالى أخبر عن هذه الأمة كلها أنهم لا يزالون مختلفين، فيأتي اليهود على ما هم فيه، والنصارى على ما هم فيه، وأهل الأوثان على ما هم فيه، ويأتي المسلمون الذين يقولون: (لا إله إلا الله) يدخلون في الدين يخترعون ويبتدعون ويتركون دين الله سبحانه، ويخبر عنهم يوم القيامة أنهم يذادون عن حوضه يوم القيامة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليذادن أقوام عن حوضي يوم القيامة فأقول: أصحابي أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: ألا سحقاً ألا سحقاً، ألا بعداً ألا بعداً)، يقول: بعداً لهؤلاء الذين أحدثوا، وهم كانوا يقولون: لا إله إلا الله، ولكنهم ابتدعوا في دين الله وفرقوا دينهم، فلما جاءوا يوم القيامة جاءوا مسلمين، وعلامات الصلاة بادية في وجوههم من آثار السجود، وفي أيديهم وفي أرجلهم، ولكنهم لما كادوا يصلون إلى حوض النبي صلى الله عليه وسلم أبعدوا عنه؛ لأنهم ابتدعوا في دين الله سبحانه، فكل إنسان يترك دين الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم يخشى عليه أن يأتي يوم القيامة فيذاد عن حوض النبي صلى الله عليه وسلم، أي: يدفع ويبعد عن حوضه، ويقول له النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا بعداً) أي: لمن أحدث بعدي، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث: (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار)، وقال صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في ديننا هذا ما ليس منه فهو رد)، وقال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، والذي يحدث في دين الله ويعمل عملاً ليس عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم ولا جماعة المسلمين فأمره مردود عليه، مهما زعم أنه يتقرب إلى الله عز وجل بذلك.

    فالله سبحانه نزل الكتاب وأرسل رسوله صلى الله عليه وسلم حتى يتبع الناس ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ [الأعراف:3]، أي: لا تتبعوا شركاء من دون الله سبحانه، ولكن اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم، وقال تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف:108]، فالمؤمنون على بصيرة من دينهم يتعلمون أمر دينهم، ويتبعون الكتاب وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، حتى يكون إمامهم يوم القيامة النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    أما أهل الأهواء فيتبعون ما يخترعون، قال تعالى: (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ).

    يقول تعالى: (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ) والغمرة: ما يغمرك، وهو الشيء الذي يغمر الإنسان ويغطيه، ومنه الغمر: الماء الكثير الذي يغمر الأرض ويغمر ما تحته، فقوله تعالى: (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ)، أي: في عمايتهم، وفي ضلالتهم، وفي حيرتهم، وفي شكهم، وفي ابتعادهم عن دين الله سبحانه وتعالى، وفيما طبع على قلوبهم من غشاوة وغلاف، فذرهم في ذلك واتركهم، ولا تحزن عليهم، فنحن سنحاسبهم ونعذبهم.

    وقوله تعالى: (فَذَرْهُمْ) كلمة وعيد وتوعد من الله تعالى، وما جاءت هذه الكلمة في القرآن كله إلا بمعنى الوعيد، قال تعالى: (حَتَّى حِينٍ)، لو قال: (إلى حين) فقد يكون فيها شيء من المتاع، وشيء من الراحة، ولكن (حَتَّى حِينٍ) معناها: اصبر عليهم فسنريهم حتى يأتيهم العذاب أو حتى يأتيهم الموت فيحاسبهم الله سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين ... بل لا يشعرون)

    ثم يقول سبحانه: أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ [المؤمنون:55-56].

    قوله: (أَيَحْسَبُونَ)، قرأها نافع وابن عامر وحمزة وأبو جعفر: (أيحسِبون)، وقرأها باقي القراء: (أيحسَبون).

    وقوله: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ) أي: هل تظنون أننا كلما أعطيناكم من مال وأمددناكم ببنين وذرية معناه: أنكم من أهل الخير وتستحقون الخير؟ هل هذا دليل على استحقاقكم عند الله يوم القيامة الجنة والنعيم؟

    إن الدنيا قد يعطيها الله عز وجل من يحب ومن لا يحب، فعطاء الله للناس في الدنيا ليس دليلاً على أنه يعطيهم يوم القيامة أيضاً، بل قد يكون إملاء واستدراجاً لهم، ولهذا قال تعالى: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ)، أي: ما نعطيهم في هذه الدنيا، وقوله تعالى: (مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ)، فليس معنى هذا: أننا نسارع في إعطائهم الخيرات من أجل أن نعطيهم خيرات يوم القيامة، فهذه الخيرات معجلة لهم في الدنيا ولا خير لهم في الآخرة، فهم لم يحسوا أننا نملي لهم، قال تعالى: وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [الأعراف:183].

    وقوله تعالى: (بَل لا يَشْعُرُونَ) أي: فهم في غفلة، فالإنسان في غفلة وفي نوم حتى إذا مات استيقظ من هذا النوم، وقام من رقدته ومن غفلته، فالدنيا غفلة للإنسان وحلم من الأحلام، إذا مضى هذا الحلم وجاءه الموت واستيقظ يرى الواقع الأليم الذي كان عليه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون ... والذين هم بربهم لا يشركون)

    ثم ذكر المؤمنين الصالحين الذين يتقربون إلى الله سبحانه وتعالى بالعمل الصالح وقلوبهم وجلة، وما أكثر الصفات الحسنة في المؤمنين التي يذكرها الله عز وجل في كتابه، فيذكر في سورة بعضاً من الصفات وفي سورة أخرى بعضاً آخر منها، فبدأ هذه السورة بقوله سبحانه: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ [المؤمنون:1-4]، إلى آخر ما ذكر، ثم ذكر صفات أخرى لهؤلاء المؤمنين في نفس السورة، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ [المؤمنون:57]، فالمؤمن يخشى ربه سبحانه، وقلبه ممتلئ خوفاً ووجلاً من الله سبحانه وتعالى، فيعمل الأعمال الصالحة وهو خائف ألا تقبل هذه الأعمال فكيف يكون حاله إذا عصى الله سبحانه! وما من إنسان إلا ويقع في معصية، مؤمن وغيره، والله عز وجل تواب رحيم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون).

