إسلام ويب

تفسير سورة الحج (تابع) الآية [25]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ذكر الله تعالى أن المسجد الحرام يستوي فيه الحاضر والبادي، فلا فضل لأحد منا على الآخر إلا بالتقوى، وقد اختلف العلماء في المراد بالمسجد الحرام هنا، واختلفوا في جواز بيع دور مكة وإيجارها، ومعرفة هذا الخلاف من المهمات.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الحج: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج:25].

    يخبر الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات عن الكفار الذين يصدون عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، ثم نتطرق بعد ذلك للمسجد الحرام ومناسك الحج، وكيف أنه أمر إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام أن يؤذن في الناس بالحج ليأتوا بيت الله الحرام يحجون مطيعين لله رب العالمين خاشعين مخبتين.

    قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ[الحج:25]، هنا ذكر الذين كفروا ووصفهم أنهم يصدون عن المسجد الحرام، وجوابه خبر محذوف مقدر، كأنه يقول: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا[الحج:25]، هؤلاء الذين يصدون عن سبيل الله وعن المسجد الحرام قد خسروا الخسران المبين، قد أهلكهم الله وجعلهم في خسار، فكأن الخبر محذوف ومقدر، ومعلوم أنهم قد خسروا الدنيا والآخرة بهذا الذي فعلوا.

    فهم كفروا بالله سبحانه وتعالى وصدوا عن المسجد الحرام، ولم يزالوا على ذلك بهذا الصد عن بيت الله الحرام، وقلنا: إن هذه السورة فيها المكي وفيها المدني، وهنا صدوا عن المسجد الحرام، أي: صدوا النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في عام الحديبية، وهذه الآية مدنية، وهي قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ[الحج:25]، وكانت الحديبية في سنة ست للهجرة في ذي القعدة، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم معتمراً ومعه أصحابه، فلما وصلوا إلى هذا المكان عند ماء الحديبية إذا بالكفار يتحزبون عليهم ويمنعونهم من دخول الحرم.

    فأخبر الله عز وجل عن هؤلاء الكفار الذين صدوا عن سبيل الله، وهنا أخبر بالفعل المضارع إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ[الحج:25]، فكأنها ليست المرة الوحيدة التي صدوا فيها عن سبيل الله، وإن كانت أشهر المرات التي صدوا فيها ما حدث في يوم الحديبية، حيث صدوا المؤمنين، وكانوا ألفاً وأربعمائة مع النبي صلى الله عليه وسلم أو ألفاً وخمسمائة.

    فمنعوهم من دخول الحرم ومنعوهم من العمرة، وهذا فعل قبيح من هؤلاء الذين كانوا في الجاهلية لا يمنعون أحداً يأتي البيت، فإذا بهم يمنعون النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من الاعتمار، ويرجع النبي صلى الله عليه وسلم بغير عمرة في هذا العام، ويقاضي الكفار فيحدث بينهم الاتفاق على أنه يرجع ويأتي في العام القادم، ففعل الكفار كان فيه الوبال عليهم، وكان فيه التعجيل بالعقوبة وبهزيمتهم، حيث صدوا عن المسجد الحرام، وعادة الله سبحانه وتعالى في كل إنسان يصد عن الحرم، ويمنع المؤمنين من عبادة ربهم سبحانه وإتيان بيت الله الحرام أن يقهرهم ويذلهم، ونظرنا ماذا عمل في أبرهة وجنوده لما حاولوا هدم الكعبة فأرسل الله عليهم طيراً أبابيل ترميهم، قال تعالى: وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ [الفيل:3-5].

    وانظر إلى جهد النبي صلى الله عليه وسلم كيف جاهد هؤلاء ودعاهم إلى الله سبحانه وتعالى، وكانت بينه وبينهم المواقف حتى صدوا النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه عن الاعتمار، فكانت الهزيمة عليهم بعدها بعامين في فتح مكة، وكان الفتح في رمضان في العام التاسع، والحديبية في ذي القعدة من العام السادس، وعمرة القضاء في العام السابع، فكان صلح الحديبية وما حدث فيها فتحاً من الله سبحانه وتعالى على المؤمنين، وإن كان ظاهرها الهزيمة، ومن العجب أن النبي صلى الله عليه وسلم في مرجعه من الحديبية أنزل الله عز وجل عليه سورة الفتح وفيها: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا[الفتح:1].

    فالمسلمون راجعوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فهم في غاية الكآبة والحزن والشعور بالهزيمة والمرارة، فقد وصلوا إلى قرب الكعبة ولم يدخلوا، ورجعوا بشروط مجحفة فرضها عليهم الكفار؛ وأنزل الله عز وجل: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا[الفتح:1]، فإذا بـعمر يتعجب ويقول للنبي صلى الله عليه وسلم: أو فتح هذا؟! وفعلاً كان فتحاً عظيماً من الله عز وجل، إذ كان من شروط صلح الحديبية أن الكفار قالوا: من أتاك منا مسلماً ترجعه إلينا، والذي يأتي إلينا من عندك مرتداً كافراً لا يرجع إليك، وأن ترجع هذا العام ولا تدخل مكة إلا في العام المقبل، والنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه جاءوا من المدينة إلى مكة منهم الماشي على رجليه، ومنهم من يركب على جمل، وأخذوا أياماً وليالي حتى وصلوا إلى هنالك، فلما كان بينهم وبين الكعبة ساعات إذا بهم يردونهم ويرجع النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه!

    فالكفار لما استكبروا وعلوا في مكان ينبغي على كل إنسان أن يتواضع فيه لله سبحانه وتعالى، إذا بالله يذلهم بعده بعامين، وتفتح هذه البلدة، وكل منهم يهرب إلى بيته، ولا يقدرون على مواجهة النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من أصحابه، ولم يخرج إلا النساء يضربن الخيول بالخمر، ولذلك قال حسان بن ثابت رضي الله عنه:

    يبارين الأعنة مسرجات تثير النقع مطلعها كداء

    عدمنا خيلنا إن لم تروها تلطمن بالخمر النساءُ

    هذا حسان بن ثابت رضي الله عنه يقول: عدمت بنيتي إذا لم ترونا ونحن ندخل عليكم من أعلى مكان في أصعب مكان في مكة، وسأل النبي صلى الله عليه وسلم: (ماذا قال حسان

    ؟ قالوا: قال:

    عدمتُ بنيتي إن لم تروها تثير النقع مطلعها كداء.

    فدخل النبي صلى الله عليه وسلم من أصعب مكان في مكة) فكون الجيش يدخل من أصعب مكان معناه: الذل بل وغاية الذل لأهل البلد، إذ إن الجبال لم تمنعهم من الدخول ولا هم منعوهم، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم من المكان الذي قاله حسان رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    الغرض: أنه كان الفتح من الله عز وجل بالحديبية، وقد كان فيها شروط وهدنة لمدة عشر سنوات، فلم ينتظروا سنتين حتى نقضوا العهد، فإذا بالله عز وجل يفتح للنبي صلى الله عليه وسلم هذا البلد الحرام، ويصير داراً للإيمان ويأنس إليه أهل الإيمان إلى ما شاء الله سبحانه وتعالى.

    ومن الحديبية إلى فتح مكة بدأ يحصل نوع من الذهاب والمجيء من الكفار، إذ كانوا يأتون إلى المدينة فيطلعون على هذا الدين فيدخلون في الدين شيئاً فشيئاً، ويسبب الله عز وجل الأسباب، فقد خرج أبو جندل وأبو بصير من عند الكفار وذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأراد النبي صلى الله عليه وسلم رد أبي جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو ، وفعلاً رجع أبو جندل إلى أبيه ثم هرب من عندهم ولم يذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم خوفاً من أن يرده مرة ثانية، وأصبح قاطع طريق في مكان بين مكة والمدينة، يقطع الطريق على الكفار حتى استجار الكفار بالنبي صلى الله عليه وسلم وراضوه بأن يأخذ كل من يأتي إليه من مكة، لفعل هذا الرجل رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    ويدخل في هذين العامين في الإسلام أكثر ممن دخلوا فيه في السنوات الماضية، إذ دخل في خلال العامين من الحديبية حتى فتح مكة أضعاف من دخل خلال السنوات التسعة عشر الماضية، فقال الله عز وجل: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا[الفتح:1]، فكان الفتح من الله سبحانه وتعالى، وبعد هذا في رمضان من العام الثامن فتحت مكة لما نقض الكفار عهدهم مع النبي صلى الله عليه وسلم وقتلوا أناساً من خزاعة.

    قال الله عز وجل هنا: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ[الحج:25]، يعني: صدوا ولم يزالوا يصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام، يصدون الناس عن الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ[الحج:25]، المسجد الحرام جعله الله عز وجل للناس سواء، العاكف فيه أي: الملازم والمقيم في المسجد الحرام، أي: أهل البلد.