    فهؤلاء المؤمنون يعملون الطاعة خائفين من الله عز وجل ألا يقبلها منهم، فهل يتخيل في هؤلاء أنهم يعصون الله وهم غير مشفقين؟! قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ)، أي: خائفون وجلون من لقاء ربهم سبحانه ومن عذابه.

    قال تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ [المؤمنون:58]، أي: أن العقيدة الإيمانية ملأت قلوبهم، فهم يؤمنون ويصدقون، ويعملون بما يعتقدون وبما يصدقون، ويعملون لليوم الآخر، ويعملون خوفاً من الله سبحانه وتعالى إيماناً به، قال تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ [المؤمنون:59]، فهم بربهم لا يشركون، فعبادتهم موجهة لربهم وحده لا شريك له، لا رياء فيها، ولا خوف من أحد إلا من الله سبحانه وتعالى، ولا يوجهونها إلى الله وإلى غيره، بل إلى الله وحده لا شريك له، فهم لا يشركون بالله في شيء من العبادات أبداً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة ...)

    قال تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون:60]، من الصفات الكريمة في الإنسان المؤمن قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ)، أي: يعطون، فيعطون عملاً، ويعطون مالاً، ويعطون إخلاصاً ونية، ويعطون ويقدمون أعمالاً تكتبها الملائكة، فهم يعطون الأعمال والملائكة يكتبونها، فكل أعمالهم على الإخلاص وعلى التقوى، وهم كما قال الله تعالى: (وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ)، أي: قلوبهم خائفة وخاشعة لله رب العالمين، (أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ)، فالمؤمن يعرف أنه راجع إلى الله، فمهما عمل من عمل ينظر أمامه: يا ترى هل هذا العمل موافق للكتاب والسنة أو مخالف لهما؟ وهل هو موافق لمراد الله؟ وإذا كان موافقاً فهل هذا الذي أعمله أنا مخلص فيه أو لست مخلصاً؟ فهو يقدم العمل المتابع للكتاب والسنة وينظر في إخلاصه، وبعد ذلك يخاف ألا يقبل هذا العمل.

    وقد جاء في حديث عند الترمذي وابن ماجة ما يوضح لنا هذا المعنى، تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [المؤمنون:60]: أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟)، أي: يؤتون ما آتوا من المعاصي وهم خائفون؟ هل هذا هو المعنى؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (لا يا ابنة الصديق! ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون ويخافون ألا يقبل منهم، أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون).

    هذه هي طبيعة المؤمن، وهي فطرة الله سبحانه وتعالى، فقلبه قد عرف ربه، وصدق وآمن، فهو يخشى ربه، ففي قلبه الإيمان الذي عرفه بقدرة الله سبحانه، والناس ما قدروا الله حق قدره، والإنسان المؤمن يحاول أن يصل إلى درجات المعرفة واليقين العالية، فهو في خوف من الله سبحانه وتعالى، فيؤتي ما آتى، يصلي ولا يمن، ولا يقول: أنا صليت، وأنا سأدخل الجنة، بل يعطي زكاته ويتصدق بالصدقة ويعمل الخيرات ولا يركن إلى ذلك أنه قد نجا بهذا الشيء، فتراه يخاف ألا يقبل منه.

    فإذا كان إبراهيم النبي المعصوم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وإسماعيل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام يقولان لله سبحانه وتعالى: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا [البقرة:127]، وهما يبنيان البيت الذي سيحج إليه الملايين من البشر إلى يوم الدين، وهذا يعني أنه (من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها)، فالإنسان الذي يبني لله عز وجل مسجداً كلما صلى فيه إنسان كان له بهذا الذي بناه أجر، إذاً: سيكون أجر إبراهيم وإسماعيل ببنائهم هذا البيت من آلاف السنين ويحج إليه الملايين ويصلون فيه ما لا يحصيه من الأجور إلا الله، ومع ذلك يخافون من الله ألا يقبل منهما، فيقولان: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة:127]، فالإنسان المؤمن يخاف من الله سبحانه ألا يقبل عمله، ويعمل العمل وهو ينظر إلى الآخرة أنه راجع إلى الله، فيخاف أن يموت على غير الإسلام، فيقول كما قال يوسف على نبينا وعليه الصلاة والسلام لما ذكر الملك الذي هو فيه: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف:101].

    فيوسف على نبينا وعليه الصلاة والسلام آتاه الله الملك والعلم والنبوة، وعلم تأويل الرؤى والأحلام، وآتاه الله عز وجل من فضله في الدنيا، وهو وليه سبحانه، دافع عنه، وكان معه حين طرده إخوته، ووضعوه في غيابة الجب، وحين أُخِذَ عبداً وحين نجاه الله سبحانه وتعالى، فجعله ولداً عند من أخذوه وربوه، وبعد ذلك صار عزيزاً لمصر عليه الصلاة والسلام.

    مع كل ما أعطاه الله من النعم والأفضال يقول: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا)؛ لأن هذه الدنيا لا تساوي شيئاً، إنما المهم هي الآخرة، فثبتني على دين الإسلام حتى ألقاك عليه، وتوفني على الإسلام، قال تعالى: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ).

    نسأل الله عز وجل أن يتوفانا مسلمين وأن يحلقنا بالصالحين، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.