    قوله تعالى: وَالْبَادِ[الحج:25] أي: الذي أتى من البدو من خارج مكة، والكل سواء، لا يوجد لأحد على أحد فضل في ذلك، فالجميع يستوون في تعظيم حرمات هذا المكان وفي قضاء النسك، فليس أهل مكة أحق من غيرهم في أداء النسك، فالآتي إليهم أيضاً من حقه ذلك، ولا يمنع من أداء المناسك.

    قال الله سبحانه: الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً[الحج:25]، هذه قراءة حفص عن عاصم فقط، (سواءً) بالنصب، والمعنى: أنه بجعلنا إياه ذلك يستوي فيه الجميع.

    وباقي القراء ومنهم أيضاً شعبة عن عاصم : ( سواء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ) فعلى النصب تصير مفعولاً لجعلناه، وعلى الرفع يعني: العاكف والباد سواء في ذلك فهي خبر مقدم، فرفعت على ذلك، أي: يستوي المقيم فيه مع الذي يأتي إليه، فالجميع يعظمون هذا المكان، والجميع من حقهم أداء المناسك التي أمر الله سبحانه وتعالى بها، وليس أحد أحق من الآخر.

    اختلاف العلماء في بيع دور مكة

    كان الصحابة يعظمون هذا المكان فكان أهل مكة في أيام المناسك يفتحون دورهم للناس، ويدخل الضيف ويمكث عندهم ما شاء الله، فقد كانوا في أيام الحج وأيام العمرات يخلعون أبواب الدور، وكان عمر بن الخطاب يرى ذلك وقد يأمرهم بذلك حتى جاء رجل من المؤمنين وجعل الباب على داره، فأنكر عليه عمر رضي الله عنه فاعتذر عن ذلك بأن هؤلاء الضيوف يأتون ومعهم أمتعتهم، وقد كثرت السرقة لأمتعة الضيوف، فجعل الباب على داره ليحمي هؤلاء الضيوف الذين يأتون إلى الحرم.

    والراجح أن هذا ليس واجباً عليهم، فلا يجب على المقيم أن يخلع باب بيته، أو أن يدخل الضيوف عنده في البيت عنوة وقهراً عليه، ولكنهم عرفوا حق هذا المكان وحرمته وأن الناس سواء فيه، فاحترموا من يأتي إلى بيت الله الحرام، ففتحوا بيوتهم لاستقبال الحجيج والضيوف لهذا المكان العظيم.

    وبعض العلماء يرون أن دور مكة يستوي فيها الجميع، وهذا مذهب مالك ، فقوله تعالى: الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ [الحج:25]، فيه قولان لأهل العلم:

    القول الأول: مذهب مالك أنه يستوي فيه الحرم والمسجد، والدور كلها من الحرم، وهو قول ابن عباس رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    القول الثاني: قول الجمهور أن المسجد الحرام هو مكان المسجد فقط، واحتج له ابن خزيمة بأنه لو كان الحرم المقصود به مكة كلها لجاز لمالك البيت أن يؤجر بيته، أو أنه يملّك هذا البيت لغيره.

    ويقول ابن خزيمة أيضاً: لو كان المراد من قوله تعالى: سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ [الحج:25] جميع الحرم، وأن اسم المسجد الحرام واقع على جميع الحرم لما جاز حفر بئر ولا قبر، ولا التغوط ولا البول ولا إلقاء الجيف والنتن، والمعنى: أنه لو كانت مكة كلها هي المسجد الحرام إذاً: حكمها حكم المساجد لا يجوز أن يُجعل فيها مرحاض أو مكان للنجاسة، ولكن المسجد شيء وباقي الحرم شيء آخر.

    يقول الحافظ ابن حجر : القول بأن المراد بالمسجد الحرام الحرم كله ورد عن ابن عباس وعطاء ومجاهد ، وأخرجه ابن أبي حاتم وغيره عنهم، والأسانيد بذلك كلها إليهم ضعيفة، فضعف ما أسند إليهم من أن المسجد الحرام هو الحرم كله، قال: المسجد الحرام هو مكان المسجد، ومكان المسجد كلما اتسع فهو المسجد، فإذا وسع في المسجد ما دخل فيه من الحرم صار مسجداً وله حكم المسجد الحرام.

    وهل بيوت مكة مثل غيرها من البيوت يجوز بيعها وشراؤها وتأجيرها أم أنه يستخدم البيت إذا كان محتاجاً له ولا يجوز له أن يبيعه؟

    يقول الإمام القرطبي : هذا الخلاف ينبني على أصلين، أحدهما: أن دور مكة هل هي ملك لأربابها أم هي للناس؟

    والثاني: هل فتح مكة كان عنوة أم كان فتح مكة صلحاً؟

    الراجح: أن مكة فتحت بالوجهين عنوة في أول الدخول، ثم صلحاً مع أهلها بعد ذلك، وبنى العلماء على ذلك أنها إذا فتحت عنوة فهي ملك للغانمين، وإذاً: أهلها تركهم النبي صلى الله عليه وسلم فيها، لكن كنوع من المنة عليهم أن يمكثوا فيها، ولكن الأرض ليست ملكهم، إذاً: ليس من حق أحد في مكة أن يبيع داره، ولكن يسكنها طالما هو محتاج إليها، فإن لم يحتج إليها بعد ذلك يتركها لغيره من غير بيع.

    وهذا قول مالك ، والإمام القرطبي يرجح هذا القول هنا ويقول: الصحيح ما قاله مالك ، وعليه تدل ظواهر الأخبار الثابتة بأنها فتحت عنوة، قال أبو عبيد : ولا نعلم أن مكة يشبهها شيء من البلاد، وذكر عن علقمة بن نضلة قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما وما تدعى رباع مكة إلا السوائب، من احتاج سكن ومن استغنى أسكن، والمعنى: إذا كان محتاجاً للبيت جلس فيه، وإن لم يكن محتاجاً إليه تركه لغيره.

    وجاء في حديث عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تعالى حرم مكة فحرام بيع رباعها وأكل ثمنها، وقال: من أكل من أجر بيوت مكة شيئاً فإنما يأكل ناراً).

    والراجح أن هذه الأحاديث ضعيفة لا تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، والراجح: أن بعضها من أقوال الصحابة، وليس من قول النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    وجاء في حديث عن عائشة قالت: (قلت: يا رسول الله! ألا أبني لك في منى بناء يظلك من الشمس؟ فقال: لا، إنما هو مناخ من سبق إليه)، وهذا صحيح عنه صلى الله عليه وسلم أن منى مناخ من سبق إليه، يعني: منى لا تُملك، لأنها من أماكن المشاعر وأماكن العبادة، فهي مكان المناسك والذاهب إليها إذا ثبت في مكان فالمكان من حقه حتى يخرج منه، لكن الكلام هنا ليس في منى، الكلام في بيوت مكة هل يملكها أصحابها أم لا يملكها أصحابها؟ فالإمام القرطبي يأخذ بقول مالك في أن مكة ومنى حكمها واحد.

    وذهب الإمام الشافعي إلى أن بيوت مكة ملك لأصحابها، فالذي يجلس في بيته يملك بيته، وإذا أحب ترك البيت وباع، واحتج بقول الله سبحانه وتعالى: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ [الحج:40]، فالله نسب الديار إليهم، فلو لم يكونوا مالكيها ما نسب الديار إليهم.

    وجاء في فتح مكة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من دخل بيته فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن)، فنسب الدار إلى صاحبها.

    وجاء أيضاً في صحيح البخاري أن أسامة بن زيد قال للنبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: (أين تنزل في دارك غداً في مكة؟) يعني: عندما نصل إلى مكة غداً ستنزل في أي دار من ديارك؟ فقد كان له دار صلى الله عليه وسلم، وهاجر وتركها صلى الله عليه وسلم

    فكان جوابه صلى الله عليه وسلم: (وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور؟عقيل هو عقيل بن أبي طالب ، ولما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم كان عقيل وطالب كافرين، وأخوهم علي بن أبي طالب ، وكذلك أخوهم جعفر كانا مسلمين، فـأبو طالب لما توفي ورثه الكافران عقيل وطالب، فأخذوا الديار وبيت النبي صلى الله عليه وسلم الذي عاش فيه وباعا الجميع، فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنهما لم يتركا شيئاً له، فهنا لولا أن البيوت ملك لأصحابها لما قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لما سئل: (أين تنزل غداً من دارك؟)، ولذلك الصواب في هذه المسألة مذهب الشافعي، أن أهل مكة يملكون بيوتهم، ويجوز لكل منهم أن يبيع داره وأن يسكنها وأن يؤجرها، وأما ما جاء من الأحاديث في النهي عن ذلك فلم يصح فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.